كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «وجعل الأمر شورى بعده، وخالف فيه من تقدمه؛ فإنه لم يفوض الأمر فيه إلى اختيار الناس، ولا نص على إمام بعده، بل تأسف على سالم مولى أبي حذيفة، وقال: لو كان حيا لم يختلجني فيه شك، وأمير المؤمنين علي حاضر.
وجمع فيمن يختار بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدم على المفضول.
ثم طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه يكره أن يتقلد أمر المسلمين ميتا كما تقلده حيا.
ثم تقلده ميتا بأن جعل الإمامة في ستة، ثم ناقص فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار، بعد أن وصفه بالضعف والقصور.
ثم قال: إن اجتمع أمير المؤمنين وعثمان، فالقول ما قالاه.
وإن صاروا ثلاثة فالقول قول الذي صار فيهم عبد الرحمن بن عوف، لعلمه أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر واحد، وأن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وهو عثمان وابن عمه، ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام، مع أنهم عندهم من العشرة المبشرة بالجنة، وأمر بقتل من خالف الأربعة منهم، وأمر بقتل من خالف الثلاثة الذين بينهم عبد الرحمن، وكل ذلك مخالف للدين.
وقال لعلي: وإن وليتها - وليسوا فاعلين - لتركبنهم على المحجة البيضاء.
وفيه إشارة

إلى أنهم لا يولونه إياها.
قال لعثمان: إن وليتها لتركبن آل أبي معيط على رقاب الناس، وإن فعلت لتقتلن.
وفيه إشارة إلى الأمر بقتله».
والجواب: أن هذا الكلام كله لا يخرج عن قسمين: إما كذب في النقل، وإما قدح في الحق، فإن منه ما هو كذب معلوم الكذب أو غير معلوم الصدق، وما علم أنه صدق فليس فيه ما يوجب الطعن على عمر رضي الله عنه، بل ذلك معدود من فضائله ومحاسنه التي ختم الله بها عمله.
ولكن هؤلاء القوم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول، فيأتون إلى الأمور التي وقعت وعلم أنها وقعت، فيقولون: ما وقعت، وإلى أمور ما كانت ويعلم أنها ما كانت، فيقولون: كانت، ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح، فيقولون: هي فساد، وإلى الأمور التي هي فساد، فيقولون: هي خير وصلاح؛ فليس لهم لا عقل ولا نقل، بل لهم نصيب من قوله: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ (١). وأما قول الرافضي: «وجعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدمه».
فالجواب: أن الخلاف نوعان: خلاف تضاد، وخلاف تنوع.
فالأول: مثل أن يوجب هذا شيئا ويحرمه الآخر.
والنوع الثاني: مثل القراءات التي يجوز كل منها، وإن كان هذا يختار قراءة، وهذا يختار قراءة.
كما ثبت في الصحاح، بل استفاض عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. وروى ابن بطة بالإسناد الثابت من حديث الزنجي بن خالد عن إسماعيل بن أمية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأبي بكر وعمر: «لولا أنكما تختلفان علي ما خالفتكما» (٢). وكان السلف متفقين على تقديمهما حتى شيعة علي رضي الله عنهما.
وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن زياد بن حدير، قال: «قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم (١) الآية ١٠ من سورة الملك.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج٩ ص ٥٢، ٥٣ رواه الطبراني في الأوسط وأحمد.

يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون.
وقال: حدثنا النيسابوري، حدثنا أبو أسامة الحلبي، حدثنا أبي ضمرة، عن سعيد بن حسن، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا.
وقال أحمد بن حنبل: «حدثنا ابن عيينة، عن خالد بن سلمة، عن الشعبي، عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة.
ومسروق من أجل تابعي الكوفة، وكذلك قال طاووس: «حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة».
وقد روى ذلك عن ابن مسعود.
وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر، وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (١) وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة، قيل: إنها تبلغ ثمانين طريقا.
وقد رواه البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي حتى كان يقول: ولو كنت بوابا على باب جنة... لقلت لهمدان ادخلي بسلام وقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري، وهو همداني عن منذر وهو همداني عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقال: يا بني أو ما تعرف؟ فقلت: لا.
قال: أبو بكر.
فقلت: ثم من؟ قال: عمر» وهذا يقوله لابنه بينه وبينه، ليس هو مما يجوز أن يقوله تقية ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر.
وعنه أنه كان يقول: «لا أوتى بأحد يفضلنى على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري».
وفي السنن عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢). وعمر رضي الله عنه إمام، وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين، فاجتهد في ذلك ورأى أن (١) انظر البخاري ج٥ ص٧ وسنن أبي داود ج٤ ص ٢٨٨ وغير ذلك.
(٢) انظر سنن الترمذي ج٥ ص ٢٧١-٢٧٢ وابن ماجة ج١ ص٣٧ والمسند ج٥ ص ٣٨٢.

هؤلاء الستة أحق من غيرهم، وهو كما رأى؛ فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحق منهم.
وجعل التعيين إليهم خوفا أن يعين واحدا منهم ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحدا منهم.
وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه.
وأيضا فقد قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (١)، وقال: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (٢). فكان ما فعله من الشورى مصلحة، وكان ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضا؛ فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر هذا الرأي المبارك الميمون على المسلمين.
فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليا أو طلحة أو الزبير أو سعدا أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قالت: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ (٣)، وامرأة العزيز حيث قالت: ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ (٤) وأبو بكر حيث استخلف عمر».
وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربا، فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى أنه إذا عين واحدا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل، فيكون منسوبا إليه، فترك التعيين خوفا من الله تعالى وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير.
ولا ريب أن الستة الذين توفى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو عنهم راض، الذين عينهم عمر، لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه، فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم.
ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة، ولا تولى بعد علي خير منه، ولا تولى ملك من ملوك المسلمين أحسن سيرة من معاوية رضي الله عنه، كما ذكر الناس سيرته (١) الآية ٣٨ من سورة الشورى.
(٢) الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ٢٦ من سورة القصص.
(٤) الآية ٩ من سورة القصص.

وفضائله.
وإذا كان الواحد من هؤلاء له ذنوب، فغيرهم أعظم ذنوبا، وأقل حسنات.
فهذا من الأمور التي ينبغي أن تعرف، فإن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير ولا يقع على الصحيح.
والعاقل يزن الأمور جميعا: هذا وهذا.
وهؤلاء الرافضة من أجهل الناس، يعيبون على من يذمونه ما يعاب أعظم منه على من يمدحونه، فإذا سلك معهم ميزان العدل تبين أن الذي ذموه أولى بالتفضيل ممن مدحوه.
وأما ما يروى من ذكره لسالم مولى أبي حذيفة؛ فقد علم أن عمر وغيره من الصحابة كانوا يعلمون أن الإمامة في قريش، كما استفاضت بذلك السنن عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان» وفي لفظ: «ما بقي منهم اثنان» (١). وأما قول الرافضي: «وجمع بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدم على المفضول».
فيقال له: أولا: هؤلاء كانوا متقاربين في الفضيلة، ولم يكن تقدم بعضهم على بعض ظاهرا، كتقدم أبي بكر وعمر على الباقين.
ولهذا كان في الشورى تارة يؤخذ برأي عثمان، وتارة يؤخذ برأي علي، وتارة يؤخذ برأي عبد الرحمن.
وكل منهم له فضائل لم يشركه فيها الآخر.
ثم يقال له: ثانيا: وإذا كان فيهم فاضل ومفضول، فلم قلت: إن عليا هو الفاضل، وعثمان وغيره هم المفضولون؟ وهذا قول خلاف ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار، كما قال غير واحد من الأئمة، منهم أيوب السختياني وغيره: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: «كنا نفاضل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان».
وفي لفظ: «ثم ندع أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا (١) انظر البخاري ج٤ ص ١٧٩ وج٩ ص ٦٢ ومسلم ج٢ ص ٩٤٤ وج٣ ص ١٤٦٨.

نفاضل بينهم» (١). فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان.
وقد روى أن ذلك كان يبلغ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلا ينكره.
وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص.
وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من غير نكير، وبما ظهر لما توفى عمر؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم.
قال الإمام أحمد: «ولم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان» وسئل عن خلافة النبوة فقال: «كل بيعة كانت بالمدينة».
وهو كما قال؛ فإنهم كانوا في آخر ولاية عمر أعز ما كانوا وأظهر ما كانوا قبل ذلك.
وكلهم بايع عثمان بلا رغبة بذلها ولا رهبة؛ فإنه لم يعط أحدا على ولايته لا مالا ولا ولاية.
وعبد الرحمن الذي بايعه لم يوله ولم يعطه مالا.
وكان عبد الرحمن من أبعد الناس عن الأغراض، مع أن عبد الرحمن شاور جميع الناس، ولم يكن لبني أمية شوكة، ولا كان في الشورى منهم أحد غير عثمان.
مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا كما وصفهم الله عز وجل: ﴿يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ (٢). وقد بايعوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على أن يقولوا الحق حيثما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولم ينكر أحد منهم ولاية عثمان، بل كان في الذين بايعوه عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وخباب والمقداد بن الأسود وابن مسعود.
وقال ابن مسعود: ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل.
وفيهم العباس بن عبد المطلب، وفيهم من النقباء مثل عبادة بن الصامت وأمثاله، وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري وأمثاله.
فلولا علم القوم أن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه.
وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما، ولا يشك فيه إلا من لم يتدبره من أهل العلم بالاستدلال، أو من هو جاهل بالواقع أو بطريق النظر والاستدلال.
(١) انظر البخاري ج٥ ص٤، ١٤، ١٥. (٢) الآية ٥٤ من سورة المائدة.

وأما قول الرافضي: «إنه طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه يكره أن يتقلد أمر المسلمين ميتا كما تقلده حيا، ثم تقلده بأن جعل الإمامة في ستة».
فالجواب: أن عمر لم يطعن فيهم طعن من يجعل غيرهم أحق بالإمامة منهم، بل لم يكن عنده أحق بالإمامة منهم، كما نص على ذلك.
لكن بين عذره المانع له من تعيين واحد منهم، وكره أن يتقلد ولاية معين، ولم يكره أن يتقلد تعيين الستة، لأنه قد علم أنه لا أحدا أحق بالأمر منهم، فالذي علمه وعلم أن الله يثيبه عليه ولا تبعة عليه فيه إن تقلده هو اختيار الستة، والذي خاف أن يكون عليه فيه تبعة، وهو تعيين واحد منهم، تركه.
وهذا من كمال عقله ودينه رضي الله عنه.
ليس كراهته لتقلده ميتا كما تقلده حيا لطعنه في تقلده حيا؛ فإنه إنما تقلد الأمر حيا باختياره، وبأن تقلده كان خيرا له وللأمة، وإن كان خائفا من تبعة الحساب.
وأما قوله: «ثم ناقض فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار، بعد أن وصف بالضعف والقصور».
فالجواب: أولا: أنه ينبغي لمن احتج بالمنقول أن يثبته أولا.
وإذا قال القائل: هذا غير معلوم الصحة، لم يكن عليه حجة.
والنقل الثابت في صحيح البخاري وغيره ليس فيه شيء من هذا، بل هو يدل على نقيض هذا، وأن الستة هم الذين جعلوا الأمر في ثلاثة، ثم الثلاثة جعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف واحد منهم، ليس لعمر في ذلك أمر.
وفي الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطاب لما طعن قال: «إن الناس يقولون: استخلف، وإن الأمر إلى هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو عنهم راض: علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك، ويشهدهم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الخلافة سعدا، وإلا فليستعن به من ولى، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة».
ثم قال: «أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله تعالى، وأوصيه بالمهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم: أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وغيظ

العدو، وجباة الأموال، لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام: أن يؤخذ منهم من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله ورسوله أن يوفى لهم بعهدهم، ويقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم» (١). وأما قوله: ثم قال: إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة، فالقول قول الذين صار فيهم عبد الرحمن، لعلمه أن عليا وعثمان لايجتمعان على أمر، وأن عبد الرحمن لا يعدل بالأمر عن أخيه عثمان وابن عمه».
فيقال له: من الذي قال إن عمر قال ذلك؟ وإن كان قد قال ذلك فلا يجوز أن يظن به أنه كان غرضه ولاية عثمان محاباة له، ومنع علي معاداة له، فإنه لو كان قصده هذا لولى عثمان ابتداء، ولم ينتطح فيها عنزان.
كيف والذين عاشوا بعده قدموا عثمان بدون تعيين عمر له؟ فلو كان عمر عينه، لكانوا أعظم متابعة له وطاعة، سواء كانوا كما يقوله المؤمنون: أهل دين وخير وعدل، أو كانوا كما يقوله المنافقون الطاعنون فيهم: إن مقصودهم الظلم والشر.
لا سيما وعمر كان في حال الحياة لا يخاف أحدا، والرافضة تسميه: فرعون هذه الأمة.
فإذا كان في حياته لم يخف من تقديم أبي بكر، والأمر في أوله، والنفوس لم تتوطن على طاعة أحد معين بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا صار لعمر أمر، فكيف يخاف من تقديم عثمان عند موته والناس كلهم مطيعوه، وقد تمرنوا على طاعته؟ فعلم أنه لو كان له غرض في تقديم عثمان لقدمه، ولم يحتج إلى هذه الدورة البعيدة.
ثم أي غرض يكون لعمر رضي الله عنه في عثمان دون علي؟ وليس بينه وبين عثمان من أسباب الصلة أكثر مما بينه وبين علي، لا من جهة القبيلة، ولا من غير جهة القبيلة.
وكذلك قول القائل: إنه علم أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر، كذب على عمر رضي الله عنه.
ولم يكن بين عثمان وعلي نزاع في حياة عمر أصلا، بل كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما، كلاهما من بني عبد مناف.
وما زال بنو عبد مناف يدا واحدة.
(١) انظر البخاري ج٥ ص ١٧.

وقوله: «إن عمر علم أن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وان عمه».
فهذا كذب بين على عمر وعلى أنسابهم؛ فإن عبد الرحمن ليس أخا لعثمان ولا ابن عمه ولا من قبيلته أصلا، بل هذا من بني زهرة وهذا من بني أمية.
وبنو زهرة إلى بني هاشم أكثر ميلا منهم إلى بني أمية، فإن بني زهرة أخوال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله» (١). ولم يكن أيضا بين عثمان وعبد الرحمن مؤاخاة ولا مخالطة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أنصاري وأنصاري، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وحديثه مشهور ثابت في الصحاح وغيرها، يعرفه أهل العلم بذلك، ولم يؤاخ بين عثمان وعبد الرحمن.
وأما قوله: «ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام».
فيقال: أولا: من قال إن هذا صحيح؟ وأين النقل الثابت بهذا؟ وإنما المعروف أنه أمر الأنصار أن لا يفارقوهم حتى يبايعوا واحدا منهم.
ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب على عمر، ولم ينقل هذا أحد من أهل العلم بإسناد يعرف، ولا أمر عمر قط بقتل الستة الذين يعلم أنهم خيار الأمة.
وكيف يأمر بقتلهم، وإذا قتلوا كان الأمر بعد قتلهم أشد فسادا؟ ثم لو أمر بقتلهم لقال ولوا بعد قتلهم فلانا وفلانا، فكيف يأمر بقتل المستحقين للأمر، ولا يولي بعدهم أحدا؟ فهذا من اختلاق مفتر لا يدري ما يكتب لا شرعا ولا عادة.
ثم من العجب أن الرافضة يزعمون أن الذين أمر عمر بقتلهم، بتقدير صحة هذا النقل، يستحقون القتل إلا عليا.
فإن عمر أمر بقتلهم، فلماذا ينكرون عليه ذلك، ثم يقولون: إنه كان يحابيهم في الولاية ويأمر بقتلهم؟ فهذا جمع بين الضدين.
وإن قلتم: كان مقصوده قتل علي.
قيل: لو بايعوا إلا عليا لم يكن ذلك يضر الولاية، فإنما يقتل من يخاف.
وقد تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، ولم يضربوه ولم يحبسوه، فضلا عن القتل.
(١) انظر سنن الترمذي ج٥ ص ٣١٣ وقال: حسن غريب.

وكذلك من يقول: إن عليا وبني هاشم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، يقول: إنهم لم يضربوا أحدا منهم، ولا أكرهوه على البيعة.
فإذا لم يكره أحد على مبايعة أبي بكر، التي هي عنده متعينة، فكيف يأمر بقتل الناس على مبايعة عثمان، وهي عنده غير متعينة؟ وأبو بكر وعمر مدة خلافتهما ما زالا مكرمين غاية الإكرام لعلي وسائر بني هاشم يقدمونهم على سائر الناس، ويقول أبو بكر: أيها الناس ارقبوا محمدا في أهل بيته.
وأبو بكر يذهب وحده إلى بيت علي، وعنده بنو هاشم، فيذكر لهم فضلهم، ويذكرون له فضله، ويعترفون له باستحقاقه الخلافة، ويعتذرون من التأخر، ويبايعونه وهو عندهم وحده.
والآثار المتواترة بما كان بين القوم من المحبة والائتلاف توجب كذب من نقل ما يخالف ذلك.
ولو أراد أبو بكر وعمر في ولايتهما إيذاء علي بطريق من الطرق، لكانا أقدر على ذلك من صرف الأمر عنه بعد موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. فهؤلاء المفترون يزعمون أنهم ظلموه في حال كان فيها أقدر على دفع الظلم عن نفسه، ومنعهما من ظلمه، وكانا أعجز عن ظلمه لو أراد ذلك، فهلا ظلماه بعد قوتهما ومطاوعة الناس لهما إن كانا مريدين لظلمه؟ وكذلك قوله: «أمر بقتل من خالف الأربعة وأمر بقتل من خالف الثلاثة، منهم عبد الرحمن».
فيقال: هذا من الكذب المفترى.
ولو قدر أنه فعل ذلك لم يكن عمر قد خالف الدين، بل يكون قد أمر بقتل من يقصد الفتنة.
كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان» (١). والمعروف عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل من أراد أن ينفرد عن المسلمين ببيعة بلا مشاورة لأجل هذا الحديث.
وأما قتل الواحد المتخلف عن البيعة إذا لم تقم فتنة، فلم يأمر عمر بقتل مثل هذا، ولا يجوز قتل مثل هذا.
وكذلك ما ذكره من الإشارة إلى قتل عثمان، ومن الإشارة إلى ترك ولاية علي، كذب (١) تقدم تخريجه قبل قليل ص ٤٩٤.

بين على عمر.
فإن قوله: «لئن فعلت ليقتلنك الناس» إخبار عما يفعله الناس، ليس فيه أمر لهم بذلك.
وكذلك قوله: «لا يولونه إياها».
إخبار عما سيقع، ليس فيه نهي لهم عن الولاية.
مع أن هذا اللفظ بهذا السياق ليس بثابت عن عمر.
بل هو كذب عليه.
والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل