قال الرافضي: «ومنع أبو بكر فاطمة إرثها فقالت يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي؟ والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها - وكان هو الغريم لها، لأن الصدقة تحل له - لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» على أن ما رووه عنه (١) الآيات ٥-٧ من سورة المؤمنون.
فالقرآن يخالف ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (١). ولم يجعل الله ذلك خاصا بالأمة دونه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكذب روايتهم فقال تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ (٢)، وقال تعالى عن زكريا: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا.
يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (٣). والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن ما ذكر من قول فاطمة رضي الله عنها: أترث أباك ولا أرث أبي؟ لا يعلم صحته عنها، وإن صح فليس فيه حجة، لأن أباها صلوات الله وسلامه عليه لا يقاس بأحد من البشر، وليس أبو بكر أولى بالمؤمنين من أنفسهم كأبيها، ولا هو ممن حرم الله عليه صدقة الفرض والتطوع كأبيها، ولا هو أيضا ممن جعل الله محبته مقدمة على محبة الأهل والمال، كما جعل أباها كذلك.
والفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الله تعالى صان الأنبياء على أن يورثوا دنيا، لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوا لورثتهم.
وأما أبو بكر الصديق وأمثاله فلا نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك، كما صان الله تعالى نبينا عن الخط والشعر صيانة لنبوته عن الشبهة، وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه الصيانة.
الثاني: أن قوله: «والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها» كذب؛ فإن قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» رواه عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبو هريرة، والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد، مشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث (٤) فقول القائل: إن أبا بكر انفرد بالرواية، يدل على فرط جهله أو تعمده الكذب.
الثالث: قوله: «وكان هو الغريم لها» كذب، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يدع هذا المال لنفسه ولا لأهل بيته، وإنما هو صدقة لمستحقيها كما أن المسجد حق للمسلمين.
الرابع: أن الصديق - رضي الله عنه - لم يكن من أهل هذه الصدقة، بل كان مستغنيا عنها، ولا انتفع هو ولا أحد من أهله بهذه الصدقة؛ فهو كما لو شهد قوم من الأغنياء على رجل أنه (١) الآية ١١ من سورة النساء.
(٢) الآية ١٦ من سورة النمل.
(٣) الآية ٥و٦ من سورة مريم.
(٤) انظر البخاري: ج٤ ص ٧٩، ومسلم: ج٣ ص ١٣٧٦.
وصى بصدقة للفقراء؛ فإن هذه شهادة مقبولة بالاتفاق.
الخامس: أن هذا لو كان فيه ما يعود نفعه على الراوي له من الصحابة لقبلت روايته لأنه من باب الرواية لا من باب الشهادة، والمحدث إذا حدث بحديث في حكومة بينه وبين خصمه قبلت روايته للحديث، لأن الرواية تتضمن حكما عاما يدخل فيه الراوي وغيره.
وهذا من باب الخير، كالشهادة برؤية الهلال؛ فإن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتناول الراوي وغيره، وكذلك ما نهى عنه، وكذلك ما أباحه.
وهذا الحديث تضمن رواية بحكم شرعي، ولهذا تضمن تحريم الميراث على ابنة أبي بكر عائشة - رضي الله عنه - ا، وتضمن تحريم شرائه لهذا الميراث من الورثة واتهابه لذلك منهم، وتضمن وجوب صرف هذا المال في مصارف الصدقة.
السادس: أن قوله: «على ما رووه فالقرآن يخالف ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (١) ولم يجعل الله ذلك خاصا بالأمة دونه - صلى الله عليه وآله وسلم -. فيقال: أولا: ليس في عموم لفظ الآية ما يقتضي أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يورث، فإن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ (٢) وفي الآية الأخرى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن﴾ -إلى قوله- ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ (٣). وهذا الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب وليس فيه ما يوجب أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مخاطب بها.
الوجه التاسع: أن يقال: كون النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها وبإجماع الصحابة وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه العموم، وإن كان عموما فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلا لما كان إلا ظنيا، فلا يعارض القطعي؛ إذ الظنى لا (١) الآية ١١ من سورة النساء.
(٢) الآية ١١ من سورة النساء.
(٣) الآية ١٢ من سورة النساء.
يعارض القطعي.
وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق.
ولهذا لم يصر أحد من أزواجه على طلب الميراث، ولا أصر العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئا فأخبر بقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - رجع عن طلبه.
واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير شيئا من ذلك ولا قسم له تركة.
الوجه العاشر: أن يقال: إن أبا بكر وعمر قد أعطيا عليا وأولاده من المال أضعاف أضعاف ما خلفه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من المال.
والمال الذي خلفه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينتفع واحد منهما منه بشيء، بل سلمه عمر إلى العباس - رضي الله عنه - م يليانه ويفعلان فيه ما كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يفعله.
وهذا مما يوجب انتفاء التهمة عنهما في ذلك.
الوجه الحادىعشر: أن قوله تعالى ﴿وورث سليمان داود﴾ (١). وقوله تعالىعن زكريا: ﴿ فهب لي من لدنك وليا.
يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (٢). لا يدل على محل النزاع.
لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع، والدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز.
فإذا قيل: هذا حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو فرس أو بعير.
وذلك أن لفظ «الإرث» يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال.
قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أولئك هم الوارثون.
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ (٤). وغيرها كثير في القرآن.
وقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه أبو داود وغيره (٥). الوجه الثالث عشر: أن يقال: المراد بهذا الإرث إرث العلم والنبوة ونحو ذلك لا إرث المال.
وذلك لأنه قال: ﴿وورث سليمان داود﴾، ومعلوم أن داود كان له أولاد كثيرون غير سليمان، فلا يختص سليمان بماله.
(١) الآية ١٦ من سورة النمل.
(٢) الآيتان ٥ و٦من سورة مريم.
(٣) الآية ٣٢ من سورة فاطر.
(٤) الآيتان ١٠ و١١ من سورة المؤمنون.
(٥) انظر سنن أبي داود: ج٣ ص ٤٣٢، والترمذي: ج٤ ص ١٥٣ وغيرها.
وأيضا فليس في كونه ورث ماله صفة مدح، لا لداود ولا لسليمان، فإن اليهودي والنصراني يرث ابنه ماله، والآية سيقت في بيان المدح لسليمان، وما خصه الله به من النعمة.
وأيضا فإرث المال هو من الأمور العادية المشتركة بين الناس، كالأكل، والشرب، ودفن الميت.
ومثل هذا لا يقص عن الأنبياء إذ لا فائدة فيه، وإنما يقص ما فيه عبرة وفائدة تستفاد، وإلا فقول القائل: «مات فلان وورث ابنه ماله» مثل قوله: «ودفنوه» ومثل قوله: «أكلوا وشربوا وناموا» ونحو ذلك مما لا يحسن أن يجعل من قصص القرآن.