اسميّ وحرفيّ، فالاسميّ ما افتقر إلى الوصل بجملة معهودة مشتملة على ضمير يليق بالمعنى.
والحرفيّ كل حرف أوّل هو وصلته بمصدر كأن، في: أريد أن تفعل، وما في: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ 1، و (كي) في: جئت كي تحسن إليّ، ولو 2 في: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ 3 وفي قولها:
37 - ما كان ضرّك لو مننت وربّما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق 4
أمّا الأسماء الموصولة فمنها: الذي للواحد، والتي للواحدة، واللذان واللتان رفعا، واللذين واللتين 5 جرّا ونصبا للاثنين والثنتين.
لمّا كان الذي والتي مبنيين لم تحرك ياؤهما، فلم تفتح قبل
الجزء: 1 - الصفحة: 147
علامة التثنية فالتقى ساكنان فحذف الأول منهما، ولهذا شدّد بعضهم 6 النون تعويضا عن الحذف المذكور، ومنهم من يشدّد نون ذين وتين 7 تعويضا عن ألف ذا وتا.
ومنها الذين مطلقا لجمع من يعقل، وهذيل وقيل: بنو عقيل يجرونه كالسالم، فيرفعونه بالواو.
ومنها الألى بمعنى الذين تقول: الألى فعلوا، وهو اسم جمع؛ إذ لا واحد له من لفظه، وكذا الذين؛ لأنه مخصوص بمن يعقل، والذي بمن 8 يعقل وغيره، ولو 9 كان الذين جمعا للذي 10 ساواه عموما، فإذا إطلاق الجمع على الأولى والذين اصطلاح لغوي.
ومنها اللائي واللاتي 11، وقد يجيء اللائي بمعنى الذين كقوله:
38 - فما آباؤنا بأمنّ منه … علينا اللاء قد مهدوا الحجورا 12
الجزء: 1 - الصفحة: 148
كما قد يجيء الألى بمعنى اللاتي، وجمع بين اللغتين من قال:
39 - وتبلي الألى يستلئمون على الألى … تراهنّ يوم الروع كالحدأ القبل 13
ومنها أسماء 14 بمعنى الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما واللفظ واحد، وهي من وما والالف واللام وذو، وذا، وأيّ.
فأمّا (من) فلمن يعقل تحقيقا أو تشبيها أو تغليبا، أو 15 اعتبار - لجماعة الإناث، بمعنى اللاتي.
شرح الكافية الشافية 259 وابن الناظم 32 والمساعد 1/ 143 والمرادي 1/ 217 وابن عقيل 1/ 126 والعيني 1/ 429 والهمع 1/ 83 والدرر 1/ 57 والأشموني 1/ 151.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
اللفظ في ضميرها أكثر من اعتبار المعنى، مثل: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ 16 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ 17 ومن اعتبار المعنى 18، قوله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ 19 وقول الشاعر:
40 - تعشّ فإن، عاهدتني لا 20 تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان 21
وأمّا (ما) فتجري في أحد أقسامها مجرى (من) في كلّ ما ذكر، لكن لا تكون لمن يعقل، بل لمن لا يعقل، مثل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) 22 أو لصفات من يعقل، مثل: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ 23 أو لمبهم أمره، كقولك لمن أراك شبحا لا تدري ما هو أبشر هو أم مدر؟: رأيت ما رأيت.
ولا يطلق على
الجزء: 1 - الصفحة: 150
من 24 يعقل إلّا مع غيره، نحو قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ 25.
وأمّا الألف واللام، فاسم موصول بمعنى الذي وفروعه، ويلزم في ضميرها اعتبار المعنى، كالضارب والضاربة والضاربان والضاربون، كأنك قلت: الذي ضرب، والتي ضربت، واللذان 26 ضربا، والذين ضربوا.
وأمّا ذو، فموصولة عند طيّ خاصة، والأعرف فيها عندهم بناؤها واستعمالها في الإفراد والتذكير وفروعهما 27 بلفظ واحد، ويظهر المعنى بالعائد كقوله:
41 - ذاك خليلي وذو يواصلني 28 …...............
الجزء: 1 - الصفحة: 151
وكقوله: 42 - فإنّ الماء ماء أبي وجدّي … وبئري ذو حفرت وذو طويت 29 وأنشد 30 أبو الفتح 31: 43 - وإمّا كرام موسرون رأيتهم … فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا 32
الجزء: 1 - الصفحة: 152
فأعرب، والمشهور: من ذو عندهم، على البناء.
[وقد تؤنث بتاء] 33 وتبني على ضمّ، حكى الفرّاء: «الفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بها 34».
وربّما جمع (ذات) بالألف والتاء مع بقاء البناء كقوله:
44 - جمعتها من أينق سوابق … ذوات ينهضن بغير سائق 35
وأمّا (ذا) فتكون موصولة بمنزلة (ما) في الدلالة على معنى الذي وفروعه إذا وقعت بعد ما أو من الاستفهاميتين ما لم تلغ أو يشر بها، فإن لم يتقدّم على (ذا) ما أو من، فالكوفيون يجيزون كونها موصولة وأنشدوا:
الجزء: 1 - الصفحة: 153
45 - عدس، ما لعبّاد عليك إمارة … أمنت وهذا تحملين طليق 36
قدّروه: والذي تحملين.
وهذا عند البصريين اسم إشارة، وتحملين حال.
فإذا قلت: ماذا صنعت؟ وماذا رأيت؟ وأنت لا تقصد بذا إشارة، فيحتمل صلتها ويحتمل إلغاؤها، ويظهر 37 الاحتمال في البدل وفي الجواب إذا فرّغ ما بعد (ذا) من ضمير الاستفهام أو ملابسه، تقول: ماذا صنعت أخيرا أم شرّا 38؟
بالنصب والرفع، ففي النصب (ما) مفعول صنعت، و (ذا) لغو، وفي الرفع ما مبتدأ مخبر عنها بذا موصولة كقوله:
46 - ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل 39؟
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وشاهد الجواب قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ 40 بالرفع والنصب.
وأمّا (أيّ) فستأتي 41.
ويلزم كلّ موصول أن يعرف بصلة مشتملة على ضمير عائد إلى الموصول مطابق له في الإفراد والتذكير، وفروعهما، وشرطها كونها معهودة، كجاء الذي عرفته، أو بمنزلتها، مثل: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ 42.
وصلة غير (أل) جملة خبرية من مبتدأ وخبر، كالذي ابنه - الشاهد: في (ماذا يحاول) فقد استعمل (ذا) اسما موصولا بمعنى الذي، خبر المبتدأ (ما) ويجوز العكس، وجملة يحاول صلة، والعائد ضمير محذوف تقديره: (يحاوله)، وذلك لتقدم (ما) الاستفهامية، ولا يصح أن تجعل (ماذا) اسم استفهام مفعولا به ليحاول مقدما لرفع البدل (نحب) إلا إذا قدر نحب خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: هو نحب، ولا يصح أن تجعل (ماذا) مبتدأ، ويحاول خبرا لعدم الرابط، وقيل يجوز، والرابط محذوف في محل نصب مفعول الفعل، تقديره: يحاوله.
الديوان 254 وسيبويه والأعلم 1/ 405 والأصول 2/ 264 ومعاني القرآن 1/ 139 والمخصص 14/ 103 والجمل 349 وشرح الجمل لابن عصفور 2/ 479 والبحر المحيط 1/ 119 و 2/ 142 وابن الناظم 35 والعيني 1/ 7 و 440 وابن يعيش 3/ 149 و 4/ 23 والخزانة 2/ 556 واللامات 50.
الجزء: 1 - الصفحة: 155
كفل، أو فعل وفاعل، كالذي أكرم أخوه.
ولا تكون طلبية إذ هي غير محصلة ولا صالحة لتعريف، ويقوم مقام الجملة شبهها من ظرف أو جار ومجرور معلق باستقرار، كرأيت من عندك 43، وكأخذت الذي لك.
وصلة (أل) صفة صريحة الوصفية، كضارب، وحسن، وظريف، دون ما غلبت عليه اسمية، كأبطح، وأجرع 44، وصاحب، وراكب، وقد توصل (أل) بمضارع؛ إذ هو كالصفة معنى، كقوله:
47 - ما أنت بالحكم الترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل 45
ثمّ اعلم أنّ (أيّا) مثل (ما) في الدلالة على معنى الذي وفروعه، كمرّ بأيّ فعل، وفعلت، وفعلا، وفعلوا، وفعلن، وقد تلحق التاء للتأنيث، فيقال: أيّة 46، وتبنى إذا صرّح بما تضاف إليه حيث العائد مبتدأ محذوف، كقوله تعالى: أَيُّهُمْ أَشَدُّ 47
الجزء: 1 - الصفحة: 156
التقدير: هو أشد، وكقول الشاعر:
48 - إذا ما لقيت بني مالك … فسلّم على أيّهم أفضل 48
فإن لم يكن العائد مبتدأ محذوفا فالإعراب سواء كان مبتدأ مذكورا، كامرر بأيّهم هو أفضل أو غيره، كمرّ 49 بأيّهم قام أبوه، وإذا لم يصرح بما يضاف إليه (أيّ) فلا بدّ من إعرابها، سواء حذف العائد، كمرّ بأيّ أفضل، أولا، كمرّ بأيّ هو أفضل، وأيّ قام أبوه.
وبعض العرب أعرب أيّا مطلقا، وعليه قرئ أيهم أشد بالنصب 50.
وغير (أي) من أخواتها يتبع أيّا في جواز حذف العائد المبتدأ، ويحسن ويكثر إذا طالت الصلة، كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ 51. وقول بعضهم: ما أنا بالذي
الجزء: 1 - الصفحة: 157
قائل لك سوءا 52، [أي: ما أنا بالذي هو قائل لك سوءا] 53. وإذا لم تطل الصلة فالحذف قليل كقوله تعالى على قراءة: تماما على الذى أحسن 54 ومَثَلًا ما بَعُوضَةً 55 وكقول الشاعر: 49 - من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه … ولا يحد عن سبيل المجد والكرم 56
الجزء: 1 - الصفحة: 158
أراد بما هو سفه.
والعائد المبتدأ لا يجوز أن يقتطع ويحذف إلّا والخبر مفرد كما مرّ، فلو كان ظرفا أو عديله أو جملة لم يجز حذفه؛ إذ لا يبقى على إرادته دليل؛ لأن الباقي يصلح للوصل، فلا يجوز في جاء الذي هو في الدار، و 57 عندك، ورأيت الذي هو يقول، حذف العائد.
ويحسن حذف العائد إذا كان ضميرا متصلا منصوبا بفعل أو وصف، فالفعل مثل: من نرجو يهب، تقديره: من نرجوه، ومثله: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ 58 والوصف أقلّ، وشاهده قوله:
50 - في المعقب البغي أهل الظّلم ما … ينهى امرأ حازما أن يسأما 59 - شرح الكافية الشافية 296 وشفاء العليل 233 وابن الناظم 37 والعيني 1/ 446 والهمع 1/ 90 والدرر 1/ 69 والأشموني 1/ 169 والتصريح 1/ 144.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
تقديره: في الذي أعقبه البغي أهل الظلم ما ينهى 60 امرأ حازما أن يسأم من سلوك الحق.
فلو كان العائد المنصوب
منفصلا، كجاء الذي إيّاه أكرمت، لم يجز الحذف لدلالة الانفصال على الاختصاص والاهتمام.
ويجوز حذف العائد مجرورا بإضافة الوصف إليه، كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ 61 التقدير: ما أنت قاضيه.
وقول الشاعر:
51 - ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت … يميني بإدراك الذي كنت طالبا 62
وقول أبي العلاء:
52 - ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل … عفاف وإقدام وحزم ونائل 63 - ابن الناظم 37 والمرادي 1/ 251 والعيني 1/ 470 والأشموني 1/ 171.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
ويجوز أيضا حذف العائد المجرور بحرف جرّ بمثله الموصول لفظا أو 64 متعلقا، كمرّ بالذي مررت، أي به، قال الله تعالى: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ 65. فلو جرّ العائد بما لم يجرّ بمثله الموصول، كسلّم على الذي مررت به، أو جرّ بحرف جرّ بمثله الموصول لفظا لا متعلقا 66، كزهدت في الذي رغبت فيه، لم يجز الحذف، وندر قوله: 53 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها … وهوّ على من صبّه الله علقم 67 أراد صبّه عليه.
- التمثيل به: في (ما أنا فاعل) حيث حذف العائد المجرور بالوصف، والتقدير: الذي أنا فاعله، وهذا جائز.
شرح سقط الزند 519.
الجزء: 1 - الصفحة: 161