ة، كما أن ما علمناه قطعا لم يكن علينا أن نجيب عما يعارضه من الشبه السوفسطائية.
وليس لأحد أن يدفع ما علم يقينا بالظن، سواء كان ناظرا أو مناظرا.
بل إن تبين له وجه فساد الشبهة وبينه لغيره، كان ذلك زيادة علم ومعرفة وتأييد للحق في النظر والمناظرة، وإن لم يتبين ذلك لم يكن له أن يدفع اليقين بالشك.
وسنبين إن شاء الله تعالى الأدلة الكثيرة على استحقاقهم للإمامة، وأنهم كانوا أحق بها من غيرهم.
(فصل) قال الرافضي: الأول: «قول أبي بكر: إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني،
وإن زغت فقوموني.
ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يطلب منهم الكمال؟».
والجواب من وجوه: أحدها: أن المأثور عنه أنه قال: «إن لي شيطانا يعتريني» يعني عند الغضب «فإذا اعتراني فاجتنبوني لا أؤثر في أبشاركم».
وقال: «أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم» وهذا الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه من أعظم ما يمدح به، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن الشيطان الذي يعتريه قد فسر بأنه يعرض لابن آدم عند الغضب، فخاف عند الغضب أن يعتدي على أحد من الرعية، فأمرهم بمجانبته عند الغضب.
كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (١) فنهى عن الحكم عند الغضب، وهذا هو الذي أراده أبو بكر: أراد أن لا يحكم وقت الغضب، وأمرهم أن لا يطلبوا منه حكما، أو يحملوه على حكم في هذه الحال.
وهذا من طاعته لله ورسوله.
الثالث: أن يقال: الغضب يعتري بني آدم كلهم، حتى قال سيد ولد آدم: «اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، وإني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه: أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة».
أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة (٢). وأما قوله «فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني» فهذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدى به في ذلك، وواجب على الرعية أن تعامل الأئمة بذلك.
فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه، وإن تعمد ظلما منعوه منه بحسب الإمكان، فإذا كان منقادا للحق، كأبي بكر فلا عذر لهم في ترك ذلك، وإن كان لا يمكن دفع الظلم إلا بما هو أعظم فسادا منه، لم يدفعوا الشر القليل بالشر الكثير.
(١) انظر البخاري ج٩ ص٦٥ ومسلم ج٣ ص ١٣٤٢- ١٣٤٣. (٢) البخاري ج٨ ص ٧٧ - ومسلم ج٤ ص ٢٠٠٨.
وأما قول الرافضي: «ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يطلب منهم التكميل؟».
عنه أجوبة: أحدها: أنا لا نسلم أن الإمام يكملهم وهم لا يكملونه أيضا، بل الإمام والرعية يتعاونون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، بمنزلة أمير الجيش والقافلة والصلاة والحج، والدين قد عرف بالرسول، فلم يبق عند الإمام دين ينفرد به، ولكن لا بد من الاجتهاد في الجزئيات، فإن كان الحق فيها بينا أمر به، وإن كان متبينا للإمام دونهم بينه لهم، وإن تبين لأحد من الرعية دون الإمام بينه له، وإن اختلف الاجتهاد فالإمام هو المتبع في اجتهاده، إذ لا بد من الترجيح، والعكس ممتنع.
الثاني: أن هذا الكلام من أبي بكر ما زاده عنده الأمة إلا شرفا وتعظيما، ولم تعظم الأمة أحدا بعد نبيها كما عظمت الصديق، ولا أطاعت أحدا كما أطاعته، من غير رغبة أعطاهم إياها، ولا رهبة أخافهم بها، بل الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة بايعوه طوعا، مقرين بفضيلته واستحقاقه.
ثم مع هذا لم نعلم أنهم اختلفوا في عهده في مسألة واحدة في دينهم إلا وأزال الاختلاف ببيانه لهم، ومراجعتهم له.
وهذا أمر لا يشركه فيه غيره.
وكان عمر أقرب إليه في ذلك، ثم عثمان.
وأما علي فقاتلهم وقاتلوه، فلا قومهم ولا قوموه، فأي الإمامين حصل به مقصود الإمامة أكثر؟ وأي الإمامين أقام الدين، ورد المرتدين، وقاتل الكافرين، واتفقت عليه الكلمة، كلمة المؤمنين؟ هل يشبه هذا بهذا إلا من هو في غاية النقص من العقل والدين؟!