للمستثنى بإلّا مع تمام الكلام إذا تأخر عن المستثنى منه النصب بشرط ألّا يتأثر المستثنى منه بنفي أو نهي أو استفهام، نحو: جاء القوم إلّا زيدا، وما قام إلّا إخوتك إلّا عمرا، فالإخوة 1 وإن كانوا بعد نفي فهم مثل القوم في عدم التأثر 2 بالنفي لنقضه بإلّا، فالتقدير: اختصّ بالقيام إخوتك.
ولم ينبّه عليه الشيخ في الألفية 3 ولا ابنه 4 فإن تأثر بأحد الثلاثة اختير الاتباع إن كان المستثنى بعض المستثنى منه، مثل:
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ 5. والنصب عربي جيد، قرأ ابن عامر:
الجزء: 1 - الصفحة: 310
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ 6. واختير 7 النصب إن لم يكن المستثنى بعض المستثنى منه، مثل: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 8 وهي الحجازية، وتميم يتبعون في غير الجار إن صحّ الاستغناء عنه بالمستثنى كقوله: 181 - وبلدة ليس بها أنيس … إلّا اليعافير وإلّا العيس 9
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وقد يجعل المستثنى المتأخر مبتدأ، إمّا مذكور الخبر كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلّا المتزوجون، أولئك المتطهرون 10 المبرؤون من الخنا 11». وإما مقدر الخبر كقراءة بعض السلف: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ 12 أي: لم يشرب، ومثله: - و 3/ 273 والمقتضب 2/ 319، 347 و 4/ 414 والإنصاف 271 ومعاني الحروف 61 ومشكل إعراب القرآن 1/ 354، 417 وابن يعيش 2/ 80 وشفاء العليل 501 وابن الناظم 118 والعيني 3/ 107 وشرح التحفة الوردية 228 وشرح شواهد شرح التحفة 254 والخزانة 4/ 197.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
182 - وبالصريمة منهم منزل خلق … عاف تغيّر إلّا النّؤي والوتد 13
أي: لم يتغير.
استشهد به الشيخ 14 على هذا، واستشهد به ابنه 15 على تقدم - يصير: فشرب قليل، وهذا لا يناسب المعنى.
انظر القراءات الشاذة 15 وإملاء ما من به الرحمن 1/ 104 والكشاف 1/ 381.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
النفي معنى، فقال: إنما رفع النّؤي لأن معنى تغيّر لم يبق على حاله.
وهذا غير حسن؛ إذ يمكن هذا التقدير في المتحتم النصب، فيقال: معنى صام القوم إلا زيدا، لم يفطر القوم إلا زيدا.
وتحتّم النصب في شيء واختيار 16 الاتباع فيه تناقض.
والوجه نصب المستثنى المتقدم مع الاتصال بعد نفي أو شبهه، كقوله:
183 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة … ومالي إلّا مشعب الحقّ مشعب 17
ويرفع على تفريغ العامل له ثمّ الإبدال منه، كقول حسان:
الجزء: 1 - الصفحة: 314
184 - لأنّهم يرجون منك شفاعة … إذا لم يكن إلّا النبيون شافع 18
وإذا فرّغ عامل قبل إلّا لما بعدها، أي لم يذكر المستثنى منه فلتلو إلا ما كان له مع سقوطها، تقول: ما جاءني إلا زيد، وما رأيت إلّا زيدا، وما مررت إلا بزيد.
وتلغ (إلّا) ويكون دخولها كخروجها إذا كررت للتوكيد، إما مع البدل، نحو: امرر بهم إلّا الفتى إلا العلا، المعنى إلا الفتى العلا.
وأمّا عطف النسق نحو: ما قام إلا زيد وإلا عمرو، وجمع المثالين قوله:
185 - ما لك من شيخك إلا عمله … إلا رسيمه وإلّا رمله 19
الجزء: 1 - الصفحة: 315
وإن كررتها لغير توكيد والمستثنى بها مباين للمستثنى الأوّل وفرّغت ما قبلها فأشغله بأحد المستثنيين والمستثنيات، فلا 20 غنى عن نصب ما سواه، نحو: قام إلا زيد إلّا عمرا إلا بكرا، والأقرب إلى المفرغ أولى بعمله، وإن لم يكن تفريغ بأن كان العامل مشغولا بالمستثنى منه وتقدم المستثنى، فللمستثنيين أو المستثنيات النصب، نحو: قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم.
وإن تأخر المستثنى فلأحدهما أو أحدها من الاتباع والنصب ما كان له لو لم يستثن غيره، ولما سواه النصب، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا، ومثله: لم يف إلا امرؤ إلا عليّا.
وما بعد الأوّل من هذه المستثنيات مساو لحكم الأوّل في الدخول في غير الإيجاب، وفي الخروج في 21 الإيجاب.
واجرر بغير إذا استثنيت بها، وأعربها بما يستحقه المستثنى - الشاهد في: (إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله) وفيه شاهدان، الأول: (إلا عمله إلا رسيمه) فقد تكررت إلّا دون عطف فألغيت واكتفت بالتوكيد فقط، وصار ما بعدها بدلا مما قبلها على معنى إلّا عمله رسيمه، (فرسيمه) بدل من (عمله) المرفوع على الابتداء وخبره (لك) المتقدم، ولا عمل ل (ما) النافية لانتقاضه بإلا.
والشاهد الثاني: (إلا رسيمه وإلّا رمله) حيث تكررت (إلا) مع العطف فألغيت واقتصرت على التوكيد، ورمله معطوف على رسمه.
سيبويه والأعلم 1/ 374 وشرح الكافية الشافية 712 وابن الناظم 119 والمرادي 2/ 107 وشفاء العليل 506 والمقرب 1/ 170 والعيني 3/ 117 والهمع 1/ 227 والدرر 1/ 193.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
بإلا من نصب لازم أو راجح أو مرجوح أو تأثر 22 بعامل مفرغ.
وسوى وسواء لغتان في سوى، والأصح أنها مثل غير خلافا لسيبويه 23 فإنه جعلها ظرفا غير متصرف، ولا شكّ أنها تستعمل ظرفا مجازا، فيقال: رأيت الذي سواك، كما يقال رأيت الذي مكانك.
وانصب إذا استثنيت بليس وخلا وعدا ولا يكون، وإن شئت جررت بخلا وعدا، وإذا دخلت (ما) على خلا وعدا وجب النصب بناء على أن ما مصدرية.
وروي الجرمي 24 الجرّ بناء على أنّ ما زائدة، فالجر على أنهما حرفان،
والنصب على أنهما فعلان غير متصرفين، وحاشى مثل خلا، لكن لا تصحب ما إلا فيما ندر من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وأسامة أحب الناس إليّ ما حاشى فاطمة» 25
الجزء: 1 - الصفحة: 317
رضي الله عنها 26.
ويقال في حاشى: حاش 27 كثيرا، وحشى 28 قليلا.
وخولف سيبويه 29 حيث التزم حرفية حاشى، وفعليّة عدا.
- 73. ورواه الطبراني في الكبير: «أسامة أحب الناس إليّ».
1/ 159 (372) دون زيادة.
وأورده الشارح وغيره على أن (حاشا) سبقت بما، فنصب الاسم بعدها على أنها فعل، وما مصدرية.
ويظهر أن" ما حاشا فاطمة" مدرجة من كلام الراوي، وليست من كلامه عليه الصلاة والسّلام، أي: أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يستثن فاطمة رضي الله عنها، بدليل ما في مسند الطبراني: ما حاشا فاطمة ولا غيرها».
وعلى هذا تكون (ما) نافية لا مصدرية، (وحاشى) فعلا ماضيا متعديا متصرفا، بمعنى استثنى، ولا شاهد في الحديث على هذه الرواية، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 318