يصاغ أفعل التفضيل من كلّ ما صيغ من فعل التعجّب، كهو أفضل من زيد، وأعلم منه، كما يقال: ما أفضله وأعلمه! وما لا يجوز أن يبنى منه فعل التعجب فقد أبى النحاة أن يبنى منه أفعل التفضيل.
ويتوصل إلى التفضيل فيما نقص منه بعض الشروط بما يتوصل به إلى التعجب، ويجاء بمصدر الفعل العادم للصلاحية تمييزا منصوبا، كهو أشدّ انطلاقا، وأشدّ كونا 1، وأفجع موتا.
ويصاغ من فعل المفعول العادم اللبس كما في التعجب، كهو أنجب منك، وأعنى بك، وأشجى 2 عليك، ولا أحرم ممّن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء، وفلان ألعن من يهودي.
وشذّ صوغه من غير فعل، كقولهم: هذا أقير من هذا [أي أمر] 3 وألصّ من شظاظ 4.
وأفعل التفضيل إن جرّد من الإضافة و (أل) لزم اتصاله بمن
الجزء: 2 - الصفحة: 469
لابتداء الغاية 5، كقولك: زيد أفضل من عمرو.
وقد يستغنى بتقدير (من) للدليل 6، ويكثر إذا كان خبرا، مثل: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (17) 7 ويقلّ في الصفة، كقوله:
328 - تروّحي أحرى 8 أن تقيلي …... 9 - وقال ابن القطاع: «لصصت الشيء لصّا فعلته في ستر، ومنه اللصّ».
3/ 141 وعلى هذا لا شذوذ في مجيء اسم التفضيل منه على أفعل.
وشظاظ: بكسر الشين على وزن كتاب، لص من بني ضبّة.
انظر مجمع الأمثال 2/ 257 والمستقصي 1/ 328.
الجزء: 2 - الصفحة: 470
أي: تروحي وأتي مكانا أجدر أن تقيلي فيه من غيره.
وإن كان مضافا كأفضل القوم، أو مع (أل) كالأفضل 10، لم يتصل بمن، وأمّا قوله:
329 - ولست بالأكثر منهم حصى … وإنّما العزة للكاثر 11
فقيل: (من) فيه لبيان الجنس أي: بالأكثر من بينهم.
وقيل:
متعلقة بمحذوف دلّ عليه المذكور.
وقيل: (أل) فيه زائدة، فلم تمنع وجود (من) كما لم تمنع الإضافة في قوله:
330 - تولي الضجيع إذا تنبّه موهنا … كالأقحوان من الرشاش 12 المستقي 13
الجزء: 2 - الصفحة: 471
قال أبو علي: أي: من رشاش 14.
ثمّ إن أضيف أفعل التفضيل إلى نكرة أو عري من الإضافة و (أل) لزم التذكير والتوحيد، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجمعه، تقول في المضاف إلى نكرة: هو أفضل رجل، هي أفضل امرأة، هما أفضل رجلين، هم أفضل رجال، هنّ أفضل نساء.
وتقول في العاري:
هو أو هي أو هما أو هم أو هنّ أفضل منك، وقد يؤنّث هذا كقول حنيف 15: الرمكاء بهيا، [والحمراء صبرى، والخوّارة غزرى 16 والصّهباء سرعى 17. - مضاف، والأصل من رشاش المستقي، واستدل النحاة بذلك على جواز زيادة (أل) في المضاف، فدل على جواز زيادة (أل) مع (من) في التفضيل كما في الشاهد السابق.
الديوان 110 - 111 وابن الناظم 187 والعيني 4/ 40 وحاشية ياسين 2/ 24 وشواهد التوضيح 59.
الجزء: 2 - الصفحة: 472
وقد يجمع كقول الوليد بن عقبة:
331 - لعمري لئن أضحت عليّ عمامة … لقد رزي الأنصار قوم أكارم 18
ويجب أن يطابق المقرون بأل ما هو له، كزيد الأكبر، الزيدان 19 الأكبران، الزيدون الأكبرون، هند الكبرى، الهندان 20 الكبريان، الهندات 21 الكبريات أو الكبر.
ويجوز في المضاف إلى المعرفة إن كانت إضافته بمعنى (من) المقصود بأفعل فيه التفضيل وجهان:
أحدهما: موافقة المجرّد في التذكير والتوحيد، كهي أفضل النساء، هم أفضل القوم.
[الثاني: موافقة المعرفة بأل في المطابقة، كهي أفضل النساء، هم أفضل القوم] 22 وقد اجتمع الوجهان في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا - بهيا وصبرى وغزرى وسرعى، أسماء تفضيل مؤنثة مع أنها عارية من (أل) والإضافة، والأصل التذكير والإفراد.
الجزء: 2 - الصفحة: 473
أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا» 23.
أمّا إذا لم يقصد التفضيل فلا بدّ من المطابقة، كقولهم:
الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان 24. أي عادلاهم.
ولكثرة استعمال (أفعل) لا لتفضيل طرده المبرّد 25، كقوله
الجزء: 2 - الصفحة: 474
تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ 26 وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ 27 أي: عالم وهيّن، وكقول الشاعر:
332 - إنّ الذي سمك السماء بنى لنا … بيتا دعائمه أعزّ وأطول 28
ويعرض تقديم المفضول على أفعل التفضيل وجوبا إن تضمّن استفهاما، أو أضيف إلى متضمّن استفهام، كمثل: ممّن أنت خير؟ ومن وجه من وجهك أجمل؟ وهذه الثانية لم ينبّه عليها الشيخ ولا ابنه، على أن الشيخ قال في بعض مصنّفاته: إنها والتي قبلها من المسائل المغفول عنها 29. فلو قال بدل البيت 30: - فمطّرد، فمن ذلك قوله: قبحتم يا آل زيد نفرا … ألأم قوم أصغرا وأكبرا يريد صغيرا وكبيرا، فهذا سبيل هذا الباب».
يعني أن (أفعل) في غير التفضيل مقيس عند المبرد.
الجزء: 2 - الصفحة: 475
وإن يكن بتلو من مستفهما … أو تلو تلوها فقدّمن هما
لكان أكمل.
وتقديم المفضول فيما ليس كذلك قليل، كقوله:
333 - إذا سايرت أسماء يوما ظعائنا … فأسماء من تلك الظعائن أملح 31
وحكى سيبويه 32 أن من العرب من يرفع بأفعل التفضيل الظاهر بلا شرط فيقول: مررت برجل أحسن منه أبوه، وهذا قليل، 33 ولكن لغرض ما يسوغ رفعه الظاهر عند جميع العرب، وذلك أن 34 يكون بعد نفي مقصودا به تفضيل شيء على نفسه - يريد قول ابن مالك في الألفية 44: وإن تكن بتلو من مستفهما … فلهما كن أبدا مقدّما ولم يتضمن سوى المسألة الأولى، وهي تقديم المفضول المجرور بمن المتضمن استفهاما على أفعل التفضيل.
أما بيت ابن الوردي فيتضمن المسألتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 476
باعتبار محلين، أو وقتين، إذا حسن أن يقع موقع أفعل التفضيل فعل بمعناه، مثل:
لن 35 ترى في الناس من رفيق … أولى به الفضل من الصّدّيق 36
رضي الله عنه وأصله: أولى به الفضل من الفضل بالصدّيق، فحذف منه ما سيأتي مثله.
وتقول: [ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد 37، [[إذ يحسن فيه] 38 ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد 39]، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: (ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة 40 وقول الشاعر:
الجزء: 2 - الصفحة: 477
334 - ما علمت امرأ أحبّ إليه ال … بذل منه إليك يا ابن سنان 41
ولو اختصرت فقلت: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، بتقدير: من كحل عينه، ومن زيد بتقدير:
مضافين، لاحتمل بدليل قولهم: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر.
أي من شهود كذبة.
فلو 42 استغنيت عن المفضول للعلم به فقلت: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، بحذف منه إليه في آخره لاحتمل؛ بدليل إنشاد سيبويه رحمه الله تعالى:
335 - مررت على وادي السّباع ولا أرى … كوادي السباع حين يظلم واديا - الصوم، باب ما جاء في العمل في أيام العشر) 3/ 121، 122 (757، 758) وابن ماجه في (باب صيام العشر) 1/ 550 (1727) بألفاظ مختلفة، وكلها فيها الشاهد.
وانظر سيبويه 1/ 232 والمقتضب 3/ 250 والهمع 2/ 102 وشرح الكافية الشافية 1140 وشرح العمدة 773 وابن الناظم 189 وغيرها مع اختلاف في اللفظ دون موضع الشاهد.
والشاهد في (أحب... الصوم) فقد رفع الاسم الظاهر (الصوم) بأحب على الفاعلية، وهو مسبوق بما النافية، وقصد به تفضيل الصوم في عشر ذي الحجة على الصوم في غيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 478
أقلّ به ركب أتوه تئيّة … وأخوف إلّا ما وقى الله ساريا 43 قال الشيخ: 44 أراد ولا أرى واديا أقلّ به ركب منه بوادي السباع، فحذف المفضول 45.
الجزء: 2 - الصفحة: 479