فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 301-341
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 301-341
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بالمنبت ما منه النبات والذى ينبت منه الشعر نجس أما الزرع فانه ينبت من الحبات المنبثة في السرقين لا من نفس السرقين * قال (القسم الثالث المتخذ من الذهب والفضة وهو محرم الاستعمال على الرجال والنساء ولايجوز تزيين الحوانيت به على الاصح ولا يجوز اتخاذه (و) ولا قيمة على كاسره (و) ولا يتعدى التحريم إلى الفيروزج والياقوت على الاصح لان نفاستهما ما لا يدركها الا الخواص) عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما يكره استعمال الاواني المتخذة من الذهب والفضة وهل ذلك على سبيل التحريم أو هو على سبيل التنزيه فيه قولان قال في القديم أنه على التنزيه لان جهة المنع ما فيه من السرف والخيلاء وانكسار قلوب المساكين ومثل هذا لا يقتضى التحريم وقال في الجديد انه على التحريم وهو الصحيح وبه قطع بعضهم لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الذي يشرب في آنية الفضة انما يجر جر في جوفه نار جهنم رتب الوعيد بالنار عليه

ويستوى في المنع الرجال والنساء لشمول معني الخيلاء وان جاز للنساء التحلى بالذهب والفضة يزينا كما أن افتراش الحرير يحرم عليهن كما يحرم على الرجال ولا يحرم اللبس عليهن ثم الخبر وان ورد في الاكل والشرب منهما فسائر وجوه الاستعمال في معناهما كالتوضى والاكل بملعقة الفضة والتطيب بماء الورد من قارورة الفضة والتجمر بمجمرة الفضة إذا احتوى عليها ولا حرج في اتيان الرائحة من بعد وهل يجوز اتخاذ الاواني الذهبية والفضية ان قلنا لا يحرم استعمالها على القديم فيجوز وان قلنا يحرم فوجهان أحدهما يجوز لجمع المال واحرازه كيلا يتفرق: والثاني وهو الاصح والمذكور في الكتاب أنه لا يجوز لان ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي فان قيل آلات الملاهي تتشوف النفس إلى استعمالها بخلاف الاواني قيل لا نسلم أن الاواني لا تتشوف النفس إلى استعمالها بل الواجد لها يلتذ باستعمالها واحتجوا لهذا الوجه أيضا بانه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها ولو كان اتخاذها مباحا لكان وجوب الزكاة فيها على القولين في الحلى المباح وعلى الوجهين يبنى جواز الاستئجار على اتخاذها وغرامة الصنعة على من كسرها ان قلنا يجوز اتخاذها جاز الاستئجار ووجب الغرم والا فلا: وفي جواز تزيين البيوت والحوانيت والمجالس بها وجهان لانه ليس باستعمال لكن السرف والخيلاء يكاد يكون أبلغ ثم في كلام بعضهم بناء الخلاف في الاتخاذ على هذا الخلاف ان حرمناه فلا منفعة فيها بحال فلا يجوز اتخاذها والا فيجوز ويجوز أن يعكس هذا البناء فيقال ان حرمنا الاتخاذ حرم التزيين لان ما حرم اتخاذه يجب اتلافه والتزيين يتضمن الامساك وان ابحنا الاتخاذ فلا منع الا من الاستعمال: وقال امام الحرمين رحمة الله عليه الوجه عندي تحريم التزيين بها للسرف مع الخلاف في حرمة الصنعة وأما الاواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة كالفيروزج والياقوت والزبرجد وغيرها فهل هي في معني المتخذ من الذهب والفضة فيه قولان بناهما الائمة علي أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما أو لمعنى فيهما قالوا وفيه قولان الجديد أنه لعينهما كاختصاصهما بتقويم الاشيإ بهما ووجوب حق المعدن فيهما وجعلهما رأس مال القراض ونحو ذلك: والثاني أنه لمعنى فيهما وهو السرف والخيلاء فعلى الاول لا يحرم ما اتخذ من

غيرهما من الجواهر النفيسة وعلى الثاني يحرم واعتبر العراقيون والامام معني السرف والخيلاء لا محالة وقالوا حسم باب المعني مع ظهوره بعيد لكن وجه الجواز ان التبرين يظهر ان لكافة الناس والجواهر النفيسة يختص بمعرفتها بعضهم فيكون السرف والخيلاء في التبرين اكثر وهذا قضية قول صاحب الكتاب لان نفاستها لا يدركها الا الخواص وكيف ما كان فالاصح انها ليست في معنى الذهب والفضة ولا خلاف في أن ما تكون نفاسته بسبب الصنعة لا يحرم استعماله ولا يكره كلبس الكتان النفيس قال (والمموه لا يحرم على أظهر المذهبين والمضبب في محل يلقي فم الشارب محظور على الاظهر فان لم يلق فان كان صغيرا لا يلوح من البعد أو على قدر حاجة الكسر فجائز (و) وان انتفى المعنيان فحرام (ح) وان وجد أحدهما دون الثاني فوجهان وفي المكحلة الصغيرة تردد) لو اتخذ اناء من حديد أو غيره وموهه بالذهب أو الفضة نظر ان كان يحصل منها شئ بالعرض على النار منع من استعماله وليس هذا موضع الخلاف وان لم يحصل شئ فهل يمنع من الاستعمال فيه وجهان مبنيان علي مثل ما ذكرنا في الجواهر النفيسة: قال آخرون معنى الخيلا معتبر لكن من جوز قال المموه لا يكاد يخفى ولا يلتبس بالتبر ولو اتخذ اناء من ذهب أو فضة وموهه بنحاس أو غيره جرى الخلاف ان قلنا التحريم لعين الذهب والفضة يحرم

وان قلنا المعنى الخيلاء فلا: ولو غشي ظاهره وباطنه جميعا بالنحاس قال الامام الذى أراه القطع بجواز استعماله والذى يجئ على قول من يقول التحريم لعين الذهب والفضة أن يقول بالتحريم ههنا أيضا وقوله في الاصل علي أظهر المذهبين يعنى الوجهين اللذين ذكرنا هما وأما المضبب فينظر ان كانت الضبة على شفة الاناء بحيث تلقى فم الشارب فوجهان أحدهما التحريم وبه قال مالك قدس الله روحه سواء كانت صغيرة أو كبيرة على قدر الحاجة أو فوقها لكونها في موضع الاستعمال: والثاني أنها كما لو كانت في موضع آخر وصاحب الكتاب في آخرين جعلوا الوجه الاول أظهر ولعل الذى دعاهم إليه أنه اشبه بكلام الشافعي رضي الله عنه في المختصر لكن معظم العراقيين علي انه لا فرق بين أن تكون الضبة علي موضع الشرب أو غيره وهو أوفق للمعني لان التحريم ان كان لعين الذهب والفضة فلا فرق وان كان لمعني الخيلاء فكذلك وقد تكون الزينة في غير موضع الشرب أكثر وليس لقائل أن يقول إذا كان شاربا على فضة كان متناولا بالنص لان لفظ الخبر المنع من الشرب في آنية الفضة لا على الفضة والمضبب ليس بآنية الفضة ثم من نصر الوجه الاول فمن شرطه أن يقول لو كان الاستعمال في غير الشرب وكانت الضبة على الموضع الذى يمسه المستعمل ويلاقيه يحرم أيضا ولا ينساغ غير ذلك وان كانت الضبة على غير موضع

الشرب نظر ان كانت صغيرة وكانت على قدر الحاجة فلا تحريم ولا كراهة روى ان حلقة قصعة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من فضة وكذلك قبيعة سيفه وان كانت كبيرة وفوق الحاجة حرم الاستعمال لظهور الزينة ووجود عين الذهب والفضة وان كانت صغيرة لكنها فوق قدر الحاجة أو كبيرة لكنها بقدر الحاجة فوجهان أحدهما التحريم لظهور معنى الخيلاء: أما في الصورة الاولي فلانه للزينة دون الحاجة: وأما في الثانية فلكبر الضبة وافتتان الناظرين بها كأصل الاناء وأصحهما وهو الذى ذكره الشيخ أبو حامد والعراقيون أنه يكره ولا يحرم أما في الصورة الاولى فلصغرها وقدرة معظم الناس على مثلها: وأما في الثانية فلظهور قصد الحاجة دون الزينة وبنى بعضهم الوجهين علي الاصل الذى سبق ان قلنا

التحريم لعين الذهب والفضة حرم وإن قلنا لمعنى الخيلاء فلا * وفي أصل المسألة وجهان آخر ان أحدهما أن المضبب يكره استعماله ولا يحرم بحال وبه قال أبو حنيفة والثاني أنه يحرم مطلقا حكاه الشيخ أبو محمد تخربجا على اعتبار العين وإذا عرفت ذلك فليكن قوله علي قدر حاجة الكسر فجائز معلما بالواو للوجه الثاني وقوله وان انتفى المعنيان فحرام بالحاء والواو للوجه الاول ثم ههنا مبا حثات احداها هل هذا الخلاف والتفصيل في المضبب بالفضة خاصة أو يعم المضبب بالفضة والذهب جميعا ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمة الله عليه انه يحرم التضبيب بالذهب مطلقا وهذا الخلاف والتفصيل في المضبب بالفضة ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتي

وأيضا فقد روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال من شرب في آنية الذهب والفضة أو في انا فيه شئ من ذلك فانما يجر جر في جوفه نار جهنم قضية الخبر تحريم المضبب بهما مطلقا خالفنا في الفضة لما ورد من خبر القبعة والحلقة فبقى في الذهب على ظاهره والذى نص عليه الجمهور التسوية بين ضبة الذهب وضبة الفضة كأصل الاناء: الثانية ما حد الصغر والكبر قال بعضهم الكبير ما يستوعب جزء من الاناء كأسفله أو جانبا من جوانبه أو تكون عروته أو شفته أو غيرهما من الاجزاء كله من ذهب أو فضة: والصغير ما دون ذلك واستعبد امام الحرمين هذا وقال لعل الوجه أن يقال ما يلمع على البعد للناظر فهو كبير وما لا فهو صغير فيكون مأخذ ذلك مدانيا للقليل والكثير من طين الشوارع وهذا ما أشار إليه في الاصل حيث قال فان كان صغيرا لا يلوح من البعد أراد تفسير الصغير بما لا يلوح من البعد ولو بحث باحث عن حد البعد فلا يجد مرجعا فيه الا العرف والعادة وإذا كان كذلك فلو رجعنا في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة وطرحنا الواسطة لما كان به بأس وقد فعل بعض الاصحاب ذلك وقال المرجع في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة: الثالثة هل يسوى بين الذهب والفضة في الصغر والكبر لم يتعرض الاكثرون لذلك وعن الشيخ ابي محمد انه لا ينبغى أن يسوى بينهما فان الخيلاء في قليل الذهب كالخيلاء في كثير الفضة وأقرب معتبر فيه أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب إذا قومت بالفضة وهذا الكلام يقرب ما خذه مما حكيناه عن الشيخ أبي اسحق وقياس الباب أن لا فرق: الرابعة ما معني الحاجة التى اطلقناها في المسألة والجواب يعنى بها الاغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين كأصلاح موضع الكسر وكالشد والتوثيق فإذا كان على قدر ما يستدعيه الكسر فهو بقدر الحاجة وقوله في الاصل على حاجة الكسر اشارة إلى هذا ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الذهب والفضة فان الاضطرار

يبيح استعمال أصل الاناء من الذهب والفضة: الخامسة قدر الضبة المجوزة لو اتخذ منه اناء صغير كالمكلة وظرف الغالية هل يجوز حكي فيه وجهان للشيخ أبي محمد أحدهما نعم كما لو ضبب به غيره وأظهرهما لا: لانه الآن يقع عليه اسم الآنية فيندرج تحت النهى وخصوا هذا التردد بالفضة وقياس ما سبق التسوية بين الذهب والفضة وذكر في التهذيب أنه لو اتخذ للاناء حلقة من فضة أو سلسلة أو رأسا يجوز لانه منفصل عن الاناء لا يستعمله ولك أن تقول لا نسلم انه لا يستعمله بل هو مستعمل بحسبه تبعا للاناء ثم هب انه لا يستعمله لكن في اتخاذ الاواني من غير استعمال خلاف سبق فليكن هذا على ذلك الخلاف أيضا ويجوز أن يوجه التجويز بالمضبب أو تجعل هذه الاشياء كالظروف الصغيره كما سبق والله أعلم * قال (هذا قسم المقدمات أما قسم المقاصد ففيه أربعة ابواب الباب الاول في صفة الوضوء وفرائضه ستة الاولى النية وهى شرط في كل طهارة عن حدث (ح) ولا تجب (و) في ازالة النجاسة ولا يصح (ح و) وضوء الكافر وغسله إذ لا عبرة بنيته الا الذمية تحت المسلم تغتسل عن الحيض لحق الزوج فلا يلزمها الاعادة بعد الاسلام على أحد الوجهين والردة بعد الوضوء لا تبطله (و) وبعد التيمم تبطله في أحد الوجهين لضعف التيمم:) ذكرنا في أول الكتاب ان أحكام الطهارة على قسمين مقدمات ومقاصد وجعل قسم المقاصد على أربعة أبواب أحدها في صفة الوضوء وله فرائض وسنن أما الفرائض فهى ست: الفرض الاول منها النية فهى واجبة في طهارات الاحداث خلافا لابي حنيفة الا في التيمم لنا قوله

صلى الله عليه وسلم انما الاعمال بالنيات واعتبار ما عدا التيمم بالتيمم وأما ازالة النجاسة فلا يعتبر فيها النية لانها من قبيل التروك والمقصود هجران النجاسة والتروك لا تعتبر فيها النية كترك الشرب والزنا وغيرهما وطهارات الاحداث عبادات فاشبهت سائر العبادات ويحكي عن ابن سريح اشتراط النية فيها وبه قال أبو سهل الصعلوكى فيما حكاه صاحب التتمة وإذا عرفت ذلك فاعلم انه بنى على اعتبار النية في الطهارات امتناع صحتها من الكافر فلو اغتسل الكافر في كفره أو توضأ ثم أسلم لم يعتد بما فعله في الكفر لانه ليس أهلا للنية فيلزم الاعادة بعد الاسلام ولان

الطهارة عبادة والكافر ليس أهلا للعبادات ولهذا لا يصح منه الصلاة والصوم ولعل هذا أولى من التعليل بانه لا يصح منه النية لان النية المعتبرة في الوضوء نية رفع الحدث وهي متصورة من الكافر وقال أبو بكر الفارسي لا يجب إعادة الغسل ويجب إعادة الوضوء لان الغسل يصح من الكافر في بعض الاحيان بدليل غسل الذمية عن الحيض لزوجها المسلم والوضوء لا يصح منه بحال وحكي وجه آخر أنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء وبه قال أبو حنيفة وأما مسألة الذمية فانها إذا طهرت من الحيض والنفاس فلا يحل لزوجها المسلم غشيانها حتى تغتسل كالمسلمة المجنونة تطهر من

الحيض ثم لو أسلمت الذمية بعد ذلك الغسل أو أفاقت المجنونة فهل يلزمها الاعادة فيه وجهان أحدهما وبه قال أبو بكر الفارسى لا يلزم لانه غسل صح في حق حل الوطئ فيصح في حكم الصلاة وغيره وأصحهما انه يلزم الاعادة لانه ليس للكافر والمجنون أهلية العبادة وانما صح في حل الوطئ لضرورة حق الزوج ولهذا تجبر الزوجة على الغسل من الحيض مسلمة كانت أو ذمية لحقه هذا حكم الكافر الاصلى أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال ولم يجروا منه الخلاف المذكور في الكافر الاصلى لان من قال ثم لا حاجة إلى الاعادة أخذ ذلك من غسل الذمية بحل الوطئ أو من التخفيف والعفو عند الاسلام

ولا يفرض واحد منهما في المرتد: ولو توضأ المسلم ثم ارتد هل يبطل وضوءه فيه وجهان أحدهما نعم لان ابتداء الوضوء لا يصح مع الردة فإذا طرأت في دوامه أبطله كالصلاة لا يصح ابتداؤها مع الردة وتبطل إذا طرأت في دوامها واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يبطل حتي لا تجب الاعادة إذا عاد إلى الاسلام لانه بعد الفراغ من الوضوء مستديم حكمه لا فعله وإذا كان كذلك لم يتأثر ما سبق بالردة الا ترى انه إذا ارتد لم يبطل ما مضى من صومه وصلاته حتى لا تجب اعادته بعد السلام وهل يجرى هذا الخلاف في الغسل المشهور انه لا يجري لان الغسل يجامع الكفر بدليل مسألة الذمية والوضوء بخلافه ومنهم من أجرى الخلاف فيه أيضا والتوجيه ما ذكرنا في

الوضوء: وأما التيمم ففى بطلانه بعروض الردة وجهان أيضا لكن الاصح فيه البطلان لان التيمم لا ستباحة الصلاة وإذا ارتد خرج عن اهلية الاستباحة فلا يفيد تيممه الاباحة بعد ذلك كما إذا تيمم قبل الوقت لا يستبيح به الصلاة بعد دخول الوقت ومنه من يرتب فيقول ان بطل الوضوء بالردة فالتيمم أولى وان لم يبطل ففى التيمم وجهان والفرق ضعف التيمم وتقاعده عن افادة الاباحة بعد تعذر الاستباحة قال (ثم وقت النية حالة غسل الوجه ولا يضر الغروب بعده ولو اقترنت باول سنن الوضوء وعزبت قبل غسل الوجه فوجهان) لا يجوز ان تتأخر النية عن أول غسل الوجه لانها لو تأخرت لخلا أول الفرض عن النية وصار كالصلاة يشترط فيها المقارنة باولها بخلاف الصوم يحتمل فيه التقدم تارة والتأخر أخرى لعسر مراقبة طلوع الفجر وتطبيق النية عليه ثم إذا لم تتأخر فاما ان يحدث مقارنة لاول غسل الوجه أو يتقدم عليه فان حدثت مقارنة لاول غسل الوجه صح الوضوء ولا يجب الاستصحاب إلى آخر الوضوء لما فيه من العسر ولكن لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن إذ ليس للمؤمن من عمله الا

ما نوى وان تقدمت عليه نظران استصحبها إلى أن ابتدا بغسل الوجه صح الوضوء وحصل ثواب السنن المنوبة قبله وان قارنت ما قبله من السنن وعزبت قبل غسل الوجه ففى صحة الوضوء وجهان أحدهما الصحة لان تلك السنن من جملة الوضوء فإذا اقترنت النية بها فقد اقترنت بأول العبادة وان لم تكن فرضا وأصحهما المنع لان المقصود من العبادة واجباتها والمندوبات توابع وتزينات فلا يكفى اقتران النية بها ولانها أمور سابقة على فرض الوضوء فلا يكفى اقتران النية بها كالاستنجاء ثم لا خلاف في ان المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء واختلفوا فيما قبل ذلك كغسل اليدين

والسواك والتسمية فلم يعدها كثيرون من سننه وان كانت مندوبة في ابتدائه وعدها آخرون من سننه وهو الوجه ولهذا تقع معتدا بها مثابا عليها إذا نوي مطلق الوضوء ولو لم تكن معدودة من افعاله لما اعتد بها بنية الوضوء: وفى لفظ الكتاب أشياء بنبغي أن يتنبه لمثلها الاول ان قوله وقت النية حالة غسل الوجه مؤول لان اطلاق غسل الوجه يتناول جميعه والجميع ليس بوقت النية لا بمعني انه يجب اقتران النية بالكل كقولنا وقت الصوم النهار لانه يجوز أن يغسل الوجه على التدريج ولا تقترن النية بما سوى الجزء الاول ولا بمعنى انه تجزى النية أي بعض من ابعاضه اتفقت كقولنا وقت الصلاة كذا لان اقترانها بما سوى الجزء الاول لا يغني فإذا المراد أول غسل الوجه: والثاني ان قوله ولا يضر الغروب بعده ليس على اطلاقه لان الذى لا يضر ليس مطلق الغروب بل الغروب بشرط ان لا تحدث نية أحرى حتى لو عزبت نيته المعتبرة وحدثت له نية تبرد أو تنظف لم يصح وضوءه في أصح الوجهين لان النية الاولى غير باقية حقيقة والثانية حاصلة حقيقة فتكون أقوى: والثالث قوله ولو اقترنت بأول سنن الوضوء ليس من شرط هذه الصورة أن يكون الاقتران بالنية الاولى بل سواء اقترنت النية بالاولى أو بغيرها وعزبت قبل الشروع في غسل الوجه

حصل الوجهان وبالله التوفيق قال (وكيفيتها ان ينوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو ما لا يباح الا بالطهارة أو اداء فرض الوضوء فان نوى رفع بعض الحدث دون البعض فسدت نيته على أحد الوجهين وان نوى استباحة صلاة لا بعينها صحت نيته على أحد الوجهين وقيل يفسد في الكل وقيل يباح له ما نوي ولو نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث فوجهان ولو شك في الحدث بعد تيقن الطهارة فتوضأ احتياطا ثم تبين الحدث ففى وجوب الاعادة وجهان للتردد في النية وان نوى بوضوءه رفع الحدث والتبرد لم يضر على الاظهر وكذا إذا نوى غسل الجنابة مع غسل الجمعة حصلا معا) الوضوء نوعان وضوء رفاهية ووضوء ضرورة أما وضوء الرفاهية فعلى صاحبه أن ينوى أحد امور ثلاثة أو لها رفع الحدث أو الطهارة عنه فان اطلق كفاه لان المقصود من الوضوء رفع مانع الصلاة ونحوها فإذا نواه فقد تعرض لما هو المطلوب بالفعل وحكى وجه انه ان كان يمسح على الخف لم يجزه نية رفع الحدث بل ينوى استباحة الصلاة كالمتيمم ولو نوى رفع بعض الاحداث دون بعض بان كان قد نام وبال ومس فنوى رفع حدث منها ففيه وجوه أصحها انه يصح وضوءه لانه نوى رفع البعض فوجب ان يرتفع والحدث لا يتجزأ فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل والثاني لا يصح لان ما لم ينو

رفعه يبقي والاحداث لا تتجزأ فإذا بقى البعض بقي الكل ويكاد هذان الكلامان يتقاومان لكن من نصر الاول قال نفس النوم والبول لا يرفع وانما يرفع حكمهما وهو شئ واحد تعددت أسبابه والتعرض لها ليس بشرط فإذا تعرض له مضافا إلى سبب واحد لغت الاضافة إلى السبب وارتفع والثالث ان لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه وان نفاه فلا لان نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وابقاءه فصار كما لو قال أرفع الحدث لا أرفع الحدث والرابع ان نوى رفع الحدث الاول صح وضوءه وان نوى غيره فلا.
لان الاول هو الذى أثر في المنع ونقض الطهارة والخامس ان نوي رفع الحدث الاخير صح وان نوى غيره فلا لان الاخير أقرب وذكر بعضهم ان الخلاف فيما إذا نواه ونفى غيره فان لم ينف صح بلا خلاف وهذا إذا كان الحدث الذى خصه بالرفع واقعا له فان لم يكن كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم وانما بال نظر ان كان غالطا صح وضوءه لان التعرض لها ليس بشرط فلا يضر الغلط فيها وان كان عامدا لم يصح في أصح الوجهين لانه متلاعب بطهارته الثاني استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح الا بالطهارة كالطواف وسجدة التلاوة والشكر ومس المصحف فإذا نواها واطلق اجزأه لان رفع الحدث انما يطلب لهذه الاشياء فإذا نواها فقد نوى غاية المقصد

وروى وجه أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة لان الصلاة ونحوها قد تستباح مع بقاء الحدث بدليل المتيمم وان نوى استباحة صلاة معينة فان لم يتعرض لما عداها بالنفي والاثبات صح أيضا وان نفى غيرها فثلاثة أوجه أصحها الصحة لان المنوية ينبغى أن تباح ولا تباح الا إذا ارتفع الحدث والحدث لا يتبعض: والثاني المنع لان نيته تضمنت رفع الحدث وابقاءه كما سبق والثالث يباح له المنوي دون غيره لظاهر قوله صلى الله عليه وآله ولكل امرئ ما نوى

وان نوى ما يستحب له الوضوء كقراء القرآن للمحدث وسماع الحديث وروايته والقعود في المسجد وغيرها فوجهان أظهرهما لا يصح وضوءه لان هذه الافعال مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث: والثاني يصح لانه قصد أن يكون ذلك الفعل على أكمل أحواله وان يكون كذلك الا إذا ارتفع الحدث: والوجهان جاريان فيما إذا كان الوضوء مستحبا في ذلك الفعل لمكان الحدث كما ذكرنا من الامثلة وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء

فان المقصد منه زيادة النظافة لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الاول ولذلك قطع بعضهم بنفى الصحة فيه: ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطا ثم تبين أنه كان محدثا فهل يعتد بهذا الوضوء فيه هذان الوجهان لان الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث وفي المسألة معنى آخر وهو أنه عند الوضوء متردد في الحدث فيكون مترددا

في نية رفع الحدث وإذا كان كذلك وجب أن لا يعتد بوضوءه لاختلال النية وهذا بخلاف ما إذا شك في الطهارة بعد يقين الحدث حيث يؤمر بالوضوء ويحكم بصحته مع التردد لان الاصل ثم بقاء الحدث والتردد الذى يعتضد أحد طرفيه بالاصل لا يضر لحصول الرجحان والظهور وهذا المعنى على العكس ههنا أما إذا كان الفعل بحيث لا يتوقف علي الوضوء ولا يستحب الوضوء له كدخول السوق فتوضأ له لم يصح الثالث: أداء فرض الوضوء بهذه النية كما إذا نوى المصلي

أداء فرض الصلاة وهذا لان النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قربة فأشبه سائر القربات ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الاضافة إلى الله تعالى كما في الصوم والصلاة وسائر العبادات والاولى أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل يعتبرها للتمييز ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية لان الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات وقد نصوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية ولو نوى رفع الحدث أو الاستباحة والله أعلم.
فان قيل إذا لم يدخل وقت الصلاة فليس عليه وضوء ولا صلاة فكيف ينوى فرض الوضوء فالجواب أن الشيخ أبا علي ذكر أن الموجب

للطهارة هو الحدث وقد وجد الا أن وقتها لا يتضيق عليه ما لم يدخل وقت الصلاة فلذلك صح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول الوقت لكن هذا الجواب مبني على أن الموجب للطهارة هو الحدث وقد صار بعض الاصحاب إلى أن الموجب هو دخول الوقت أو أحدهما بشرط الآخر ويجوز أن يقال لا نعنى بالفرضية انه يلزمه الاتيان به والا لا متنع أن يتوضأ الصبي المميز بهذه النية ولكن المراد أنه ينوى اقامة طهارة الحدث المشروطة في الصلاة وشروط الشئ تسمى فروضه

وربما نذكر في معنى فرضية الصلاة التي ينويها المصلى ما يقارب هذا ونبين ما فيه من الاشكال في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى: ثم إذا نوى بوضوءه أحد الامور الثلاثة وقصد معه شيئا آخر يحصل ذلك الشئ من غير قصد ونية كما لو نوى بوضوءه رفع الحدث والتبرد أو استباحة الصلاة والتبرد ففي صحة الوضوء وجهان أحدهما يحكى عن ابن سريح أنه لا يصح لان الاشتراك في النية بين القربة وغيرها مما لا يخل بالاخلاص وأصحهما أنه يصح لان التبرد حاصل وان لم ينو

فنيته لاغية وصار كما لو كبر الامام وقصد مع التحريم اعلام القوم لا يضر ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبرد فعلى هذين الوجهين ولو كان يغتسل ضحوة الجمعة فنوى رفع الجنابة وغسل الجمعة فهذا يبنى على انه لو اقتصر على نية رفع الجنابة هل يتأدى به سنة غسل الجمعة أم لا وفيه قولان ان قلنا لا فقضيته أنه لا يصح الغسل أصلا كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل جميعا وان قلنا يتأدي به وهو الاصح فوجهان كالوجهين في ضم نية التبرد إلى رفع الحدث أصحهما أنه لا يضر كما

لو صلى الفرض عند دخول المسجد ونوى التحية أيضا لا يضر لان التحية تحصل وان لم ينوها ولا فرق في جريان الوجهين في مسألة التبرد بين أن يضم قصد التبرد إلى النية المعتبرة في الابتداء وبين أن يحدثها في الاثناء وهو ذاكر للنية المعتبرة أما إذا كان غافلا عنها لم يصح ما أتي به بعد ذلك في أصح الوجهين وقد قدمنا هذا: هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار ونعود إلى ما يتعلق بخصوص الكتاب: قوله وكيفيته أن ينوى رفع الحدث يجوز أن يعلم رفع الحدث بالواو اشارة إلى الوجه الذى ذكرناه في حق الماسح على الخف فان ذلك القائل لا يصحح الوضوء بنية رفع الحدث على الاطلاق بل في حق غير الماسح وقوله أو استباحة الصلاة ينبغي أن يعلم أيضا بالواو للوجه الذى رويناه: وقوله أو اداء فرض الوضوء ليس ذكر الفرضية على سبيل الاعتبار والاشتراط كما سبق وقد أوضح ذلك في الوسيط فقال ينوى أداء الوضوء أو فريضة الوضوء وقوله ولو نوى رفع بعض الحدث دون البعض يشمل ما إذا لم يتعرض للباقي أصلا وما إذا نفى رفع الباقي والخلاف جار في الحالتين علي أظهر الطريقين كما سبق فهو مجرى على اطلاقه لكن قوله وان نوى استباحة صلاة بعينها المراد منه ما إذا عينها ونفى غيرها لانه لا خلاف فيما إذا لم يتعرض لما سواها: وقوله في مسألة الشك للتردد في النية اشارة إلى المعنى الثاني لوجه عدم الاجزاء لكن المناسب لا يراد المسألة مقرونة بما إذا نوى بوضوءه الافعال المستحبة المعنى الاول: وقوله وكذا لو نوى غسل الجنابة

والجمعة حصلا يجوز أن يريد به العطف على الاظهر في مسألة التبرد بناء على أنه يحصل غسل الجمعة وان اقتصر على رفع الجنابة وعلى هذا فاللفظ يشعر بالخلاف في المسألة ولا حاجة إلى اعلامه بالواو ويجوز أن يحمل على الابتداء وعلى هذا يحتاج إلى العلامة بالواو وعلى التقديرين هو معلم بالميم لان صاحب البيان حكي عن مالك أنه لا يجزيه الغسل الواحد عنهما * قال (والمستحاضة لا يكفيها نية رفع الحدث بل تنوى استباحة الصلاة ورفع الحدث ولو اقتصر على نية الاستباحة جاز على الاصح) * تكلمنا في كيفية النية في وضوء الرفاهية أما النوع الثاني في وضوء الضرورة وهو وضوء من به حدث دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوهما فنقول لو اقتصرت المستحاضة على نية رفع الحدث فهل يصح وضوءها فيه وجهان أصحهما وهو المذكور في الكتاب أنه لا يصح لان حدثها لا يرتفع

بالوضوء وكيف يرتفع ومنه ما يقارن وضوءها ويتأخر عنه: والثاني يصح لان رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة فقصد رفع الحدث يؤثر بمتضمنه وان لم يؤثر بخصوصه ولو اقتصرت على نية الاستباحة فوجهان أصحهما أنه يصح وضوءها كما يصح التيمم بهذه النية: والثاني لا يصح يحكي ذلك عن أبي بكر الفارسى والخضرى لان لها أحداثا سابقة وأخرى لاحقة فتنوى الرفع لما تقدم

والاستباحة لما تأخر وان جمعت بينهما فهو الغاية ثم لو نوت استباحة فريضة واحدة لا غير جاز بلا خلاف بخلاف ما إذا فعل ذلك صاحب طهارة الرفاهية لان طهارته لا تفيد الا فريضة واحدة ولو نوت استباحة نافلة بعينها عاد ذلك الخلاف ثم النظر في كون المستباح فرضا أو نفلا أو مطلق الصلاة وفيما يباح لها إذا نوت النفل كما سيأتي في التيمم * قال (ولو أغفل لمعة في الاولى فانغسلت في الكرة الثانية على قصد التنفل ففى ارتفاع الحدث وجهان ولو فرق النية علي أعضاء الوضوء لم يجز على أظهر الوجهين) * في الفصل مسألتان احداهما لو كان يتوضأ ثلاثا كما هو السنة فترك لمعة في المرة الاولى غافلا وانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة وهو يقصد التنفل بهما فهل يعتد بغسل تلك اللمعة أم يحتاج إلى اعادته فيه وجهان مخرجان على أصلين سبق ذكرهما أحدهما انه إذا لم تبق نيته الاولى وحدثت نية أخرى كما إذا عزبت نية رفع الحدث وقصد التبرد أو التنظف فقد حكينا فيه وجهين وههنا

كذلك لانه لم يبق له في المرة الثانية والثالثة نية رفع الحدث ضرورة اعتقاده ارتفاع الحدث بالمرة الاولي: والثاني ان تلك اللمعة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث وما في معناه بل علي قصد التنفل فيكون كما لو نوي بوضوئه ما يستحب له الطهارة: ولو أغفل لمعة في وضوئه وانغسلت في تجديد الوضوء بعد ذلك فعلى هذين الوجهين لكن الاصح الاعتداد بالمنغسل في المرة الثانية والثالثة وعدم الاعتداد بالمنغسل في التجديد والفرق أن الغسلات في المرات الثلاث طهارة واحدة وقضية نية الاولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد الاولى فما لم ينغسل عن الاولى لا يقع عن الثانية وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الاولى كما لو ترك سجدة من الاولى ناسيا وسجد في الثانية تتم بها الاولي وان كان توهم خلاف ذلك وأما التجديد فهو طهارة مستقلة منفردة بنية لم تتوجه إلى رفع الحدث أصلا (المسألة الثانية) إذا

فرق النية على اعضاء الوضوء فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما وهكذا ففي صحة وضوئه وجهان أظهرهما عند صاحب الكتاب المنع لان الوضوء عبادة واحدة فلا يجوز تفريق النية علي ابعاضها كالصوم والصلاة: والثاني وهو الاصح عند المعظم أنه يصح لانه يجوز تفريق افعاله على الصحيح ولا يشترط فيه الموالاة وان كان عبادة واحدة فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله بخلاف الصلاة وغيرها لا يجوز التفريق في ابعاضها ثم من الاصحاب من يبني تفريق النية على تفريق الافعال ان جوزنا تفريق الافعال جوزنا تفريق النية والا فلا ومنهم من رتب فيقول ان لم يجز التفريق في الافعال ففي النية أولي وان جوزنا ذاك ففى هذا وجهان والفرق أنه وان فرق أفعاله فهو عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض ألا ترى أنه

لو أراد مس المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الاعضاء لا يجوز وإذا كان كذلك فليشملها نية واحدة بخلاف الافعال فانها لا تتأتي الا متفرقة ثم الخلاف في مطلق تفريق النية أم فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول ونفي غسل سائر الاعضاء دون ما إذا اقتصر على رفع الحدث عنه والمشهور الاول: وحكي عن بعض الاصحاب الثاني: وإذا قلنا في المسألة الاولي أنه لا يعتد بغسل اللمعة في الكرة الثانية والثالثة فهل يبطل ما مضى من طهارته أم يجوز البناء فيه وجها تفريق النية: ان قلنا لا يجوز التفريق يمتنع البناء لانه محتاج عند البناء الي تجديد النية للباقى وان قلنا يجوز جاز البناء ويبقي النظر في طول الفصل وعدمه فان اعتبرنا الموالاة لم يحتمل طول الفصل *

قال (الفرض الثاني استيعاب غسل الوجه وهو من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن ومن الاذن إلى الاذن واجب ولا تدخل النزعتان ولا موضع الصلع في التحديد وموضع التحذيف من الوجه على الاظهر والغمم إذا استوعب جميع الجبهة وجب ايصال الماء إليه فان لم يستوعب فوجهان) غسل الوجه أول الاركان الظاهرة في الوضوء قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وحد الوجه علي ما اختاره صاحب الكتاب من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن في الطول ومن الاذن إلى الاذن في العرض ومعنى ذلك أن ميل الرأس إلى التدوير ومن أول الجبهة يأخذ الموضع في التسطيح وتقع به المحاذاة والمواجهة فحد الوجه في الطول من حيث يبتدئ التسطيح وما فوق ذلك من الرأس: وإذا عرفت ذلك فمما يخرج عن الحد النزعتان وهما البياضان المكتنفان للناصية أعلى

الجبينين لانهما في سمت الناصية وهما جميعا في حد التدوير ومما يخرج عنه موضع الصلع لانه فوق ابتداء التسطيح ولا عبرة بانحسار الشعر عنه نظرا إلى الاعم الاغلب ومما يخرج عنه موضعا الصدغين وهما في جانبى الاذن يتصلان بالعذارين من فوق لانهما خارجان عما بين الاذنين لكونهما فوق الاذنين وحكي في الصدغين وجه أنهما من الوجه ومما يدخل في الحد موضع الغمم لانه في تسطيع الجبهة ولا عبرة بنبات الشعر على خلاف الغلب كما لا عبرة بانحساره عن موضع الصلع على خلاف الغالب هذا إذا استوعب الغمم جميع الجبهة والا فوجهان أصحهما أن الامر لا يختلف وهو من الوجه لما ذكرنا: والثاني أنه من الرأس لانه على هيئته والباقي المكشوف هو من الجبهة بخلاف ما إذا أخذ الغمم جميع الجبهة فان العادة لم تجربان لا يكون للانسان جبهة أصلا وربما وجه أحد هذين الوجهين: أنه مقبل في صفحة الوجه

والثاني بأنه في تدوير الرأس ومعناه أن الاغم ينتأ من أوائل جبهته شئ ولا ينقطع شكل تدوير رأسه حيث ينقطع من غيره فذلك الموضع متصل بتدوير الرأس لكنه مقبل في صفحة الوجه وأما موضع التحذيف وهو الذى ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة وربما يقال بين الصدغ والنزعة والمعنى لا يختلف لان الصدغ والعذار متلاصقان وهل هو من الوجه أو الرأس فيه وجهان قال ابن سريج وغيره هو من الوجه لمحاذاته بياض الوجه ولذلك تعتاد النساء والاشراف ازالة الشعر عنه ولهذا سمى موضع التحذيف وقال أبو إسحاق وغيره هو من الرأس لنبات الشعر عليه متصلا بسائر شعر الرأس والاول هو الاظهر عند المصنف: والذى عليه الاكثرون الثاني وهو الذى يوافق نص الشافعي رضى الله عنه في حد الوجه وحاول امام الحرمين تقدير موضع التحذيف فقال إذا وضع طرف خيط على رأس الاذن والطرف الثاني على زاوية الجبين فما يقع منه في جانب الوجه فهو من الوجه ولك أن تقول توجيه من يجعله من الوجه لا يقتضي التقدير بهذا المقدار فان من يحذف قد يحذف أكثر من ذلك أو أقل ولا يراعي هذا الضبط فلا بد للتقدير من دليل * وأما لفظ الكتاب فقوله استيعاب غسل الوجه كان الاحسن أن يقول استيعاب الوجه بالغسل وقوله من مبتدأ تسطيح الجبهة الي آخره تحديد للوجه وكلمتا من وإلى إذا دخلتا

في مثل هذا الكلام قد يراد بهما دخول ما وردتا عليه في الحد وقد يراد خروجه: نظير الاول حضر القوم من فلان إلى فلان ونظير الثاني من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعا وهما في قوله من مبتدأ تسطيح الجبهة الي منتهى الذقن مستعملتان بالمعنى الاول إذ لا يراد بمبتدأ التسطيح الا أوله وبمنتهى الذقن الا آخرة ومعلوم أنهما داخلان في الوجه وفي قوله من الاذن إلى الاذن مستعملتان بالمعنى الثاني لان الاذنين خارجتان من الوجه وأعلم قوله من الاذن إلى الاذن بالميم لان مالكا يعتبر من العذار إلى العذار ويخرج البياض الذي بين العذار والاذن عن حد الوجه: فان قيل يدخل في هذا الحد ما ليس من الوجه ويخرج منه ما هو من الوجه أما الاول فلانه يدخل فيه داخل الفم والانف فانه بين تستطيح الجبهة ومنتهى الذقن وليس من الوجه: وأما الثاني فلانه تخرج عنه اللحية المسترسلة وهى من الوجه لما روى أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا غطى لحيته وهو في الصلاة فقال اكشف لحيتك فانها من الوجه قلنا أما الاول فللكلام تأويل: المعني ظاهر ما بين تسطيح الجبهة ومنتهي الذقن ولهذا لو بطن جزء.
بالالتحام وظهر جزء خرج الظاهر عن أن يكون من الوجه وصار الباطن من الوجه وعلى هذا المعنى نقيم الشعر مقام البشرة من صاحب اللحية الكثة وأما الثاني فتسمية اللحية وجها على سبيل التبعية والمجاز

لامرين أحدهما أنه لولا ذلك لكانت وجوه المرد والنسوان ناقصة ولصح أن يقال لمن حلقت لحيته قطع بعض وجهه ومعلوم أنه ليس كذلك: والثاني انه يصح قول القائل اللحية من الشعور النابتة علي الوجه وفي المسترسلة انها نازلة عن حد الوجه وذلك يدل على ما ذكرنا قال (ويجب ايصال الماء الي منابت الشعور الخفيفة غالبا كالحاجبين والاهداب والشاربين والعذارين وأما شعر الذقن فان كشف بحيث لا تترا آى البشرة للناظر لم يجب ايصال الماء إلى منابته الا للمرأة فان لحيتها نادرة وفي العنفقة وجهان لان كثافتها قد تعد نادرة ويجب افاضة الماء على ظاهر اللحية الخارجة عن حد الوجه على أحد القولين) لما تكلم في حد الوجه عاد إلى الشعور النابتة عليه وهي قسمان حاصلة في حد الوجه وخارجة عنه والقسم الاول علي ضربين أحدهما ما يندر فيه الكثافة كالحاجبين والاهداب والشاربين والعذارين والعذار هو القدر المحاذي للاذن يتصل من الاعلى بالصدغ ومن الاسفل بالعارض فهذه الشعور يجب غسلها ظاهرا وباطنا كالسلعة النابتة علي محل الفرض ويجب غسل البشرة تحتها لانها من الوجه ولاعبرة بحيلولة الشعر لامرين أظهرهما ان الغالب في هذه الشعور الخفة فيسهل ايصال الماء إلى منابتها فان فرضت فيها الكثافة علي سبيل الندرة فالنادر ملحق بالغالب: والثاني أن بياض الوجه محيط بها اما من جميع

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل