وأما من بعد جعفر فموسى بن جعفر، قال فيه أبو حاتم الرازي: «ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين».
قلت: موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة، فحمل موسى معه إلى بغداد، وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه.
وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم، ولا هم في التفسير وغيره أقوال معروفة، ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل، - رضي الله عنه - م أجمعين، وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنسك.
وأما الحكاية المذكورة عن شقسق البلخي فكذب، فإن هذه الحكاية تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر.
أما قوله: «تاب على يديه بشر الحافي» فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا حال بشر، فإن موسى بن جعفر لما قدم به الرشيد إلى العراق حبسه، فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة.
(فصل) قال الرافضي: «وكان ولده علي الرضا أزهد أهل زمانه وكان أعلمهم وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا، وولاه المأمون لعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل.
ووعظ يوما أخاه زيدا، فقال: يا زيد ما أنت قائل لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا سفكت الدماء، وأخذت الأموال من غير حلها وأخفت السبل، وغرك حمقى أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية: إن عليا قال: يا رسول الله لم سميت فاطمة؟ قال: لأن الله فطمها وذريتها من النار، فلا يكون الإحصان سببا لتحريم
ذريتها على النار وأنت تظلم.
والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة لله، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته، إنك إذا لأكرم على الله منهم.
وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير، وكتب إلى أهل الآفاق ببيعته، وطرح السواد ولبس الخضرة».
فيقال: من المصائب التي ابتلي بها ولد الحسين انتساب الرافضة إليهم وتعظيمهم ومدحهم لهم، فإنهم يمدحون بما ليس بمدح، ويدعون لهم دعاوى لا حجة لها، ويذكرون من الكلام ما لو لم يعرف فضلهم من غير كلام الرافضة، لكان ما تذكره الرافضة بالقدح أشبه منه في المدح، فإن علي بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة، والممادح المناسبة لحاله اللائقة به، ما يعرفه بها أهل المعرفة.
وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة بحجة.
وأما قوله: «إن كان أزهد الناس وأعلمهم» فدعوى مجردة بلا دليل، فكل من غلا في شخص أمكنه أن يدعي له هذه الدعوى.
كيف والناس يعلمون أنه كان في زمانه من هو أعلم منه، ومن هو أزهد منه، كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وأمثال هؤلاء.
وأما قوله: «إنه أخذ عن فقهاء الجمهور كثيرا» فهذا من أظهر الكذب.
هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورين لم يأخذوا عنه ما هو معروف، وإن أخذ عنه بعض من لا يعرف من فقهاء الجمهور فهذا لا ينكر، فإن طلبة الفقهاء قد يأخذون من المتوسطين في العلم، ومن هم دون المتوسطين.
وما ذكره بعض الناس من أن معروفا الكرخي كان خادماله، وأنه أسلم على يديه، أو
أن الخرقة متصلة منه إليه، فكله كذب باتفاق من يعرف هذا الشأن.
والحديث الذي ذكره عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن فاطمة هو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضا؛ فإن قوله: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار» يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها على النار وهذا باطل قطعا، فإن سارة أحصنت فرجها، ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار.
وأيضا فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خادما له عبارة من لا يعرف قدر الملائكة، وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء.
ولكن الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم، وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم، وما يثبت أصول الدين بمثل هذه الأشعار، إلا ليس معدودا من أولي الأبصار.