قال الرافضي: «ولما ذكرت فاطمة أن أباها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهبها فدك قال لها: هات أسودا وأحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأم أيمن، فشهدت لها بذلك، فقال: امرأة لا يقبل قولها.
وقد رووا جميعا أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة، فجاء أمير المؤمنين فشهد لها بذلك، فقال: هذا بعلك يجره إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك، وقد رووا جميعا أن رسول الله... - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: علي مع الحق، والحق معه يدور معه حيث دار لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فغضبت فاطمة عليها السلام عند ذلك وانصرفت، وحلفت أن لا تكلمه ولا صاحبه حتى تلقى أباها وتشكو إليه، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليا أن يدفنها ليلا ولا يدع أحدا منهم يصلي عليها، وقد رووا جميعا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: يا فاطمة إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، ورووا جميعا أنه قال فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.
ولو كان هذا الخبر صحيحا حقا لما جاز له ترك البغلة التي خلفها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين علي، ولما حكم له بها لما ادعاها العباس، ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله في كتابه من الرجس مرتكبين ما لا يجوز، لأن الصدقة عليهم محرمة.
وبعد ذلك جاء إليه مال البحرين وعنده جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال له: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لي: إذا أتى مال البحرين حثوث لك، ثم حثوت لك، ثلاثا، فقال له: تقدم فخذ بعددها، فأخذ من بيت مال المسلمين من غير بينة بل بمجرد قوله».
والجواب: أن في هذا الكلام من الكذب والبهتان والكلام الفاسد ما لا يكاد يحصى إلا بكلفة، ولكن سنذكر من ذلك وجوها إن شاء الله تعالى.
أحدها: أن ما ذكر من ادعاء فاطمة رضي الله عنها فداك فإن هذا يناقض كونها ميراثا لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت، فرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منزه، إن كان يورث كما يورث غيره، أن يوصى لوارث أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلا بد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا إذا وهب الواهب بكلامه ولم يقبض الموهوب شيئا حتى مات الواهب كان ذلك باطلا عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فدك لفاطمة ولا يكون هذا أمرا معروفا عند أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما؟ الوجه الثاني: أن ادعاء فاطمة ذلك كذب على فاطمة، وقد قال الإمام أبو العباس بن سريج في الكتاب الذي صنفه في الرد على عيسى بن أبان لما تكلم معه في باب اليمين والشاهد، واحتج بما احتج، وأجاب عما عارض به عيسى بن أبان، قال: وأما حديث البحتري بن حسان عن زيد بن علي أن فاطمة ذكرت لأبي بكر أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطاها فدك، وأنها جاءت برجل وامرأة، فقال: رجل مع رجل، وامرأة مع امرأة، فسبحان الله ما أعجب هذا! قد سألت فاطمة أبا بكر ميراثها وأخبرها عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: لا نورث، وما حكي في شيء من الأحاديث أن فاطمة ادعتها بغير الميراث، ولا أن أحدا شهد بذلك.
ولقد روى جرير عن مغيرة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في فدك: «إن فاطمة سألت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يجعلها لها فأبى، وأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان ينفق منها ويعود على ضعفة بني هاشم ويزوج منه أيمهم، وكانت كذلك حياة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر صدقة وقبلت فاطمة الحق، وإني أشهدكم أني رددتها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. ولم يسمع أن فاطمة رضي الله عنها ادعت أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطاها إياها في حديث ثابت متصل، ولا أن شاهدا شهد لها.
ولو كان ذلك لحكي، لأنها خصومة وأمر ظاهر تنازعت فيه الأمة
وتحادثت فيه، فلم يقل أحد من المسلمين: شهدت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطاها فاطمة ولا سمعت فاطمة تدعيها حتى جاء البحتري بن حسان يحكي عن زيد شيئا لا ندري ما أصله، ولا من جاء به، وليس من أحاديث أهل العلم: فضل بن مرزوق عن البحتري عن زيد، وقد كان ينبغي لصاحب الكتاب أن يكف عن بعض هذا الذي لا معنى له، وكان الحديث قد حسن بقول زيد: لو كنت أنا لقضيت بما قضى أبو بكر.
وهذا مما لا يثبت على أبي بكر ولا فاطمة لو لم يخالفه أحد، ولو لم تجر فيه المناظرة ويأتي فيها الرواية، فكيف وقد جاءت؟ وأصل المذهب أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ثم قال أبو بكر بخلافه، إن هذا من أبي بكر رحمه الله كنحو ما كان منه في الجدة، وأنه متى بلغه الخبر رجع إليه.
ولو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه حجة، لأن فاطمة لم تقل: إني أحلف مع شاهدي فمنعت.
ولم يقل أبو بكر: إني لا أرى اليمين مع الشاهد.
قالوا: وهذا الحديث غلط؛ لأن أسامة بن زيد يروي عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر وفدك.
فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه.
وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين، وجزءا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين جزئين.
وروى الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: لا نورث ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا (١). وقد روي عن أنس أن أبا بكر قال لفاطمة وقد قرأت عليه إني أقرأ مثل ما قرأت ولا يبلغن علمي أن يكون قاله كله.
قالت فاطمة: هو لك ولقرابتك؟ قال: لا وأنت عندي (١) انظر البخاري ج٥ ص٢٠ ومسلم ج٣ ص١٣٨١ -١٣٨٢.
مصدقة أمينة، فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عهد إليك في هذا، أو وعدك فيه موعدا أو أوجبه لكم حقا صدقتك.
فقالت: لاغيرأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال حين أنزل عليه: «أبشروا يا آل محمد وقد جاءكم الله عز وجل بالغنى».
قال أبو بكر: صدق الله ورسوله وصدقت، فلكم الفيء، ولم يبلغ علمي بتأويل هذه أن أستلم هذا السهم كله كاملا إليكم، ولكن الفيء الذي يسعكم.
وهذا يبين أن أبا بكر كان يقبل قولها، فكيف يرده ومعه شاهد وامرأة؟ ولكنه يتعلق بشيء يجده.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يورث فالخصم فيذلك أزواجه وعمه، ولا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل واحد بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - واتفاق المسلمين، وإن كان لا يورث فالخصم في ذلك المسلمون، فكذلك لا يقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل واحد باتفاق المسلمين، ولا رجل وامرأة.
نعم يحكم في مثل ذلك بشهادة ويمين الطالب عند فقهاء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث.
وشهادة الزوج لزوجته فيها قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تقبل، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والأوزاعي وإسحاق وغيرهم.
والثانية: تقبل، وهي مذهب الإمام الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم.
فعلى هذا لو قدر صحة هذه القصة لم يجز للإمام أن يحكم بشهادة رجل واحد وامرأة واحدة باتفاق المسلمين، لا سيما وأكثرهم لا يجيزون شهادة الزوج، ومن هؤلاء من لا يحكم بشاهد ويمين، ومن يحكم بشاهد ويمين لم يحكم للطالب حتى يحلفه.
الوجه الرابع: قوله: «فجاءت بأم أيمن فشهدت لها بذلك، فقال: امرأة لا يقبل قولها.
وقد رووا جميعا أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «أم أيمن امرأة من أهل الجنة».
الجواب: أن هذا احتاج جاهل مفرط في الجهل يريد أن يحتج لنفسه فيحتج عليها، فإن هذا القول لو قاله الحجاج بن يوسف والمختار بن أبي عبيد وأمثالهما لكان قد قال حقا، فإن امرأة واحدة لا يقبل قولها في الحكم بالمال لمدع يريد أن يأخذ ما هو في الظاهر لغيره، فكيف إذا حكى مثل هذا عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؟!
وأما الحديث الذي ذكره وزعم أنهم رووه جميعا، فهذا الخبر لا يعرف في شيء من دواوين الإسلام ولا يعرف عالم من علماء الحديث رواه.
وأم أيمن هي أم أسامة بن زيد، وهي حاضنة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهي من المهاجرات، ولها حق وحرمة، لكن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا تكون بالكذب عليه وعلى أهل العلم.
وقول القائل: «رووا جميعا» لا يكون إلا في خبر متواتر، فمن ينكر حديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لا يورث، وقد رواه أكابر الصحابة، ويقول: إنهم جميعا رووا هذا الحديث، إنما يكون من أجهل الناس وأعظمهم جحدا للحق.
الوجه الخامس: قوله: «إن عليا شهد لها فرد شهادته لكونه زوجها» فهذا مع أنه كذب لو صح ليس يقدح، إذ كانت شهادة الزوج مردودة عند أكثر العلماء، ومن قبلها منهم لم يقبلها حتى يتم النصاب إما برجل آخر وإما بامرأة مع امرأة، وأما الحكم بشهادة رجل وامرأة مع عدم يمين المدعي فهذا لا يسوغ.
الوجه السادس: قوله: إنهم رووا جميعا أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «علي مع الحق، والحق معه يدور حيث دار، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض» من أعظم الكلام كذبا وجهلا، فإن هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.
فكيف يقال: إنهم جميعا رووا هذا الحديث؟ وهل يكون أكذب ممن يروى عن الصحابة والعلماء أنهم رووا حديثا، والحديث لا يعرف عن واحد منهم أصلا؟ بل هذا من أظهر الكذب.
ولو قيل رواه بعضهم، وكان يمكن صحته لكان ممكنا، فكيف وهو كذب قطعا على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -؟! بخلاف إخباره أن أم أيمن في الجنة، فهذا يمكن أنه قاله، فإن أم أيمن امرأة صالحة من المهاجرات، فإخباره أنها في الجنة لا ينكر، بخلاف قوله عن رجل من أصحابه أنه مع الحق وأن الحق يدور معه حيثما دار ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض؛ فإنه كلام ينزه عنه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. إما أولا: فلأن الحوض إنما يرده عليه أشخاص، كما قال للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (١)، وقال: «إن حوضي لأبعد من بين أيلة إلى عدن، وإن أول الناس (١) انظر البخاري: ج٥ ص٣٣، ومسلم: ج٣ ص ١٤٧٤.
ورودا فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يجد لها قضاء» رواه مسلم وغيره (١). وأما الحق فليس من الأشخاص الذين يردون الحوض.
وقد روي أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
فهو من هذا النمط، وفيه كلام يذكر في موضعه إن شاء الله.
الوجه السابع: أن ما ذكره عن فاطمة أمر لا يليق بها، ولا يحتج بذلك إلا رجل جاهل يحسب أنه يمدحها وهو يجرحها؛ فإنه ليس فيما ذكره ما يوجب الغضب عليه، إذ لم يحكم -لو كان ذلك صحيحا - إلا بالحق الذي لا يحل لمسلم أن يحكم بخلافه.
ومن طلب أن يحكم له بغير حكم الله ورسوله فغضب وحلف أن لا يكلم الحاكم ولا صاحب الحاكم، لم يكن هذا مما يحمد عليه ولا مما يذم به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحا أقرب منه إلى أن يكون مدحا.
ونحن نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير منها كذب وبعضها كانوا فيه متأولين.
وإذا كان بعضها ذنبا فليس القوم معصومين، بل هم مع كونهم أولياء الله ومن أهل الجنة لهم ذنوب يغفرها الله لهم.
وكذلك ما ذكره من إيصائها أن تدفن ليلا ولا يصلى عليها أحد منهم، لا يحكيه عن فاطمة ويحتج به إلا رجل جاهل يطرق على فاطمة ما لا يليق بها، وهذا لو صح لكان بالذنب المغفور أولى منه بالسعي المشكور، فإن صلاة المسلم على غيره زيادة خير تصل إليه، ولا يضر أفضل الخلق أن يصلي عليه شر الخلق، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي عليه ويسلم عليه الأبرار والفجار بل والمنافقون، وهذا إن لم ينفعه لم يضره، وهو يعلم أن في أمته منافقين ولم ينه أحد من أمته عن الصلاة عليه.
وأما قوله: «ورووا جميعا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك» فهذا كذب منه، ما رووا هذا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولا يعرف هذا في شيء من كتب (١) مسلم: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ج١ /٢٤٧ ص ٢١٧.
الحديث المعروفة، ولا له إسناد معروف عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: لا صحيح ولا حسن.
ونحن إذا شهدنا لفاطمة بالجنة، وبأن الله يرضى عنها، فنحن لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف بذلك نشهد، ونشهد بأن الله تعالى أخبر برضاه عنهم في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنه - م ورضوا عنه﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٢). وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - توفي وهو عنهم راض، ومن رضي الله عنه ورسوله لا يضره غضب أحد من الخلق عليه كائنا من كان.
وأما قوله: «رووا جميعا أن فاطمة بضعة مني من آذاها آذاني، ومن آذاني آذى الله» فإن هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ، بل روي بغيره، كما روي في سياق حديث خطبة علي لابنة أبي جهل، لما قام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خطيبا فقال: «إن ابني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم».
الوجه الثامن: أن قوله: «لو كان هذا الخبر صحيحا حقا لما جاز له ترك البغلة والسيف والعمامة عند علي والحكم له بها لما ادعاها العباس».
فيقال: ومن نقل أن أبا بكر وعمر حكما بذلك لأحد، أو تركا ذلك عند أحد على أن ذلك ملك له، فهذا من أبين الكذب عليهما، بل غاية ما في هذا أن يترك عند من يترك عنده، كما ترك صدقته عند علي والعباس ليصرفاها في مصارفها الشرعية.
وأما قوله: «ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله في كتابه مرتكبين ما لا يجوز».
فيقال له: أولا: إن الله تعالى لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس، فإن هذا كذب على الله.
كيف ونحن نعلم أن في بني هاشم من ليس بمطهر من الذنوب، ولا أذهب عنهم الرجس، لا سيما عند الرافضة، فإن عندهم كل من كان من بني هاشم يحب أبا بكر عمر - رضي الله عنه - ما فليس بمطهر، والآية إنما قال فيها: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (٣) (١) الآية ١٠٠ من سورة التوبة.
(٢) الآية ١٠٠ من سورة التوبة.
(٣) الآية ٦ من سورة المائدة.
وقوله: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾ (١)، ونحو ذلك مما فيه بيان أن الله يحب ذلك لكم، ويرضاه لكم، ويأمركم به فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب المرضي، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك وأما قوله: «لأن الصدقة محرمة عليهم».
فيقال له: أولا المحرم عليهم صدقة الفرض، وأما صدقات التطوع فقد كانوا يشربون من المياه المسبلة بين مكة والمدينة، ويقولون: إنما حرم علينا الفرض، ولم يحرم علينا التطوع.
وإذا جاز أن ينتفعوا بصدقات الأجانب التي هي تطوع، فانتفاعهم بصدقة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أولى وأحرى؛ فإن هذه الأموال لم تكن زكاة مفروضة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أوساخ الناس التي حرمت عليهم، وإنما هي من الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، والفيء حلال لهم، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جعل ما جعله الله له من الفيء صدقة، إذ غايته أن يكون ملكا للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تصدق به على المسلمين، وأهل بيته أحق بصدقته؛ فإن الصدقة على المسلمين صدقة، والصدقة على القرابة صدقة وصلة.
الوجه التاسع: في معارضته بحديث جابر - رضي الله عنه - فيقال: جابر لم يدع حقا لغيره ينتزع من ذلك الغير ويجعل له، وإنما طلب شيئا من بيت المال يجوز للإمام أن يعطيه إياه، ولو لم يعده به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإذا وعده به كان أولى بالجواز، فلهذا لم يفتقر إلى بينة.
أما قصة فاطمة رضي الله عنها فما ذكروه من دعواها الهبة والشهادة المذكورة ونحو ذلك، لو كان صحيحا لكان بالقدح فيمن يحتجون له أشبه منه بالمدح.