التنازع في العمل
إذا اقتضى عاملان متقدّمان عملا في اسم، عمل أحدهما فيه والآخر في ضميره 1.
وقلنا: اقتضى؛ ليخرج العاملان المؤكّد أولهما بالثاني، نحو قوله:
162 - فأين إلى أين النجاة ببغلتي … أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس 2
وقلنا: عاملان 3؛ ليشمل الفعلين، والاسم والفعل، والاسمين.
ثمّ المختار عند البصريين إعمال الثاني لقربه، وعند الكوفيين الأول لسبقه، فعلى اللغة البصريّة تقول: قاما وقعد أخواك، في
الجزء: 1 - الصفحة: 285
الفاعلية 4، ورأيت وأكرمت أبويك، في المفعولية 5، وضرباني 6 وضربت الزيدين في ذي وذي، يضمر في
الأول الفاعل، ويحذف المفعول؛ إذ لا يضمر فضلة قبل ذكر.
وعلى الكوفية: قام وقعدا أخواك، ورأيت وأكرمتهما أبويك، وضربني وضربتهما الزيدان.
يشهد للبصريين: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً 7 هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ 8 وقوله:
163 - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها … جرى فوقها واستشعرت لون مذهب 9
الجزء: 1 - الصفحة: 286
ومثله:
164 - ولكنّ نصفا إن سببت وسبّني … بنو عبد شمس من مناف وهاشم 10
ويشهد للكوفيين قوله:
165 - إذا هي لم تستك بعود أراكة … تنخّل فاستاكت به عود إسحل 11 - الحمرة والسواد.
مدماة: شديدة الحمرة مثل الدم.
متونها: المتن الظهر.
جرى: سال.
استشعرت: من الشعار، وهو ما يتخذه المحارب علامة له، أو من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب.
مذهب: بضم الميم وسكون الذال وفتح الهاء، من الإذهاب وهو التمويه بالذهب.
الشاهد في: (جرى واستشعرت لون) على أن الفعلين تنازعا العمل في (لون) وقد أعمل الشاعر الثاني على مذهب البصريين (استشعرت) فنصب (لون) على المفعولية، وأضمر في الأول، ولو أعمله لرفعه فهو يطلبه فاعلا، ولو كان كذلك لأعمل الثاني في ضميره وقال: (جرى فوقها واستشعرته لون مذهب).
الديوان 32 وسيبويه والأعلم 1/ 39 والمقتضب 4/ 75 والمحكم 1/ 225 والجمل للزجاجي 116 والإنصاف 88 والرد على النحاة 86 وابن يعيش 1/ 77، 78 وابن الناظم 100 والعيني 3/ 24 وتخليص الشواهد 515 والأشموني 2/ 104.
الجزء: 1 - الصفحة: 287
والمهمل الذي لم يسلط على العمل في الظاهر [وهو يطلبه في المعنى] 12 يعمل في ضميره مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، فإن كان المهمل الأول وهو يقتضي 13 الرفع أضمر فيه قبل الذكر على شريطة التفسير على خلف 14 فيه نحو: يحسنان - الكندي وصححه العيني.
المفردات: تستك: من الاستياك، وهو استخدام السواك.
أراكة: شجر تتخذ منها المساويك.
تنخّل: أختير.
اسحل: شجر تتخذ منه أعواد المساويك.
الشاهد في: (تنخل فاستاكت به عود) على أن الفعلين تنازعا العمل في (عود) الأول يطلبه فاعلا، والثاني يطلبه مفعولا معدّى بالباء، وقد أعمل الأول وأعمل الثاني في ضميره، وبه احتج الكوفيون.
ولو أعمل الثاني على رأي البصريين لقال: (تنخلته واستاكت بعود).
ديوان طفيل 89 وملحقات ديوان عمر 490 وسيبويه والأعلم 1/ 40 والإيضاح العضدي 68 وشفاء العليل 448 وابن الناظم 100 وابن يعيش 1/ 79 والعيني 3/ 32 والهمع 1/ 66 والدرر 1/ 46 والأشموني 2/ 105.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
ويسيء ابناك.
وإن اقتضى النصب امتنع أن يضمر فيه، بل يحذف إلّا في ظنّ وسيأتي.
تقول: ضربت وضربني زيد، ومررت فأكرمني عمرو، ولا تعتدّ بمثل قوله:
166 - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب … جهارا فكن للغيب أحفظ للودّ 15
وإن كان المهمل الثاني وهو يقتضي 16 الرفع وجب فيه الإضمار نحو: بغى واعتديا عبداك، وضربت وأكرماني الزيدين.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
وإن اقتضى النصب أضمر فيه غالبا نحو: ضربني وضربتهم قومك.
وقد يحذف من الثاني ضمير المفعول، نحو ضربني وضربت قومك، وأكرمني وأكرمت الزيدان.
وإذا أهمل الأول ومطلوبه غير رفع وجب حذفه استغاء 17 عنه كما في: ضربت وضربني زيد.
وإن كان أحد المفعولين في باب ظنّ جيء به مؤخّرا إن لم يمنع مانع من إضماره، مثاله مفعولا أوّلا 18، ظننت منطلقة وظنّتني منطلقا هند إيّاها، فإيّاها أول ظننت، لا يقدم ولا يحذف عند البصريين، ومثاله ثانيا لظننت أيضا، ظنّني وظننت زيدا عالما إيّاه، فإيّاه ثان لظنني، وهو كالأول في امتناع تقديمه وحذفه، ولا اعتبار بما يتوهّم من كلام الشيخ هنا من قوله:
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر 19
إذ يوهم وجوب حذف أول مفعولي ظنّ، وليس كذلك، بل لا فرق بين الأول والثاني في امتناع الحذف ولزوم التأخير، ولو قال بدل البيت المذكور 20:
الجزء: 1 - الصفحة: 290
واحذفه إن لم يكن 21 مفعولا لظن وإن يكن 22 مفعول ظنّ أخّرن لخلص من ذلك التوهّم.
أمّا إذا منع مانع من إضماره فيجب الإظهار، وذلك إذا كان خبرا عمّا يخالف المفسر بإفراد وتذكير أو بغيرهما، تقول على إعمال الثاني، ظنّاني عالما وظننت الزيدين عالمين، فالزيدين عالمين مفعولا ظننت، وعالما ثاني
مفعولي ظناني، وأظهر لأنه إن أضمر فإن طابق المفسر وهو ثاني مفعولي ظننت كان فيه إخبار بمثنى عن مفرد، وإن طابق ما أخبر به عنه وهو ياء 23 ظنّاني ففيه إعادة ضمير مفرد على مثنى، وكلاهما 24 منع البصريون.
وأجاز الكوفيون الإضمار برعاية المخبر عنه، فقالوا: ظناني وظننت الزيدين عالمين إيّاه، وأجازوا حذف إيّاه أيضا، وتقول على إعمال الأول: أظنّ ويظناني [أخا زيدا وعمرا أخوين، فزيدا وعمرا أخوين مفعولا أظنّ، و (أخا) ثاني مفعولي يظنّاني] 25، وأظهر لأنه لو أضمر فإمّا أن يفرد فيخالف مفسره، وهو (أخوين) وإما أن يثنّى فيخالف المخبر به عنه وهو ياء يظنّاني.
وكلّ 26 منع البصريون.
الجزء: 1 - الصفحة: 291