حاشية الروض المربعصفحات 3-39
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم باب الهبة والعطية 1

الهبة من هبوب الريح، أي مروره 2 يقال: وهبت له شيئًا وهبا.
بإِسكان الهاء وفتحها، وهبة 3 والإِتهاب قبول الهبة 4 والاستيهاب سؤال الهبة 5 «والعطية» هنا الهبة في مرض الموت 6 (وهي التبرع) من جائز التصرف 7 .

(بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره) مفعول تمليك 1 بما يعد هبة عرفا 2 فخرج بـ «التبرع» عقود المعاوضات كالبيع والإِجارة 3 وبـ «التميك» الإِباحة كالعارية 4 وبـ «المال» نحو الكلب 5 وبـ «المعلوم» : المجهول 6 وبـ «الموجود» : المعدوم 7 .

فلا تصح الهبة فيها 1 وبـ «الحياة» الوصية 2 (وإن شرط) العاقد (فيها عوضا معلوما فـ) ـهي (بيع) لأَنه تمليك بعوض معلوم 3 ويثبت الخيار والشفعة 4 فإِن كان العوض مجهولا لم تصح 5 وحكمها كالبيع الفاسد، فيردها بزيادتها مطلقا 6 وإن تلفت رد قيمتها 7 والهبة المطلقة لا تقتضى عوضا 8 سواء كانت لمثله، أَو دونه، أَو أَعلى منه 9 .

وإن اختلفا في شرط عوض فقول منكر بيمينه 1 (ولا يصح) أن يهب (مجهولا) كالحمل في البطن، واللبن في الضرع 2 (إلا ما تعذر علمه) كما لو اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أَحدهما لرفيقه نصيبه منه، فيصح للحاجة كالصلح 3 ولا يصح أَيضا هبة ما لا يقدر على تسليمه كالآبق والشارد 4 (وتنعقد) الهبة (بالإِيجاب والقبول) 5 .

بأن يقول: وهبتك؛ أَو: أَهديتك؛ أَو: أَعطيتك 1 . فيقول: قبلت؛ أَو: رضيت؛ ونحوه 2 (و) بـ (المعاطاة الدالة عليها) أي على الهبة 3 لأَنه - عليه السلام - كان يهدىي ويهدى إليه 4 ويعطى ويعطي 5 ويفرق الصدقات 6 ويأْمر سعاته بأَخذها، وتفريقها 7 وكان أَصحابه يفعلون ذلك 8 . ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول 9 .

ولو كان شرطا لنقل عنهم نقلا متواترا أَو مشهورا (1)

تلزم بالقبض (2) بإِذن واهب)

3 لما روى مالك عن عائشة أَن أَبا بكر نحلها جذاذ عشرين وسفا من ماله بالعالية 4 .12

فلما مرض قال: يا بنية كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ولو كنت حزتيه أَو قبضتيه كان لك 1 فإنما هو اليوم مال وارث 2 فاقتسموه على كتاب الله تعالى 3 . وروى ابن عيينة عن عمر نحوه 4 ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف 5 (إلا ما كان في يد متهب) وديعة، أَو غصبًا، أَو نحوهما 6 لأَن قبضه مستدام، فأَغنى عن الاِبتداء 7 .

(ووارث الواهب) إذا مات قبل القبض (يقوم مقامه) في الإِذن والرجوع 1 لأَنه عقد يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت، كالبيع في مدة الخيار 2 وتبطل بموت المتهب 3 ويقبل ويقبض للصغير ونحوه وليه 4 وما اتهبه عبد غير مكاتب وقبله فهو لسيده 5 ويصح قبوله بلا إِذن سيده 6 .

(ومن أَبرأَ غريمه من دينه) ولو قبل وجوبه 1 (بلفظ الإِحلال، أَو الصدقة، أَو الهبة ونحوها) كالإسقاط، أَو الترك أَو التمليك، أَو العفو 2 (برئت ذمته 3 ولو) رده و (لم يقبل) 4 لأَنه إسقاط حق، فلم يفتقر إلى القبول كالعتق 5 ولو كان المبرأ منه مجهولا 6 .

لكن لو جهله ربه، وكتمه المدين خوفا من أَنه لو علم لم يبرئه لم تصح البراءَة 1 ولو أَبرأَ أَحد غريمه 2 أَو من أَحد دينيه لم تصح، لإِبهام المحل 3 (وتجوز هبة كل عين تباع) 4 وهبة جزء مشاع منها إذا كان معلوما 5 (و) هبة (كلب يقتنى) 6 .

ونجاسة يباح نفعها كالوصية 1 ولا تصح معلقة، ولا مؤقتة 2 إلا نحو: جعلتها لك عمرك؛ أَو: حياتك 3 ؛ أَو: عمري؛ أَو: ما بقيت؛ فتصح 4 وتكون لموهوب له، ولورثته بعده 5 .

وإن قال: سكناه لك عمرك 1 أَو غلبته؛ أَو: خدمته لك 2 ، أَو: منحتكه؛ فعارية 3 لأَنها هبة المنافع 4 ومن باع أَو وهب فاسدا 5 ثم تصرف في العين بعقد صحيح 6 صح الثاني، لأَنه تصرف في ملكه 7 .

فصل 1

(يجب التعديل في عطيته أَولاده بقدر إرثهم) 2 للذكر مثل حظ الأُنثيين 3 اقتداء بقسمة الله تعالى 4 وقياسا لحال الحياة على حال الموت 5 .

قال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى 1 . وسائر الأَقارب في ذلك كالأَولاد 2 (فإن فضل بعضهم) بأَن أَعطاه فوق إِرثه، أَو خصه 3 (سوَّى) وجوبا 4 (برجوع) حيث أَمكن 5 (أَو زيادة) لمفضول ليساوي الفاضل 6 .

أَو إعطاء ليستووا 1 لقوله - عليه السلام - «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه مختصرًا 2 .

وتحرم الشهادة على التخصيص، أَو التفضيل، تحملا وأَداءً إن علم 1 . وكذا كل عقد فاسد عنده، مختلف فيه 2 (فإن مات) الواهب (قبله) أي قبل الرجوع 3 أَو الزيادة (ثبتت) للمعطى 4 فليس لبقية الورثة الرجوع 5 .

إلا أَن يكون بمرض الموت فيقف على إجازة الباقين 1 . (ولا يجوز لواهب أَن يرجع في هبته اللازمة) 2 لحديث ابن عباس مرفوعا: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه 3 (إلا الأَب) فله الرجوع، قصد التسوية أَولا 4 .

مسلما كان أو كافرا 1 لقوله - عليه السلام - «لا يحل للرجل أَن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» 2 رواه الخمسة، وصححه الترمذي من حديث عمر، وابن عباس 3 ولا يمنع الرجوع نقص العين 4 أَو تلف بعضها 5 أَو زيادة منفصلة 6 .

ويمنعه زيادة متصلة 1 وبيعه، وهبته، ورهنه، ما لم ينفك 2 . (وله) أي لأَب حرٍّ 3 (أَن يأْخذ ويتملك من مال ولده 4 ما لا يضره ولا يحتاجه) 5 .

لحديث عائشة مرفوعًا: «إِن أَطيب ما أَكلتم من كسبكم، وإِن أَولادكم من كسبكم» رواه سعيد، والترمذي وحسنه 1 وسواء كان الوالد محتاجا أَولا 2 وسواء كان الولد كبيرا أَو صغيرا، ذكرا أَو أُنثى 3 وليس له أَن يتملك ما يضر بالولد 4 أَو تعلقت به حاجته 5 ولا ما يعطيه ولدا آخر 6 ولا في مرض موت أَحدهما المخوف 7 (فإن تصرف) والده (في ماله) قبل تملكه وقبضه 8 .

(ولو فيما وهبه له) أي لولده وأَقبضه إياه 1 (ببيع) أَو هبة (أَو عتق 2 أَو إبراء) غريم ولده من دينه، لم يصح تصرفه 3 لأَن ملك الولد على مال نفسه تام، فيصح تصرفه فيه 4 ولو كان للغير أَو مشتركا لم يجز 5 (أَو أَراد أَخذه) أي أَراد الوالد أَخذ ما وهبه لولده (قبل رجوعه) في هبته بالقول، كرجعت فيها 6 ؛ (أَو) أَراد أَخذ مال ولده قبل (تملكه بقول أَو نية، وقبض معتبر لم يصح) تصرفه، لأَنه لا يملكه إلا بالقبض، مع القول، أَو النية، فلا ينفذ تصرفه فيه، قبل ذلك.

(بل بعده) أي بعد القبض المعتبر، مع القول أَو النية 1 لصيرورته ملكا له بذلك 2 وإِن وطئَ جارية ابنه فأَحبلها، صارت أُم ولد له 3 وولده حرّ 4 ولا حد، ولا مهر عليه 5 إن لم يكن الابن وطئها 6 .

(وليس للولد مطالبة أَبيه بدين ونحوه) كقيمة متلف 1 وأَرش جناية 2 لما روى الخلال أَن رجلا جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأَبيه يقتضيه دينا عليه، فقال «أَنت ومالك لأَبيك» 3 (إلا بنفقته الواجبة عليه 4 فإن له مطالبته بها، وحبسه عليها) لضرورة حفظ النفس 5 وله الطلب بعين مال بيد أَبيه 6 فإن مات الابن فليس لورثته مطالبة الأَب بدين ونحوه، كمورثهم 7 .

وإن مات الأَب رجع الابن بدينه في تركته 1 و «الصدقة» وهي ما قصد به ثواب الآخرة 2 . و «الهدية» وهي ما قصد به إكراما وتوددا ونحوه 3 «نوعان من الهبة» حكمهما حكمها فيما تقدم 4 .

ووعاء هدية كهي مع عرف 1 .

فصل في تصرفات المريض

بعطية أَو نحوها 1 (من مرضه غير مخوف 2 كوجع ضرس وعين 3 وصداع) أي وجع رأْس (يسير 4 فتصرفه لازم، كـ) تصرف (الصحيح 5 ولو) صار مخوفا و (مات منه) اعتبارا بحال العطية 6 .

لأَنه إذ ذاك في حكم الصحيح 1 (وإن كان) المرض الذي اتصل به الموت (مخوفا 2 كبرسام) وهو بخار يرتقي إلى الرأْس، ويؤثر في الدماغ، فيختل عقل صاحبه 3 (وذات الجنب) قروح بباطن الجنب 4 (ووجع قلب) ورئة لا تسكن حركتها 5 (ودوام قيام) وهو المبطون الذي أَصابه الإسهال، ولا يمكنه إِمساكه 6 (و) دوام (رعاف) 7 .

لأَنه يصفي الدم، فتذهب القوة 1 (وأَول فالج) وهو داء معروف، يرخي بعض البدن 2 . (وآخر سل) بكسر السين 3 (والحمى المطبقة 4 و) حمى (الربع 5 وما قال طبيبان -مسلمان عدلان- إنه مخوف) 6 .

فعطاياه كوصية 1 لقوله - عليه السلام - «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أَموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» رواه ابن ماجه 2 (ومن وقع الطاعون ببلده) 3 أَو كان بين الصفين، عند التحام حرب 4 .

وكل من الطائفتين مكافئة للأُخرى 1 أَو كان من المقهورة 2 أَو كان في لجة البحر عند هيجانه 3 أَو قدم أَو حبس لقتل 4 (ومن أَخذها الطلق) حتى تنجو 5 (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء 6 ولا بما فوق الثلث) ولو لأَجنبى 7 (إِلا بإِجازة الورثة لها إِِن مات منه) 8 .

كوصية لما تقدم 1 لأَن توقع التلف من أُولئك كتوقع المريض 2 (وإِن عوفي) من ذلك (فكصحيح) في نفوذ عطاياه كلها، لعدم المانع 3 (ومن امتد مرضه بجذام 4 أَو سل) في ابتدائه 5 (أَو فالج) في انتهائه (ولم يقطعه بفراش 6 .

فـ) ـعطاياه (من كل ماله) 1 لأَنه لا يخاف تعجيل الموت منه كالهرم 2 (والعكس) بأَن لزم الفراش (بالعكس) 3 فعطاياه كوصية 4 لأَنه مريض، صاحب فراش، يخشى منه التلف 5 (ويعتبر الثلث عند موته) 6 لأَنه وقت لزوم الوصايا 7 واستحقاقها، وثبوت ولاية قبولها وردها 8 .

فإن ضاق ثلثه عن العطية والوصية قدمت العطية، لأَنها لازمة 1 ونماء العطية من القبول إلى الموت تبع لها 2 ومعاوضة المريض بثمن المثل من رأْس المال 3 والمحاباة كعطية 4 .

(و)

تفارق العطية الوصية في أَربعة أَشياء

1 أَحدها أَنه (يسوى بين المتقدم والمتأَخر في الوصية) 2 لأَنها تبرع بعد الموت، يوجد دفعة واحدة 3 (ويبدأ بالأَول فالأَول في العطية) لوقوعها لازمة 4 (و) الثاني أَنه (لا يملك الرجوع فيها) أي في العطية بعد قبضها 5 لأَنها تقع لازمة في حق المعطي وتنتقل على المعطى في الحياة ولو كثرت 6 وإنما منع من التبرع بالزائد على الثلث لحق الورثة 7 .

بخلاف الوصية فإنه يملك الرجوع فيها 1 (و) الثالث أن العطية (يعتبر القبول لها عند وجودها) لأنها تمليك في الحال 2 بخلاف الوصية، فإنها تمليك بعد الموت، فاعتبر عند وجوده 3 (و) الرابع أَن العطية (يثبت الملك) فيها (إذًا) أي عند قبولها كالهبة 4 لكن يكون مراعى 5 لأَنا لا نعلم هل هو مرض الموت أَولا 6 ولا نعلم هل يستفيد مالاً أَو يتلف شيء من ماله 7 فتوقفنا لنعلم عاقبه أَمره 8

فإذا خرجت من الثلث تبينا أَن الملك كان ثابتا من حينه 1 وإلا فبقدره 2 (والوصية بخلاف ذلك) فلا تملك قبل الموت 3 لأَنها تمليك بعده فلا تتقدمه 4 وإِذا ملك المريض من يعتق عليه بهبة أَو وصية 5 أَو أَقرأَنه أَعتق ابن عمه في صحته 6 عتقا من رأْس المال 7 وورثا، لأَنه حر حين موت مورثه، لا مانع به 8 .

ولا يكون عتقهم وصية 1 ولو دَبَّر ابن عمه، عتق ولم يرث 2 وإن قال: أَنت حرّ آخر حياتي.
عتق وورث 3 .

فصول الكتاب · 26 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الروض المربع · 657 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الظهار
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمة
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل