ينصب التمييز بما قد فسّره، وهو كلّ اسم بمعنى من، رافع للإبهام، نكرة، ومنه ما يدلّ على مساحة، كشبر أرضا، أو كيل، كقفيز برّا، أو وزن، كمنوين 1 عسلا.
ولك جرّه بعد هذه ونحوها بإضافة المميّز إليه، تقول 2: مدّ حنطة.
فإن كان المميّز مضافا إلى ما لا يصح حذفه وجب النصب، مثل: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً 3؛ إذ لا يقال:
ملء ذهب.
وانصب بعد أفعل التفضيل الفاعل في المعنى المباين، وهو ما امتنع الإخبار عمّا قبله 4 بما بعده، أو تقول: هو ما صلح للفاعلية عند جعل أفعل فعلا، وذلك نحو: أنت أعلى منزلا؛ لأنه لا يقال: أنت منزل، ويقال: علا منزلك.
وجرّ غير المباين ما لم يفصل بإضافة، تقول: زيد أكرم رجل وأفضل عالم؛ إذ يجوز أن يقال فيه: زيد عالم، فيخبر عما قبله
بما بعده، ولا يصلح للفاعلية فلا يقال: كرم رجله، ولا فضل عالمه.
ويجب نصبه إذا فصل بإضافة نحو: زيد أكرم الناس رجلا وأفضلهم، فليتنبّه 1 لهذه القاعدة فهي من المغفول عنها عند الأكثر.
وتجيء بالتمييز 2 منصوبا بعد كل ما دلّ على تعجب، نحو أكرم بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أبا! وما أكرمه أبا! ولله درّه فارسا! وحسبك به كافلا!
ولك أن تجرّ بمن ظاهرة كلّما نصب على التمييز إلّا تمييز العدد، ك أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً 3 وإلّا الفاعل في المعنى، كطاب 4 زيد نفسا.
وإن كان عامل التمييز غير فعل، أو فعلا غير متصرف لم يتقدمه التمييز بإجماع، وإن كان فعلا متصرّفا فمنعه سيبويه 5
وأجازه الكسائي والمازني 1 والمبرد والشيخ 2 رحمهم الله، ودليلهم كثير كقوله: 217 - رددت بمثل السّيد نهد 3 مقلّص … كميش إذا عطفاه ماءا تحلّبا 4 - من الماء وتفقّأت من الشحم، فحذف هذا استخفافا.. »..
ومثله: 218 - إذا المرء عينا قرّ بالأهل مثريا … ولم يعن بالإحسان كان مذمّما 1 تتمّة وندر 2 تقديم التمييز على عامل غير متصرف في قوله: 219 - ونارنا لم ير نارا مثلها … قد علمت ذاك معدّ كلّها 3 وقد يقع مؤكدا لا لرفع إبهام، مثل: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ
اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً 1، وقد يقع مقدّرا للتنكير، كقولهم: كم ناقة لها وفصيلها، أي: وفصيلا لها، والأحد عشر الدرهم 2، أي: درهما، وكقوله: 220 - عليّ ملئت الرّعب؟ والحرب لم تقد … لظاها، ولم تستعمل البيض والسّمر 3
شرح ألفية ابن مالك المسمى «تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة»
تأليف زين الدين أبي حفص عمر بن مظفر بن الوردي (691 هـ - 749 هـ)
تحقيق ودراسة الدكتور عبد الله بن علي الشلال
[الجزء الثاني]
مكتبة الرشد