الفاعل ما كان كزيد من قولك: أتى زيد، في كونه مسندا إليه فعل مقدم عليه 1 على طريقة فعل يفعل، أو كان كوجهه من قولك: منيرا وجهه، من كونه مسندا إليه اسم مقدم يشبه فعل يفعل 2.
فيدخل في قولنا: مسندا إليه، نحو: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ 3.
ويدخل في عدم 4 تقييد الفعل بالتمام اسم كان؛ إذ هو فاعل عند سيبويه 5، وإن أخرجه بعضهم.
والفاعل مرفوع بفعل مقدم عليه، فنحو: زيد قام 6، مبتدأ وخبر، معرّض لتسلّط 7 نواسخ الابتداء عليه، فإن ظهر بعد الفعل
الجزء: 1 - الصفحة: 256
ما هو مسند إليه في المعنى فهو الفاعل، سواء كان اسما ظاهرا، كقام زيد، أو ضميرا بارزا، كالزيدان قاما، وإن لم
يظهر وجب كونه ضميرا مستترا في الفعل، كعمرو انطلق.
وإذا أسند الفعل إلى الفاعل الظاهر وهو مثنى أو مجموع جرّد من الألف والواو والنون، نحو: فاز الشهيدان، وفاز الشهداء.
ومن العرب 8 جاعلها حروفا دالّة على مجرّد التثنية والجمع مع إسنادها إلى الظاهر، فيقول: سعدا أخواك، وسعدوا أخوتك، وقمن الهندات، ومثله: أكلوني البراغيث.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «يتعاقبون فيكم ملائكة 9» وقال:
الجزء: 1 - الصفحة: 257
146 - تولّى قتال المارقين بنفسه … وقد أسلماه مبعد وحميم 10 - وفي عقود الزبرجد 2/ 338 على مسند الإمام أحمد: «قال القاضي عياض: فيه حجة لمن صحح إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وحكوا فيها قول من قال من العرب وهم بنو الحارث: (أكلوني البراغيث) وعليه حمل الأخفش قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الأنبياء: 3.
وأكثر النحاة يأبون هذا، ومنهم سيبويه، ويتأولون هذا ومثله، ويجعلون الاسم (الذين) بدلا من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، كأنه لمّا قال: (أسروا) قال: من؟ قال: (الذين ظلموا).
وقال القرطبي: الواو في قوله: (يتعاقبون) علامة الفعل المذكر المجموع على لغة بني الحارث، وهم القائلون: أكلوني البراغيث، وهي لغة فاشية، وعليه حمل الأخفش قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها، وردوها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد توارد جماعة من الشرّاح على أن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيّان قائلا: إن هذا الطريق اختصرها الراوي، وقد أخرجه النوار بلفظ: (الملائكة يتعاقبون فيكم) فقوي بحث أبي حيان، قلت: (يعني السيوطي) قد سبق أبا حيان إلى هذا الاستدراك أبو علي.
وأما ابن مالك فإنه يسمي هذه اللغة في تصانيفه لغة: (يتعاقبون فيكم ملائكة) وتبعه الرضي على ذلك بعد أن كان النحاة يسمونها لغة: (أكلوني البراغيث)».
وانظر شرح الكافية الشافية 581 وابن الناظم 84 والمرادي 2/ 7 والجني الداني 170 والمغني 365 والهمع 1/ 160 وارتشاف الضرب 1/ 354 وشرح الكافية 2/ 144 وتخريج أحاديث الرضي في شرح الكافية 72 - 74 وغيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 258
ويرفع الفاعل فعل مضمر جوازا، كقولك: زيد، جوابا لمن قال: من قرأ؟ ومثله قوله:
147 - ليبك يزيد، ضارع لخصومة … ومختبط ممّا تطيح الطوائح 11 - والبيت من قصيدة رثى بها مصعب بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما حين قتل في دير الجاثليق سنة 71 هـ، ودخلت بمقتله العراق في ملك عبد الملك بن مروان.
المفردات: المارقين: عنى الخوارج أخذا من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
أسلماه: خذلاه.
مبعد وحميم: أراد البعيدين عنه والأصحاب.
الشاهد في: (أسلماه مبعد وحميم) فقد ألحق بالفعل (أسلماه) علامة التثنية مع إسناده إلى الفاعلين الظاهرين (مبعد وحميم) وذلك على لغة طيء وأزد شنوءة، والقياس (أسلمه مبعد وحميم).
الديوان 196 وأمالي ابن الشجري 1/ 132 وشرح الكافية الشافية 581 وابن الناظم 84 والمغني 367، 371 وتخليص الشواهد 473 والعيني 2/ 461 وشرح شواهد المغني للسيوطي 790 والهمع 1/ 160 والدرر 1/ 141.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
المعنى يبكيه ضارع.
ووجوبا إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه مثل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ 12 وهلّا زيد قام أبوه.
وإذا أسند الماضي إلى مؤنث لزمته التاء إذا كان المسند إليه إمّا ظاهرا حقيقيّا غير مفصول ولا مقصود به الجنس، نحو:
أبت 13 هند، وإمّا ضميرا متصلا حقيقيّ التأنيث أو مجازيه، كهند قامت، والشمس طلعت.
وحقيقيّ التأنيث ما كان بإزائه ذكر، كمرأة ونعجة.
فالظاهر المجازي المسند إليه، والحقيقي المفصول ثبوتها مختار فيهما، والحذف قليل، كقوله: - (يزيد) بالنيابة عن الفاعل، علم أن هناك باكيا غير مذكور، فكأنه سئل: من يبكيه؟ فأجاب: ضارع، أي: يبكيه ضارع.
ملحقات ديوان لبيد 362 وسيبويه والأعلم 1/ 145 والمحتسب 1/ 230 والخصائص 2/ 353 والمقتضب 3/ 282 ومشكل إعراب القرآن 1/ 272 وشرح الكافية الشافية 593 والإيضاح 74 وابن يعيش 1/ 80 والضرورة الشعرية للقيرواني 187 وابن الناظم 85 وتخليص الشواهد 478 وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 1/ 110 والعيني 2/ 454 وشفاء العليل 415 والخزانة 1/ 147 و 3/ 443 ومعاهد التنصيص 1/ 202 والهمع 1/ 160 والدرر 1/ 142 والخصائص 2/ 353، 424 والأشباه والنظائر 2/ 345 وإيضاح شواهد الإيضاح 74.
الجزء: 1 - الصفحة: 260
148 - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة … بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور 14
ومثله قولك: أتى القاضي بنت الواقف، هذا في غير المفصول بإلّا، أمّا المفصول بها فالحذف مختار فيه، كقولك:
ما زكا إلّا فتاة ابن العلا.
وحكم المقصود به الجنس في اختيار الحذف حكم المفصول بإلا، كنعم الفتاة.
وأغرب سيبويه 15 فحكى أنّ بعض العرب يقول: قال فلانة.
بحذف 16 التاء دون فصل أو غيره ممّا تقدم.
ويستباح ضرورة حذفها من الفعل المسند إلى ضمير ذي المجاز كقوله:
149 - فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها 17
الجزء: 1 - الصفحة: 261
وحكم الفعل المسند إلى جمع غير المذكّر السالم حكم المسند إلى واحد مجازي التأنيث، نحو قام الرجال، وقامت الرجال، وقام بنوك، وقامت بنوك؛ لتغيّر نظم واحده، وتساوي التاء في اللزوم وعدمه تاء 18 مضارع الغائبة.
والفاعل كالجزء من الفعل فحقه الاتّصال بالفعل، وحقّ المفعول الانفصال عنه.
ويقدّم توسّعا المفعول على الفاعل أو على الفعل نفسه، مثل:
ضرب زيدا عمرو، وفَرِيقاً هَدى 19.
ويجب تقدّم الفاعل إن خيف لبس، لعدم ظهور الإعراب والقرينة، نحو: أكرم موسى عيسى.
- الشاهد في: (أبقل) حيث حذف تاء التأنيث من الفعل، والقياس أبقلت، فالفاعل ضمير متصل مستتر يعود على الأرض، وهذا الحذف خاص بالشعر.
ونقل ابن هشام في تخليص الشواهد عن ابن كيسان أن ذلك جائز في النثر؛ لتمكن قائله أن يقول: أبقلت ابقالها.
وروي: (أبقلت ابقالها) بكسر التاء لنقل حركة الهمزة بعدها إليها وتخفيف الهمزة بعدها، وعليها فلا ضرورة ولا شاهد في البيت، كما ذكر الأعلم.
شعر طيء وأخبارها 2/ 431 وسيبويه والأعلم 1/ 240 ومعاني القرآن 1/ 127 والخصائص 2/ 411 وأمالي ابن الشجري 1/ 158، 161 وشرح الكافية الشافية 596 وابن الناظم 86 وابن يعيش 5/ 94 والمرادي 2/ 11 والعيني 2/ 264 وتخليص الشواهد 482 والخزانة 1/ 21 و 3/ 330 وشرح التحفة 205 وشرح شواهده للبغدادي 226 والهمع 2/ 171 والدرر 2/ 224.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
ويجوز 20 تقديم المفعول مع القرينة، نحو: ضرب سعدى موسى 21، وأخذت سلمى الحمّى.
ويقدّم الفاعل أيضا إذا أضمر 22 ولم يقصد حصره، نحو:
أكرمتك وأهنت زيدا 23، وكلما قصد حصره أخّر فاعلا أو مفعولا بإنّما أو بإلّا، نحو: إنما ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد إلّا عمرا 24، حصرا في المفعول، والحصر في الفاعل مثل: إنما ضرب عمرا زيد، وما ضرب عمرا إلّا زيد.
وأجاز الكسائي 25 تقديم المحصور بإلّا لفهم المعنى معها قدم المحصور أو أخّر، ووافقه ابن الأنباري 26 إذا لم يكن فاعلا وأنشد:
150 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة … فما زاد إلّا ضعف ما بي كلامها 27
الجزء: 1 - الصفحة: 263
وكثر تقديم المفعول المتلبّس 28 بضمير الفاعل عليه، نحو:
خاف ربّه عمر، فلو كان الفاعل متلبّسا 29 بضمير المفعول وجب عند أكثر النحويين تأخيره، نحو: زان الشجر نوره وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ 30 وأجازه بعضهم، والحقّ أنه قليل، كقوله:
151 - كسا حلمه ذا الحلم 31 أثواب سؤدد … ورقّى نداه ذا الندى في ذرى المجد 32 - ويتفق معه في الشطر الثاني بيت لذي الرمة، وفيه الشاهد، قال: تداويت من ميّ بتكليمة لها … فما زاد إلا ضعف دائي كلامها الشاهد في: (ما زاد إلا ضعف... كلامها) حيث قدم المفعول به (ضعف) المحصور بإلا على الفاعل (كلامها) وبه احتجّ به البصريون والفراء وابن الأنباري على جواز تقديم المفعول به المحصور بإلا.
الديوان 172 وديوان ذي الرمة 637 وشرح الكافية الشافية 591 وابن الناظم 87 والمساعد 1/ 406 وتلخيص الشواهد 486 والعيني 2/ 481 والهمع 1/ 161، 230 والدرر 1/ 143، 195.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
ومثله: 152 - ولو أنّ مجدا أخلد الدهر واحدا … من الناس أبقى مجده الدهر مطعما 33
الجزء: 1 - الصفحة: 265