كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «وقد ذكر الشهرستاني وهو من أشد المتعصبين على الإمامية، أن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. فأول تنازع وقع في مرضه ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مرضه الذي توفي فيه فقال: ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده.
فقال عمر: إن الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله.
وكثر اللغط.
فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع».
الجواب: أن يقال: ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل والنحل، عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يحرر فيه أقوال المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو ينقل من كتب من صنف المقالات قبله، مثل أبي عيسى الوراق وهو من المصنفين للرافضة، المتهمين في كثير مما ينقلونه، ومثل أبي يحيى وغيرهما من الشيعة.
وينقل أيضا من كتب بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة.
وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده.
وليس في الطوائف أكثر تكذيبا بالصدق وتصديقا بالكذب من الرافضة، فإن رؤوس (١) الآية ١٥٥ من سورة آل عمران.

مذهبهم وأئمته الذين ابتدعوه وأسسوه كانوا منافقين زنادقة، كما ذكر ذلك عن غير واحد من أهل العلم.
وهذا ظاهر لمن تأمله.
وإذا كان كذلك فنقول: ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة وفضائلهم، لا يجوز أن يدفع بنقول بعضها منقطع، وبعضها محرف، وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقنا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدق ذلك من المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها؟! وأما قوله: «إن الشهرستاني من أشد المتعصبين على الإمامية».
فليس كذلك، بل يميل كثيرا إلى أشياء من أمورهم، بل يذكر أحيانا أشياء من كلام الإسماعيلية الباطنية منهم ويوجهه.
ولهذا اتهمه بعض الناس بأنه من الإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك.
وقد ذكر من اتهمه شواهد من كلامه وسيرته.
وقد يقال: هو مع الشيعة بوجه، ومع أصحاب الأشعري بوجه.
وأما قول القائل: «إن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -».
فهذا من أظهر الكذب الباطل، فإنه إن كان قصده أن هذا أول ذنب أذنب، فهذا باطل ظاهر البطلان.
وإن كان قصده أن هذا أول اختلاف وقع بعد تلك الشبهة، فهو باطل من وجوه: أحدها: أن شبهة إبليس لم توقع خلافا بين الملائكة، ولا سمعها الآدميون منه حتى يوقع بينهم خلافا.
والثاني: أن الخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح، واختلاف الناس قبل المسلمين أعظم بكثير من اختلاف المسلمين.
الوجه الثالث: أن الذي وقع في مرضه كان أهون الأشياء وأبينها.
وقد ثبت في الصحيح أنه قال لعائشة في مرضه: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي» ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» فلما كان يوم

الخميس هم أن يكتب كتابا، فقال عمر: «ماله أهجر؟» (١) فشك عمر هل هذا القول من هجر الحمى، أو هو مما يقول على عادته.
فخاف عمر أن يكون من هجر الحمى، فكان هذا مما خفي على عمر، كما خفي عليه موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، بل أنكره.
ثم قال بعضهم: هاتوا كتابا.
وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب.
فرأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة، لأنهم يشكون: هل أملاه مع تغيره بالمرض؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يرفع النزاع.
فتركه.
ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أمره الله به، لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر.
ومن جهل الرافضة أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة علي، وهذا ليس في القصة ما يدل عليه بوجه من الوجوه.
ولا في شيء من الحديث المعروف عند أهل النقل أنه جعل عليا خليفة.
كما في الأحاديث الصحيحة ما يدل على خلافة أبي بكر.
ثم يدعون مع هذا أنه كان قد نص على خلافة علي نصا جليا قاطعا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب.
فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا؟ وأما قوله: «الخلاف الثاني: الواقع في مرضه: أنه قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه.
فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز، وقال قوم: قد اشتد مرضه، ولا يسع قلوبنا المفارقة».
فالجواب: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالنقل، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يقل: «لعن الله من تخلف عنه» ولا نقل هذا بإسناد ثبت، بل ليس له إسناد في كتب أهل الحديث أصلا، ولا امتنع أحد من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج، لما خاف أن يموت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المقام.
ولو عزم على أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه، وقد ذهبوا جميعهم معه بعد موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنه.
(١) انظر البخاري ج٧ ص ١١٩ ومسلم ج٤ ص ١٨٥٧.

وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روي أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجا مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له، مع أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما مات كان أحرص الناس على تجهيز أسامة هوأبو بكر.
وجمهور الصحابة أشاروا عليه بأن لا يجهزه خوفا عليهم من العدو، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أحل راية عقدها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. ولكن أهل الفرية يزعمون أن الجيش كان فيه أبو بكر وعمر، وأن مقصود الرسول كان إخراجهما لئلا ينازعا عليا.
وهذا إنما يكذبه ويفتريه من هو من أجهل الناس بأحوال الرسول والصحابة، وأعظم الناس تعمدا للكذب، وإلا فالرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - طول مرضه يأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، والناس كلهم حاضرون، ولو ولى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على الناس من ولاه لأطاعوه، وكان المهاجرون والأنصار يحاربون من نازع أمر الله ورسوله، وهم الذين نصروا دينه أولا وآخرا.
ولو أراد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يستخلف عليا في الصلاة: هل كان... يمكن أحدا أن يرده؟ ولو أراد تأميره على الحج على أبي بكر ومن معه هل كان ينازعه أحد؟ ولو قال لأصحابه: هذا هو الأمير عليكم والإمام بعدي، هل كان يقدر أحد أن يمنعه ذلك؟ ومعه جماهير المسلمين من المهاجرين والأنصار كلهم مطيعون لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ليس فيهم من يبغض عليا، ولا من قتل علي أحدا من أقاربه.
ولو أراد إخراجهما في جيش أسامة خوفا منهما، لقال للناس: لا تبايعوهما؟ فيا ليت شعري ممن كان يخاف الرسول؟ فقد نصره الله وأعزه، وحوله المهاجرون والأنصار الذين لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا.
وقد أنزل الله سورة براءة، وكشف فيها حال المنافقين، وعرفهم المسلمين، وكانوا مدحوضين مذمومين عند الرسول وأمته.
وأبو بكر وعمر كانا أقرب الناس عنده، وأكرم الناس عليه، وأحبهم إليه، وأخصهم به، وأكثر الناس له صحبة ليلا ونهارا، وأعظمهم موافقة له ومحبة له، وأحرص الناس على امتثال أمره وإعلاء دينه.
فكيف يجوز عاقل أن يكون هؤلاء عند الرسول من جنس

المنافقين، الذين كان أصحابه قد عرفوا إعراضه عنهم، وإهانته لهم، ولم يكن يقرب أحدا منهم بعد سورة براءة.
هذا وأبو بكر عنده أعز الناس وأكرمهم وأحبهم إليه.
وأما قوله: «الخلاف الثالث في موته».
فالجواب: لا ريب أن عمر خفي عليه موته أولا، ثم أقر به من الغد، واعترف بأنه كان مخطئا في إنكار موته، فارتفع الخلاف.
وليس لفظ الحديث كما ذكره الشهرستاني.
ولكن في الصحيحين عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: «أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه﴾ (١). قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها.
فأخبرني ابن المسيب أن عمر قال: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد مات» (٢). وأما قوله: «الخلاف الرابع: في الإمامة.
وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذا ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان».
فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط، فإنه - ولله الحمد - لم يسل سيف على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين.
والأنصار تكلم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأسيد بن حضير وعباد بن بشر وغيرهما ممن هو أفضل من سعد بن عبادة نفسا وبيتا.
فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال: «خير دور الأنصار دار (١) الآية ١٤٤ من سورة آل عمران.
(٢) البخاري ج٢ ص ٧١ - ٧٢ ومواضع أخر والمسند ج٦ ص ٢١٩ - ٢٢٠.

بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة.
وفي كل دور الأنصار خير» (١). فأهل الدور الثلاثة المفضلة: دار بني النجار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبي بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر.
وأسيد بن حضير هو الذي كان مقدم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأبو بكر عن يمينه، وهو كان من بني عبد الأشهل، وهو كان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار.
وإنما نازع سعد بن عبادة والحباب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصديق، ولم يعرف أنه تخلف منهم إلا سعد بن عبادة.
وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هو معصوما، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهو من أهل الجنة السابقين الأولين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم.
فما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك.
وهو وأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب، لكن ينقلون من كتب من ينقل عمن يتعمد الكذب.
وكذلك قول القائل: إن عليا كان مشغولا بما أمره النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهو مناقض لما يدعونه، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار.
وقيل: إنه إنما دفن من الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا لازم علي قبره، بل قبر في بيت عائشة، وعلي أجنبي منها.
ثم كيف يأمر بملازمة قبره، وقد أمر- بزعمهم - أن يكون إماما بعده؟ ولم يشتغل بتجهيزه علي وحده، بل علي، والعباس، وبنو العباس، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، وأبو بكر وعمر، وغيرهما على باب البيت، حاضرين غسله وتجهيزه، لم (١) انظر البخاري ج٨ ص ١٧ ومسلم ج٤ ص ١٩٥٠.

يكونوا حينئذ في بني ساعدة.
لكن السنة أن يتولى الميت أهله، فتولى أهله غسله، وأخروا دفنه ليصلي المسلمون عليه، فإنه صلوا عليه أفرادا، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم: خلق كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء.
وأيضا فالقتال الذي كان في زمن علي لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين والنهروان لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا كان معاوية يقول: أنا الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير.
فلم يكن أحد ممن قاتل عليا قبل الحكمين نصب إماما يقاتل على طاعته، فلم يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل طعنا في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ولا طعنا في جواز خلافة علي.
فالأمر الذي تنازع فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم: إن الإمام المنصوص عليه هو علي، ولا قال: إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ولا قال أحد منهم: إن عثمان وعليا وكل من والاهما كافر.
فدعوى المدعي أن أول سيف سل بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة التي تنازع فيها الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يعرف كذبها بأدنى تأمل، مع العلم بما وقع.
وإنما كان القتال قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هو من باب قتال أهل العدل والبغي، وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية.
ولو أن عثمان نازعه منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال علي، وإن كان ليس بينه وبين أولئك نزاع في القواعد الدينية.
ولكن أول سيف سل على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال، وهم الذين ابتدعوا أقوالا خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم، كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم

أولى الطائفتين بالحق» (١). وعلي رضي الله عنه لم يقاتل أحدا على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحد على إمامته نفسه، ولا ادعى أحد قط في زمن خلافته أنه أحق بالإمامة منه: لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل علي وسابقته بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان كذلك: لم ينازع قط أحد من المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن غيره أحق بالإمامة منه، فضلا عن القتال على ذلك.
وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وبالجملة فكل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين المسلمين مخاصمة بين طائفتين في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتال.
وكذلك علي: لم يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه.
وإن كان بعض الناس كارها لولاية أحد من الأربعة، فهذا لا بد منه.
فإن من الناس من كان كارها لنبوة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، فكيف من لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء؟ ثم قد تبين أن الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع بينهم.
فتبين أن خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا في خلافة علي.
فإن كان هذا قدحا، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين الأمة.
وهذه حجة للخوارج.
وحجتهم أقوى من حجة الشيعة، كما أن سيوفهم أقوى من سيوف الشيعة، ودينهم أصح، وهم صادقون لا يكذبون.
ومع هذا فقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضلال، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد منهم عن العقل والعلم والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟! ولم يعرف في الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على خلافة أبي بكر وعمر، بل هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما.
وقوله: «الخلاف الخامس: في فدك والتوارث.
رووا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «نحن معاشر (١) انظر صحيح مسلم ج٢ ص ٧٤٥ - ٧٤٦ وسنن أبي داود ج٤ ص ٣٠٠.

الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».
فيقال: هذا أيضا اختلاف في مسألة شرعية، وقد زال الخلاف فيها والخلاف في هذه دون الخلاف في ميراث الإخوة مع الجد، وميراث الجدة مع ابنها، وحجب الأم بالأخوين، وجعل الجد مع الأم كالأب، وأمثال ذلك من مسائل الفرائض التي تنازعوا فيها.
وقد تولى علي بعد ذلك، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطها لأولاد فاطمة، ولا أخذ من زوجات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا ولد العباس شيئا من ميراثه.
فلو كان ذلك ظلما وقدر على إزالته، لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه.
أفتراه يقاتل معاوية، مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطي هؤلاء قليلا من المال، وأمره أهون بكثير؟ وأما قوله: «الخلاف السادس: في قتال مانعي الزكاة، قاتلهم أبو بكر، واجتهد عمر في أيام خلافته، فرد السبايا والأموال إليهم، وأطلق المحبوسين».
فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين؛ فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم، بعد أن راجعه عمر في ذلك.
كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتل الناس، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»؟ فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقها.
والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لقاتلتهم على منعها.
قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (١). فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة، وكذلك سائر الصحابة.
وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها، ولم تسب لهم ذرية، ولا حبس منهم أحد، ولا كان بالمدينة حبس لا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا على عهد أبي بكر.
فكيف يموت وهم في حبسه؟.
(١) انظر البخاري ج٩ ص ١٥، ومسلم ج١ ص ٥١.

وقوله: «الخلاف السابع: في تنصيص أبي بكر على عمر في الخلافة.
فمن الناس من قال: وليت علينا فظا غليظا».
والجواب: أن يقال: من جعل مثل هذا خلافا؟ فقد كان مثل هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: قد طعن بعض الصحابة في إمارة زيد بن حارثة، وبعضهم في إمارة أسامة ابنه.
وقد كان غير واحد يطعن فيمن يوليه أبو بكر وعمر.
ثم إن القائل لها: كان طلحة، وقد رجع عن ذلك، وهو من أشد الناس تعظيما لعمر، كما أن الذين طعنوا في إمارة زيد وأسامة رجعوا عن طعنهم طاعة لله ورسوله.
وقوله: «الخلاف الثامن: في إمرة الشورى، واتفقوا بعد الاختلاف على إمامة عثمان».
والجواب: أن هذا من الكذب الذي اتفق أهل النقل على أنه كذب؛ فإنه لم يختلف أحد في خلافة عثمان، ولكن بقي عبد الرحمن يشاور الناس ثلاثة أيام، وأخبر أن الناس لا يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في خدورهن.
وإن كان في نفس أحد كراهة، لم ينقل - أو قال - أحد شيئا ولم ينقل إلينا.
فمثل هذا قد يجري في مثل هذه الأمور.
والأمر الذي يتشاور فيه الناس لا بد فيه من كلام، لكن لا يمكن الجزم بذلك بمجرد الحزر.
وأما قوله: ووقعت اختلافات كثيرة منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكان يسمى طريد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، بعد أن كان يشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما، فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا».
فيقال: مثل هذا إن جعله اختلافا جعل كلما حكم خليفة بحكم ونازعه فيه قوم اختلافا.
وقد كان ذكرك لما اختلفوا فيه من المواريث والطلاق وغير ذلك أصح وأنفع، فإن الخلاف في ذلك ثابت منقول عند أهل العلم، ينتفع الناس بذكره والمناظرة فيه.
وهو خلاف في أمر كلي يصلح أن تقع فيه المناظرة.
وأما هذه الأمور فغايتها جزئية، ولا تجعل مسائل خلاف يتناظر فيها الناس.
هذا مع أن فيما ذكره كذبا كثيرا، منه ما ذكره من أمر الحكم، وأنه طرده رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكان يسمى طريد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأنه استشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجاباه

إلى ذلك، وأن عمر نفاه من مقامه باليمن أربعين فرسخا.
فمن الذي نقل ذلك؟ وأين إسناده؟ ومتى ذهب هذا إلى اليمن؟ وما الموجب لنفيه إلى اليمن وقد أقره النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على ما يدعونه بالطائف، وهي أقرب إلى مكة والمدينة من اليمن؟ فإذا كان رسول الله أقره قريبا منه، فما الموجب لنفيه بعد ثبوته إلى اليمن؟ وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن نفي الحكم باطل، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينفه إلى الطائف، بل هو ذهب بنفسه.
وذكر بعض الناس أنه نفاه، ولم يذكروا إسنادا صحيحا بكيفية القصة وسببها.
وقوله: «ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة، وتزويجه ابنته مروان بن الحكم، وتسليمه خمس غنائم إفريقية، وقد بلغت مائتي ألف دينار».
فيقال: أما قصة أبي ذر فقد تقدم ذكرها، وأما تزويجه مروان ابنته فأي شيء في هذا مما يجعل اختلافا؟ وأما إعطاؤه خمس غنائم أفريقية.
فمن الذي نقل هذا، وتقدم قوله: أعطاه ألف ألف دينار والمعروف أن خمس أفريقية لم يبلغ ذلك.
وقوله: ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دمه، وتوليته مصر.
فالجواب: إن كان المراد أنه لم يزل مهدر الدم حتى ولاه عثمان، كما يفهم من الكلام.
فهذا لا يقوله إلا مفرط في الجهل بأحوال الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وسيرته؛ فإن الناس كلهم متفقون على أنه في عام فتح مكة، بعد إن كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أهدر دم جماعة منهم عبد الله بن سعد، أتى عثمان به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وبايعه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد مراجعة عثمان له في ذلك، وحقن دمه، وصار من المسلمين المعصومين، له ما لهم، وعليه ما عليهم.
وأما قوله: «كان عامل جنوده معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وعامل الكوفة سعيد بن العاص، وبعده عبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة عامل البصرة».
فيقال: أما معاوية فولاه عمر بن الخطاب لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان مكانه، ثم ولاه عثمان رضي الله عنه الشام كله، وكانت سيرته في أهل الشام من أحسن السير، وكانت رعيته من أعظم الناس محبة له.

وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» (١). وكان معاوية تحبه رعيته وتدعو له، وهو يحبها ويدعو لها.
وأما توليته لسعيد بن العاص فأهل الكوفة كانوا دائما يشكون من ولاتهم.
ولي عليهم سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة، وهم يشكون منهم، وسيرتهم في هذا مشهورة.
ولا شك أنهم كانوا يشكون في زمن عثمان أكثر.
وقد علم أن عثمان وعليا رضي الله عنهما كل منهما ولى أقاربه، وحصل له بسبب ذلك من كلام الناس وغير ذلك ما حصل.
وأما قوله: «الخلاف التاسع: في زمن أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأولا خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويعرف ذلك بحرب الجمل، والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وكذا الخلاف بينه وبين الشرارة المارقين بالنهروان.
وبالجملة كان علي مع الحق والحق معه، وظهر في زمانه الخوارج عليه، مثل الأشعث بن قيس، ومسعر بن فدكى التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم، وظهر في زمنه الغلاة كعبد الله بن سبأ.
ومن الفرقتين ابتدأت الضلالة والبدع، وصدق فيه قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: يهلك فيك اثنان: محب غال، ومبغض قال.
فانظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل، هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أو تعداهم؟».
والجواب: أن يقال هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع الشيعة كما تقدم، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن الحق معهم دون من خالفهم، ولما ذكر عليا قال: «وبالجملة كان الحق مع علي وعلي مع الحق» والناقل الذي لا غرض له: إما أن يحكي الأمور بالأمانة، وإما أن يعطي كل ذي حق حقه.
فأما دعوى (١) تقدم تخريجه ص ٥١٥.

المدعي أن الحق كان مع علي وعلي مع الحق، وتخصيصه بهذا دون أبي بكر وعمر وعثمان، فهذا لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة.
ومما يبين فساد هذا الكلام قوله: «إن الاختلاف وقع في زمن علي بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له».
ومن المعلوم أن كثيرا من المسلمين لم يكونوا بايعوه، حتى كثير من أهل المدينة ومكة الذين رأوه لم يكونوا بايعوه، دع الذين كانوا بعيدين، كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان.
وكيف يقال مثل هذا في بيعة علي، ولا يقال في بيعة عثمان التي اجتمع عليها المسلمون كلهم ولم يتنازع فيها اثنان؟ وكذلك ما ذكره من التعريض بالطعن على طلحة والزبير وعائشة من غير أن يذكر لهم عذرا ولا رجوعا.
وأهل العلم يعلمون أن طلحة والزبير لم يكونا قاصدين قتال علي ابتداء.
وكذلك أهل الشام لم يكن قصدهم قتاله، وكذلك علي لم يكن قصده قتال هؤلاء ولا هؤلاء.
ولكن حرب الجمل جرى بغير اختياره ولا اختيرهم فإنهم كانوا قد اتفقوا على المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان، فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة آخرا كما أقاموها أولا، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا دفعا عنهم، وأشعروا عليا أنهما حملا عليه، فحمل علي دفعا عن نفسه، وكان كل منهما قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال.
هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير.
فإن كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه فلا كلام، وإن كان قد وقع خطأ أو ذنب من أحدهما أو كليهما فقد عرف أن هذا لا يمنع ما دل عليه الكتاب والسنة من أنهم من خيار أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من أهل الجنة.
وقول هذا الرافضي: «انظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أو تعداهم؟».

فالجواب: أن يقال: أما الفتنة فإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة، فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن، فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل عثمان.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وقتل خليفة مضطهد بغير حق، والدجال».
(١) ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ يقول: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ (٢). وأبعد الناس عن الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة، لأنهم أجهل وأظلم طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة، وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير.
وأما ما يقترحه كل أحد في نفسه مما لم يخلق، فهذا لا اعتبار به.
فهذا يقترح معصوما من الأئمة، وهذا يقترح ما هو كالمعصوم وإن لم يسمه معصوما، فيقترح في العالم والشيخ والأمير والملك ونحو ذلك، مع كثرة علمه ودينه ومحاسنه، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير، يقترح مع ذلك أن لا يكون قد خفي عليه شيء ولا يخطئ في مسألة، وأن يخرج عن حد البشرية فلا يغضب، بل كثير من هؤلاء فيهم مالا يقترح في الأنبياء.
وقد أمر الله تعالى نوحا ومحمدا أن يقولا: ﴿لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك﴾ (٣) فيريد الجهال من المتبوع أن يكون عالما بكل ما يسأل عنه، قادرا على كل ما يطلب منه، غنيا عن الحاجات البشرية كالملائكة.
وهذا الاقتراح من ولاة الأمر كاقتراح الخوارج في عموم الأمة، أن لا يكون لأحدهم ذنب، ومن كان له ذنب كان عندهم كافرا مخلدا في النار.
وكل هذا باطل خلاف ما خلقه الله، وخلاف ما شرعه الله.
(١) المسند ج٤ ص ١٠٥، ١٠٩ وج٥ ص ٣٣، ٢٨٨. (٢) الآية ١١٠ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ٣١ من سورة هود.

فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يتبعون قول غيره إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله.
وقد تبين أن هذا الكلام الذي ذكره هذا الرجل فيه من الباطل ما لا يخفى على عاقل، ولا يحتج به إلا من هو جاهل، وأن هذا الرجل كان له بالشيعة إلمام واتصال، وأنه دخل في هواهم بما ذكره في هذا الكتاب، مع أنه ليس من علماء النقل والآثار، وإنما هو من جنس نقلة التواريخ التي لا يعتمد عليها أولو الأبصار.
ومن نظر في كتب الحديث والتفسير والفقه والسير علم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضو إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا أكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولى الأحلام، فسعوا في قتل عثمان، وهو أول الفتن، ثم انزووا إلى علي، لا حبا فيه ولا في أهل البيت، لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين.
ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين، كبني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب، ويقولون: إنهم كانوا مظلومين، كما ذكر صاحب هذا الكتاب، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي.
وقد روي أنه طلب من عمر أن يكلم مولاه في خراجه، فتوقف عمر، وكان من نيته أن يكلمه، فقتل عمر بغضا في الإسلام وأهله، وحبا للمجوس، وانتقاما للكفار، لما فعل بهم عمر حين فتح بلادهم، وقتل رؤساءهم، وقسم أموالهم.
فهل ينتصر لأبي لؤلؤة مع هذا إلا من هو أعظم الناس كفرا بالله ورسوله، وبغضا في الإسلام، أومفرط في الجهل لا يعرف حال أبي لؤلؤة؟

ودع ما يسمع وينقل عمن خلا، فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قبل الرافضة، وتجدهم أعظم الناس فتنا وشرا، وأنهم لا يقعدون عما يمكنهم من الفتن والشر وإيقاع الفساد بين الأمة.
ونحن نعرف بالعيان والتواتر العام وما كان في زماننا، من حين خرج جنكزخان ملك الترك الكفار، وما جرى في الإسلام من الشر.
فلا يشك عاقل أن استيلاء الكفار المشركين، على بلاد الإسلام، وعلى أقارب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من بني هاشم، كذرية العباس وغيرهم، بالقتل وسفك الدماء، وسبي النساء واستحلال فروجهن، وسبي الصبيان واستعبادهم وإخراجهم عن دين الله إلى الكفر، وقتل أهل العلم والدين من أهل القرآن والصلاة، وتعظيم بيوت الأصنام - التي يسمونها البذخانات والبيع والكنائس - على المساجد، ورفع المشركين وأهل الكتاب من النصارى وغيرهم على المسلمين، بحيث يكون المشركون وأهل الكتاب أعظم عزا، وأنفذ كلمة، وأكثر حرمة من المسلمين، إلى أمثال ذلك مما لا يشك عاقل أن هذا أضر على المسلمين من قتال بعضهم بعضا، وأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا رأى ما جرى على أمته من هذا، كان كراهته له، وغضبه منه، أعظم من كراهته لاثنين مسلمين تقاتلا على الملك، ولم يسب أحدهما حريم الآخر، ولا نفع كافرا، ولا أبطل شيئا من شرائع الإسلام المواترة، وشعائره الظاهرة.
ثم مع هذا الرافضة يعاونون أولئك الكفار، وينصرونهم على المسلمين، كما قد شاهده الناس، لما دخل هولاكو ملك الكفار الترك الشام سنة ثمان وخمسين وستمائة، فإن الرافضة الذين كانوا بالشام، بالمدائن والعواصم، من أهل حلب وما حولها، ومن أهل دمشق وما حولها، وغيرهم، كانوا من أعظم الناس أنصارا وأعوانا على إقامة ملكه، وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين.
وهكذا يعرف الناس - عامة وخاصة - ما كان بالعراق لما قدم هولاكو إلى العراق، وقتل الخليفة، وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان وزير الخليفة ابن العلقمي، والرافضة هم بطانته، الذين أعانوه على ذلك بأنواع كثيرة، باطنة وظاهرة، يطول وصفها.

وهكذا ذكر أنهم كانوا مع جنكزخان، وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها، إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى، ينصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم، كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين، حتى أنهم لما انكسر عسكر المسلمين سنة غازان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشام من جيش المسلمين، عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد، من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين، وحمل السبي والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى، أهل الحرب بقبرص وغيرها.
فهذا - وأمثاله - قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه.
ولو ذكرت أنا ما سمعته ورأيته من آثار ذلك لطال الكتاب،وعند غيري من أخبار ذلك وتفاصيله ما لا أعلمه.
فهذا أمر مشهود من معاونتهم للكفار على المسلمين، ومن اختيارهم لظهور الكفر وأهله على الإسلام وأهله.
ولو قدر أن المسلمين ظلمة فسقة، ومظهرون لأنواع من البدع التي هي أعظم من سب علي وعثمان، لكان العاقل ينظر في خير الخيرين وشر الشرين.
ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعة دون ذلك؟ والرافضة إذ تمكنوا لا يتقون.
وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدابندا، الذي صنف له هذا الكتاب، كيف ظهر فيهم من الشر، الذي لو دام وقوي أبطلوا به عامة شرائع الإسلام! لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة - من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله - فإنما ببركة ما فعله الصحابة، الذين بلغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله.

وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة، وكل خير فيه الشيعة وغيرهم فهو ببركة الصحابة.
وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة، فكيف يكون هؤلاء منبع الشر، ويكون أولئك الرافضة منبع الخير؟! ومعلوم أن الرافضي يوالي أولئك الرافضة ويعادي الصحابة، فهل هذا إلا من شر من أعمى الله بصيرته؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل