ولأنه شفيع في العقدين 1 فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له، لأن العوض لم يسلم له 2 وإن أجره فللشفيع أخذه، وتفسخ به الإجارة 3 هذا كله إن كان التصرف قبل الطلب 4 لأنه ملك المشتري 5 وثبوت حق التملك للشفيع لا يمنع من تصرفه 6 وأما تصرفه بعد الطلب فباطل 7 لأنه ملك الشفيع إذًا 8 .
(وللمشتري الغلة) الحاصلة قبل الأخذ 1 (و) له أيضًا (النماء المنفصل) 2 لأنه من ملكه، والخراج بالضمان 3 (و) له أيضًا (الزرع والثمرة الظاهرة) أي المؤبرة 4 لأنه ملكه، ويبقى إلى الحصاد والجذاذ، لأن ضرره لا يبقى 5 ولا أجرة عليه 6 وعلم منه أن النماء المتصل، كالشجر إذا كبر 7 .
والطالع إذا لم يؤبر، يتبع في الأخذ بالشفعة، كالرد بالعيب 1 (فإن بنى) المشتري (أَو غرس) في حال يعذر فيه الشريك بالتأخير 2 بأن قاسم المشتري وكيل الشفيع 3 أو رفع الأمر للحاكم فقاسمه 4 أو قاسم الشفيع لإظهاره زيادة في الثمن ونحوه 5 ثم غرس أو بنى 6 (فللشفيع تملكه بقيمته) دفعا للضرر 7 فتقوم الأرض مغروسة أو مبنية، ثم تقوم خالية منهما 8 .
فما بينهما فهو قيمة الغراس والبناء 1 (و) للشفيع (قلعة ويغرم نقصه) أي ما نقص من قيمته بالقلع، لزوال الضرر به 2 فإن أبى فلا شفعة 3 (ولربه) أي رب الغراس والبناء (أخذه) ولو اختار الشفيع تملكه بقيمته 4 (بلا ضرر) يلحق الأرض بأخذه 5 وكذا مع ضرر، كما في المنتهى وغيره 6 .
لأنه ملكه، والضرر لا يزال بالضرر 1 (وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت) الشفعة 2 لأنه نوع خيار للتمليك، أشبه خيار القبول 3 (و) إن مات (بعده) أي بعد الطلب ثبتت (لوارثه) 4 لأن الحق قد تقرر بالطلب 5 ولذلك لا تسقط بتأخير الأخذ بعده 6 (ويأخذ) الشفيع الشقص (بكل الثمن) الذي استقر عليه العقد 7 .
لحديث جابر: «فهو أحق به بالثمن» ، رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم 1 (فإن عجز عن) الثمن أو (بعضه سقطت شفعته) 2 لأن في أخذه بدون دفع كل الثمن إضرارا بالمشتري 3 والضرر لا يزال بالضرر 4 وإن أحضر رهنا أو كفيلا لم يلزم المشتري قبوله 5 وكذا لا يلزمه قبول عوض عن الثمن 6 .
وللمشتري حبسه على ثمنه، قاله في الترغيب وغيره 1 لأن الشفعة قهر، والبيع عن رضا 2 ويمهل إن تعذر في الحال ثلاثة أيام 3 (و) الثمن (المؤجل يأخذ) الشفيع (الملي به) 4 لأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن 5 وصفته، والتأجيل من صفته 6 (وضده) أي ضد المليء وهو المعسر 7 يأخذه إذا كان الثمن مؤجلا (بكفيل مليء) دفعا للضرر 8 .
وإن لم يعلم الشفيع حتى حل فهو كالحال 1 (ويقبل في الخلف) في قدر الثمن (مع عدم البينة) لواحد منهما (قول المشتري) مع يمينه 2 لأنه العاقد، فهو أعلم بالثمن 3 والشفيع ليس بغارم، لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملك الشقص بثمنه 4 بخلاف الغاصب، ونحوه 5 (فإن قال) المشتري (اشتريته بألف.
أخذ الشفيع به) أي بالألف (ولو أثبت البائع) أن البيع بـ (أكثر) من الألف، مؤاخذة للمشتري بإقراره 6 .
فإن قال: غلطت، أو كذبت، أو نسيت.
لم يقبل 1 لأنه رجوع عن إقراره 2 ومن ادعى على إنسان شفعة في شقص، فقال: ليس لك ملك في شركتي.
فعلى الشفيع إقامة البنية بالشركة 3 ولا يكفي مجرد وضع اليد 4 (وإن أقر البائع بالبيع) في الشقص المشفوع (وأنكر المشتري) شراءه (وجبت) الشفعة 5 لأن البائع أقر بحقين، حق للشفيع، وحق للمشتري، فإذا سقط حق المشتري بإنكاره، ثبت حق الآخر 6 .
فيقبض الشفيع من البائع، ويسلم إليه الثمن 1 ويكون درك الشفيع على البائع 2 وليس له ولا للشفيع محاكمة المشتري 3 . (وعهدة الشفيع على المشتري 4 وعهدة المشتري على البائع) 5 في غير الصورة الأخيرة 6 فإذا ظهر الشقص مستحقا أو معيبا، رجع الشفيع على المشتري بالثمن 7 أو بأرش العيب 8 ثم يرجع المشتري على البائع 9 .
فإن أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم 1 ولا شفعة في بيع خيار قبل انقضائه 2 ولا في أرض السواد، ومصر، والشام 3 لأن عمر وقفها 4 إلا أن يحكم ببيعها حاكم 5 أو يفعله الإمام أو نائبه، لأنه مختلف فيه 6 وحكم الحاكم ينفذ فيه 7 .
باب الوديعة 1 من ودع الشيء: إذا تركه، لأنها متروكة عند المودع 2 والإيداع توكيل في الحفظ تبرعا 3 والاستيداع توكل فيه كذلك 4 ويعتبر لها ما يعتبر في وكالة 5 ويستحب قبولها لمن علم أنه ثقة، قادر على حفظها 6 .
ويكره لغيره 1 إلا برضى ربها 2 و (إذا تلفت) الوديعة (من بين ماله، ولم يتعد، ولم يفرط لم يضمن) 3 لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أُودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجه 4 .
وسواء ذهب معها شيء من ماله أو لا 1 (ويلزمه) أي المودع (حفظها في حرز مثلها) عرفا 2 كما يحفظ ماله 3 لأنه تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ 4 قال في الرعاية: من استودع شيئا حفظه في حرز مثله عاجلا مع القدرة وإلا ضمن 5 . (فإن عينه) أي الحرز (صاحبها فأحرزها بدونه ضمن) 6 سواء ردها إليه أو لا، لمخالفته له في حفظ ماله 7 .
(و) إن أحرزها (بمثله أو أحرز) منه (فلا) ضمان عليه 1 لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله، فما فوقه من باب أولى 2 (وإن قطع العلف عن الدابة) المودعة (بغير قول صاحبها ضمن) 3 لأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه 4 لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفا 5 وإن نهاه المالك عن علفها وسقيها لم يضمن 6 .
لإذنه في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها 1 لكن يأثم بترك علفها إذًا، لحرمة الحيوان 2 (وإن عين جيبه) بأن قال: احفظها في جيبك.
(فتركها في كمه أو يده ضمن) 3 لأن الجيب أحرز 4 وربما نسي فسقط ما في كمه أو يده 5 (وعكسه بعكسه) 6 فإذا قال: اتركها في كمك أو يدك.
فتركها في جيبه لم يضمن لأنه أحرز 7 وإن قال: اتركها في يدك.
فتركها في كمه، أو بالعكس 8 .
أو قال: اتركها في بيتك.
فشدها في ثيابه وأخرجها ضمن 1 لأن البيت أحرز 2 (وإن دفعها إلى من يحفظ ماله) عادة كزوجته وعبده 3 (أو) ردها لمن يحفظ (مال ربها لم يضمن) 4 لجريان العادة به 5 ويصدق في دعوى التلف والرد كالمودع 6 (وعكسه الأجنبي والحاكم) بلا عذر 7 .
فيضمن المودع بدفعها إليهما 1 لأنه ليس له أن يودع من غير عذر 2 (ولا يطالبان) أي الحاكم والأجنبي بالوديعة إذا تلفت عندهما بلا تفريط (إن جهلا) 3 جزم به في الوجيز 4 لأن المودع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ فلا يجب على الثاني ضمان، لأن دفعا واحدا لا يوجب ضمانين 5 وقال القاضي: له ذلك؛ فللمالك مطالبة من شاء منهما 6 ويستقر الضمان على الثاني إن علم، وإلا فعلى الأول، وجزم بمعناه في المنتهى 7 .
(وإن حدث خوف أو) حدث للمودع (سفر ردها على ربها) أو وكيله فيها 1 لأن في ذلك تخليصا له من دركها 2 فإن دفعها للحاكم إذًا ضمن، لأنه لا ولاية له على الحاضر 3 (فإن غاب) ربها (حملها) المودع (معه) في السفر 4 سواء كان لضرورة أو لا 5 (إن كان أحرز) ولم ينهه عنه 6 لأن القصد الحفظ، وهو موجود هنا 7 وله ما أنفق بنية الرجوع قاله القاضي 8 .
(وإلا) يكن السفر أحفظ لها 1 أو كان نهى عنه 2 دفعها إلى الحاكم 3 لأن في السفر بها غررًا لأنه عرضة للنهب وغيره 4 والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته 5 فإن أودعها مع قدرتها على الحاكم ضمنها، لأنه لا ولاية له 6 فإن تعذر حاكم أهل (أودعها ثقة) 7 لفعله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأُم أيمن رضي الله عنها 8 .
ولأنه موضع حاجة 1 وكذا حكم من حضره الموت 2 (ومن) تعدى في الوديعة 3 بان (أُودع دابة فركبها لغير نفعها) أي علفها وسقيها 4 (أو) أُودع (ثوبا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه 5 (أو) أُودع (دراهم فأَخرجها من محرز) ها (ثم ردها) إلى حرزها 6 (أو رفع الختم) عن كيسها 7 أو كانت مشدودة فأَزال الشد ضمن 8 .
أخرج منها شيئًا أو لا، لهتك الحرز 1 (أو خلطها بغير متميز) 2 كدراهم بدراهم 3 وزيت بزيت في ماله أو غيره 4 (فضاع الكل ضمن) الوديعة لتعديه 5 وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع ضمن أيضًا 6 وإن خلطها بمتميز، كدراهم بدنانير لم يضمن 7 وإن أخذ درهما من غير محرزه 8 ثم رده فضاع الكل ضمنه وحده 9 .
وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع 1 ومن أَودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه 2 ومن دفع لصبي ونحوه وديعة لم يضمنها مطلقا 3 ولعبد ضمنها بإتلافها في رقبته 4 .
فصل 1
(ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) 2 أو من يحفظ ماله 3 (أو غيره بإذنه) 4 بأن قال: دفعتها لفلان بإذنك.
فأنكر مالكها الإذن أو الدفع، قبل قول المودع 5 كما لو ادعى ردها على مالكها 6 .
(و) يقبل قوله أيضًا في (تلفها 1 وعدم التفريط) بيمينه لأنه أمين 2 لكن إن ادعى التلف بظاهر، كلف به بينة، ثم قبل قوله في التلف 3 وإن أخر ردها بعد طلبها بلا عذر ضمن 4 .
ويمهل لأكل، ونوم، وهضم طعام بقدره 1 وإن أمره بالدفع إلى وكيله، فتمكن وأبى ضمن 2 ولو لم يطلبها وكيله 3 (فإن قال: لم تودعني.
ثم ثبتت) الوديعة (ببينة أو إقرار، ثم ادعى ردًا أو تلفًا، سابقين لجحوده لم يقبلا 4 .
ولو ببينة) لأنه مكذب للبينة 1 وإن شهدت بأَحدهما، ولم تعين وقتا لم تسمع 2 (بل) يقبل قوله بيمينه في الرد والتلف (فيـ) ـما إذا أجاب بـ (ـقوله: ما لك عندي شيء ونحوه) 3 كما لو أجاب بقوله: لا حق لك قبلي.
أو: لا تستحق علي شيئًا 4 . (أو) ادعى الرد أو التلف (بعده) أي بعد جحوده (بها) أي بالبينة 5 لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البنية، ولا يكذبها 6 .
(وإن) مات المودع و (ادعى وارثه الرد منه) أي من وارث المودع لربها 1 (أو من مورثه) وهو المودع (لم يقبل إلا ببينة) 2 لأن صاحبها لم يأتمنه عليها، بخلاف المودع 3 (وإن طلب أحد المودعين نصيبه 4 من مكيل أو موزون ينقسم) بلا ضرر (أخذه) أي أَخذ نصيبه 5 فيسلم إليه، لأن قسمته ممكنة بغير ضرر ولا غبن 6 .
(وللمستودع، والمضارب، والمرتهن، والمستأجر) إذا غصبت العين منهم (مطالبة غاصب العين) 1 لأنهم مأمورون بحفظها 2 وذلك منه 3 وإن صادره سلطان 4 أو أخذها منه قهرا لم يضمن، قاله أبو الخطاب 5 .
باب إحياء الموات
1 بفتح الميم والواو 2 (وهي) مشتقة من الموت، وهو عدم الحياة 3 واصطلاحا (الأرض المنفكة عن الاختصاصات 4 وملك معصوم) 5 بخلاف الطرق والأفنية 6 ومسيل المياه، والمحتطبات ونحوها 7 .
وما جرى عليه ملك معصوم بشراءٍ أو عطية أو غيرهما فلا يملك شيء من ذلك بالإحياء 1 (فمن أحياها) أي الأرض الموات (ملكها) 2 لحديث جابر يرفعه «من أحيا أرضا ميتة فهي له» رواه أحمد، والترمذي وصححه 3 وعن عائشة مثله، رواه مالك، وأبو داود 4 وقال ابن عبد البر: هو مسند صحيح، متلقى بالقبول، عند فقهاء المدينة وغيرهم 5 .
(من مسلم وكافر) ذمي، مكلف وغيره 1 لعموم ما تقدم 2 لكن على الذمي خراج ما أحيا من موات عنوة 3 (بإذن الإمام) في الإحياء (وعدمه) لعموم الحديث 4 ولأنها عين مباحة، فلا يفتقر ملكها إلى إذن 5 (في دار الإسلام وغيرها) 6 فجميع البلاد سواء في ذلك 7 (والعنوة) كأرض الشام، ومصر والعراق (كغيرها) مما أسلم أهله عليه 8 .
أو صولحوا عليه 1 إلا ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج 2 (ويملك بالإحياء ما قرب من عامر 3 إن لم يتعلق بمصلحته) 4 لعموم ما تقدم 5 وانتفاء المانع 6 فإن تعلق بمصالحه كمقبرة 7 وملقى كناسة ونحوهما لم يملك 8 .
وكذا موات الحرم وعرفات، لا يملك بالإحياء 1 وإذا وقع في الطريق وقت الإحياء نزاع، فلها سبعة أذرع 2 ولا تغير بعد وضعها 3 ولا يملك معدن ظاهر 4 كملح، وكحل، وجص بإحياء 5 وليس للإمام إقطاعه 6 .
وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يحي بالبناء 1 لأنه يردُّ الماء إلى الجانب الآخر، فيضر بأهله 2 .
وينتفع به بنحو زرع 1 (ومن أحاط مواتا) 2 بأن أدار حوله حائطا منيعا بما جرت العادة به، فقد أحياه 3 سواء أرادها للبناء أو غيره 4 لقوله عليه السلام «من أحاط حائطا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود عن جابر 5 .
(أو حفر بئرا فوصل إلى الماء) فقد أحياه 1 (أو أجراه) أي الماء (إليه) أي إلى الموات (من عين ونحوها 2 أو حبسه) أي الماء (عنه) أي عن الموات إذا كان لا يزرع معه (ليزرع فقد أحياه) 3 لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط 4 ولا إحياء بحرث وزرع 5 .
(ويملك) المحيي (حريم البئر العاديَّة) بتشديد الياء أي القديمة 1 منسوبة إلى عاد، ولم يرد عادا بعينها 2 (خمسين ذراعا من كل جانب) 3 إذا كانت انطمت، وذهب ماؤها، فجدد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه 4 (وحريم البدَّية) المحدثة 5 (نصفها) خمسة وعشرون ذراعًا 6 .
لما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا، والبدي خمسة وعشرون ذراعا 1 وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعا 2 وحريم شجرة قدر مد أغصانها 3 .
وحريم دار من موات حولها، مطرح تراب، وكناسة، وثلج، وماء ميزاب 1 ولا حريم لدار محفوفة بملك 2 ويتصرف كل منهم بحسب العادة 3 ومن تحجر مواتًا بأن أدار حوله أحجارًا ونحوها 4 لم يملكه وهو أحق به 5 ووارثه من بعده 6 .