ما يوهم أنها آراء نحوية لابن الوردي
: قد تشعر بعض عبارات ابن الوردي بأن ما يذكر من مخالفة لرأي جمهور المدرستين البصرية والكوفية وغيرهم من العلماء المتأخرين، يعدّ رأيا ينفرد به، وليس مسبوقا إليه، إلا أنّ المطلع على شرحه للألفية، يظهر له جليّا أنه في كل أقواله تلك، ما هو12
الجزء: 1 - الصفحة: 76
إلا تابع لمن سبقه، وهذه سمة علماء القرن الثامن وما بعده، فقد تبعوا من سبقهم في القضايا النحوية، واقتصروا على الاختيار والترجيح، ومن ذلك:
1 - قوله في (اسم الإشارة): «وقول من زعم أن المقرون بالكاف دون اللام للمتوسط، وبهما للبعيد تحكّم لا دليل عليه.
فلاسم الإشارة إذا رتبتان: قرب وبعد 3».
وممن سبقه إلى هذا القول ابن الناظم في شرح الألفية قال:
«وزعم الأكثرون أن المقرون بالكاف دون اللام للمتوسط، وأن المقرون بالكاف مع اللام للبعيد، وهو تحكم لا دليل عليه، ويكفي في ردّه أن الفراء حكى أن إخلاء ذلك وتلك من اللام لغة تميم 4».
2 - وقوله في حذف أحد مفعولي (ظنّ): «ويقتصر على أحد المفعولين إن دلّ دليل، وإن منعه أكثر النحويين بدليل: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ تقديره: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بخلهم هُوَ خَيْراً لَهُمْ ف (هو) فصل 5». وقد ذكره الناظم في قوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 77
ولا تجز هنا بلا دليل … سقوط مفعولين أو مفعول 6
وفصل ذلك ابن الناظم عند شرحه لهذا البيت 7.
3 - وقوله في (الفاعل): «فلو كان الفاعل متلبّسا بضمير المفعول وجب عند أكثر النحويين تأخيره، نحو: زان الشجر نوره وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ وأجازه بعضهم، والحقّ أنه قليل، كقوله:
كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد … ورقّى نداه ذا الندى في ذرى المجد
ومثله:
ولو أنّ مجدا أخلد الدهر واحدا … من الناس أبقى مجده الدهر مطعما 8»
قال ابن الناظم: «فلو كان الفاعل متلبسا بضمير المفعول وجب عند الأكثرين تأخير المفعول، نحو: زان نوره الشجر...، ومنهم من أجازه...، والحق أن ذلك جائز في الضرورة، ولا غير 9». وأورد ثلاثة شواهد منها، منها شاهدا ابن الوردي.
4 - وقوله في اشتغال العامل: «الثاني: لازم الرفع؛ وذلك حيث يتقدم على الاسم مختصّ بالابتداء، كإذا المفاجأة، نحو:
خرجت فإذا زيد يضربه عمرو.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
وكثير من غفل عن هذا وأجاز النصب، ولا سبيل إلى جوازه؛ إذ لم تولها العرب إلّا مبتدأ 10». وهذه عبارة ابن الناظم، قال: «وقد غفل عن هذا كثير من النحويين فأجازوا خرجت فإذا زيدا يضربه عمرو، ولا سبيل إلى جوازه 11». 5 - وقوله في التمييز: «ويجب نصبه إذا فصل بإضافة نحو: زيد أكرم الناس رجلا وأفضلهم، فليتنبّه لهذه القاعدة فهي من المغفول عنها عند الأكثر 12». ذكر هذه المسألة ابن الناظم فقال: «فلو أضفت أفعل إلى غير المييز قلت زيد أكرم الناس رجلا وأفضلهم عالما بالنصب لا غير 13». 6 - وقوله في (مع): «وزعم بعضهم أنها حرف إذا سكّنت، وليس بصحيح 14». وهذه عبارة ابن الناظم 15. 7 - وقوله في عطف البيان: «وكما يكون عطف البيان معرفة
الجزء: 1 - الصفحة: 79
تبعا لمعرفة مثل: أقسم بالله أبو حفص عمر فقد يكون نكرة تبعا لنكرة، ولا يلتفت إلى منع بعضهم ذلك بدليل قوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ 16. لم يزد ابن الوردي على شرح بيت الناظم، وهو: فقد يكونان منكرين … كما يكونان معرفين وقال ابن الناظم: «... ومنع بعض النحويين كون عطف البيان نكرة تابعا لنكرة، وأجازه أكثرهم 17». 8 - وقوله في (بل): «إن كان المعطوف بها جملة فهي لانتهاء غرض واستئناف غيره 18، وإن كان مفردا، فإن كان بعد نفي أو نهي فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضدّه لما بعدها، مثل قولك: لم أكن في منزل ربيع، بل أرض لا يهتدى بها، ولا تضرب خالدا بل بشرا، ولا عبرة بإجازة المبرّد نقلها حكم النفي والنهي إلى ما بعدها، بدليل نحو قوله: لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدى … بل أولياء كرام غير أوغاد 19»
الجزء: 1 - الصفحة: 80
وهذا قول ابن الناظم 20. 9 - وقوله في (نونا التوكيد): «وقلّ توكيد المضارع بعد ما الزائدة وبلم ولا النافية، كقوله: فلا الجارة العليا بها تلحينّها … ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل ومثله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وقول من زعم أنّ هذا نهي ليس بشيء؛ لأنّا قدّمنا أنه لا تنعت النكرة بجملة طلبية ولم ينتبه لهذا التعليل هنا فيما علمت أحد 21». بل تنبه إلى ذلك قبله ابن الناظم، قال: «وأما توكيده بعد لا النافية فقليل، ومن حقه أن يكون أكثر من توكيده بعد لم، لشبهه إذّاك بالنهي، قال الشاعر: فلا الجارة العليا بها تلحينّها … ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل ومنه قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ومنهم من زعم أن هذا نهي على إضمار القول، وليس بشيء، فإنه قد أكد الفعل بعد لا النافية في الانفصال كما في البيت المذكور، فتوكيده بها مع الاتصال أقرب لأنه أشبه بالنهي 22».
الجزء: 1 - الصفحة: 81
10 - وقوله في (عوامل الجزم): «فإن كانا فعلين جاز كونهما... الشرط مضارعا والجواب ماضيا، وليس هذا بضرورة كما زعم أكثرهم، ففي البخاري: (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له) وقالت عائشة رضي الله عنها: (إنّ أبا بكر رجل أسيف متى يقم مقامك رقّ) وقال الشاعر: إن تصرمونا وصلناكم، وإن تصلوا … ملأتم أنفس الأعداء إرهابا 23» قال ابن الناظم بعد أن ذكر هذه الصورة ومثّل لها: «وأكثر النحويين يخصون هذا بالضرورة وليس بصحيح، بدليل ما رواه البخاري من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: من يقم.. 24». 11 - وقوله في المنصرف: «الرابع: علم عجميّ الوضع والعلمية، زائد على ثلاثة أحرف، كإبراهيم وإسماعيل، فعربي العلمية كلجام اسم رجل، والثلاثي كنوح وشتر، منصرفان، ولا تلتفت إلى جاعل ساكن الوسط ذا وجهين، ومتحرك الوسط متحتم المنع؛ إذ التأنيث ملفوظ به غالبا، والعجمة متوهّمة، فهي أضعف منه 25». وهنا قال ابن الناظم: «وصرف نحو: نوح ولوط، ولا فرق في ذلك بين الساكن الوسط والمتحرك، ومنهم من زعم أن الثلاثي
الجزء: 1 - الصفحة: 82
الساكن الوسط ذو وجهين، والمتحرك الوسط متحتم المنع، وهو رأي لا معوّل عليه؛ لأن استعمال العرب بخلافه، ولأن العجمة أضعف من التأنيث؛ لأنها متوهمة، والتأنيث ملفوظ به غالبا، فلا يلزم حكمه (1)».
وغير ذلك من المسائل النحوية التي قال رأيه فيها وخالف الجمهور (2).