قال الرافضي: لما بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قام بثقل الرسالة، ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم من بعده على ولده الحسن الزكي، ثم على ولده الحسين الشهيد، ثم على علي بن الحسين زين العابدين، ثم على محمد بن علي الباقر، ثم على جعفر بن محمد الصادق، ثم على موسى بن جعفر الكاظم، ثم على علي بن موسى الرضا، ثم على محمد بن علي الجواد، ثم على علي بن محمد الهادي، ثم على الحسن بن علي العسكري، ثم على الخلف الحجة محمد بن الحسن المهدي، عليهم الصلاة والسلام وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يمت إلا عن وصية بالإمامة، وقال: وأهل السنة ذهبوا إلى خلاف ذلك كله.
(فصل) وأما قوله عن أهل السنة إنهم يقولون أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم ينص على إمامة أحد، وإنه مات عن غير وصية.
فالجواب أن يقال ليس هذا قول جميعهم، بل قد ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره، من الأئمة.
وقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره في ذلك روايتين عن الإمام أحمد
إحداهما أنها ثبتت بالأخبار قال وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره.
والثانية أنها ثبتت بالنص الخفي، والإشارة قال وبهذا قال الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث، وبكر ابن أخت عبد الواحد، والبيهسية من الخوارج.
قال شيخه أبو عبد الله بن حامد: فأما الدليل على استحقاق أبي بكر الخلافة دون غيره من أهل البيت، والصحابة فمن كتاب الله وسنة نبيه، قال وقد اختلف أصحابنا في الخلافة هل أخذت من حيث النص أو الاستدلال، فذهب طائفة من أصحابنا إلى أن ذلك بالنص، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر ذلك نصا، وقطع البيان على عينه حتما، ومن أصحابنا من قال إن ذلك بالاستدلال الجلي.
قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص، أخبار من ذلك ما أسنده البخاري، عن جير بن مطعم قال: «أتت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك، كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (١) وذكر له سياقا آخر وأحاديث أخر.
قال وذلك نص على إمامته.
قال وحديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة ابن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢). وأسند البخاري، عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف ولله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (٣) قال: وذلك نص في الإمامة.
قال: ويدل عليه ما أخبرنا أبو بكر بن مالك، وروى عن مسند أحمد، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول (١) البخاري ج٥ ص٥ ومواضع أخر، ومسلم ج٤ ص ١٨٥٦. (٢) رواه أحمد ج٥ ص ٣٨٢، والترمذي ج٥ ص ٢٧١. (٣) البخاري ج٥ ص٦ ومواضع أخر ومسلم ج٤ ص ١٨٦٠.
الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما: «أيكم رأى رؤيا فقلت: أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانا دلي من السماء، فوزنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح، أبو بكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء» (١). قال وأسند أبو داود عن جابر الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر»، قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
قلنا أما الصالح فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه.
قال: ومن ذلك حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها -، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
اليوم الذي بدئ فيه، فقال «ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي لكر كتابا، ثم قال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، وفي لفظ فلا يطمع في هذا الأمر طامع» (٢). وهذا الحديث في الصحيحين ورواه من طريق أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر»، وذكر أحاديث تقديمه في الصلاة، وأحاديث أخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته أهل الحديث.
وقال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل: اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت طائفة: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستخلف أحدا، ثم اختلفوا فقال بعضهم: لكن لما استخلف أبا بكر على الصلاة كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإمامة والخلافة على الأمر، وقال بعضهم: لا ولكن كان أثبتهم فضلا، فقدموه لذلك، وقالت طائفة: بل نص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على استخلاف أبي بكر بعده، على أمور الناس نصا جليا.
قال أبو محمد وبهذا نقول: لبراهين أحدها إطباق الناس كلهم، وهم الذين قال الله (١) أبو داود ج٤ ص ٢٨٩، والترمذي ج٣ ص ٣٦٨. (٢) انظر البخاري ج٧ ص١١٩ ومسلم ج٤ ص١٨٥٧.
فيهم: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ (١). فقد اتفق هؤلاء الذين شهد الله لهم بالصدق، وجميع إخوانهم من الأنصار - رضي الله عنه - م، على أن سموه خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء، لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو، لا يجوز غير هذا البتة في اللغة بلا خلاف، يقال: استخلف فلان فلانا يستخلفه فهو خليفته ومستخلفه، فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يقل إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف.
قال: ومحال أن يعنوا بذلك الاستخلاف على الصلاة، لوجهين ضروريين.
(أحدهما): أنه لم يستحق أبو بكر قط هذا الاسم على الإطلاق في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو حينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة.
(والثاني): أن كل من استخلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته، كعلي في غزوة تبوك، وابن أم مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع، وسائر من استخلفه على البلاد باليمن، والبحرين، والطائف، وغيرها، لم يستحق أحد منهم بلا خلاف بين أحد من الأئمة أن يسمى خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم -، فصح يقينا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها الخلافة بعده، على أمته.
ومن المحال أن يجمعوا على ذلك، وهو لم يستخلفه نصا، ولو لم يكن هاهنا إلا استخلافه في الصلاة، لم يكن أبو بكر أولى بهذا الاسم من سائر من ذكرناه، قال: وأيضا فإن الرواية قد صحت.
أن امرأة قالت: يا رسول الله: أرأيت إن رجعت فلم أجدك، كأنها تعني الموت؟ قال: «فأتى أبا بكر» (٢) قال: وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر.
قال: وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه: «لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا (١) الآية ٨ من الحشر.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
يقول قائل: أنا أحق أو يتمنى متمنى، ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر» (١). وروى أيضا - ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر - قال: فهذا نص جلي على استخلافه صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا بكر على ولاية الأمة بعده.
قال: واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر، عن عمر، أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، يعني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (٢). وبما روي عن عائشة - رضي الله عنه - ا، أنها سئلت: من كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستخلفا لو استخلف؟ (٣) قال: ومن المحال أن يعارض إجماع الصحابة الذي ذكرنا عنهم، والأثران الصحيحان المسندان إلى رسول الله صلى تعالى الله عليه وسلم، من لفظه بمثل هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة، مما لا تقوم به حجة ظاهرة.
مع أن هذا الأثر خفي على عمر، كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كالاستئذان وغيره، وأنه أراد استخلافا بعهد مكتوب، ونحن نقر أن استخلافه لم يكن بعهد مكتوب، وأما الخبر في ذلك عن عائشة - رضي الله عنه - افكذلك أيضا، وقد يخرج كلاهما عن سؤال سائل.
وإنما الحجة في روايتهما لا في قولهما.
(قلت): الكلام في تثبيت خلافة أبي بكر وغيره مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا البيان لكلام الناس في خلافته، هل حصل عليها نص خفى أو جلى، وهل تثبت بذلك أو بالاختيار، من أهل الحل والعقد فقد تبين أن كثيرا من السلف والخلف قالوا فيها بالنص الجلي، أو الخفي، وحينئذ فقد بطل قدح الرافضي في أهل السنة بقوله: إنهم يقولون إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينص إلى إمامة أحد، وإنه مات عن غير وصية.
وكذلك أن هذا القول لم يقله جميعهم، فإن كان حقا فقد قاله بعضهم، وإن كان الحق هو نقيضه فقد قال بعضهم ذلك، فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل السنة، أيضا فلو قدر أن القول بالنص هو الحق لم يكن في ذلك حجة للشيعة فإن الرواندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي.
(١) تقدم قريبا.
(٢) البخاري ج٩ ص ٨٣ ومسلم ج٣ ص ١٤٥٤. (٣) مسلم ج ٤ ص ١٨٥٦.
قال القاضي أبو يعلى وغيره،: واختلفت الرواندية فذهب جماعة منهم إلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على العباس بعينه واسمه وأعلن ذلك وكشف وصرح به، وأن الأمة جحدت هذا النص وارتدت.
وخالفت أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عنادا، ومنهم من قال: إن النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة، يعني هو نص خفي.
فهذان قولان للرواندية، كالقولين للشيعة، فإن الإمامية تقول: إنه نص علي بن أبي طالب من طريق التصريح والتسمية، بأن هذا هو الإمام من بعدي.
فاسمعوا له وأطيعوا، والزيدية تخالفهم في هذا.
ثم من الزيدية من يقول: إنما نص عليه بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأمثال ذلك من النص الخفي الذي يحتاج إلى تأمل لمعناه، وحكي عن الجارودية من الزيدية: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على علي بصفة لم توجد إلا فيه، لا من جهة التسمية، فدعوى الرواندية في النص من جنس دعوى الرافضة، وقد ذكر في الإمامية أقوال أخرى.
والمقصود هنا أن أقوال الرافضة معارضة بنظيرها، فإن دعواهم النص على علي كدعوى أولئك النص على العباس، وكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار، ولم يقل أحد من أهل العلم شيئا من هذين القولين، وإنما ابتدعهما أهل الكذب كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ولهذا لم يكن أهل الدين من ولد العباس وعلي يدعون هذا، ولا هذا بخلاف النص على أبي بكر فإن القائلين به طائفة من أهل العلم.
والمقصود هنا أن كثيرا من أهل السنة يقولون: أن خلافته تثبت بالنص، وهم يسندون ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة، ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من يقول إن خلافة علي أو العباس ثبتت بالنص.
فإن هؤلاء ليس معهم إلا مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل من كان عارفا بأحوال الإسلام، أو استدلال بألفاظ لا تدل على ذلك، كحديث استخلافه في غزوة تبوك، ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
فيقال لهذا: إن وجب أن يكون الخليفة منصوصا عليه، كان القول بهذا النص أولى من
القول بذلك، وإن لم يجب هذا بطل ذاك.
والتحقيق أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه، بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته أخبار راض بذلك حامدا له وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك.
ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول من جهة المرض، أو هو قول يجب اتباعه، فترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيانا قاطعا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود.
ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: «وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر» رواه البخاري ومسلم (١) وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين والأنصار: «أنت خيرنا وسيدنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» (٢) - ولم ينكر ذلك منهم منكر، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته، إلا بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بطلانه.
ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل قط أحد من الصحابة إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على غير أبي بكر لا على العباس ولا على علي، ولا غيرهما، ولا ادعى العباس ولا علي -ولا أحد ممن يحبهما -الخلافة لواحد منهما، ولا أنه منصوص عليه، بل ولا قال أحد من الصحابة إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غير بني هاشم، وهذا كله مما يعلمه العلماء العالمون بالآثار والسنن والحديث، وهو معلوم عندهم بالاضطرار.
(١) انظر البخاري ج٨ ص ١٦٩ ومواضع أخر ومسلم ج٣ ص ١٣١٧. (٢) البخارى ج ٥ ص٧.
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها، وثبوتها ورضا الله ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له، واختيارهم إياه، اختيارا أسندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله.
فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد.
وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه، ورضا الله ورسوله بذلك، كان ذلك دليلا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة، فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
لما أراد أن يكتب لأبي بكر فقال لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمنى، ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (١) أخرجاه في الصحيحين وفي البخاري: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ويدفع الله ويأبى المؤمنون» (٢) فبين صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يريد أن يكتب كتابا خوفا ثم علم أن الأمر واضح ظاهر، ليس مما يقبل النزاع فيه، والأمة حديثة عهد بنبيها، وهم خير أمة أخرجت للناس، وأفضل قرون هذه الأمة فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي.
فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم، أو لسوء القصد وكلا الأمرين منتف، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون، ولهذا قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبى بكر الصديق واستخلافه لهذا الأمر يغني عن العهد، فلا يحتاج إليه، فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق، واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد.
(١) تقدم تخريجه ص ٦٤. (٢) تقدم أيضا ص ٦٣.