حاشية الروض المربعصفحات 322-342
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وإن قصد بلدًا، واحتاج قبل وصوله إليها، أُعطي ما يصل به إلى البلد الذي قصده، وما يرجع به إلى بلده 1 وإن فضل مع ابن سبيل، أَو غاز، أَو غارم، أَو مكاتب شيءٌ رده 2 وغيرهم يتصرف بما شاء، لملكه له مستقرًا (3) (ومن كان ذا عيال، أَخذ ما يكفيهم) 3 .4

أهل الزكاة قسمان

، قسم يأخذ بسبب يستقر الأخذ به، بلا نزاع في الجملة، وهو الفقر، والمسكنة، والعمالة، والتأليف، وقسم يأخذ بسبب لا يستقر الأخذ به، وهو الكتابة، والغرم، والغزو، والسبيل، فالقسم الأول، من أخذ شيئًا، صرفه فيما شاء، كسائر ماله؛ والثاني إذا أخذ شيئًا منها، صرفه فيما أخذه له فقط، لعدم ثبوت ملكه عليه، من كل وجه، فإنما ملكه مراعى، فإن صرفه في الجهة التي استحق الأخذ بها، وإلا استرجع منه، فالتعبير في الآية باللام للملك، وفي القسم الثاني ينادي على المراعاة في ذلك بـ «في» وهي للظرفية.

لأَن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته 1 ويصدق من ادعى عيالاً، أَو فقرًا، ولم يعرف بغنى 2 .

(ويجوز صرفها) أي الزكاة (إلى صنف واحد) 1 لقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 2 ولحديث معاذ، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال:

«أَعلمهم أَن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أَغنيائهم، فترد على فقرائهم» متفق عليه 1 فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا 2 ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد 3 ولو غريمه أَو مكاتبه 4 .

إن لم يكن حيلة 1 .

: الذي عليه الدين لا يعطيه، ليستوفي دينه،

وقال في إسقاط الدين عن المعسر: أما زكاة العين فلا يجزئ بلا نزاع، وأما قدر زكاة دينه، ففيه قولان، أظهرهما الجواز، لأن الزكاة دين، وهنا قد أخرج من جنس ما يملك، بخلاف ما إذا كان ماله عينًا، وأخرج دينًا، فالذي أخرجه دون الذي يملك، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، ومنع صلى الله عليه وسلم المتصدق من شراء صدقته، ولو وجدها تباع في السوق، سدًا لذريعة العود فيما خرج عنه لله، ولو بعوضه، فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوضها، فتملكه إياها بغير عوض أشد منعًا، وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله.
قال ابن القيم: والصواب ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم، من المنع من شرائها مطلقًا، ولا ريب أن في تجويز ذلك، ذريعة إلى التحيل على الفقير، بأن يدفع إليه صدقة ماله، ثم يشتريها منه، بأقل من قيمتها، فمن محاسن الشريعة، سد هذه الذريعة.
وقال: العلة الثانية قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله، بكل طريق.

لأنه عليه السلام أَمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر 1 وقال لقبيصة: «أَقم يا قبيصة، حتى تأْتينا الصدقة، فنأْمر لك بها» 2 (ويسن) دفعها (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) 3 كخاله وخالته، على قدر حاجتهم، الأَقرب فالأَقرب 4 لقوله عليه السلام «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» 5 .

فصل 1 (ولا) يجزئ أن (تدفع إلى هاشمي) 2 أي من ينسب إلى هاشم، بأَن يكون من سلالته 3 فدخل فيهم آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب 4 لقوله عليه السلام: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أَوساخ الناس» أخرجه مسلم 5 .

لكن تجزئ إليه إن كان غازيًا، أو غارمًا لإصلاح ذات البيت، أو مؤلفًا 1 (و) لا إلى (مطلبي) لمشاركتهم لبني هاشم في الخمس، اختاره القاضي وأصحابه، وصححه ابن المنجا، وجزم به في الوجيز وغيره 2 . والأَصح: تجزئ إليهم، اختاره الخرقي، والشيخان، وغيرهم 3 .

لأَن آية الأَصناف – وغيرها من العمومات – تتناولهم 1 ومشاركتهم لبني هاشم في الخمس، ليس لمجرد قرابتهم، بدليل أَن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم، ولم يعطوا شيئًا من الخمس 2 وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة، كما أَشار إليه عليه السلام بقوله «لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» 3 والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة 4 (و) لا إلى (مواليهما) 5 لقوله عليه السلام «وإن مولى القوم منهم» رواه أبو داود،

والنسائي، والترمذي وصححه 1 لكن على الأَصح، تجزئ إلى موالي بني المطلب كإليهم 2 ولكل أَخذ صدقة التطوع 3 ووصية أَو نذر لفقراء 4 لا كفارة 5 (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق) 6 .

ولا إلى فقير ينفق عليه من وجبت عليه نفقته من أَقاربه، لاستغنائه بذلك 1 (ولا إلى فرعه) أَي ولده وإِن سفل، من ولد الابن 2 أَو ولد البنت 3 (و) لا إلى (أَصله) كأَبيه، وأُمه، وجده، وجدته، من قبلهما وإن علوا 4 .

إلا أن يكونوا عمالاً، أو مؤلفين، أو غزاة، أو غارمين لذات بين 1 ولا يجزئ أيضًا إلى سائر من تلزمه نفقته 2 ما لم يكن عاملاً، أو غازيًا، أو مؤلفًا أو مكاتبًا، أو ابن

سبيل، أو غارمًا لإصلاح ذات بين 1 ويجزئُ إلى من تبرع بنفقته، بضمه إلى عياله 2 أو تعذرت نفقته من زوج، أو قريب، بنحو غيبة أو امتناع 3 (ولا) تجزئُ (إلى عبد) كامل رق 4 غير عامل أو مكاتب 5 (و) لا إلى (زوج) فلا يجزئها دفع زكاتها إليه، ولا بالعكس 6 .

وتجزئ إلى ذوي أرحامه، من غير عمودي النسب 1 .

(إن أعطاها لمن ظنه غير أهل) لأخذها (فبان أهلاً) لم تجزئه، لعدم جزمه بنية الزكاة، حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها 1 (أو بالعكس) بأن دفعها لغير أهلها، ظانًا أنه أهلها (لم تجزئه) 2 لأنه لا يخفى حاله غالبًا 3 وكدين الآدمي 4 (إلا) إذا دفعها (لغني ظنه فقيرًا) فتجزئه 5 .

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين الجلدين، وقال «إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» 1 (وصدقة التطوع مستحبة) 2 .

حث الله عليها في كتابه العزيز، في آيات كثيرة 1 وقال عليه السلام «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه 2 .

(و) هي (في رمضان) وكان زمان ومكان فاضل، كالعشر، والحرمين أَفضل 1 لقول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَجود الناس، وكان أَجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبرئيل.
الحديث، متفق عليه 2 (و) في (أوقات الحاجات أفضل) 3 وكذا على ذي رحم 4 لا سيما مع عداوة، وجار 5 .

لقوله تعالى ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 1 ولقوله عليه السلام «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة» 2 (وتسن) الصدقة (بالفاضل عن كفايته و) كفاية (من يمونه) 3 لقوله عليه السلام «اليد العليا، خير من اليد السفلى، وابدأْ بمن تعول،

وخير الصدقة عن ظهر غنى» متفق عليه 1 (ويأْثم) من تصدق (بما ينقصها) أي ينقص مؤنة تلزمه 2 وكذا لو أَضر بنفسه، أَو غريمه، أَو كفيله 3 لقوله عليه السلام «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» 4 .

ومن أَراد الصدقة بماله كله، وله عائلة، لهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه، فله ذلك 1 لقصة الصديق 2 وكذا لو كان وحده، ويعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسأَلة، وإلا حرم 3 .

من أراد الصدقة بماله كله

، ولا عيال له، ويعلم من نفسه حسن التوكل، يعني الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، والصبر عن المسألة مما في أيديهم، استحب له ذلك، وقال القاضي: جوزه جمهور العلماء، وأئمة الأمصار، وقوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وخبر «خير الصدقة جهد المقل» وقصة الصديق، وغير ذلك، يدل على الأفضلية، مع قوة اليقين، وكمال الإيمان، وإن لم يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر على الضيق، أو مما لا عادة له به، حرم عليه ذلك، ويمنع منه، ويحجر عليه، لتبذيره، ويقويه خبر جابر: أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب، وقال: خذها، ما أملك غيرها.
فحذفه بها.
وقال «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر عنى» ولا ريب أنه يختلف باختلاف أحوال الناس، في الصبر على الفاقة والشدة، والاكتفاء بأقل الكفاية، وقال ابن عقيل: أقسم بالله لو عبس الزمان في وجهك مرة، لعبس في وجه أهلك وجيرانك، ثم حث على إمساك المال.
وقال ابن الجوزي: الأولى أن يدخر لحاجة تعرض، وأنه قد يتفق له مرفق، فيخرج ما في يده، فينقطع مرفقه، فيلاقي من الضراء، ومن الذل، ما يكون الموت دونه، فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال، بل يصور كل ما يجوز وقوعه، وأكثر الناس لا ينظر في العواقب، وقد تزهد خلق كثير، فأخرجوا ما بأيديهم، ثم احتاجوا، فدخلوا في مكروهات، والحازم من يحفظ ما في يده، والإمساك في حق الكريم جهاد، كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد.
وقال غير واحد: نحن في زمان من احتاج فيه فأول ما يبذل دينه، والحازم يحفظ ما في يده، وإذا صدقت نية العبد وقصده، رزقه الله، وحفظه، من الذل، ودخل في قوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ . (تتمة) وفي المال حقوق سوى الزكاة، نحو مواساة قرابة، وصلة إخوان، وإعطاء سائل، وإعارة محتاج لنحو دلو أو ركوب ظهر، أو إطراق فحل، أو سقي منقطع، أو من حضر حلاب نعم، وهو قول جماعة من أهل العلم، وقال شيخ الإسلام: وإعطاء السائل فرض كفاية إن صدق، ولهذا جاء في الحديث «لو صدق لما أفلح من رده» واستدل أحمد بهذا الحديث، وأجاب بأن السائل إذا قال: أنا جائع.
وظهر صدقه، وجب إعطاؤه، وهذا من تأويل قوله ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وإن ظهر كذبهم، لم يجب إعطاؤهم، ولو سألوا مطلقًا، لغير معين، لم يجب إعطاؤهم.
اهـ. وقال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزل بالمسلمين حاجة، بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها، وقال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم.
وحكاه غير واحد إجماعًا.
وفي الإقناع وغيره: وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعًا، مع أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة وفاقًا، وقوله ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ هي الزكاة عند الجمهور، وما جاء غير ذلك حمل على الندب، ومكارم الأخلاق، لا راتبًا، وما يعرض لجائع وعار ونحوهما، فيجب عند وجود سببه.

فصول الكتاب · 26 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الروض المربع · 657 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الظهار
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمة
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل