كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما انه لا يعفى عنه لان الاصل اجتناب النجاسة والرخصة انما تثبت في القليل فإذا شككنا في انه قليل ام لا فقد شككنا في المرخص والثانى انه يعفى لان الاصل في هذه النجاسة العفو الا إذا تيقنا الكثرة وهذا هو الذى رجحه وذكره في الكتاب حيث قال والترخص جائز ايضا والاول هو الاحتياط
ولنبين المواضع المستحقة للعلامات من هذا الفصل قوله الا إذا كثر ينبغي ان يعلم بالواو للوجه الصائر إلى العفو في الكثير والقليل وكذلك بالحاء والالف لان الحكاية عن أبي حنيفة ان دم البراغيث طاهر وبه قال أحمد في أصح الروايتين فلا فرق بين القليل والكثير وهذا مذهبهما في الرطوبة
المنفصلة عن كل ما ليس له نفس سائلة كونيم الذباب ونحوه وقوله كثرة يندر وقوعها بالواو اشارة الي القولين القديمين فانهما لا ينظران الي غلبة الوقوع وندرته ولا يعتبران الكثرة بندرة الوقوع وقوله ويختلف ذلك بالاوقات والاماكن للوجه الصائر إلى مراعاة الظهور والوجه المعتبر للوسط ايضا وقوله والترخص جائز أيضا ينبغي ان يعلم ايضا للاحتمال الاول على ما سبق قال (الرابعة دم البثرات وقيحها وصديذها معفو عنه وان أصابه من بدن غيره فوجهان ولطخات الدماميل والفصدان دام غالبا فكدم الاستحاضة وان لم يدم ففى الحاقها بالبثرات تردد) دم البثرات كدم البراغيث لان الانسان قلما يخلو عن بثرة يترشح منها شئ فلو وجب الغسل كل مرة لشق بل ليس دم البراغيث الا رشحات تمصها البراغيث من بدن الانسان ثم
تمجها والا فليس لها دماء في نفسها ذكره امام الحرمين وغيره ولذلك عدت البراغيث مما ليس له نفس سائلة إذا تمهد ذلك فالقليل منه معفو عنه بلا خلاف وفى الكثير وجهان كما في دم البراغيث ولفظ الكتاب ههنا وان كان مطلقا الا انه اراد به القليل لوجهين (أحدهما) أنه أجاب بعدم العفو في دم البراغيث إذا كان كثيرا والخلاف في الدمين واحد فلا ينتظم أن نحكم ههنا
بالعفو في الكثير والثانى انه قال متصلا به وان أصابه من بدن الغير فوجهان والخلاف فيما يصيبه من بدن الغير في القليل دون الكثير على ما سيأتي وإذا كان مراده القليل فلا حاجة إلى اعلامه بالواو من حديث أن اللفظ يتناول الكثير وهو مختلف فيه لان القلة مضمرة فيه لكن يجوز ان يعلم بالواو من جهة انه يشمل ما إذا عصر البثرة قصدا واخرج ما فيها وقد
نقل صاحب التتمة في هذه الصورة وجهين لانه مستغنى عنه والاظهر العفو علي ما يقتضيه اطلاق الكتاب لما روى أن ابن عمر رضى الله عنهما عصر بثرة على وجهه ودلك بين اصابعه بما خرج منها وصلي ولم يغسله ولو اصابه دم من بدن غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما نظر ان كان كثيرا
فلا عفو عنه لانه قدر فاحش والاحتراز عنه سهل وان كان قليلا وهو المراد من لفظ الكتاب فقد حكى فيه وجهين وكذلك فعل الصيدلانى وجماعة والجمهور حكوهما قولين احدهما وهو نصه في الاملاء انه لا يعفى عنه لانه لا يشق الاحتراز عنه فاشبه القليل من الخمر وسائر النجاسات والثانى وهو نصه في القديم وفى الام انه يعفي عنه لان جنس الدم يتطرق إليه العفو فيقع القليل منه في محل
المسامجة والاصح منهما عند العراقيين انما هو العفو وتابعهم صاحب التهذيب وعند امام الحرمين وجماعة عدم العفو وهو الاحسن ولو أصابه شئ من دم نفسه ولكن لا من البثرات بل من
الدماميل والقروح ومن موضع الفصد والحجامة ففيه وجهان (احدهما) ويحكى عن ابن سريج انه كدم البثرات لانها وان لم تكن غالبة فليست بنادرة ايضا وإذا وجدت دامت وعسر الاحتراز
عن لطخها ولان الفرق بين البثرات والدماميل الصغار قد يعسر والثانى انها لا تلحق بدم البثرات
لان البثرات لا يخلو معظم الناس عنها في معظم الاحوال بخلاف الدماميل والجراحات وعلي هذا فينظر ان كان مثلها مما يدوم غالبا فهى كدم الاستحاضة وحكمه ما سبق في الحيض وان كان مما لا يدوم غالبا
فيلحق بدم الأجنبي حتى لا يعفى عن كثيره بحال وفى قليله الخلاف الذى سبق والوجه الاول هو قضية كلام الاكثرين حيث لم يفرقوا في الدم الخارج من البدن بين ان يخرج من البثرات أو غيرها والوجه الثاني وهو اختيار القاضى ابن كج والشيخ ابى محمد وامام الحرمين رحمهم الله وهو الاولي وإذا أردت تلخيص حكم الدماء بعد دم البراغيث فطريقه علي قضية الوجه الاول أن نقول ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه فهو كدم البراغيث والى غيره فلا يعفي عن كثيره وفى قليله الخلاف وعلي قضية الوجه الثاني أن نقول ما سوى دم البراغيث ينقسم الي الخارج من بدنه على وجه يعم وهو دم البثرات فهو كدم البراغيث والي غيره ويدخل فيه ما يخرج من بدنه وعلي وجه لا يعم وما يخرج من غيره فلا يعفي عن كثيره وفى قليلة الخلاف وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه لانهما دما مستحيلان الي نتن وفساد وأما ماء القروح والنفطات فان كان له رائحة كريهة فهو نجس كالقيح والصديد والا ففيه طريقان (أحدهما) القطع بطهارته تشبيها له بالعرق (والثاني)
فيه قولان (احدهما) هذا (وأظهرهما) النجاسة كالصديد الذى لا رائحة له ويحكى هذا عن الشيخين أبي محمد وأبى علي وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فمنه ما اندرج في اثناء الكلام ومنه ان قوله وان أصابه من بدن الغير راجع الي اول كلامه وهو دم البثرات لكن الخلاف في دم الغير لا يختص بالخارج من بثراته بل يستوى فيه الخارج من البثرات وغير البثرات وقوله ولطخات الدماميل والفصد وقد يقرأ بعضهم بدل الفصد العقد ولا بأس به فموضع الفصد والحجامة والدماميل كلها في الحكم سواء وقوله ان دام غالبا أي أن دام مثلها غالبا وكذا قوله وان لم يدم أي مثلها أو ما اشبه ذلك والا فلا يمكن ان يكون قوله دام ولم يدم صفة الدماميل ولا صفة اللطخات لان منها ما هو دائم ومنها ما هو غير دائم فلا يجوز وصف كلها لا بالدوام ولا بعدم الدوام ثم لك ان تستدرك فتقول نظم الكتاب يقتضى أن يكون التردد في الحاقها بدم البثرات مخصوصا بلطخات الدميل التى لا تدوم وان تكون
لطخات الدماميل الدائمة ملحقة بدم الاستحاضة من غير تردد وليس الامر كذلك بل حكى امام الحرمين وغيره في الحاقها بدم البثرات وجهين مطلقا كما قدمنا ثم يفصل على وجه عدم الالحاق فيقال ما يدوم منها كدم الاستحاضة وما لا يدوم كدم الأجنبي وايراده في الوسيط محتمل لما ذكره في الوجيز ولما هو الحق * قال (الخامسة الجاهل بنجاسة ثوبه فيه قولان الجديد وجوب القضاء فان كان عالما ثم نسي فقولان مرتبان واولى بالوجوب (م) ومثار التردد انه من قبيل المناهى فيكون النسيان عذرا فيه أو من قبيل الشروط كطهارة الحدث) *
إذا صلي وعلي ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنهما وهو لا يدرى نظر ان لم يعلم بها أصلا ثم تبين الامر له ففى وجوب القضاء قولان الجديد وبه قال أبو حنيفة انه يجب كما لو بان له بعد الفراغ من الصلاة انه كان محدثا والقديم انه لا يجب لما روى انه صلي الله عليه وسلم " خلع نعله في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما قضى صلاته قال ما حملكم علي ما صنعتم قالوا رأيناك القيت نعلك فالقينا نعالنا فقال ان جبريل أتاني واخبرني أن فيها قذرا " والاستدلال انه بعد تبين الحال مضى في صلاته ولم يستأنف ولو علم بالنجاسة ثم نسى فصلى ثم تذكر فطريقان (احدهما) القطع بوجوب القضاء لتفريطه (والثانى) أنه علي القولين لان النسيان عذر كالجهل ويقال
ان القول بعدم وجوب الاعادة مخرج من القول القديم في نسيان الماء في الرحل ولا يمكن اعتبارها بالحدث فان العفو الي النجاسات أسرع منه إلي الحدث فيجوز ان يعد الجهل والنسيان فيها من الاعذار ثم إذا أوجبنا الاعادة فيجب اعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع تلك النجاسة وان احتمل انها حدثت بعد ما صلي فلا شئ عليه وعن أبي حنيفة ان كانت النجاسة رطبة اعاد صلاة واحدة وان كانت يابسة وكان في الصيف فكذلك وان كان في الشتاء اعاد صلاة يوم وليلة إذا عرفت ذلك فاعلم ان قوله الجاهل بنجاسة ثوبه المراد منه النجاسة التى لا يعفي عنها والخلاف لا يختص بالثوب بل البدن والمكان في معناه وإنما ذكر الثوب مثالا فقوله الجديد وجوب القضاء اعلم لفظ الوجوب بالميم لان المنقول عن مالك انه كان الوقت باقيا يعيد والا فلا قال الشيخ أبو حامد ومهما قال مالك ذلك
فلا يوجب الاعادة ولكن يستحبها في الوقت وحكى امام الحرمين مثل ذلك عن أئمة مذهبه ويجوز ان يعلم بالالف ايضا لانه روى عن أحمد روايتان في المسألة كالقولين وقوله فقولان مرتبان في الصورة الثانية يشير الي أن فيها طريقين كما رويناهما وقوله وأولي بالوجوب يجوز ان يعلم لفظ الوجوب بالميم والالف اشارة الي مذهبهما والحكم عندهما واحد في الصورتين وقوله ومثار التردد الي آخره شرحه ان خطاب الشارع قسمان (أحدهما) خطاب التكليف بالامر أو النهي والنسيان يؤثر في هذا القسم الا يرى ان الناس لا ياثم بترك المأمور ولا بفعل المنهى لانه لم يبق مكلفا عند النسيان بل التحق بالمجنون وبسائر من لا يخاطب والقسم الثاني خطاب الاخبار وهو ربط الاحكام بالاسباب وجعل الشي شرطا من هذا القبيل فان معناه ان يقول إذا لم يوجب كذا في كذا فهو غير معتد به والنسيان لا يؤثر في هذا القسم ولهذا يجب الضمان علي من اتلف مال الغير ناسيا لانه مأخوذ من قوله من أتلف ضمن واختلاف القولين مستند الي أن استصحاب النجاسة من قبيل المناهي في الصلاة
حتى إذا كان ناسيا يعذر ولا يعد مقصرا مخالفا أو الطهارة عنها من قبيل الشروط فلا يؤثر الجهل والنسيان كما في طهارة الحدث وقد ورد في الباب الفاظ ناهية نحو قوله صلي الله عليه وسلم " تنزهوا من البول " وقوله تعالي والزجر فاهجروا الفاظ شارطة نحو ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم ": فهذا بيان ما ذكره واعلم ان هذا الكلام يوجب ان يكون
قوله من قبل الشرط الثاني طهارة الحدث بناء على قوله الجديد وان يكون القول القديم منازعا فيه ثم لك أن تقول انه عد ترك الكلام من الشروط ومعلوم ان الكلام ناسيا لا يضر بلا خلاف بيننا فان كانت الشروط لا تتأثر بالنسيان فمن الواجب ان لا يعده شرطا وحيث ادرجه في الشروط فكأنه
اراد بالشروط عند عد الاشياء الستة ما لا بد منه في الصلاة عند العلم واراد بالشروط في قوله ههنا ومن قبيل الشروط ما لا بد منه مطلقا وما لا بد منه عند العلم قد يكون بحيث لا بد منه علي الاطلاق وقد لا يكون كذلك ثم بتقدير ان يكون استصحاب النجاسة من المناهى في الصلاة فلم تبطل الصلاة إذا استصحبها عالما ايلزم ذلك من نفس النهي ام يؤخذ من دليل زائد فيه كلام اصولي
لا اطول منها بذكره خاتمة لهذا الشرط قوله في اول القسم الثاني اما مظان الاعذار فخمس يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة لكن للعذر مظان أخر منها النجاسة التى تستصحبها المستحاضة وسلس البول في صلاته ومنها ما إذا كان على جرحه دم كثير يخاف من ازالته ومنها تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف ومنها الشعر الذى ينتف ولا يخلوا عنه ثوبه
وبدنه وحكمه حكم دم البراغيث ومنها القدر الذى لا يدركه الطرف من البول والخمر وغير الدم من النجاسات ففيه خلاف ذكرناه في الطهارة وقال أبو حنيفة النجاسة قسمان مغلظة ومخففة فالمغلظة
كالخمر والعذرة وبول ما لا يؤكل لحمه فيعفى عنها في الثوب والبدن والمكان بقدر الدرهم البغلي فما دونه فان زاد لم يجز والمخففة كبول ما يؤكل لحمه فتجوز الصلاة معه ما لم يتفاحش وهو ان لا يبلغ ربع الثوب ومنهم من قال التفاحش الشبر في الشبر *
قال (الشرط الثالث ستر العورة وهو واجب في غير الصلاة وفى وجوبه في الخلوة تردد والمصلي في الخلوة يلزمه الستر في الصلاة) * وجوب ستر العورة عند القدرة لا يختص بحالة الصلاة بل يجب في غير حالة الصلاة أيضا لما روى انه صلي الله عليه وسلم " قال لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حى ولا ميت " وروى
" لا تبرز فخذك " وهذا إذا كان معه غيره فاما إذا كان في الخلوة فوجهان احدهما وبه قال الشيخ أبو محمد لا يجب إذ ليس ثم من ينظر إليه وروى هذا عن أبى حنيفة واحمد واصحهما وبه قال الشيخ أبو علي
يجب لظاهر الخبر وللتستر عن الجن والملائكة وأيضا فان الله تعالي أحق ان يستحيي منه واما في حالة الصلاة فهو شرط للصحة فلو تركه مع القدرة بطلت صلاته سواء كان في خلوة أو معه غيره
خلافا لمالك حيث قال انه ليس بشرط لكنه واجب في الصلاة وغيرها وروى بعضهم عن مذهبه أن الستر شرط عند الذكر ولا يشترط حالة النسيان لنا قوله تعالي خذوا زينتكم عند كل مسجد عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال يعنى الثياب عند الصلاة وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال " لا يقبل الله صلاة الحائض الا بخمار " والمراد بالحائض البالغة فلك أن تعلم قوله الشرط الثالث ستر العورة بالميم
لما حكينا عن مذهب مالك وقوله يلزمه الستر في الخلوة ان كان المراد منه الاشتراط فكذلك ينبغى أن يعلم بالميم وان كان المراد منه الوجوب فلا ويجوز أن يعلم قوله ستر العورة بالحاء والالف أيضا لانه يشير إلى أن ستر الكل شرط فانه لو كان البعض مكشوفا فاصح أن يقال ما ستر عورته انما ستر بعضها وعند أبي حنيفة لو ظهر من العورة المغلظة قدر درهم بطلت صلاته ولا باس بظهور ما دونه ولو ظهر من العورة المخففة قدر ربع عضو بطلت الصلاة ولا باس بظهور ما دونه قال والمغلظة السوأتان والمخففة ما سواهما
علي تفاوته بين الرجل والمرأة كما سيأتي وعند أحمد لو ظهر اليسير من العورة لم يضر ولم يقدر كما فعله أبو حنيفة رحمه الله * قال (وعورة الرجل ما بين السرة والركبة وعورة الحرة جميع بدنها الا الوجه واليدين إلى الكوعين وظهر القدم عورة في الصلاة وفى أخمصها وجهان أما الامة فما يبدو منها في حال المهنة ليس بعورة وما هو عورة من الرجل فو عورة منها وما بينهما) *
ترجمة هذا الشرط الثالث انما هي ستر العورة فيجب بيان العورة وبيان كيفية الستر وانه بم يحصل وهذا الفصل لبيان حد العورة وهى من الرجل حرا كان أو عبدا ما بين السرة والركبة وليست السرة من العورة ولا الركبة علي ظاهر المذهب لما روى عن أبى أيوب الانصاري رضى الله عنه ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " ما فوق الركبة ودون السرة عورة " وروى انه قال " عورة الرجل ما بين سرته
وركبته " وليكن قوله ما بين السرة والركبة معلما بالحاء لان عند ابي حنيفة الركبة غير خارجة عن حد العورة وان كانت السرة خارجة وبالميم لان عن مالك الفخذ ليس بعورة وبالواو لامور ثلاثة (أحدها) انهم حكوا وجها عن بعض الاصحاب أنهما جميعا من العورة (والثانى) أن أبا عبد الله الحناطي حكى عن
الاصطخرى أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط (والثالث) أن أبا عاصم العبادي حكي عن بعضهم أن الركبة من العورة دون السرة وليكن معلما بالالف ايضا لان عن احمد رواية أن عورته القبل والدبر
لا غير وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا وهي أظهر عندهم وايضا فان المراد من العورة ههنا ما يجب ستره في الصلاة وعنده يجب ستر المنكب في الصلاة المفروضة وهو خارج عما بين السرة والركبة اما المرأة فان كانت حرة فجميع بدنها عورة الا الوجه واليدين لقوله تعالي (ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها) قال
المفسرون هو الوجه والكفان وليس المراد الراحة وحدها بل اليدان ظهرا وبطنا الي الكوعين خارجتان عن حد العورة ولا يكاد يفرض ظهور باطن اليدين دون ظاهرهما ولا يستثنى ظهور قدميها
خلافا لابي حنيفة حيث قال القدمان من العورة وبه قال المزني لنا ما روى صلي الله عليه وسلم " سئل عن المرأة تصلي في درع وخمار من غير ازار فقال لا باس إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " وهل يستثني اخمصا القدمين حكي صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين وجعلهما آخرون قولين منهم القفال (احدهما) انهما ليستا من العورة لان النبي صلي الله عليه وسلم خص ظهور القدمين بالذكر فاشعر ذلك بان تغطية باطن القدمين لا تجب (واصحهما) انهما من العورة تسوية بين ظاهرهما وباطنهما كما يسوى
بين ظاهر اليدين وباطنهما في الخروج عن حد العورة: ولك ان تعلم قوله واليدين بالالف لان اصحابنا حكوا عن احمد انه لا يستثنى الا الوجه ويدها عورة وقوله وظهر القدمين عورة في الصلاة كالمستغنى عنه ولو اقتصر علي قوله الا الوجه واليدين وفى اخمصي قدميها وجهان لحصل الغرض لانه إذا لم يستثن الا الوجه واليدين بقى ظهر القدمين داخلا في المستثنى منه واذ ذكره فليعلم بالحاء والزاى لما قدمناه وقوله عورة في الصلاة أشار به إلى ان العورة قد تطلق لمعنى آخر وهو ما يحرم النظر إليه وكلامنا
الآن فيما يجب ستره في الصلاة فاما ما يجوز النظر إليه وما لا يجوز فيذكر في اول كتاب النكاح هذا ما قصده لكن هذه الاشارة لا اختصاص لها بظهر القدم فلو تعرض لها في اول ما ذكر العورة لكان احسن واما الامة فقد جعل بدنها على ثلاث مراتب (احداها) ما هو عورة من الرجل فلا شك في كونه عورة منها (والثانية) ما يبدو وينكشف في حال المهنة فليس بعورة منها وهو الراس والرقبة والساعد وطرف الساق لانها تحتاج الي كشفه ويعسر عليها ستره وفيه وجه ان جميع ذلك عورة كما في حق الحرة سوى الرأس لان عمر رضي الله عنه رأى أمة سترت رأسها فمنعها عن ذلك وقال أتتشبهين بالحرائر فليكن قوله مما يبدو منها في حال المهنة معلما بالواو لهذا الوجه (والثالثة) ما عداهما كالظهر والصدر وفيه وجهان أحدهما انه عورة كما في حق الحرة وانما احتملنا الشكف فينا يظهر عند المهنة لان الحاجة تدعو إليه واصحهما انه ليس بعورة لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال في الرجل يشترى الامة " لا باس أن ينظر إليها الا الي العورة وعورتها بين معقد ازارها الي ركبتها " وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الامة وحكم الخنثي المشكل ان كان رقيقا وقلنا بظاهر المذهب وهو ان عورة الامة كعورة الرجل فلا يلزمه أن يستر في صلاته الا ما بين السرة والركبة وان كان حرا أو رقيقا وقلنا ان عورة الامة أكثر من عورة الرجل وجب عليه ستر الزيادة على عورة الرجل ايضا لجواز الانوثة فلو خالف ولم يستر الا ما بين السرة والركبة فهل تجزيه صلاته فيه وجهان نقلهما في البيان أحدهما نعم لان كون الزيادة عورة مشكوك فيه والثانى لا لاشتغال ذمته بفرض الصلاة والشك في براءتها *
قال (وأما الساتر فكل ما يحول بين الناظر وبين البشرة ولا يكفى الثوب السخيف ولا الماء الصافى ويكفى الماء الكدر والطين وفى وجوب التطيين عند فقد الثوب وجهان وإذا كان القميص متسع الذيل فلا باس وان كان متسع الجيب لم يجز الا إذا كانت كثافة لحيته تمنع من الرؤية عند الركوع فيجوز علي أحد الوجهين وكذا لو ستر باليد بعض عورته) * في الفصل مسألتان (أحداهما) في صفة الساتر ويجب ان يستر عورته بما يحول بين الناظر ولون البشرة فلا يكفى الثوب الرقيق الذى يشاهد من ورائه سواد البشرة وبياضها وكذا الغليظ المهلهل النسج الذي تظهر بعض العورة من فرجه فان مقصود الستر لا يحصل بذلك اما لو ستر اللون ووصف حجم الاعضاء فلا باس كما لو لبس سروالا ضيقا أو ثوبا ضيقا ووقف في الشمس وكان حجم أعضائه يبدو
من وارئه ولو وقف في ماء صاف لم تصح صلاته لانه لا يحول بين الناظر ولون البشرة الا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء فان خاض فيه الي عنقه ومنعت الخضرة من رؤية لون البشرة فحينئذ يجوز وقوله ولا الماء الصافى المراد منه غير هذه الحالة وان كان اللفظ مطلقا ولو وقف في ماء كدر وصلي فهل يجزئه فيه وجهان اصحهما وهو المذكور في الكتاب انه يجزئه لانه يمنع مشاهدة اللون فاشبه ورق الشجر والجلد وغيرها والثانى لا يجزئه لانه لا يعد ساتر حكي هذا عن الحاوى ونقله أبو الحسن العبادي عن القفال ايضا وانما تفرض الصلاة في الماء إذا قدر علي الركوع والسجود علي الارض أو كان في صلاة الجنازة حتى لا يحتاج إلى الركوع والسجود ولو طين عورته واستتر اللون اجزأه وان قدر على الستر بالثياب لحصول مقصود الستر هذا هو المشهور وذكر امام الحرمين انه متفق عليه بين الاصحاب لكن صاحب العدة قال
فيه وجه آخر انه لا يجوز لانه إذا جف تشقق فلا يحصل به الستر وهذا قريب من الوجه المحكي في الماء الكدر فان الستر بهما مما لا يعتاد بحال فليكن كل واحد من اللفظين الماء الكدر والطين معلما بالواو وإذا فرعنا على الظاهر فلو لم يجد ثوبا ونحوه وأمكنه التطيين فهل يجب عليه ذلك فيه وجهان احدهما لا وبه قال أبو اسحق لما فيه من المشقة والتلويث واصحهما نعم لحصول الستر وإذا طين فان كان الطين ثخينا وأمكن الاحتراز عن مس الفرج بثخنه فذاك وان كان رقيقا فليلف خرقة علي اليد ان وجدها وله ان يستعين فيه بغيره وكل هذا إذا عجز عن تقديم التطيين علي الوضوء (المسألة الثانية) في كيفية الستر قال الاصحاب الستر يرعى من الجوانب ومن فوق ولا يرعي من اسفل الازار والذيل حتي لو صلى في قميص متسع الذيل وان كان على طرف سطح يرى عورته من نظر من الاسفل لان الستر انما