قال الرافضي: «البرهان الثامن: قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
مرضات الله﴾ (١). قال الثعلبي: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه، فقال له: يا علي اتشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله تعالى، ففعل ذلك، فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل أني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليها: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد عليه الصلاة والسلام فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه.
فنزلا، فكان جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فقال جبريل: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة؟ فأنزل الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ (٢). وقال ابن عباس: إنما نزلت في علي لما هرب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من المشركين إلى الغار، وهذه فضيلة لم تحصل لغيره تدل على أفضلية علي على جميع الصحابة، فيكون هو الإمام».
الجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا النقل.
ومجرد نقل الثعلبي وأمثاله لذلك، بل روايتهم، ليس بحجة باتفاق طوائف أهل السنة والشيعة، لأن هذا مرسل متأخر، ولم يذكر إسناده، وفي نقله من هذا الجنس للإسرائيليات والإسلاميات أمور يعلم أنها باطلة، وإن كان هو لم يتعمد الكذب.
ثانيها: أن هذا الذي نقله من هذا الوجه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسيرة، والمرجع إليهم في هذا الباب.
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما هاجر هو وأبو بكر إلى المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب علي، وإنما كان مطلوبهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبا بكر، وجعلوا في كل واحد منهما ديته لمن جاء به، كما ثبت ذلك في الصحيح (٣) الذي لا يستريب أهل العلم في صحته، وترك عليا في فراشه ليظنوا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في البيت فلا يطلبوه، فلما أصبحوا وجدوا عليا فظهرت خيبتهم، ولم (١) الآية ٢٠٧ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٢٠٧ من سورة البقرة.
(٣) انظر البخاري ج٥ ص ٥٨ - ٦٠.
يؤذوا عليا، بل سألوه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فأخبرهم أنه لا علم له به، ولم يكن هناك خوف على علي من أحد، وإنما كان الخوف على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصديقه، ولو كان لهم في علي غرض لتعرضوا له لما وجدوه، فلما لم يتعرضوا له دل على أنهم لا غرض لهم فيه، فأي فداء هنا بالنفس؟ والذي كان يفديه بنفسه بلا ريب، ويقصد أن يدفع بنفسه عنه، ويكون الضرر به دونه، هو أبو بكر.
كان يذكر الطلبة فيكون خلفه، ويذكر الرصد فيكون أمامه، وكان يذهب فيكشف له الخبر.
وإذا كان هناك ما يخاف أحب أن يكون به لا بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. وغير واحد من الصحابة قد فداه بنفسه في مواطن الحروب، فمنهم من قتل بين يديه، ومنهم من شلت يده، كطلحة بن عبيد الله.
وهذا واجب على المؤمنين كلهم.
فلو قدر أنه كان هناك فداء بالنفس لكان هذا من الفضائل المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، فكيف إذا لم يكن هناك خوف على علي؟.
وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد قال: «اتشح ببردي هذا الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك منهم رجل بشيء تكرهه» فوعده، وهو الصادق، أنه لا يخلص إليه مكروه، وكان طمأنينته بوعد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -. الرابع: أن هذا الحديث فيه من الدلائل على كذبه ما لا يخفى، فإن الملائكة لا يقال فيهم مثل هذا الباطل الذي لا يليق بهم، وليس أحدهما جائعا فيؤثره الآخر بالطعام، ولا هناك خوف فيؤثر أحدهما صاحبه بالأمن، فكيف يقول الله لهما: أيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ ولا للمؤاخاة بين الملائكة أصل، بل جبريل له عمل يختص به دون ميكائيل، وميكائيل له عمل يختص به دون جبريل، كما جاء في الآثار أن الوحي والنصر لجبريل، وأن الرزق والمطر لميكائيل.
الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يؤاخ عليا ولا غيره، بل كل ما روى في هذا فهو كذب.
وحديث المؤاخاة الذي يروى في ذلك - مع ضعفه وبطلانه - إنما فيه مؤاخاته له في المدينة، هكذا رواه الترمذي.
فأما بمكة فمؤاخاته على التقديرين.
وأيضا فقد عرف أنه لم يكن فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة باتفاق علماء النقل.
السادس: أن هبوط جبريل وميكائيل لحفظ واحد من الناس من أعظم المنكرات؛ فإن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا.
وإنما روى هبوطهما يوم بدر للقتال، وفي مثل تلك الأمور العظام، ولو نزلا لحفظ واحد من الناس لنزلا لحفظ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصديقه، اللذين كان الأعداء يطلبونهما من كل وجه، وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته، وهم عليهما غلاظ شداد سود الأكباد.
السابع: أن هذه الآية في سورة البقرة، وهي مدنية بلا خلاف، وإنما نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى المدينة، لم تنزل وقت هجرته.
وقد قيل: إنها نزلت لما هاجر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى المدينة، لم تنزل وقت هجرته؟ وقد قيل: إنها نزلت لما هاجر صهيب وطلبه المشركون، فأعطاهم ماله، وأتى المدينة، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ربح البيع أبا يحيى».
وهذه القصة مشهورة في التفسير، نقلها غير واحد.
الثامن: أن قوله: «هذه فضيلة لم تحصل لغيره فدل على أفضليته فيكون هو الإمام».
فيقال: لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، فيكون هو الإمام.
فهذا هو الدليل الصدق الذي لا كذب فيه.
يقول الله: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ (١). ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعا، بخلاف الوقاية بالنفس، فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بنفسه.
وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من الصحابة.