كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وان لم يعرفه بعينه انتظره (والثاني) أن صاحب البيان حكي عن بعضهم انه ان كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره وان كان غريبا لم ينتظره وكلا الوجهين يوجب التمييز بين الداخل والداخل (الحالة الثانية) أن يكون الامام حين أحس بالداخل في التشهد الاخير فهل يؤخر انتظارا له بما سبق من الشرائط ذكر معظم الاصحاب أن الخلاف يطرد فيه لان هذا الانتظار يفيده أيضا من حيث أنه ينال فضيلة الجماعة وان لم يدرك باللحوق فيه شيئا من الركعات وقياس قوله من يقول انه لا يدرك فضيلة الجماعة الا بادراك ركعة مع الامام أن يكون حكم الانتظار ههنا حكمه في القيام ونحوه (الحالة الثالثة) أن يكون في سائر الاركان من القيام والسجود وغيرهما قطع الاكثرون بانه لا ينتظره لانه لا فائدة للداخل في انتظاره فانه بسبيل من ادراك الركعة أو فضيلة الجماعة وان لم ينتظره وذلك لانه ان كان قبل الركوع فهو بادراك الركوع يدرك الركعة وان كان بعد الركوع فبادراكه في التشهد ينال فضيلة الجماعة وحكي امام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الاركان لافادة الداخل بركة الجماعة وروينا عن ابن كج أن بعضهم خصص الخلاف بحالة القيام وحيث قلنا لا ينتظر فلو انتظر ففى البطلان ما سبق من الطريقين * قال (ومن صلي منفردا فأدرك جماعة يستحب له اعادتها ثم يحتسب الله أيهما شاء) * من انفرد بصلاة من الصلوات الخمس ثم أدرك جماعة يصلونها فالمستحب له أن يعيدها معهم لينال فضيلة
الجماعة وقد روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي الصبح فلما فرغ رأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال علي بهما فجئ بهما فقال ما منعكما أن تصليا معنا فقالا كنا صلينا في رحالنا قال فلا
تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم اتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فانها لكما نافلة " وعند أبى حنيفة يعيد الظهر والعشاء ولا يعيد الصبح والعصر والمغرب وذكر في النهاية ان شيخه حكي مثل ذلك وجها لبعض اصحابنا ووجهه ان الصبح والعصر يستعقبان الوقت المكروه فلا يصلي بعدهما والمغرب وتر
النهار فلو اعيدت لصارت شفعا ونقل العراقيون وجها انه يعيد ما سوى الصبح والعصر وظاهر المذهب الاول والوجهان ضعيفان وعند مالك يعيد كلها الا المغرب وبه قال احمد في رواية يعيد المغرب ايضا لكن إذا سلم الامام قام الي ركعة اخرى فجعلها شفعا وإذا وقفت علي ما ذكرناه علمت انه لم اعلم قوله يستحب له اعادتها بالحاء والميم والالف والواو ولو صلي احدى الخمس في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى فهل يعيدها معهم فيه وجوه (أصحها) عند عامة الاصحاب أنه يعيد كما
لو كان منفردا لاطلاق الخبر والثانى وهو الاصح عند الصيدلاني وبه قال المصنف في الوسيط أنه لا يستحب الاعادة لان فضيلة الجماعة قد حصلت فلا معنى للاعادة بخلاف المنفرد قال الصيدلاني وعلي هذا يكره اعادة الصبح والعصر دون غيرهما لانهما وقتا كراهة والصلاة المعادة تطوع محض علي هذا الوجه قال وعلى هذا فلو اعاد المغرب ينبغى أن يضم إليها ركعة اخرى لان ما أتى به تطوع محض فليكن شفعا واعلم ان المعادان كان تطوعا محضا فقياس المذهب أن تمتنع الاعادة بنية المغرب وسائر الوظائف الخمس ولو فعل يكون صحة التطوع علي الخلاف المذكور في المتطوع بنية الظهر قبل الزوال (والوجه الثالث) انه ان كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الامام أعلم أو أورع أو لكون الجمع أكثر أو لكون المكان افضل فيستحب الاعادة والا فلا (والرابع) أنه يستحب اعادة الظهر والمغرب والعشاء ولا يستحب اعادة الصبح والعصر وقد سبق المنفرد مثله ثم إذا استحببنا الاعادة في هذه المسألة
وفيما إذا صلى منفردا فاعاد فالفرض منهما ماذا فيه قولان الجديد وبه قال أبو حنيفة واحمد أن الفريضة هي الاولي لما سبق من الحديث والقديم أن الفريضة احدهما لا بعينها والله تعالى يحتسب بما شاء منهما وربما قيل يحتسب باكملهما ويروى هذا القول عن الاملاء وبه قال مالك ووجه بانه
لو كانت الثانية نفلا علي التعيين لما ندب إلى اقامتها بالجماعة والذى ذكره في الكتاب هذا القول القديم لكن الاكثرين قالوا بان المذهب الجديد وحكى في التتمة أن بعض الاصحاب صار إلي انهما جميعا يقعان عن الفرض وعن الشيخ أبى محمد أن بعضهم قال فيما إذا صلي منفردا أن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة فتبين بالاخرة أن الاولي نفل فحاصل ما في المسألة قولان ووجهان (التفريع) ان فرعنا على غير الجديد نوى الفرض في المرة الثانية ولو كانت الصلاة مغربا اعادها مثل المرة الاولى
وان فرعنا علي الجديد فهل ينوى الفرض فيه وجهان قال الصيدلانى (الصحيح) أنه ينوى الفرض وبه قال الاكثرون واستبعده امام الحرمين وقال كيف ينوى الفرض مع القطع بان الثانية ليست بفريضة بل الوجه ان ينوى الظهر والعصر ولا يتعرض للفرضية ويكون ظهره نفلا كظهر الصبي وهذا ما ذكر في هـ الوسيط وفيه مباحثه قدمتها في أول صفة الصلاة وإذا كانت الصلاة مغربا ففيه وجهان (اظهرهما) انه يعيدها كما فعل في المرة الاولى (والثاني) ان المستحب ان يقوم إلى ركعة اخرى إذا سلم الامام حتى لا يصير وتره شفعا) * قال (ولا رخصة له في ترك الجماعة الا بعذر عام كالمطر والريح العاصفة بالليل أو عذر خاص مثل أن يكون مريضا أو ممرضا أو خائفا من السلطان أو من الغريم وهو معسر أو كان عليه قصاص ويرجو العفو عنه أو ان حاقنا أو جائعا أو عاريا) *
لا رخصة للمتدين في ترك الجماعة سواء جعلناها سنة أو فرض كفاية الا إذا كان ثم عذر لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له الا من عذر " ثم الاعذار
قسمان عامة وخاصة فمن الاعذار العامة المطر ليلا كان أو نهارا لما روى انه صلي الله عليه وسلم
وسلم قال " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال " ومنها الريح العاصفة بالليل دون النهار
روي انه صلي الله عليه وسلم " كان يامر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح الا صلوا في رحالكم " والمعنى فيه ان المشقة التى تلحق بها في الليل اكثر وبعض الاصحاب يقول الريح العاصفة في الليلة المظلمة وليس ذلك علي سبيل اشتراط الظلمة والله اعلم: ويتبين بما ذكرنا ان قوله بالليل في نظم الكتاب يرجع الي الريح وحدها ولا يرجع الي المطر المعطوف عليه ومن الاعذار الخاصة المرض " قيل يا رسول الله ما العذر في الخبر الذى سبق فقال خوف أو مرض " ولا يشترط ان يبلغ مبلغا يجوز العقود في الفريضة لكن المعتبر ان تلحقه مشقة مثل ما يلقاه الماشي في المطر قاله في النهاية: ومنها ان يكون ممرضا وللتمريض تفصيل يذكر في كتاب الجمعة: ومنها ان يخاف على نفسه أو ماله أو علي من يلزمه الذب عنه من سلطان أو غير سلطان يظلمه أو يخاف من غريم يلازمه أو يحبسه ان رآه وهو معسر لا يجد وفاء لدينه فله التخلف ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه بل عليه الحضور وتوفية ذلك الحق ويدخل في صور الخوف علي المال ما إذا
كان خبزه في التنور وقدره علي النار وليس ثم من يتعهدها لو سعى الي الجماعة ومنها ان يكون عليه قصاص ولو ظفر به المستحق لقتله وكان يرجو العفو مجانا أو علي مال لو غيب الوجه اياما وسكن الغليل فله التخلف بذلك وفى معناه حذ القذف دون حد الزنا ومالا يقبل العفو قال امام الحرمين وفى هذا العذر اشكال عندي لان موجب القصاص من الكبائر فكيف يستحق صاحبه التخفيف
وكيف يجوز تغييب الوجه عن المستحق: ومنها ان يدافع اخبثيه أو يدافع الريح بل الصلاة مكروهة في تلك الحالة والمستحب ان يفرغ نفسه ثم يصلي وان فاتت الجماعة فلا باس روى انه صلى الله عليه وسلم قال " لا يصلين احدكم وهو يدافع الاخبثين " وروى ايضا " إذا اقيمت الصلاة
فوجد احدكم الغائط فليبدأ بالغائط " وهذا إذا كانت في الوقت سنة فان كان يخرج الوقت لو قضى حاجته ففي التهذيب حكاية وجهين (اظهرهما) انه يبدأ بالصلاة (والثانى) انه يقضي حاجته وان فات الوقت ثم يقضى كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء يلزمه الوضو ويشبه ان يكون هذا الوجه ذهابا من صاحبه الي انه لا تصح الصلاة إذا ضاق الامر عليه لانسلاب الخشوع وقد حكي امام الحرمين الذهاب الي البطلان عن القاضي الحسين وصاحب البيان عن أبى زيد المروزى لكن أبا سعيد المتولي جعل الخلاف في أن الاولى ان يفرغ نفسه أو ان يصلي لا في بطلان الصلاة علي المدافعة وقوله في الكتاب أو كان حاقنا يجوز أن يقرأ بالباء ويجوز أن يقرأ بالنون فالحاقب هو الذى احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز حتى حضر غائطه والحاقن في البول كالحاقب في الغائط قاله في العرينين ومنها أن يكون به جوع شديد أو عطش شديد وقد حضر الطعام والشراب ونفسه تتوق إليه فيبدأ بالاكل والشرب لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " إذا حضر العشاء واقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء "
قال الائمة وليس المراد منه أن يستوفى ما يشبع لكن ياكل لقما يكسر سورة جوعه ويؤخر الباقي الا ان يكون الطعام مما يؤتي عليه دفعه واحدة كالسويق واللبن استثناه المحاملى وغيره فان خاف فوت الوقت لو اشتغل بالاكل حكى في التتمة وجهين في أن الاول ماذا كما في مدافعة الاخبثين ومنها ان يكون عاريا لا لباس له فيعذر في التخلف سواء وجد قدر ما يستر به العورة أو لم يجد هذه هي الاعذار المذكورة في الكتاب ويلتحق بها اعذار أخر: فمن العامة الوحل وسيأتي في كتاب الجمعة: ومنها السموم وشدة الحر في وقت الظهر فان الابراد بها محبوب كما سبق فلو اقاموا الجماعة ولم يبردوا كان له ان يتخلف ومنها شدة البرد قال في التهذيب انها عذر ولم يفرق بين الليل والنهار وعلي هذا فشدة الحر في معناها وربما يبقى العذر وان ابردوا: ومن الاعذار الخاصة ان يريد السفر وترتحل الرفقة فله ان ان يتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم ومنها ان يكون منشد ضالة يرجو الظفر بها لو ترك الجماعة أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه و: منها ان يكون قد اكل بصلا أو كراثا ونحوهما ولم يمكن
ازالة الرائحة بغسل ومعالجة فهو عذر في التخلف عن الجماعة فان كان مطبوخا فلا وذلك القدر محتمل ومنها غلبة النوم عدها صاحب العدة وغيره من الاعذار قال (الفصل الثاني في صفات الائمة وكل من لا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء فلا يصح الاقتداء به ومن صحت صلاته صح الا اقتدأ به الاقتداء القارئ بالامى على القول الجديد ومن لا يحسن حرفا من الفاتحة والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه ويجوز اقتداء الامي بمثله ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة ولا بالخنثي ولا اقتداء الخنثى ويصح اقتداء المرأة بالخنثى وبالرجل) صفات الائمة ضربان مشروطة ومحبوبة وقد ضمن الفصل ما اراد ايراده: فاما المشروطة فنأتي منها بما ذكره في الكتاب وما أهمله في تقسيم نرسمه ونقول الانسان لا يخلو اما ان لا تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معا واما ان تكون صحيحة (القسم الاول) ان لا تكون صحيحة عندهما معا فينظران توافق اعتقاد الامام والمأموم على انه لا صحة ولا اعتبار كصلاة من به حدث أو جنابة وصلاة من بثوبه نجاسة ونحو ذلك فلا يجوز لمن علم حاله الاقتداء به لانه ليس من أهل الصلاة وكذلك الكافر لا يجوز الاقتداء به وإذا صلي الكافر لم يجعل بذلك مسلما خلافا لابي حنيفة حيث جعله مسلما
بذلك في بعض الاحوال ولاحمد حيث جعله مسلما بكل حال وعن القاضي ابي الطيب انه إذا صلي الحربي في دار الحرب حكم باسلامه ويحكي ذلك عن نص الشافعي رضي الله عنه والمذهب المشهور هو الاول ثم ذلك إذا لم تسمع منه كلمتا الشهادة فان سمعتا منه في التشهد ففي الحكم باسلامه ما قدمناه فيما إذا اذن وان كانت صحيحة في اعتقاد الامام دون المأموم أو بالعكس فهذا يفرض علي وجهين (احدهما) ان يكون ذلك لاختلافهما في الفروع الاجتهادية كما إذا مس الحنفي فرجه وصلي ولم يتوضأ أو ترك الاعتدال في الركوع والسجود أو قرأ غير الفاتحة في صلاته ففى صحة اقتداء الشافعي به وجهان (احدهما) وبه قال القفال تصح لان صلاته صحيحة عنده وخطؤه غير مقطوع به فلعل الحق ما ذهب إليه (والثانى) وبه قال الشيخ أبو حامد لا تصح لان صلاة الامام فاسدة في اعتقاد المأموم فاشبه ما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة يقتدى احدهما بالاخر وهذا أظهر عند الاكثرين ولم يذكر الرويانى في الحلية سواه وبه
أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى لكن بشرائط ليس من غرضنا ذكرها ولو ان الحنفي صلي علي وجه لا يعتقده صحيحا واقتدى الشافعي به وهو يعتقده صحيحا انعكس الوجهان فعلي ما ذكره القفال لا يصح الاقتداء اعتبارا بحال الامام وعلي ما ذكره أبو حامد يصح اعتبارا باعتقاد المأموم وحكى ابو الحسن العبادي ان الاودني والحليمي قالا إذا أم الوالى أو نائبه بالناس ولم يقرأ التسمية والمأموم يراها واجبة فصلاته خلفه صحيحة عالما كان أو عاميا وليس له المفارقة لما فيها من الفتنة وهذا حسن وقضيته الفرق بين الامام وخلفائه وبين غيرهم اما إذا حافظ الحنفي على واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي فاقتداؤه به صحيح عند الجمهور وعن الاستاذ ابي اسحق الاسفراينى انه لا تصح لانه لا ياتي بها علي اعتقاد الوجوب وعلى الاول لو شك في انه هل أتي بها أم لا فقد ذكر صاحب الكتاب في الفتاوى انه يجوز الاقتداء به كما لو علم انه حافظ عليها لان الظاهر اتيانه بها اقامة لما يعتقده سنة وتوقيا عن شبهة الخلاف وحكى أبو الفرج البزار عن الشيخ أبى علي أنه لا يصح كما لو عرف انه لم يات بها وحكي عن الشيخ ابي حامد الصحة كما قاله صاحب الكتاب في الفتاوى وإذا عرفت ذلك وسئلت عن قتداء الشافعي بالحنفي مطلقا فقيل فيه ثلاثة اوجه (ثالثها) وهو الاظهر الفرق بين أن يحافظ علي الواجبات وبين أن يتركها ولك أن تضم إليها وجها فارقا على ما قدمناه ولو اقتدى الحنفي بالشافعي وصلي الشافعي علي وجه لا يراه الحنفي كما لو افتصد وصلي ففيه الخلاف وإذا جوزنا اقتداء احدهما بالآخر فلو صلي الشافعي الصبح خلف حنفي ومكث الحنفي بعد الركوع قليلا وامكنه ان يقنت فيه فعل والا تابعه وهل يسجد
للسهو ان اعتبرنا اعتقاد المأموم نعم فان اعتبرنا اعتقاد الامام فلا ولو صلى الحنفي الصبح خلف الشافعي وترك الامام القنوت ساهيا وسجد للسهو تابعه المأموم وان ترك الامام سجود السهو سجد المأموم ان اعتبرنا اعتقاد الامام والا فلا (والثانى) ان لا يكون ذلك لاختلافهما في الفروع فلا يجوز لمن اعتقد بطلان صلاة غيره ان يقتدى به وذلك كما إذا اجتهد اثنان فصاعدا في القبلة واختلف اجتهادهم لم يجز لبعضهم الاقتداء ببعض لان صلاة كل واحد منهم باطلة عند اصحابه وكذا لو اشتبه اناءان طاهر ونجسن واختلف فيهما اجتهاد رجلين ولو كثرت الاواني والمجتهدون واختلف اجتهادهم فحيث تعين عند المأموم بطلان صلاة الامام امتنع الاقتدا وحيث لا يتعين جاز الاقتداء وفيه وجه انه لا يجوز ايضا وهذا هو الكلام الجملي فيه ونوضحه بصورتين (احداهما) لو اشتبه ثلاثة اوان واجتهد فيها ثلاثة واستعمل كل واحدا منهم واحدا لاداء اجتهاده إلى طهارته فان كان الطاهر منها واحدا لم يجز اقتداء بعضهم ببعض وان كان النجس منها واحد وأراد احدهم ان يقتدى بآخر فان ظن طهارة اناء أحد صاحبيه كما ظن طهارة اناء نفسه فلا خلاف في جواز اقتدائه به وامتناع اقتدائه بالثالث وان لم يظن الا طهارة انائه ففى المسألة وجهان قال صاحب التلخيص لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه لانه يتردد في ان المحدث المستعمل للنجاسة هذا ام ذاك وليس احد الاحتمالين باولي من الاخر فيمتنع الاقتداء كما يمتنع الاقتداء بالخنثى لتعارض احتمالي الذكورة والانوثة وقال ابن الحداد وهو الاصح يجوز لكل واحد منهم ان يقتدى بواحد من صاحبيه ولا يجوز ان يقتدى بهما جميعا في صلاتيه اما الاول فلانه لا يدرى نجاسة اناء من
يقتدى به وبقاء حدثه وإذا لم يعلم المأموم من حال الامام ذلك سومح وجوز الاقتداء علي ما سيأتي واما الثاني فلانه إذا اقتدى باحدهما تعين اناء الثالث للنجاسة فامتنع الاقتداء به وبهذا قال أبو اسحق المروزى الا انه قال لو اقتدى بهما جميعا وجب اعادة الصلاتين لان احداهما باطلة لا بعينها فيلزمه قضاؤهما وعند أبن الحداد والاكثرين لا يجب الا قضاء الثانية فانه لو اقتصر على الاقتداء الاول لما كان عليه قضاء الثانية ولو كانت الاواني خمسة والنجس منها واحد وظن كل واحد بعد الاجتهاد طهارة احدهما ولم يظن شيئا من حال الاربعة الباقية وام كل واحد منهم اصحابه في واحدة من الصلوات الخمس وبدؤا بالصبح فعند صاحب التلخيص على كل واحد منهم اعادة الصلوات الاربع التى كان مأموما فيها وعند ابن الحداد والاكثرين يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأموما فيها ويلزم من ذلك ان يعيد كلهم العشاء الا امام العشاء فانه يعيد المغرب وانما اعادوا العشاء لان بزعمهم تتعين النجاسة في حق امام العشاء وأنما اعاد امام العشاء المغرب لانه صحت له الصبح والظهر والعصر عند أئمتها وهو متطهر عنده فيتعين بزعمه النجاسة في حق امام المغرب وعند أبى اسحق يعيد كل واحد منهم جميع الاربع التى كان مأموما فيها لانه أقتدى في واحدة منها بمن توضأ بماء نجس وهي غير متعينة فصار كما لو نسى واحدة من اربع وحكي عن بعض الاصحاب طريقة اخرى وهي ان هذه الوجوه فيما إذا سمع من بين خمسة نفر صوت حدث ونفاه كل واحد عن نفسه واموا علي ما ذكرنا فاما في مسألة الاواني فكل واحد يعيد آخر صلاة كان مأموما فيها بلا خلاف والفرق أن الاجتهاد في الاواني جائز فكان كل واحد اجتهد في انائه وأناء امامه ألي أن تعينت النجاسة في الاخر ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت ولو كانت المسألة بحالها لكن النجس من الاواني الخمس اثنان صحت صلاة كل واحد منهم خلف اثنين وبطلت خلف أثنين ولو كان النجس ثلاثة صحت صلاة
كل واحد منهم خلف واحد ولو كان أربعة امتنع الاقتداء بينهم على الاطلاق (القسم الثاني) ان تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معا فلا يخلو اما أن تصح صحة غير مغنية عن القضاء واما أن تصح صحة مغنية عن القضاء فان لم تكن مغنية عن القضاء كصلاة من لم يجد ماء ولا ترابا فلا يجوز الاقتداء به للمتوضئ وللمتيمم الذى لا يقضي لان تلك الصلاة انما يؤتي بها لحق الوقت وليست هي معتدا بها فاشبهت الفاسدة ولو اقتدى به من هو في مثل حاله ففيه وجهان للشيخ ابي محمد (احدهما) يجوز لان الصلاتين متماثلتان فيجزئ الاقتداء فيهما ثم يقضيان والثانى لا لان ربط الاقتداء بمالا يعتد به كربط الاقتداء بالصلاة الفاسدة وهذا أوفق لاطلاق الاكثرين حيث منعوا الاقتداء به ولم يفصلوا وفى معنى صلاة من لم يجد ماء ولا ترابا صلاة المقيم المتيمم لعدم الماء وصلاة من امكنه أن يتعلم الفاتحة فلم يتعلم ثم صلي لحق الوقت وصلاة العارى وصلاة المربوط علي الخشبة إذا الزمنا الاعادة على هؤلاء وقد سبق بيان الخلاف فيه اما إذا صحت الصلاة صحة مغنية عن القضاء فلا يخلو الحال اما أن يكون المصلي مأموما أو لا يكون فان كان مأموما لم يجز الاقتداء به لانه تابع لغيره ويلحقه سهو ذلك الغير ومنصب الامامة يقتضى الاستقلال وتحمل سهو الغير فلا يجتمعان ولو رأى رجلين واقفين احدهما بجنب الاخر يصليان جماعة وتردد في ان الامام هذا أم ذاك لم يجز الاقتداء بواحد منهما حتي يتبين له الامام ولو التبس علي الواقفين فاعتقد كل واحد منهما انه المأموم فصلاتهما باطلة لان كل واحد منهما مقتد بمن يقصد الائتمام وكذلك لو كان كل واحد منهما شاكا لا يدرى أنه أمام أو مأموم فصلاتهما باطلة وأن اعتقد كل واحد منهما أنه امام صحت صلاتهما وأن شك احدهما في حاله دون الاخر بطلت صلاة الشاك وغير الشاك أن ظن أنه امام صحت صلاته وان ظن انه مأموم فلا وأن لم يكن المصلي مأموما فلا يخلو اما ان يخل بالقراءة
أو لا يخل فان أخل بان كان أميا ففي صحة اقتداء القارئ به قولان (الجديد) انه لا يصح وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد لان الامام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الامامة بدليل المسبوق فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل (والقديم) انه أن كانت الصلاة سرية صح الاقتداء والا فلا بناء علي القول القديم في أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الامام فإذا لم يحسن القراءة لم يصلح للتحمل وفى السرية يقرأ المأموم لنفسه فيجزئه ذلك هذا نقل جمهور الاصحاب منهم الشيخ أبو حامد والقاضي ابن كج والصيدلانى والمسعودي وذكر معظمهم ان ابا اسحق خرج قولا ثالثا على الجديد أن الاقتداء صحيح سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية لان المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك كما قال باجزائه في السرية في القديم ومنهم ممن لم يثبت هذا القول الثالث ومأخذ الطريقتين علي ما ذكره الصيدلانى ان اصحابنا اختلفوا في نصين للشافعي رضي الله عنه خالف الآخر الاول هل يكون الآخر رجوعا عن الاول ام لا منهم من قال نعم فعلى هذا لا ياتي في الجديد الا قول واحد انه لا يصح اقتداء القارئ بالامى ومنهم من قال لا يكون رجوعا لانه قد ينص في موضع واحد علي قولين فيجوز ان يذكرهما متعاقبين فعلى هذا يخرج قول آخر في الجديد كما سبق وإذا اثبتا القول الثالث فابو اسحق مسبوق به لانه قد ذهب إليه المزني وخرجه علي أصول الشافعي رضي الله عنه وعكس صاحب الكتاب في الوسيط ما ذكره الجمهور في القول الثاني والثالث فجعل الثاني قولا مخرجا والثالث منصوصه في القديم ثم الامي علي اصلنا هو الذي لا يحسن بعض الفاتحة أو كلها لخرس ونحوه ويدخل في هذا التفسير الارت وهو الذي يدغم حرفا في حرف في غير موضع الادغام وقال في التهذيب هو الذى يبدل الراء بالتاء والالثغ وهو الذى يبدل حرفا بحرف كالسين بالثاء فيقول المثتقيم أو الراء بالغين فيقول غيغ المغضوب ويدخل الذى في لسانه رخاوة
تمنع أصل التشديدات والخلاف الذى ذكرناه في اقتداء القارئ بالامي فيما إذا لم يطاوعه لسانه أو طاوعه لكن لم يمض عليه من الزمان ما يمكنه التعلم فيه فإذا مضى وقصر بترك التعلم فلا يقتدى به بلا خلاف لان صلاته حينئذ مقضية يؤتى بها لحق الوقت كصلاة من لم يقدر علي الماء والتراب ويجوز اقتداء الامي بامي مثله لاستوائهما في النقصان كاقتداء المرأة بالمرأة ولو حضر رجلان كل واحد منهما يحسن بعض الفاتحة ان كان ما يحسنه هذا يحسنه ذاك جاز اقتداء كل واحد منهما بالاخر وان احسن أحدهما غير ما يحسنه الآخر فاقتداء أحدهما بالآخر كاقتداء القارئ بالامي ففيه الخلاف الذى سبق وعليه يخرج اقتداء الارت بالالثغ وبالعكس لان كل واحد منهما قارئ لما ليس صاحبه فيه بقارئ وتكره امامة التمتام والفأفاء ويجوز الاقتداء بهما لانهما لا ينقصان شيئا ويزيدان زيادة هما معذوران فيها وتكره امامة من يلحن في القراءة ثم ننظر ان كان لحنا لا يغير المعنى ولا يبطله كرفع الهاء من الحمد لله فتجوز صلاته وصلاة من اقتدى به وان كان يغير المعنى كقوله أنعمت عليهم أو يبطله كقوله المستقين فان كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فيلزمه ذلك فلو قصر وضاق الوقت صلي وقضي ولا يجوز الاقتداء به وان لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم فيه فان كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالامي وان كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه قال امام الحرمين ولو قيل ليس لهذا الذى يلحن في غير الفاتحة أن يقرأ ما يلحن فيه لانه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن ولا ضرورة إليه لما كان بعيدا والله أعلم * هذا تمام قسم الاخلال وان لم يخل بالقراءة فلا يخلو اما ان يكون رجلا أو امرأة أو خنثى مشكل فاما الرجل فيصح اقتداء الرجال والنساء به واما المرأة فيصح اقتداء النساء بها ولا يصح اقتداء الرجل بها لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا اعرابي
مهاجرا " ولا يجوز اقتداء الخنثى بها أيضا لجواز ان يكون رجلا واما الخنثي فيجوز اقتداء المرأة به لانه اما رجل أو امرأة واقتداؤها بالصنفين جائز ولا يجوز اقتداء الرجل به لاحتمال انه امرأة ولا اقتداء مشكل آخر لجواز ان يكون الامام امرأة والمأموم رجلا وحيث حكمنا بصحة الاقتداء فلا باس بكون الامام متيمما أو ماسحا علي الخف وكون المأموم متوضئا أو غاسلا ويجوز ايضا اقتداء السليم بسلس البول والطاهرة بالمستحاضة التي ايست بمتحيرة في أصح الوجهين كما يجوز الاقتداء بمن استجمر وبمن على وبه أو بدنه نجاسة معفو عنها (والثاني) وبه قال أبو حنيفة لا يجوز لان صلاتهما صلاة ضرورة ولا باس بصلاة القائم خلف القاعد خلافا لمالك حيث قال لا يجوز ذلك ولاحمد حيث قال إذا قعد الامام قعد القوم خلفه لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم " صلى قاعدا وابو بكر رضي الله عنه والناس خلفه قيام " ويجوز اقتداء القائم والقاعد بالمضطجع خلافا لابي حنيفة: لنا القياس علي الصورة السابقة فانه سلمها: هذا آخر التقسيم وقد تبين به الاوصاف المشروطة في الامام ونعود الان الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) وكل مالا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء يدخل فيه من لا تصح صلاته أصلا ومن تصح صلاته صحة غير مغنية عن القضاء لان كل صلاة ليس لها الصحة ليس لها الصحة الخاصة وحكم
الضربين ما ذكره (وقوله) فلا يصح الاقتداء به مطلق وظاهره يقتضي ان لا يصح اقتداء من لم يجد ماء ولا ترابا بمثله كما لا يصح اقتداء غيره وهو الوجه الذى ذكرنا انه الموافق لاطلاق الاكثرين (وقوله) ومن صحت صلاته صح الاقتداء به يعني صحت صلاته الصحة المبينة في القسم الاول وهي المغنية عن القضاء (وقوله) الا اقتداء القارئ معلم بالزاى لان عند المزني هذه الصورة غير مستثناة كما سبق ثم نظم الكتاب لا يصرح الا باستثناء اقتداء القارئ بالامي عن هذا الضابط لكن اقتداء الرجل بالمرأة مستثني عنه ايضا والمراد والا اقتداء الرجل بالمرأة وقد حصر امام الحرمين الاستثناء في هذين الموضعين وضم اليهما في الوسيط ثالثا وهو الاقتداء بالمقتدى ولك ان تقول قولنا من صحت صلاته صح الاقتداء به اما أن يريد به صحة اقتداء كل احد به أو يعنى صحة الاقتداء به في الجملة فان عندنا الاول فالاستثناء غير منحصر في الموضعين ولا في الثلاثة بل من صور الاستثناء الاقتداء بمن يتعين في
زعم المأموم كونه محدثا وغير هذه الصورة علي ما تقدم وان عنينا الثاني فلا حاجة الي استثناء الامي إذ يصح اقتداء مثله به ولا استثناء المرأة إذ يصح اقتداء المرأة بها (وقوله) ومن لا يحسن حرفا من الفاتحة والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه اي فيحصل فيه الخلاف المذكور في اقتداء القارى بالامي
قال (فان اقتدي الرجل بخنثي فبان بعد الفراغ كونه رجلا وجب القضاء على اظهر القولين لوجود التردد في نفس الصلاة ولو بان بعد الفراغ كونه اميا أو محدثا أو جنبا فلا قضاء (ح) ولو بان كونه امرأة أو كافر اوجب القضاء لان لهما علامة ولو بان كونه زنديقا فوجهان) *
جميع ما سبق فيما إذا عرف المأموم حال الامام في الصفات المشروطة وجودا وعدما وغرض هذا الفصل الكلام فيما إذا ظن شيئا وتبين خلافه فمن صوره ما لو اقتدى رجل بخنثي وبان بعد الصلاة كونه رجلا وقد قدمنا ان هذا الاقتداء غير صحيح وإذا لم يصح فلا يخفي وجوب القضاء فلو لم يقض حتى بان كونه الامام رجلا فهل يسقط القضاء فيه قولان (احدهما) نعم لانه قد تبين كون الامام رجلا (واظهرهما) لا يسقط لانه كان ممنوعا من الاقتداء به للتردد في حاله وهذا التردد يمنع من صحة الصلاة وإذا لم تصح فلا بد من القضاء وقوله في الكتاب وجب القضاء على اظهر القولين ليس المراد منه استفتاح الوجوب وانما المراد استمراره على ما بينا ويجرى القولان فيما لو اقتدى خنثي بامرأة ولم يقض الصلاة حتى بان كونه امرأة وفيما إذا اقتدى خنثي بخنثى ولم يقض المأموم حتى بانا رجلين أو أمرأتين أو بان كون الامام رجلا وكون المأموم أمرأة وذكر الائمة لهذه الصور نظائر: منها لو باع مال ابيه علي ظن أنه حى فبان أنه كان ميتا ففى صحة البيع قولان: ومنها لو وكل وكيلا بشرى شئ وباع ذلك الشئ من انسان علي ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد وكان قد اشتراه في صحة البيع قولان ومن مسائل الفصل ما لو اقتدى برجل ظنه متطهرا ثم بان بعدما صلي أنه كان جنبا أو محدثا فلا قضاء عليه خلافا لابي حنيفة حيث قال يجب ولمالك واحمد حيث قالا إن كان الامام عالما بحدثه وام مع ذلك وجب علي المأموم القضاء وأن لم يكن عالما لم يجب وحكي صاحب التلخيص مثل ذلك قولا للشافعي رضى الله عنه منصوصا: لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم " دخل في صلاته واحرم
الناس خلفه ثم ذكر أنه جنب فاشار إليهم كما انتم ثم خرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ماء ولم يامرهم بالاعادة " وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " إذا صلي الامام بقوم وهو على غير وضوء اجزأتهم ويعيد هو " وايضا فانه غير مامور بالبحث عن حدث الامام وطهارته لانه لا علامة للمحدث والمتطهر يعرفان بهما فليس منه تقصير في الاقتداء به وكل مصل لنفسه ففساد صلاة الامام لا توجب فساد صلاة المأموم والمسألة فيما إذا لم يعرف المأموم حدثه أصلا فان علم حدثه ولم يتفرقا ولم يتطهر ثم اقتدى به ناسيا وجبت الاعادة وهي مفروضة في غير الجمعة فاما إذا اتفق ذلك في الجمعة فسياتي الكلام في بابها: ومنها لو اقتدى بمن ظنه قارئا فبان أنه أمي قال في التهذيب تجب الاعادة علي قولنا أن الصلاة خلف الامي لا تصح والذى ذكره في الكتاب أنه لا قضاء عليه كما لو بان جنبا ووجهه امام الحرمين بان البحث عن كون الامام قارئا لا يجب بل يجوز حمل الامر علي الغالب وهو أنه لا يؤم الا قارئ كما يجوز حمل الامر علي أنه متطهر فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بانت الجنابة قال وإذا كانت الصلاة جهرية فيظهر فيها أنه قارئ أو أمي فان لم يجهر فيها فحينئذ اختلف الاصحاب في أنه هل يجب البحث وما حكاه صاحب التهذيب في المسالة أقرب إلى سياق الاكثرين ويجوز أن يفرق بينه وبين ما إذا بان جنبا بان الحدث ليس بنقص في الشخص وهذا نقص فصار كما لو بان الامام كافرا أو أمرأة وأيضا فان الوقوف علي كونه قارئا أسهل من الوقوف على كونه متطهرا لان عروض الحدث وأن عرف أنه تطهر قريب وصيرورتة اميا بعدما سمعه يقرأ
في غاية البعد واما إذا أقتدى بمن لا يعرف حاله في صلاة جهرية ثم لم يجهر فحكاية العراقيين فيه عن نصه في الام أنه يلزمه الاعادة لان الظاهر أنه لو كان قارئا لجهر فلو سلم وقال أسررت ونسيت الجهر لم تجب الاعادة وتستحب وإذا وقفت علي ما ذكرنا أعلمت قوله فلا قضاء بالحاء والميم والالف وكذلك بالواو لامرين (احدهما) القول الذى حكاه صاحب التلخيص والثاني الخلاف الذى نقلناه في مسالة الامي (فان قلت) ولم قيد هذه الصور بما إذا بان الحال بعد الفراغ من الصلاة وكذلك قيد ما إذا اقتدى بخنثى وبان كونه رجلا بما بعد الفراغ وما الحكم لو بان ذلك قبل الفراغ من الصلاة (فالجواب) اما في صورة الخنثى فالقولان جاريان في الحالتين وحكى القاضي بن كج القولين فيما إذا اقتدى خنثي بامرأة ثم لم يخرج من الصلاة حتى بان للمأموم انه انثي وقد سبق أن هذه الصورة وصورة الكتاب يستويان في طرد القولين فاذن قوله بعد الفراغ في مسألة الخنثى ليس للتقييد واما إذا بان في الصلاة كونه جنبا أو محدثا فلا قضاء ايضا إذا اتم ويجب أن ينوى المفارقة كما علم الحال وكذلك الحكم فيما إذا بان في الصلاة كومه اميا علي ما ذكره في الكتاب وإذا اقتدى بمن ظنه رجلا فبان كونه أمرأة وجب القضاء لان المرأة تمتاز عن الرجل بالصوت والهيئة وسائر العلامات فالمقتدى منتسب الي التقصير بترك البحث وكذلك الحكم لو بان حنثى عند اكثر الاصحاب لان أمر الخنثى ينتشر في الغالب ولا يخفي إذ النفوس مجبولة علي التحدث بالاعاجيب واشاعتها وعن صاحب التلخيص انه لا تجب الاعادة إذا بان خنثى ولو اقتدى بمن ظنه مسلما فبان كافرا ينظر ان كان كافرا يتظاهر بكفره كاليهودي والنصراني وجب القضاء لمعنيين (احدهما) ذكره الشافعي رضي الله عنه وهو أن الكافر لا يجوز ان يكون اماما بحال لنقص فيه بخلاف الجنب فانه لا يجوز ان يكون اماما لحالة عارضة لا لصفة نقصان وايضا فالجنب إذا تيمم يجوز ان يؤم مع ان حدثه باق (والثانى) ذكره الاصحاب وهو الذى اورده في الكتاب أن للكافر أمارات يعرف بها من الغيار وغيره فالمقتدى مقصر بترك البحث وأن كان كافرا يظهر الاسلام ويسر الكفر كالزنديق والدهرى والمرتد الذى يخفي ردته خوفا من القتل ففي وجوب القضاء وجهان بناهما العراقيون علي المعنيين أن قلنا بالاول وجب القضاء لانه لا يجوز أن يكون اماما بحال لنقصان فيه وأن قلنا بالثاني لا يجب وهذا الثاني اصح عند صاحب التهذيب وجماعة ولو اقتدى برجل ثم بان أنه كان على بدنه أو ثوبه نجاسة فان كانت خفية فهو
كما لو بان الحدث وأن كانت ظاهرة فقد قال امام الحرمين فيه احتمال عندي لانه من جنس ما يخفي وقوله في الكتاب ولو بان كونه أمرأة أو كافرا يعنى كافرا لا يستشر بكفره ومسألة الزنديق بعده توضحه وليكن قوله وجب القضاء معلما بالزاء لان عند المزني لا يجب القضاء لا فيما إذا بان أمرأة ولا فيما إذا بان كافرا * قال (ويصح الاقتداء بالصبى والعبد والاعمي وهو اولي (ح) من البصير لانه اخشع) في الفصل صور (احداها) الاقتداء بالصبى المميز صحيح خلافا لابي حنيفة ومالك واحمد رحمهم الله حيث قالوا الا يصح الاقتداء به في الفرض واختلفت الرواية عنهم في النفل لنا ما روى أن عمرو ابن سلمة " كان يؤم قومه علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين " ولا خلاف في أن البالغ أولي منه (والثانية) الاقتداء بالعبد صحيح من غير كراهة لكن الحر اولي منه وعند ابي حنيفة أنه تكره امامته لنا ما روى أن عائشة رضي الله عنها كان يؤمها عبد لها لم يعتق يكنى
ابا عمر وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " اسمعوا واطيعوا ولو أمر عليكم عبد اجدع ما اقام فيكم الصلاة " واعلم أن الصورتين فيما إذا اما في غير الجمعة فاما في الجمعة فسيأتي (الثالثة) امامة الاعمى صحيحة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم " استخلف ابن أم مكتوم رضى الله عنه في بعض غزواته يؤم الناس " وهل هو أولى من البصير أم كيف الحال فيه ثلاثة اوجه الذى ذكره في الكتاب ويحكي عن أبي اسحق المروزى أن الاعمي اولي لانه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله فيكون ابعد عن تفرق القلب واخشع والثاني وبه قال أبو حنيفة أن البصير أولى لانه احفظ لبدنه وثيابه
عن النجاسات ولانه مستقل بنفسه في الاستقبال وهذا اختيار الشيخ أبي اسحق الشيرازي (والثالث) وهو المنقول عن نصه في الام وغيره انهما سواء لتعارض المعنيين وهذا هو المذهب عند عامة الاصحاب ولم يورد الصيدلاني والامام وصاحب التهذيب سواه * قال (والافقه الصالح الذى يحسن الفاتحة أولي من الاقرأ والاورع والاسن والنسيب وفى الاسن والنسيب قولان لتقابل الفضيلة وإذا تساوت الصفات قدم بحسن الوجه ونظافة الثوب) ما ذكره في اول الفصل الثاني إلى هذا الموضع كلام فيمن يجوز الاقتداء به ومن لا يجوز ومن ههنا الي اخر الفصل كلام فيمن هو اولي بالامامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها والاصل في التقديم بالفضائل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم " قال يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله تعالى فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة وان كانوا في السنة سواء فاقدمهم في الهجرة فان كانوا في الهجرة سواء فاكبرهم سنا " وقد تعرض في الكتاب لخمس خصال من اصول خصال التقديم وهى الفقه والقراءة والورع والسن والنسب وابدل كثير من الاصحاب الورع بالهجرة وقالوا صفات التقديم خمس وجمع بينهما في التهذيب وضم اليهما الاربع البواقى فجعلها ستا اما الفقه والقراءة فالمراد منهما ظاهر واما الورع فليس المراد منه مجرد العدالة بل ما يزيد عليه من العفة وحسن السيرة وهو ايضا بين واما السن فقد قال الاصحاب المعتبر ان يمضي عليه في الاسلام فلا يقدم شيخ أسلم اليوم علي شاب نشأ في الاسلام ولا علي شاب أسلم أمس والظاهر أنه لا تعتبر الشيخوخة وانما النظر إلى تفاوت السن علي ما يشعر به قوله صلي الله عليه وسلم " فاكبرهم سنا " واشار بعضهم الي أن النظر الي الشيخوخة واما النسب فلا خلاف أن نسب قريش معتبر وهل يعتبر غيره قال في النهاية رأيت في كلام الائمة ترددا فيه والظاهر أنه لا يختص بالانتساب الي قريش بل نراعى كل نسب يعتبر في الكفاءة في باب النكاح كالانتساب الي العلماء والصلحاء وعلي هذا فالهاشمي والمطلبى يقدمان
علي سائر قريش وسائر قريش يقدمون على غيرهم ثم يقدم العرب علي العجم واما الهجرة فمن هاجر الي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم علي من لم يهاجر ومن تقدمت هجرته يقدم علي من تأخرت هجرته وكذلك الهجرة بعد الرسول صلي الله عليه وسلم وسلم من دار الحرب الي دار الاسلام معتبرة واولاد من هاجر أو تقدمت هجرته يقدمون علي اولاد غيرهم وهذا التقديم في الاولاد يندرج تحت شرف النسب هذا مقدمة الفصل ويتلوها مسائل (احداها) لو اجتمع عدل وفاسق فالعدل أولي بالامامة وأن اختص الفاسق بزيادة الفقه والقراءة وسائر الفضائل لان الفاسق يخاف منه أن لا يحافظ علي الشرائط وفى لفظ الكتاب اشارة الي هذا حيث قال والافقه الصالح إلى اخره وشرط الصلاح في تقديم الافقه على غيره وبالغ مالك فمنع الاقتداء بالفاسق بغير تأويل كشارب الخمر والزاني وعنه روايتان في الفاسق بالتأويل كمن يسب السلف الصالح وعن احمد روايتان في جواز الاقتداء
بالفاسق مطلقا (أصحهما) المنع ونحن اقتصرنا علي الكراهة وجوزناه لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " صلوا خلف كل بر وفاجر " ويمكنك أن تستدل بكراهة الاقتداء بالفاسق علي كراهة الاقتداء بالمبتدع بطريق الاولي لان فسق الفاسق يفارقه في الصلاة واعتقاد المبتدع لا يفارقه وهذا فيمن لا يكفر ببدعته اما من يكفر فلا يجوز الاقتداء به كما سبق وعد صاحب الافصاح من يقول بخلق القرآن أو بنفي شئ من صفات الله تعالي ممن يكفر وكذلك جعل الشيخ أبو حامد ومتابعوه المعتزلة ممن يكفر والخوارج ممن لا يكفر ويحكى تكفير القائل بخلق القرآن عن الشافعي رضى الله عنه واطلق كثير من الاصحاب منهم القفال القول بجواز الاقتداء باهل البدع وانهم لا يكفرون قال في العدة وهو ظاهر
مذهب الشافعي رضى الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم " صلوا علي من قال لا اله الا الله وخلف من قال لا اله الا الله " (الثانية) قال صاحب التهذيب والتتمة الاورع اولي من الافقه والاقرأ لان الامامة سفارة بين الله تعالي وبين الخلق فأولاهم بها أكرمهم علي الله تعالى وروى مثله عن الشيخ ابى محمد وهذا خلاف ما ذكره في الكتاب فانه قدم الافقه على الاقرأ والاورع وهو أظهر وأوفق لاطلاق الاكثرين ووجهه ما سيأتي في تقديم الافقه على الاقرأ وينبغى ان يعلم لفظ الاورع بالواو لذلك (الثالثة) إذا اجتمع شخصان أحدهما لا يقرأ الا ما يكفى في الصلاة لكنه صاحب فقه كثير والآخر يحسن القرآن كله وهو قليل الفقه فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب ان الافقه أولي خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا الاقرأ اولى احتجاجا بالخبر الذى تقدم فانه قدم الاقرا علي الاعلم بالسنة وهو الافقه: لنا ان الواجب في الصلاة محصور والوقائع الحادثة في الصلاة غير محصورة فالحاجة إلى الفقه اهم واجاب الشافعي رضى الله عنه عن الاحتجاج بالخبر بان اهل العصر الاول كانوا يتفقهون قبل ان يقرؤا وما كان يوجد منهم قارئ الا وهو فقيه وإذا كان كذلك فالذي يقتضيه الخبر تقديم القارئ الفقيه على
الفقيه الذى ليس بقارئ وذلك مما لا نزاع فيه وكذلك تقديم الجامع لهما علي القارئ الذي ليس بفقيه وحكي القاضي الرويانى وغيره وجها آخر ان الاقرأ والافقه يستويان لتقابل الفضيلتين فليكن قوله اولي من الاقرأ معلما بالواو مع الحاء والالف وانما قال الذى يحسن الفاتحة اشارة إلى ان الافقه لو لم يحسن الواجب من القراءة لا يكون أولي من الاقرأ وانما الاولوية بشرط ان يقرأ ما يجب (الرابعة) تقدم كل واحدة من خصلتي الفقه والقراءة علي السن والنسب والهجرة ونص في صلاة الجنازة علي تقديم الاسن علي الافقه كما سيأتي في موضعه فحكي صاحب النهاية ان العراقيين حكوا عن بعض الاصحاب جعل المسألتين على قولين نقلا وتخريجا فيجوز ان يعلم بالواو لذلك لفظ الاسن أيضا وإذا استويا فيهما فبماذا يقع التقديم اما المتعرضون للهجرة فقد اختلفت طرقهم قال الشيخ أبو حامد وجماعة لا خلاف في تقدم السن والنسب جميعا علي الهجرة وفى السن وفى النسب إذا تعارضا فاجتمع شاب قرشي وشيخ غير قرشي قولان (الجديد) ان الشيخ أولى لما روى
انه صلي الله عليه وسلم قال " وليؤمكم أكبركم " ولان النسب فضيلة في الآباء والسن فضيلة في ذات الشخص واعتبار الفضيلة التى في ذاته أولي (والقديم) ان الشاب النسيب أولى لقوله صلي الله عليه وسلم " قدموا قريشا " ولان شرف النسب بفضيلة اكتسبها الاباء والسن مضي زمان لا اكتساب فيه واعتبار الفضيلة المكتسبة أولي وعكس صاحب التهذيب والتتمة الترتيب فقال الهجرة مقدمة علي السن والنسب وفيهما القولان وادرج آخرون منهم صاحب المهذب الهجرة في حكاية القولين فقالوا في الجديد يقدم بالسن ثم بالهجرة ثم في القديم يقدم بالنسب ثم بالهجرة ثم بالسن: واما صاحب الكتاب ومن لم يتعرض للهجرة اقتصروا على ذكر القولين في السن والنسب وطريقتهم توافق ما ذكره الشيخ أبو حامد فانهم يرجحون بالهجرة بعد السن والنسب لا محالة وان لم يعدوها من اصول الخصال ورجح جماعة من الاصحاب القول
القديم في المسألة علي خلاف الغالب (الخامسة) إذا تساويا في جميع الصفات المذكورة قدم بنظافة الثوب والبدن عن الاوساخ وطيب الصنعة وحسن الصوت وما اشبهها من الفضائل لانها تفضى الي استمالة القلوب وكثرة الجمع وحكي الاصحاب عن بعض متقدمي العلماء انهم قالوا يقدم احسنهم واختلفوا في معناه منهم من قال احسنهم وجها وجعلوا له اعتبارا في التقديم ومنهم من قال المراد منه حسن الذكر بين الناس والاول هو المذكور في الكتاب ويجوز ان يعلم بالواو ثم ليس في لفظ الكتاب ما يوجب تقديم حسن الوجه علي نظافة الثوب ولا عكسه وفى التتمة انه تقدم