1
(واحدها شهادة 2 مشتقة من المشاهدة، لأن الشاهد يخبر عما شاهده 3 وهي الإخبار بما علمه، بلفظ: أشهد أو شهدت 4
تحمل الشهادة في غير حق الله تعالى 1 (فرض كفاية) فإذا قام به من يكفي، سقط عن بقية المسلمين 2 (وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه) 3 وإن كان عبدا، لم يجز لسيده منعه 4 لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 5 .
قال ابن عباس وغيره: المراد به التحمل للشهادة، وإثباتها عند الحاكم 1 ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، لإثبات الحقوق والعقود، فكان واجبا، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 2 . (وأداؤها) أي أداء الشهادة (فرض عين على من تحملها، متى دعي إليه) 3 لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 4 (و) محل وجوبها إن (قدر) على أدائها (بلا ضرر) يلحقه (في بدنه أو عرضه، أو ماله أو أهله) 5 .
وكذا لو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته 1 لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ 2 (وكذا في التحمل) يعتبر انتفاء الضرر 3 (ولا يحل كتمانها) أي كتمان الشهادة لما تقدم 4 .
فلو أدى شاهد وأبى الآخر، وقال: أحلف بدلي، أثم 1 ومتى وجبت الشهادة لزم كتابتها 2 ويحرم أخذ الأجرة، وجعل عليها، ولو لم تتعين عليه 3 لكن إن عجز عن المشي، أو تأذى به، فله أجرة مركوب 4 ومن عنده شهادة بحد لله، فله إقامتها وتركها 5 (ولا) يحل (أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه) 6 .
لقول ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة، فقال: «ترى الشمس؟» ، قال: نعم، فقال: «على مثلها فاشهد أو دع» ، رواه الخلال في جامعه 1 . والعلم إما (برؤية أو سماع) من مشهود عليه 2 كعتق وطلاق، وعقد 3 فيلزمه أن يشهد بما سمع 4 ولو كان مستخفيا حين تحمل 5 (أو) سماع (باستفاضة فيما يتعذر علمه) غالبا (بدونها 6
كنسب وموت 1 وملك مطلق 2 ونكاح) عقده ودوامه 3
(ووقف ونحوها) كعتق وخلع، وطلاق 1 ولا يشهد باستفاضة إلا عن عدد يقع بهم العلم 2 (ومن شهد بـ) عقد (نكاح أو غيره من العقود فلابد) في صحة شهادته به (من ذكر شروطه) 3 لاختلاف الناس في بعض الشروط 4 وربما اعتقد الشاهد ما ليس بصحيح صحيحا 5 . (وإن شهد برضاع) ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أو لبن حلب منه 6 .
(أو) شهد بـ (سرقة) ذكر المسروق منه، والنصاب، والحرز، وصفتها 1 (أو) شهد بـ (شرب) خمر وصفه 2 (أو) شهد بـ (قذف فإنه يصفه) 3 بأن يقول: أشهد أنه قال: يا زاني أو يا لوطي، ونحوه 4 (ويصف الزنا) إذا شهد به (بذكر الزمان والمكان) الذي وقع فيه الزنا 5 . (و) ذكر (المزني بها) 6 وكيف كان 7 وأنه رأى ذكره في فرجها 8 (ويذكر) الشاهد ما يعتبر للحكم 9 .
ويختلف الحكم (به في الكل) أي في كل ما يشهد فيه 1 ولو شهد اثنان في محفل، على واحد منهم، أنه طلق أو أعتق 2 أو على خطيب، أنه قال، أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا، لم يشهد به غيرهما، مع المشاركة، في سمع وبصر قبلا 3 .
فصل 1 (وشروط من تقبل شهادتهم: ستة) 2 أحدها: (البلوغ 3 فلا تقبل شهادة الصبيان) مطلقا، ولو شهد بعضهم على بعض 4 .
(الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة مجنون، ولا معتوه 1 وتقبل) الشهادة (ممن يخنق أحيانا) إذا تحمل وأدى (في حال إفاقته) لأنها شهادة من عاقل 2 . (الثالث: الكلام فلا تقبل شهادة الأخرس، ولو فهمت إشارته) لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين 3 (إلا إذا أداها) الأخرس (بخطه) فتقبل 4 .
(الرابع: الإسلام) 1 لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2 فلا تقبل من كافر، ولو على مثله 3 إلا في سفر، على وصية مسلم أو كافر 4 فتقبل من رجلين كتابيين، عند عدم غيرهما 5 .
(الخامس: الحفظ) فلا تقبل من مغفل، ومعروف بكثرة سهو وغلط 1 لأنه لا تحصل الثقة بقوله 2 . (السادس: العدالة) 3 وهي لغة: الاستقامة، من العدل ضد الجور 4 وشرعًا: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقوال وأفعاله 5 .
(ويعتبر لها) أي: للعدالة (شيئان) أحدهما (الصلاح في الدين وهو) نوعان، أحدهما (أداء الفرائض) أي الصلوات الخمس، والجمعة (بسننها الراتبة فلا تقبل ممن داوم على تركها 1 لأن تهاونه بالسنن، يدل على عدم محافظته على أسباب دينه 2 وكذا ما وجب، من صوم وزكاة وحج 3 (و) الثاني (اجتناب المحارم 4)
بأن لا يأتي كبيرة 1 ولا يدمن على صغيرة 2 والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا 3 أو وعيد في الآخرة 4 كأكل الربا 5 ومال اليتيم 6 وشهادة الزور 7 .
وعقوق الوالدين 1 والصغيرة: ما دون ذلك من المحرمات 2 كسب الناس بما دون القذف 3 واستماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والنظر المحرم 4 (فلا تقبل شهادة فاسق) بفعل 5 كزان وديوث 6 .
أو اعتقاد كالرافضة، والقدرية، والجهمية 1
ويكفر مجتهدهم الداعية 1 ومن أخذ بالرخص فسق 2 . (الثاني) مما يعتبر للعدالة (استعمال المروءة) أي الإنسانية (وهو) أي استعمال المروءة (فعل ما يجمله ويزينه) عادة كالسخاء، وحسن الخلق 3 وحسن المجاورة 4 (واجتناب ما يدنسه ويشينه) عادة من الأمور الدنيئة، المزرية به 5 فلا شهادة لمصافع، ومتمسخر ورقاص 6 .
ومغن وطفيلي 1 ومتزي بزي يسخر منه 2 ولا لمن يأكل بالسوق، إلا شيئا يسيرا كلقمة وتفاحة 3 ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس 4
أو ينام بين جالسين ونحوه 1 (ومتى زالت الموانع) من الشهادة 2 (فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق، قبلت شهادتهم) بمجرد ذلك، لعدم المانع لقبولها 3 ولا تعتبر الحرية فتقبل شهادة عبد وأمة، في كل ما يقبل فيه حر وحرة 4 وتقبل شهادة ذي صنعة دنيئة كحجام وحداد وزبال 5 .
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
وغير ذلك
1
(لا تقبل شهادة عمودي النسب) وهم: الآباء وإن علوا، والأولاد، وإن سلفوا (بعضهم لبعض) 2 كشهادة الأب لابنه وعكسه 3 للتهمة بقوة القرابة 4 .
وتقبل شهادته لأخيه، وصديقه، وعتيقه 1 (ولا) تقبل (شهادة أحد الزوجين لصاحبه) 2 كشهادته لزوجته ولو بعد الطلاق 3 وشهادتها له، لقوة الوصلة 4 (وتقبل) الشهادة (عليهم) 5 .
فلو شهد على أبيه، أو ابنه، أو زوجته 1 أو شهدت عليه، قبلت 2 إلا على زوجته بزنا 3 (ولا) تقبل شهادة (من يجر إلى نفسه نفعا) 4 كشهادة السيد لمكاتبه، وعكسه 5 والوارث بجرح مورثه، قبل اندماله، فلا تقبل 6 وتقبل له في دينه في مرضه 7 (أو يدفع عنها) أي عن نفسه بشهادته (ضررا) كشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ 8 .
والغرماء بجرح شهود الدين على المفلس 1 والسيد بجرح من شهد على مكاتبه بدين ونحوه 2 (ولا) تقبل شهادة (عدو على عدوه 3 كمن شهد على من قذفه، أو قطع الطريق عليه) 4 والمجروح على الجارح، ونحوه 5 .
(ومن سره مساءة شخص، أو غمه فرحه، فهو عدوه) 1 والعداوة في الدين غير مانعة، فتقبل شهادة مسلم على كافر، وسني على مبتدع 2 وتقبل شهادة العدو لعدوه، وعليه في عقد نكاح 3 ولا شهادة من عرف بعصبية، وإفراط في حمية 4 كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم تبلغ رتبة العداوة 5 .
فصل في عدد الشهود
1
(ولا يقبل في الزنا) واللواط (والإقرار به إلا أربعة) رجال 2 يشهدون به، أو أنه أقر به أربعا 3 .
لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية 1 (ويكفي في الشهادة) (على من أتى بهيمة رجلان) لأن موجبه التعزير 2 ومن عرف بغنى، وادعى أنه فقير، ليأخذ من زكاة، لم يقبل إلا ثلاثة رجال 3 (ويقبل في بقية الحدود) 4 كالقذف والشرب 5 .
والسرقة وقطع الطريق 1 (و) في (القصاص) رجلان 2 ولا تقبل فيه شهادة النساء، لأنه يسقط بالشبهة 3 (وما ليس بعقوبة ولا مال، ولا يقصد به المال 4 ، ويطلع عليه الرجال غالبا، كنكاح وطلاق ورجعة 5 .
وخلع ونسب وولاء 1 وإيصاء إليه) في غير مال 2 (لا يقبل فيه إلا رجلان) دون النساء 3 .
(ويقبل في المال، وما يقصد به) المال (كالبيع والأجل، والخيار فيه) أي في البيع 1 (ونحوه) كالقرض، والرهن 2 والغصب، والإجارة والشركة 3 والشفعة، وضمان المال، وإتلافه 4 والعتق والكتابة، والتدبير 5 والوصية بالمال 6 .
والجناية إذا لم توجب قودا 1 ودعوى أسير تقدم إسلامه، لمنع رقه 2 (رجلان أو رجل وامرأتان) 3 لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ 4 وسياق الآية يدل على اختصاص ذلك بالأموال 5 .
(أو رجل ويمين المدعي) 1 لقول ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضي باليمين مع الشاهد» رواه أحمد وغيره 2 .
ويجب تقديمه الشهادة عليه 1 لا بامرأتين ويمين 2 ويقبل في داء دابة، وموضحة طبيب وبيطار واحد، مع عدم غيره 3 .
فإن لم يتعذر فاثنان 1 (وما لا يطلع عليه الرجال) غالبا 2 (كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة والثيوبة، والحيض والولادة 3 والرضاع والاستهلال) أي صراخ المولود عند الولادة 4 (ونحوه) كالرتق والقرن والعفل 5 وكذا جراحة وغيرها في حمام وعرس ونحوهما، ممالا يحضره الرجال (يقبل فيه شهادة امرأة عدل) 6 .
لحديث حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة وحدها، ذكره الفقهاء في كتبهم 1 . وروى أبو الخطاب عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة» 2 (والرجل فيه كالمرأة) وأولى، لكماله 3 .
(ومن أتى برجل وامرأتين 1 أو أتى بشاهد ويمين) أي حلفه (فيما يوجب القود، لم يثبت به) أي بما ذكر (قود ولا مال) 2 لأن قتل العمد يوجب القصاص، والمال بدل منه، فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله 3 . وإن قلنا الواجب أحدهما، لم يتعين إلا باختياره، فلو أوجبنا بذلك الدية، أوجبنا معينا بدون اختياره 4 .
(وإن أتى بذلك) أي برجل وامرأتين، أو رجل ويمين (في سرقة ثبت المال) لكما بينته (دون القطع) لعدم كمال بينته 1 (وإن أتى بذلك) أي برجل وامرأتين، أو رجل ويمين (في) دعوى (خلع) امرأه على عوض سماه (ثبت له العوض) لأن بينته تامة فيه 2 (وثبتت البينونة بمجرد دعواه) لإقراره على نفسه 3 وإن ادعته هي، لم يقبل فيه، إلا رجلان 4 .
فصل في الشهادة على الشهادة 1
(ولا تقبل الشهادة على الشهادة، إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي) 2 وهو حقوق الآدميين 3 دون حقوق الله تعالى، لأن الحدود مبنية على الستر، والدرء بالشبهات 4 ولا يحكم الحاكم (بها) أي بالشهادة على الشهادة (إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموت) 5 .
أو مرض أو غيبة مسافة قصر 1 أو خوف من سلطان، أو غيره 2 لأنه إذا أمكن الحاكم، أن يسمع شهادة شاهدي الأصل، استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع 3 وكان أحوط للشهادة 4 ولا بد من دوام عذر شهود الأصل إلى الحكم 5 ولا بد أيضا من ثبوت عدالة الجميع 6 ودوام عدالتهم 7 وتعيين فرع الأصل 8 .