المبتدأ هو الاسم المجرد عن العوامل اللفظية غير المزيدة، مخبرا عنه، أو وصفا رافعا لمكتفى به.
فالاسم يدخل فيه الصريح كزيد قائم، والمؤوّل، مثل: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 1. والمجرّد من العوامل اللفظية، مخرج لاسم كان وإنّ، وأوّل 2 مفعولي ظنّ.
وغير المزيدة، مدخل لنحو: بحسبك زيد، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ 3.
ومخبرا عنه أو وصفا، مخرج لنحو: نزال ودراك.
ورافعا لمكتفى به، مخرج لنحو: قائم أبواه زيد؛ إذ لا يكتفى بمرفوعه معه.
والمبتدأ إمّا ذو خبر موجود 4، كزيد، من: زيد عاذر 5، [أو مقدر نحو: لولا زيد لفعلت] 6، وإمّا وصف مسند إلى الفاعل أو نائبه، كسار ومكرم، من: أسار هذان؟ وما مكرم
الجزء: 1 - الصفحة: 166
العمران، فهذا الضرب استغنى بمرفوعه عن خبره؛ لشدّة شبه الفعل 7، ومن ثمّ لا يحسن استعماله حتى يعتمد على مقرب من الفعل من استفهام كقوله: 59 - أقا طن قوم سلمى أم نووا ظعنا؟ … إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا 8 أو نفي كقوله: 60 - خليليّ ما واف بعهدي أنتما … إذا لم تكونا لي على من أقاطع 9 وقد لا يعتمد كقوله: 61 - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا … مقالة لهبيّ إذا الطير مرّت 10
الجزء: 1 - الصفحة: 167
ومثله: فائز أولو الرشّد.
ومتى كان الوصف لما بعده من مثنى أو مجموع وطابقه نحو:
أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ كان خبرا وما بعده مبتدأ له، ومتى كان لمفرد كقوله تعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ 11 جاز أن يكون مبتدأ وما بعده فاعل، وخبرا مقدّما متحمّلا 12 للضمير.
ولا خلاف عند البصريين أنّ المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأمّا الخبر فالصحيح رفعه بالمبتدأ.
وخبر المبتدأ ما تحصل به الفائدة، ك (برّ) و (شاهدة) من قولك: الله برّ والأيادي شاهدة.
والأصل في الخبر الإفراد، ويكون جملة بشرط ارتباطها بالمبتدأ، والارتباط بأحد أمرين:
الأول: أن تكون الجملة مشتملة على معنى المبتدأ، إمّا لذكر ضميره فيها، [كزيد قام أبوه، أو تقديره: كالسمن منوان بدرهم، - الشاهد في: (خبير بنو لهب) حيث سدّ الفاعل (بنو) مسدّ الخبر مع عدم اعتماد الوصف (خبير) الواقع مبتدأ على استفهام أو نفي كما يشترط البصريون، وبهذا البيت احتجّ الكوفيون على عدم اشتراط هذا الشرط.
شرح التسهيل 1/ 273 وابن الناظم 41 وشفاء العليل 273 وابن عقيل 1/ 169 والعيني 1/ 518 وشرح التصريح 1/ 157 والدرر 1/ 72 والهمع 1/ 94.
الجزء: 1 - الصفحة: 168
أي: منه.
وإمّا لأنّ فيها] 13 مشارا به إليه، كقوله تعالى: [وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ 14 أو متضمنا للمبتدأ، كقوله تعالى 15]: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) 16 ومثله زيد نعم الرجل 17.
وإمّا لأنّ المبتدأ فيها 18 معاد، نحو:
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) 19 والْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ (2) 20.
الثاني: أن تكون الجملة نفس المبتدأ معنى، كنطقي 21 الله
الجزء: 1 - الصفحة: 169
حسبي، فيكتفى بها، ولا حاجة إلى ضمير ما سيقت له، ومنه قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ 22 وفَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا 23 وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) 24 على الأظهر.
والخبر المفرد إن كان جامدا لم يتحمل ضمير الابتداء خلافا للكوفيين، كزيد أخوك، وهذا عبد الله.
وإن كان
مشتقا فإن لم يرفع ظاهرا رفع ضمير المبتدأ، كزيد منطلق.
ويجب استتار هذا الضمير إلّا إذا جرى الخبر على غير من هو له فرفع ضميره فيجب عند البصريين بروزه مطلقا سواء 25 أخيف اللبس أم لا، نحو: زيد عمرو ضاربه هو، فزيد مبتدأ، وعمرو مبتدأ، وضاربه خبر عمرو، والهاء له [وهو فاعل] 26 وأبرز، وعاد على زيد؛ لئلا يتوهم أن عمرا فاعل الضرب، وتقول: هند زيد ضاربته هي، ولا يلزم ذكر
الجزء: 1 - الصفحة: 170
هي عند الكوفيين، لأمن اللبس، ويشهد لهم قوله:
62 - قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت 27 …................
وممّا يخبر به عن المبتدأ الجار والمجرور، والظرف، ك الْحَمْدُ لِلَّهِ 28 والسفر غدا؛ لتضمنهما 29 معنى صادقا على المبتدأ 30، ولك تقديره بمفرد نحو كائن و 31 مستقر، وهو الأرجح، أو جملة نحو: كان أو استقر.
وإنما يخبر باسم الزمان غالبا عن اسم المعنى، وقد يخبر به عن اسم العين إذا كان كاسم 32 المعنى في وقوعه وقتا دون وقت،
الجزء: 1 - الصفحة: 171
كالرطب في تموز، والورد في أيّار.
وقد ينكّر المبتدأ والخبر بشرط حصول الفائدة، وذلك في الغالب بأن يكون المبتدأ نكرة محضة والخبر ظرف أو عديله، مقدم، كعند زيد نمرة، وفي الدار رجل، أو يعتمد على استفهام، نحو: هل فتى فيكم؟ أو نفي نحو 33: ما خلّ لنا.
أو يختص إما بوصف نحو: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ 34 ورجل من الكرام عندنا، وإما عمل 35 نحو: «أمر بمعروف 36 صدقة، ونهي عن منكر صدقة 37».
ورغبة في الخير خير، وإمّا بإضافة، نحو: عمل برّ يزين.
وقد يبتدأ بالنكرة في غير ما ذكر لإفادة الإخبار عنها كقوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 172
63 - فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نساء ويوم نسر 38 وقوله: 64 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا … محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق 39 وشرّ أهرّ ذا ناب 40، [وشيء جاء بك] 41 وقول ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 173
عباس 42 رضي الله عنهما: «تمرة خير من جرادة 43».
والأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر، ويجوز تقديم الخبر إذ لا ضرر، كقولهم: تميمي أنا.
ويمنع من تقديمه أسباب منها: كون المبتدأ والخبر معرفتين أو نكرتين ولا قرينة تبين المخبر به من المخبر عنه، كزيد صديقك، وأفضل منك أفضل مني، ويجوز مع القرينة، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مسكين رجل لا زوجة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا زوج لها 44». وقول الشاعر:
الجزء: 1 - الصفحة: 174
65 - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد 45
ومنها: كون الخبر فعلا والمبتدأ مفردا والفعل مسندا 46 إلى ضميره، كزيد قام، فلو ثنّي أو جمع جاز تقديمه، كقاما أخواك، - وفي كتاب السنن لأبي سعيد بن منصور 1/ 138 (488) في (باب الترغيب في النكاح) عن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مسكين مسكين رجل ليس له امرأة.
قالوا: يا رسول الله وإن كان غنيّا من المال؟ قال: وإن كان غنيّا من المال.
وقال: مسكينة مسكينة مسكينة امرأة ليس لها زوج.
قالوا: يا رسول الله وإن كانت غنية من المال؟ قال: وإن كانت غنية من المال».
وفي الترغيب والترهيب 3/ 41، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «الدنيا متاع، ومن خير متاعها امرأة تعين زوجها على الآخرة، مسكين مسكين رجل لا امرأة له، مسكينة مسكينة امرأة لا زوج لها».
والشاهد: تقديم الخبر (مسكين) على المبتدأ (رجل) لوجود قرينة تعيّن المبتدأ، وهي كون المبتدأ جامدا والخبر مشتقّا، وهذا هو الأصل فيهما، ومثل ذلك يقال في (مسكينة امرأة).
الجزء: 1 - الصفحة: 175
قاموا إخوتك.
ويوهم كلام الشيخ 47 أن مثل هذا لا يجوز أن يصدق عليه أن الفعل فيه خبر، فلو قال بدل البيت نحو 48:
أو كان 49 فعل خبر 50 كابني قرا … أو قصد استعماله منحصرا
لكان أوضح؛ لأنّ التمثيل بابني قرا، المبتدأ فيه مفرد والفعل مسند إلى ضميره.
ومنها: قصد بيان انحصار جملة ما 51 للمبتدأ من الأخبار التي يصح فيها النزاع، كقولك: إنما زيد شاعر، في الردّ على معتقد كتابته وشعره، أو كتابته لا شعره، وحمل على (إنما) المحصور بإلّا بعد نفي، مع أن التقديم مع إلّا لا يضر بالمعنى، وندر قوله:
66 - فيا رب هل إلّا بك النصر يرتجى … عليهم وهل إلّا عليك المعوّل 52
ومنها أن يكون الخبر مسندا إلى مبتدأ قرن بلام ابتداء، نحو:
الجزء: 1 - الصفحة: 176
لزيد قائم، أو واجب التصدّر 53، نحو المتضمن استفهاما، كمن لي منجدا؟
ويوجب تقديم الخبر أسباب منها:
كون الخبر ظرفا أو عديله، والمبتدأ نكرة محضة، نحو:
عندي درهم، ولي وطر.
ومنها: أن يكون مع المبتدأ ضمير عائد على ما اتصل بالخبر 54 كقولهم: على التمرة مثلها زبدا 55، أو:
67 -.............. …... ملء عين حبيبها 56
الجزء: 1 - الصفحة: 177
إذ لو قدم المبتدأ عاد الضمير معه إلى متأخر لفظا ومعنى.
ومنها: أن يكون الخبر واجب التصدير لتضمنه معنى الاستفهام، نحو: أين من علمته نصيرا؟ وكيف زيد؟ ومتى اللقاء؟ ومنها أن يكون المبتدأ محصورا، نحو: إنما قائم 57 زيد، وما لنا إلّا اتباع أحمد صلّى الله عليه وسلّم.
ويجوز حذف كلّ من المبتدأ والخبر للدلالة كقولك: زيد، في جواب من عندك؟ ودنف، في جواب كيف زيد؟ فزيد محذوف الخبر، ودنف محذوف المبتدأ.
ومنه خرجت فإذا السبع.
وحذفا معا في قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ 58 تتمته:
فعدتهن ثلاثة أشهر.
والذي يجب حذفه من الأخبار أربعة:
الأول: خبر المبتدأ بعد لولا الامتناعية بشرط تعليق الجواب على نفس المبتدأ وهو الغالب، نحو: لولا زيد لزرتك 59، تقديره: لولا زيد مانع لزرتك.
وقد يعلق امتناع الجواب على نسبة الخبر إلى المبتدأ، فإن لم يدل دليل وجب ذكره كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة فجعلت لها بابين» 60
الجزء: 1 - الصفحة: 178
وقول الزبير:
68 - ولولا بنوها حولها لخبطتها 61 ….............. - الشاهد، وهو ذكر الخبر بعد (لولا) لعدم الدليل عليه.
فقد أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر عن عائشة رضي الله عنهم جميعا في (كتاب الحج، باب فضل مكة) بلفظ: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت».
وعن هشام عن أبيه عن عائشة بلفظ: «لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت.. ». وعن عروة عن عائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت.. ». 1/ 276. وأخرجه في (كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) 1/ 36، 37. وأخرجه مسلم في عدة أحاديث عن عائشة مع اختلاف في اللفظ 9/ 88 - 96. وكذا أخرجه النسائي في (كتاب مناسك الحج، بناء الكعبة) 5/ 214، 215 بألفاظ مختلفة.
وأخرجه ابن ماجة في (كتاب المناسك، باب الطواف بالحجر) 2/ 985. وكذا الترمذي في (الحج، باب ما جاء في كسر الكعبة) 3/ 216 (876). ومالك في الموطأ في (الحج، ما جاء في بناء الكعبة) 250 (810). والدارمي في (مناسك الحج) 1/ 382. وأخرجه أحمد في المسند في مواضع عدّة، منها رقم: 24297 و 24709 و 25438 و 25463 و 25466 و 26029 و 26151 و 26256 بألفاظ مختلفة، كلها تثبت الشاهد.
والشاهد فيه وجوب ذكر (حديثو) الواقع خبرا للمبتدأ (قومك) الواقع بعد لولا، لعدم الدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 179
وإن دلّ دليل جاز الحذف 62، كقول أبي العلاء المعرّي:
69 - يذيب الرّعب منه كلّ عضب … فلولا الغمد يمسكه لسالا 63
الثاني: خبر المبتدأ الصريح في القسم، نحو: لعمرك لأفعلنّ، وأيمن الله لأقومنّ.
ولك الحذف والإثبات في غير الصريح، تقول: عليّ عهد الله لأفعلنّ، وإن شئت حذفت عليّ.
الثالث: خبر المبتدأ المعطوف عليه بواو المصاحبة، وهي - أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.
أتلعثم: أتأنّى وأتردد.
الشاهد في: (حولها) على أنه خبر المبتدأ (بنوها) الواقع بعد لولا، لعدم الدليل على الخبر.
شرح الكافية الشافية 355 وابن الناظم 48 والعيني 1/ 571 وتخليص الشواهد 208 وشرح شواهد المغني للسيوطي 841.
الجزء: 1 - الصفحة: 180
الناصبة على المعية 64، مثل: كلّ صانع وما صنع، أي: مقرونان.
الرابع: خبر المبتدأ إذا كان مصدرا عاملا في مفسّر 65 صاحب حال واقع بعده، نحو: ضربي العبد مسيئا، وأفعل تفضيل مضافا إلى المصدر المذكور، نحو: أتمّ تبييني الحقّ منوطا بالحكم؛ إذ لا يصح جعل الحال هنا خبرا 66، ومتى صحّ جعل الحال خبرا للمبتدأ لم يجز أن يسدّ مسدّ 67 خبره، وإن حذف معها فعلى وجه الجواز.
حكى الأخفش 68: زيد قائما 69، وخرجت فإذا
الجزء: 1 - الصفحة: 181
زيد جالسا 70. وروي عن علي رضي الله عنه: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ 71 أي: نرى أو نكون عصبة.
وقد يكون للمبتدأ الواحد خبران وأكثر، نحو: هم سراة شعراء.
الجزء: 1 - الصفحة: 182