قال الرافضي: «وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان أنسه بالله مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما عرف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال، حيث هرب عدة مرار في غزواته، وأيما أفضل: القاعد عن القتال، أو المجاهد بنفسه في سبيل الله؟».
الجواب: أن يقال: لهذا المفتري الكذاب ما ذكرته من أظهر الباطل من وجوه.
أحدها: أن قوله: «هرب عدة مرار في غزواته».
يقال له: هذا الكلام يدل على أن قائله من أجهل الناس بمغازي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأحواله، والجهل بذلك غير منكر من الرافضة؛ فإنهم من أجهل الناس بأحوال الرسول، وأعظمهم تصديقا بالكذب فيها، وتكذيبا بالصدق منها.
وذلك أن غزوة بدر هي أول مغازي القتال، لم يكن قبلها لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا لأبي بكر غزاة مع الكفار أصلا.
الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه لم يهرب قط، حتى يوم أحد لم ينهزم لا هو ولا عمر، وإنما عثمان تولى، وكان من عفا الله عنه.
وأما أبو بكر وعمر فلم يقل أحد قط: إنهما انهزما مع من انهزم، بل ثبتا مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم حنين، كما تقدم ذلك عن أهل السيرة، لكن بعض الكذابين ذكر أنهما أخذا الراية يوم حنين، فرجعا ولم يفتح عليهما.
ومنهم من يزيد في الكذب
ويقول: إنهما انهزما مع من انهزم، وهذا كذب كله.
الثالث: أنه لو كان في الجبن بهذه الحال لم يخصه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دون أصحابه بأن يكون معه في العريش، بل لا يجوز استصحاب مثل هذا في الغزو، فإنه لا ينبغي للإمام أن يستصحب مخذلا ولا مرجفا، فضلا عن أن يقدم على سائر أصحابه، ويجعله معه في عريشه.
الرابع: أن يقال: قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر كان أقوى قلبا من جميع الصحابة، لا يقاربه في ذلك أحد منهم، فإنه من حين بعث الله رسوله إلى أن مات أبو بكر لم يزل مجاهدا ثابتا مقداما شجاعا، لم يعرف قط أنه جبن عن قتال عدو، بل لما مات رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ضعفت قلوب أكثر الصحابة، وكان هو الذي يثبتهم، حتى قال أنس: «خطبنا أبو بكر ونحن كالثعالب، فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود».
وروى أن عمر قال: يا خليفة رسول الله تألف الناس: فأخذ بلحيته وقال: يا ابن الخطاب: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! علام أتألفهم: على حديث مفترى أم على شعر مفتعل؟! السادس: قوله: «أيما أفضل: القاعد عن القتال أو المجاهد بنفسه في سبيل الله؟».
فيقال: بل كونه مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذه الحال هو من أفضل الجهاد؛ فإنه هو الذي كان العدو يقصده، فكان ثلث العسكر حوله يحفظونه من العدو، وثلثه اتبع المنهزمين، وثلثه أخذوا الغنائم.
ثم إن الله قسمها بينهم كلهم.
السابع: قوله: «إن أنس النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بربه كان مغنيا له عن كل أنيس».
فيقال: قول القائل: إنه كان أنيسه في العريش، ليس هو من ألفاظ القرآن والحديث.
ومن قاله، وهو يدري ما يقول، لم يرد به أنه يؤنسه لئلا يستوحش، بل المراد أنه كان يعاونه على القتال، كما كان من هو دونه يعاونه على القتال.
ففضيلة الصديق مختصة به لم يشركه فيها غيره، وفضيلة علي مشتركة بينه وبين سائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين.
الوجه الثامن: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو وأبو بكر - خرجا بعد ذلك من العريش، ورماهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الرمية التي قال الله فيها: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١) (١) الآية ١٧ من سورة الأنفال.
والصديق قاتلهم حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك.
فقال: لكني لو رأيتك لقتلتك.