نعم وبئس وما جرى مجراهما
يقال: نعم وبئس، وهو المشهور، ونعم وبئس، وهو الأصل، ونعم وبئس 1 على الإتباع 2.
ونعم وبئس فعلان ما ضيان لا يتصرّفان، لقصد إنشاء مدح أو ذمّ.
ويقتضيان فاعلا معرّفا بأل الجنسية، ك نِعْمَ الْمَوْلى 3 أو فاعلا مضافا إلى المعرّف بأل، نحو: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ 4 ومثله: نعم عقبى الكرماء، والمضاف إلى المضاف إلى المعرّف بأل بمنزلة المضاف إلى المقرون بها، كقوله:
313 - فنعم ابن أخت القوم غير مكذّب … زهير حسام مفرد من حمائل 5
الجزء: 2 - الصفحة: 457
أو فاعلا مضمرا مفسّرا بنكرة بعده منصوبة على التمييز مطابقة.
وخالف المبرد سيبويه 6، وأجاز الجمع بين الفاعل والتمييز تمسّكا بقوله:
314 - والتغلبيون بئس 7 الفحل فحلهم … فحلا وأمّهم زلّاء منطيق 8
الجزء: 2 - الصفحة: 458
وقد قيل في 9 (ما) من نحو: نعم ما يقول الفاضل، وبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ 10: إنه يجوز أن تكون نكرة موصوفة في موضع نصب على التمييز مفسّرة لفاعل الفعل قبلها، وأن تكون موصولة في موضع رفع بالفاعلية وفاقا لسيبويه 11، بدليل قول العرب: بئسما تزويج لا مهر 12، فتزويج مبتدأ خبره بئسما و (ما) فيه فاعل.
وقال الزمخشري 13 في (ما) المفردة من نحو: فَنِعِمَّا هِيَ 14: إنّ (ما) في موضع نصب على التمييز، وضعّفه الشيخ 15 وقال: مذهب سيبويه أنّ (ما) اسم تام مكنيّ به عن معرّف 16 بأل، فالمعنى فنعم الشيء 17 هي.
وقد يكون فاعل نعم وبئس ضميرا بارزا مطابقا ما قبله، حكى الكسائي 18: الزيدان نعما رجلين، والزيدون نعموا رجالا.
- 268 والعيني 4/ 7 وشرح شواهد شرح التحفة 305 والهمع 2/ 86 والدرر 2/ 112 واللسان (نطق) 4463.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
وقد يكون نكرة مختصة، أجازه الأخفش والفراء 19، كقوله: 315 - بئس قرينا يفن هالك … أمّ عبيد وأبو 20 مالك 21 وأجاز الأخفش 22 وحده إسناد نعم وبئس إلى نكرة غير مضافة، كقوله: 316 - نياف 23 القرط غرّاء 24 الثنايا … ورئد للنساء ونعم نيم 25
الجزء: 2 - الصفحة: 460
وأجاز المبرّد 26 جعل فاعل نعم موصولا جنسا، كقوله:
317 - وكيف أرهب أمرا أو أراع له … وقد زكأت إلى بشر بن مروان
ونعم مزكأ 27 من ضاقت مذاهبه … ونعم من هو في سرّ وإعلان 28
ويجاء بعد الفاعل - أو المضمر المفسّر بمميّز - بمخصوص 29 - النيم القطيفة ويطلق على الضجيع والضجيعة.
وفي الخزانة (تيم) بالتاء وصححه السيوطي في الدرر بالنون... وانظر اللسان (نوم) 4585. نعم خيم: من الخيمة، أي: نعم المعاشر والسكن.
الشاهد في: (نعم نيم) فقد استشهد به الأخفش على مجيء فاعل نعم نكرة غير مضافة.
الديوان 202 وشرح العمدة 789 وشرح التسهيل 3/ 10 وشفاء العليل 587 والمرادي 3/ 81 والتذييل والتكميل 3/ 161 والخزانة 4/ 117 درجا والدرر 2/ 113 عرضا.
الجزء: 2 - الصفحة: 461
نحو: نعم الرجل زيد، وبئس رجلا عمرو.
ويجوز أن يكون المخصوص مبتدأ خبره الجملة قبله، أو خبرا لمبتدأ واجب الحذف، فالتقدير: نعم الرجل هو زيد.
وقد يتقدم على نعم وبئس ما يدلّ على المخصوص فيغني عن ذكره، نحو: العلم نعم المقتنى والمقتفى 30 ومثله: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ 31 وفَنِعْمَ الْماهِدُونَ 32 وفَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ 33.
وقد يقوم مقامه صفة اسم، نحو: نعم 34 الصديق حليم كريم! وبئس الصاحب عذول!.
واستعملوا ساء استعمال بئس فيما ذكر.
ويلحق بنعم وبئس في الاستعمال وعدم التصرّف فعل متضمن 35 تعجّبا على وزن (فعل) إمّا بوضع، نحو: حسن الخلق، وكَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ 36، وإمّا بتحويل عن (فعل) أو (فعل) كقول العرب: قضو 37 الرجل فلان، وعلم الرجل فلان،
الجزء: 2 - الصفحة: 462
ويكثر انجرار فاعله بالباء، نحو: حسن بزيد رجلا.
ويجري مجرى نعم وفاعلها (حبّذا) مقصودا به المحبة والمدح، وإن قصد به البغض والذمّ قيل: (لا حبّذا) وجمعهما من قال:
318 - ألا حبّذا عاذري في الهوى … ولا حبّذا الجاهل العاذل 38
و39 الفاعل (ذا) وفاقا لسيبويه 40، وخلافا للمبرّد وابن السرّاج 41 حيث قالا: (حبّ) و (ذا) ركّبا وجعلا اسما مرفوعا بالابتداء.
ويجيء لها مخصوص مثل مخصوص نعم، ويكون مبتدأ خبره حبّذا، ولا يقدم عليها، ولا يدخله نواسخ الابتداء.
وقد يحذف إن علم مع بقاء تمييز، كقوله:
319 - أجبت عصاما إذ دعاني قائلا … ألا حبّذا مستنصرا ونصيرا 42
الجزء: 2 - الصفحة: 463
أي حبذا أنت وأنا مستنصرا ونصيرا.
وحذفه دون تمييز قلّ، كقوله:
320 - قلت إذ أذنت سعاد بوصل … حبّذا يا سعاد لو تصدقينا 43
أي حبّذا إيذانك 44 بالوصل.
وتنفرد حبّذا عن نعم بدخول (يا) عليها، مثل يا حبّذا المتجمّلون، وبدخول (لا) كما مرّ.
وأتبع (ذا) المخصوص المذكور مذكّرا كان أو مؤنثا مفردا أو مثنى أو مجموعا، ولا تعدل عن لفظ (ذا)؛ لأنّ حبّذا جار مجرى المثل، والأمثال لا تغيّر.
تقول: حبّذا زيد! حبّذا هند، حبّذا الزيدان، حبّذا الزيدون، حبّذا الهندات.
ويوهم قول الشيخ: «وأول (ذا) 45 المخصوص 46» أنه لا بدّ - وتقديره: أنت وأنا، وجاء ذلك مع قلته لوجود التمييز (مستنصرا).
شرح العمدة 803.
الجزء: 2 - الصفحة: 464
أن يلي المخصوص (ذا) وأنه لا يجوز الفصل، وليس كذلك، فإنه يكثر وقوع تمييز 47 أو حال قبل مخصوصها، كقوله: 321 - يا حبّذا مرجوّا المثري السّخيّ … من يرجه فعيشه العيش الرّخيّ 48 وكذلك يكثر وقوعهما 49 بعده كقوله: 322 - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف … في أوجه البرّ إسرارا و 50 إعلانا 51 - وقد وضح ابن مالك ذلك في التسهيل 129، قال: «ويذكر بعدهما (يعني بعد حب وذا) المخصوص... ولا يقدم، وقد يكون قبله أو بعده (يعني المخصوص) تمييز مطابق، أو حال عامله حبّ».
الجزء: 2 - الصفحة: 465
وقد يجيء غير (ذا) فاعل (حبّ) مرفوعا كقوله: 323 - حبّ تعذيبك القلوب إن أرضا … ك وما تشائين يؤتى ويشاء 52 ومجرورا بباء زائدة كقوله: 324 - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها … وحبّ بها مقتولة حين تقتل 53! وإذا جاء فاعلها غير (ذا) تجدّد لها ثلاثة أمور: أحدها: كثرة الضمّ في حائها بالنقل من ضمّة عينها؛ إذ أصلها حبب، كقوله: - والمغني 463 وشرح شواهده للسيوطي 862 وشرح أبيات المغني للبغدادي 7/ 26.
الجزء: 2 - الصفحة: 466
وحبّ بها 54... البيت
وقد لا تضم 55 كقول الأنصاري:
325 - باسم الإله وبه بدينا … ولو عبدنا غيره شقينا
فحبّذا ربّا وحبّ دينا 56
أي: حبّ عبادته دينا، وذكّر ضمير 57 العبادة لتأولها بالدين.
الثاني: قلة الاستغناء عن تمييز، ولا سيّما عند جرّ الفاعل.
الثالث: الغنية بالفاعل عن مخصوص.
الجزء: 2 - الصفحة: 467
تتمّة ويشرك فاء (حبّ) بعد غير (ذا) وجرّ الفاعل، كلّ فعل على وزن فعل إذا ضمّن معنى تعجّب، ومن شواهد النقل قوله: 326 - حسن فعلا لقاء ذي الثروة المم … لّق بالبشر والعطاء الجزيل 58! ومن شواهد جرّ الفاعل حكاية الكسائي 59: «مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا وجدن أبياتا»! فلو خلا فعل من معنى التعجب جاز تسكين عينه، ولم يجز ضمّ فائه، كقوله: 327 - يا فضل يا خير من ترجى نوافله … قد عظم لي 60 منك في معروفك الأمل 61
الجزء: 2 - الصفحة: 468