ينصب بالأفعال القلبية المبتدأ والخبر جميعا بعد أخذها الفاعل.
ويفيد منها الخبر 1 يقينا: رأى، وعلم، ووجد، ودرى، وألفى، وتعلم، بمعنى اعلم.
ويفيد منها رجحان وقوع: خال، وظنّ، وحسب، وزعم، وعدّ، وحجا، وهب، وجعل بمعنى اعتقد، قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً 2.
ويفيد منها تحويلا: صيّر، وأصار، وجعل، ووهب، وردّ، وترك، وتخذ، واتّخذ.
وتختص الأفعال القلبية بالإلغاء والتعليق، سوى ما لم يتصرف منها، وهو هب، وتعلّم، الملازمان 3 للأمر.
فالإلغاء 4 ترك إعمال الفعل لضعفه بتأخر أو توسط.
والتعليق 5 ترك إعماله لفصل مصدّر بينه وبين معموله، نحو:
الجزء: 1 - الصفحة: 244
علمت لزيد ذاهب.
وللمضارع منها والأمر واسم الفاعل واسم المفعول ما قد علم للماضي من نصب مبتدأ وخبر وجواز إلغاء وتعليق.
والفعل القلبي إذا تأخر عن المفعولين فإلغاؤه أحسن من إعماله، كقوله:
133 - آت الموت تعلمون فلا ير … هبكم من لظى الحروب اضطرام 6
وإذا توسط استوى الأمران إلّا أن يؤكد الفعل بمصدر أو ضميره فيقبح إلغاؤه، فيقبح: زيد ظننت ظنّا منطلق، وزيد ظننته منطلق 7، أي: ظننت ظنّي 8. وإن تقدّم فلا يلغى، وموهم ذلك محمول إمّا على نية ضمير شأن، كقوله:
134 - أرجو وآمل أن تدنو مودّتها … وما إخال لدينا منك تنويل 9
الجزء: 1 - الصفحة: 245
أي: وما إخاله، وإمّا على نيّة لام ابتداء، كقوله:
135 - كذاك أدّبت حتّى صار من أدبي … أني رأيت ملاك الشيمة الأدب 10 - ولعلّ هذا بيت آخر، ولا شاهد فيه لما يورده النحاة.
الشاهد في: (إخال لدينا منك تنويل) حيث ظاهره إلغاء العامل (إخال) مع تقدمه ورفع تنويل على الابتداء، وخبره الظرف (لدينا) مقدما، وبه احتج الأخفش والكوفيون على جواز إلغاء العامل المتقدم.
وخرجه الجمهور على تقدير ضمير شأن محذوف، إخاله، وجملة المبتدأ والخبر (لدينا تنويل) في موضع المفعول الثاني.
أو بتقدير لام، أي: وما إخال للدينا.
وقيل: لتقدم بعض الكلام على الفعل (إخال) وهو هنا أداة النفي (ما) حيث نفت الجملة (لدينا تنويل) ولذا فقد توسط العامل (إخال) بين أجزاء الجملة فجاز الإلغاء.
ونقل البغدادي في شرح شواهد شرح التحفة الوردية عن أحمد الحداد البغدادي أحد شراح القصيدة أن ابن إياز الرومي قال: يجوز فيه أن تكون (ما) موصولة مبتدأ، ومفعول إخال الأول محذوف وهو العائد إلى ما، ومنك المفعول الثاني، وتنويل خبر المبتدأ (ما).
الديوان 29 وشرح البردة لأبي البركات الأنباري 98 وشرح الكافية الشافية 557 وشرح العمدة 248 وشرح التحفة 195 والمساعد 1/ 36 وابن الناظم 77 والعيني 2/ 412 وشرح شواهد شرح التحفة 211 والخزانة 4/ 7 وتخليص الشواهد 449 والهمع 1/ 53 و 153 والدرر 1/ 31 و 136.
الجزء: 1 - الصفحة: 246
أي: رأيت لملاك.
ويجب تعليق الفعل القلبي إذا فصل عمّا بعده 11 إمّا بما النافية، مثل: 12 عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ 13 وإمّا بإن ولا
النافيتين، نحو: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 14 ونحو: حسبت لا يقوم زيد، وإمّا بلام الابتداء أو القسم، نحو: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ 15 ونحو قوله: - الابتداء (لملاك) فيصير من باب التعليق.
وقال ابن مالك: يجوز تعليق العامل المتقدم متى تقدم عليه ما يتعلق بالكلام، وهو هنا (أنّ) لاحتياج اسمها إلى خبر.
الحماسة لأبي تمام 1/ 574 والمقرب 1/ 117 وشرح جمل الزجاجي 1/ 314 وشرح الكافية الشافية 558 وشرح العمدة 249 وابن الناظم 77 والمرادي 1/ 382 وتخليص الشواهد 449 وشرح التحفة 196 والعيني 2/ 411 وشرح شواهد المغني للبغدادي 216 والخزانة 4/ 5 وابن الناظم 77 والعيني 2/ 411 والهمع 1/ 153 والدرر 1/ 135 والبحر 3/ 124.
الجزء: 1 - الصفحة: 247
136 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي … إنّ المنايا لا تطيش سهامها 16 وإمّا باستفهام ولو ضمنا، مثل: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى 17. وقد ألحق بالقلبية غيرها في التعليق، نحو: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى 18 فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ 19 فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ
الجزء: 1 - الصفحة: 248
الْمَفْتُونُ (6) 20 أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ 21 يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) 22 وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ 23.
وإن أريد بعلمت معنى عرفت، نحو: لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً 24 وبظننت معنى اتهمت، وبرأيت معنى أبصرت، أو أصبت رئته، وبوجدت معنى أصبت، وباتّخذت معنى اكتسبت، وبجعلت معنى علمت، أو ألقيت أو أوجبت 25، تعدت إلى مفعول واحد، وحمل - و (تأمرين) صلته، وعلق الفعل (انظري) عن العمل في الجملة بعده، لأن صدر الجملة التي في محل نصب مفعول به اسم استفهام.
ويمكن إعراب (ماذا) اسم استفهام مفعول به مقدم وناصبه (تأمرين) والجملة في محل نصب مفعول به لا نظري، علق بالاستفهام.
الجزء: 1 - الصفحة: 249
رأي بمعنى حلم 26 على علم الأولى كقوله:
137 - أراهم رفقتي حتى إذا ما … تجافى الليل وانخزل انخزالا 27
ويجوز في هذا الباب حذف المفعولين إذا دلّ دليل كقوله تعالى: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 28.
ويقتصر على أحد المفعولين إن دلّ دليل 29، وإن منعه أكثر النحويين بدليل: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ 30 تقديره: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) بخلهم هُوَ خَيْراً لَهُمْ ف (هو) فصل، مثل: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً 31. - ومثال (جعل) بمعنى ألقى: جعلت المتاع بعضه على بعض، أي: ألقيته.
ومثالها بمعنى أوجب: جعلت للعامل كذا، أي: أوجبت له أجرة كذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
والقول وفروعه ينصب بعده المفرد، كقلت: شعرا، وتحكى بعده الجملة، كقلت: زيد قائم.
والأكثر يجيز إجراء القول مجرى الظن إذا كان بلفظ مضارع للمخاطب تاليا للاستفهام، كقوله:
138 - متى تقول القلص الرواسما … يحملن أمّ قاسم وقاسما 32
فإن فصل بين الفعل والاستفهام ظرف 33، أو جارّ ومجرور، أو أحد المفعولين لم يضرّ كقوله:
139 - أجهّالا تقول بني لؤيّ … لعمر أبيك أم متجاهلينا 34 - لم يورد ابن الوردي الآية شاهدا على حذف أحد المفعولين، فالهاء في (تجدوه) هي الأول و (خيرا) الثاني، وإنما أوردها شاهدا على الفصل بالضمير (هو) بين المفعولين اللذين أصلهما المبتدأ والخبر في الآيتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 251
والفصل بغير ذلك يوجب الحكاية.
وسليم يجرون القول مجرى الظنّ مطلقا كقوله:
140 - قالت: وكنت رجلا فطينا … هذا لعمر الله إسرائينا (36)
35 - المفعولين لا يضر، فجهالا مفعول ثان لتقول، وبني هو المفعول الأول.
الديوان 3/ 39 وسيبويه والأعلم 1/ 63 والمقتضب 2/ 249 وشرح الكافية الشافية 568 وابن الناظم 80 والمرادي 1/ 392 وشفاء العليل
الجزء: 1 - الصفحة: 252