قال الرافضي: «وسموه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يستخلفه في حياته ولا بعد وفاته عندهم، ولم يسموا أمير المؤمنين خليفة رسول الله مع أنه استخلف في عدة مواطن، منها: أنه استخلفه على المدينة المنورة في غزوة تبوك، وقال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.
وأمر أسامة بن زيد على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر، ومات ولم يعزله، ولم يسموه خليفة، ولما تولى أبو بكر غضب أسامة، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أمرني عليك، فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه، وكانا يسميانه مدة حياته أميرا».
والجواب من وجوه: أحدها: أن الخليفة إما أن يكون معناه: الذي يخلف غيره وإن كان
لم يستخلفه، كما هو المعروف في اللغة، وهو قول الجمهور.
وإما أن يكون معناه: من استخلفه غيره، كما قاله طائفة من أهل الظاهر والشيعة ونحوهم.
فإن كان هو الأول؛ فأبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، لأنه خلفه بعد موته، ولم يخلف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أحد بعد موته إلا أبو بكر ن فكان هو الخليفة دون غيره ضرورة، فإن الشيعة وغيرهم لا ينازعون في أنه هو الذي صار ولي الأمر بعده، وصار خليفة له يصلي بالمسلمين، ويقيم فيهم الحدود، ويقسم بينهم الفيء، ويغزو بهم العدو، ويولي عليهم العمال والأمراء، وغير ذلك من الأمور التي يفعلها ولاة الأمور.
فهذه باتفاق الناس إنما باشرها بعد موته أبو بكر، فكان هو الخليفة للرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فيها قطعا.
لكن أهل السنة يقولون: خلفه وكان هو أحق بخلافته والشيعة يقولون: علي كان هو الأحق لكن تصح خلافة أبي بكر، ويقولون: ما كان يحل له أن يصير هو الخليفة، لكن لا ينازعون في أنه صار خليفة بالفعل، وهو مستحق لهذا الاسم، إذ كان الخليفة من خلف غيره على كل تقدير.
وأما إن قيل: إن الخليفة من استخلفه غيره، كما قاله بعض أهل السنة وبعض الشيعة، فمن قال هذا من أهل السنة فإنه يقول: إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - استخلف أبا بكر إما بالنص الجلي، كما قال بعضهم، وإما بالنص الخفي.
كما أن الشيعة القائلين بالنص على علي منهم من يقول بالنص الجلي، كما تقوله الإمامية، ومنهم من يقول بالنص الخفي، كما تقوله الجارودية من الزيدية.
ودعوى أولئك للنص الجلي أو الخفي على أبي بكر أقوى وأظهر بكثير من دعوى هؤلاء للنص على علي، لكثرة النصوص الدالة على ثبوت خلافة أبي بكر، وأن عليا لم يدل على خلافته إلا ما يعلم أنه كذب، أو يعلم أنه لا دلالة فيه.
وعلى هذا التقدير فلم يستخلف بعد موته أحدا إلا أبا بكر، فلهذا كان هو الخليفة، فإن الخليفة المطلق هو من خلفه بعد موته، أو استخلفه بعد موته.
وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر؛ فلهذا كان هو الخليفة.
وأما استخلافه لعلي على المدينة، فذلك ليس من خصائصه، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا خرج في غزاة استخلف على المدينة رجلا من أصحابه، كما استخلف ابن أم مكتوم تارة،
وعثمان ابن عفان تارة.
وإذا كان قد استخلف غير علي على أكثر وأفضل مما استخلف عليه عليا، وكان ذلك استخلافا مقيدا على طائفة معينة في مغيبه، ليس هو استخلافا مطلقا بعد موته على أمته، لم يطلق على أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا مع التقييد.
وإذا سمي علي بذلك فغيره من الصحابة المستخلفين أولى بهذا الاسم، فلم يكن هذا من خصائصه.
وأيضا فالذي يخلف المطاع بعد موته لا يكون إلا أفضل الناس.
وأما الذي يخلفه في حال غزوه لعدوه، فلا يجب أن يكون أفضل الناس، بل العادة جارية بأنه يستصحب في خروجه لحاجته إليه في المغازي من يكون عنده أفضل ممن يستخلفه على عياله، لأن الذي ينفع في الجهاد هو شريكه فيما يفعله، فهو أعظم ممن يخلفه على العيال، فإن نفع ذاك ليس كنفع المشارك له في الجهاد.
والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إنما شبه عليا بهارون في أصل الاستخلاف لا في كماله، ولعلي شركاء في هذا الاستخلاف.
يبين ذلك أن موسى لما ذهب إلى ميقات ربه لم يكن معه أحد يشاركه في ذلك، فاستخلف هارون على جميع قومه.
والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما ذهب إلى غزوة تبوك أخذ معه جميع المسلمين إلا المعذور، ولم يستخلف عليا إلا على العيال وقليل من الرجال، فلم يكن استخلافه كاستخلاف موسى لهارون، بل ائتمنه في حال مغيبه، كما ائتمن موسى هارون في حال مغيبه، فبين له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إن الاستخلاف ليس لنقص مرتبة المستخلف، بل قد يكون لأمانته كما استخلف موسى هارون على قومه، وكان علي خرج إليه يبكي وقال: أتذرني مع الصبيان والنساء؟ كأنه كره أن يتخلف عنه.
وأما قوله: «أنه قال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك» فهذا كذب على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يعرف في كتب العلم المعتمدة.
ومما يبين كذبه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خرج من المدينة غير مرة ومعه علي.
وليس بالمدينة لا هو ولا علي.
فكيف يقول: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك؟ والرافضة من فرط جهلهم يكذبون الكذب الذي لا يخفى على من له بالسيرة أدنى علم.
وأما قوله: «إنه أمر أسامة - رضي الله عنه - على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر».
فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث؛ فإن أبا بكر لم يكن في ذلك الجيش، بل كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يستخلفه في الصلاة من حين مرض إلى أن مات، وأسامة قد روي أنه قد عقد له الراية قبل مرضه، ثم لما مرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فصلى بهم إلى أن مات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فلو قدر أنه أمر بالخروج مع أسامة قبل المرض لكن أمره له بالصلاة تلك المدة، مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه، موجبا لنسخ إمرة أسامة عنه، فكيف إذا لم يؤمر عليه أسامة بحال؟ وقوله: «ومات ولم يعزله».
فأبو بكر أنفذ جيش أسامة - رضي الله عنه - بعد أن أشار الناس عليه برده خوفا من العدو.
وقال: والله لا أحل راية عقدها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، مع أنه كان يملك عزله، كما كان يملك ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، لأنه قام مقامه، فيعمل ما هو أصلح للمسلمين.
وأما ما ذكره من غضب أسامة لما تولى أبو بكر، فمن الأكاذيب السمجة، فإن محبة أسامة - رضي الله عنه - لأبي بكر وطاعته له أشهر وأعرف من أن تنكر، وأسامة من أبعد الناس عن الفرقة والاختلاف، فإنه لم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية واعتزل الفتنة.
وأسامة لم يكن من قريش، ولا ممن يصلح للخلافة، ولا يخطر بقلبه أن يتولاها، فأي فائدة له في أن يقول مثل هذا القول لأي من تولى الأمر، مع علمه أنه لا يتولى الأمر أحد إلا كان خليفة عليه، ولو قدر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمره على أبي بكر ثم مات، فبموته صار الأمر إلى الخليفة من بعده، وإليه الأمر في إنفاذ الجيش أو حبسه، وفي تأمير أسامة أو عزله.
وإذا قال: أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ قال: من استخلفني على جميع المسلمين، وعلى من هو أفضل منك.
وإذا قال: أنا أمرني عليك.
قال: أمرك علي قبل أن أستخلف، فبعد أن صرت خليفة صرت أنا الأمير عليك.
ومثل هذا لا ينكره إلا جاهل.
وأسامة أعقل وأتقى وأعلم من أن يتكلم بمثل هذا الهذيان لمثل أبي بكر.
وأعجب من هذا قول هؤلاء المفترين: إنه مشى هو وعمر إليه حتى استرضياه، مع قولهم: إنهما قهرا عليا وبني هاشم وبني عبد مناف، ولم يسترضياهم، وهم أعز وأقوى
وأكثر وأشرف من أسامة - رضي الله عنه -، فأي حاجة بمن قهروا بني هاشم وبني أمية وسائر بني عبد مناف، وبطون قريش والأنصار والعرب، إلى أن يسترضوا أسامة بن زيد، وهو من أضعف رعيتهم، ليس له قبيلة ولا عشيرة، ولا معه مال ولا رجال، ولولا حب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إياه وتقديمه له لم يكن إلا كأمثاله من الضعفاء؟.
فإن قلتم: إنهما استرضياه لحب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - له.
فأنتم تقولون: إنهم بدلوا عهده، وظلموا وصيه وغصبوه، فمن عصى الأمر الصحيح، وبدل العهد البين، وظلم واعتدى وقهر، ولم يلتفت إلى طاعة الله ورسوله، ولم يرقب في آل محمد إلا ولا ذمة، يراعي مثل أسامة بن زيد ويسترضيه؟ وهو قد رد شهادة أم أيمن ولم يسترضيها، وأغضب فاطمة وآذاها، وهي أحق بالاسترضاء.
فمن يفعل هذا أي حاجة به إلى استرضاء أسامة بن زيد؟ وإنما يسترضى الشخص للدين أو للدنيا، فإذا لم يكن عندهم دين يحملهم على استرضاء من يجب استرضاؤه، ولا هم محتاجون في الدنيا إليه، فأي داع يدعوهم إلى استرضائه؟! والرافضة من جهلهم وكذبهم يتناقضون تناقضا كثيرا بينا إذ هم في قول مختلف، يوفك عنه من أفك.