كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التباعد أهما في جواز الاستعمال وعدمه بعد الاتفاق علي الطهارة ام في الطهارة والنجاسة: وذلك يترتب عليه فان كان الثاني فلم تكلم الا كثرون في الاغتراف والاستعمال نفيا واثباتا واشتهرت المسألة بالتباعد وهلا تكلموا في الطهارة والنجاسة على المعهود في نظائره ثم يفرع عليه جواز الاستعمال وعدمه: وان كان الاول فيم يوجه المنع من الاستعمال مع الحكم بالطهارة ولم تكلم بعضهم في النجاسة ونفيها وفرض فيها الخلاف وهل هما طريقتان هذا موضع نظر وتأمل ويدل على الاحتمال الاول اخبار القلتين فانها تنفي نجاسة الماء الكثير وأيضا فقد صرح بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمد بانه لا خلاف في الطهارة وانما الخلاف في جواز الاستعمال وأما لفظ الكتاب فاعلم ان
قضية كلامه في وجوب اجتناب الحريم في الفصل الثالث يقتضي ان يكون مراده من قوله ههنا يجوز الاعتراف من جوازها على القول القديم ما وراء الحريم الا ان المذهب ان حكم الحريم حكم غيره على ما سيأتي * قال (الرابع كوز فيه ماء نجس غير متغير طريق تطهيره ان يغمس في ماء كثير فإذا استوى عليه الماء صار طهورا للاتصال به) إذا غمس كوز فيه ماء نجس في ماء طاهر هل يعود طهورا ان كان الكوز ضيق الرأس فوجهان أحدهما نعم لحصول الكثرة والاتصال وأصحهما لا لانه لا يحصل به ما يقيد تأثير أحدهما
بالاخر لان ماء الكوز كالمودع بظرفه فيه وليس معدود اجزءا منه وان كان واسع الرأس فعلى هذين الوجهين لكن الاظهر هنا الطهارة لتاثر كل واحد منهما بالآخر عند سعة رأس الاناء وحيث يحكم بعود الطهارة فتعود على الفور أم بعد أن تمكث زمانا: فيه وجهان أظهرهما لا تعود على الفور بل لابد من مضي زمان يزول فيه التغير لو كان متغيرا ولا شك أن ذلك الزمان يكون في ضيق الرأس أطول منه في واسعه وإذا عرفت ذلك فعد إلى الفاظ الكتاب: وأعلم مقوله صار طهورا بالواو للوجه الثاني لعود الطهارة والطهورية * وقوله فإذا استوى عليه الماء أيضا اشارة إلى الوجه الصائر إلى اشتراط المكث ثم تنبه لامور: أحدها قوله غير متغير ليس مذكورا للتقييد
فانه لو كان متغيرا فزال التغير بالاتصال عادت الطهورية أيضا فكأنه تعرض لهذا الوصف لانه حكم بعود الطهورية باستواء الماء عليه وبتقدير التغير لا تعود الطهورية بمجرد استواء الماء بل لابد من زوال التغير: الثاني قوله فإذا استوى عليه ينبه على انه لو لم يكن الكوز ملانا وغمسه فيه فما دام يدخل فيه الماء فلا اتصال وهو علي نجاسته: الثالث حكم بالطهورية من غير التعرض للخلاف فان كان يختار ذلك سواء ضاق رأس الكوز أم اتسع فهو معمول بظاهره وان قال بالمنع عند ضيق الرأس كما حكينا انه ظاهر المذهب ففى الكلام اضمار تقديره كوز واسع الرأس فيه ماء نجس والاحتمال الثاني هو قضية كلامه في سائر كتبه *
قال (الخامس فأرة وقعت في البئر فتمعط شعرها فالطريق إلى تطهيره ان يستقي الماء الموجود في البئر فما تحصل بعد ذلك فان رؤي فيه شعر فنجس والا فطهور إذ الاصل طهارته وبقاء الشعر مشكوك فيه وإخراج الجميع هو الغالب باستقاء الماء) ماء البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها: لكن ضرورة التدرج الي الاستقاء منها قد يخصه لضرب من العسر فان كان قليلا وقد تنجس بوقوع نجاسة فيه فليس من الرأى ان ينزح لينبع بعده الماء الطهور لانه وان نزح فقعر البئر يبقي نجسا وقد يفضى النزح الي تنجيس جدران البئر أيضا بل ينبغي ان يترك ليزداد ويبلغ حد الكثرة فان كانت قليلة الماء لا يتوقع
كثرته صب فيها ماء من خارج حتى يكثر: وينبغي أن يزول التغير أيضا لو كان متغيرا فان كان ماؤها كثيرا وقد تنجس بالتغير فتكاثر إلى زوال التغير أو يترك بحاله حتى يزول التغير بطول المكث أو بازدياد الماء فلو تفتت الشئ النجس فيه كالفأرة تمعط شعرها فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير لكن يتعذر استعماله بسبب أنه لا ينزح منه دلو الا وفيه شئ من أجزاء النجاسة فينبغي أن يستقى الماء كله لتخرج الشعور في صحبته فان كان العين فوارة وتعذر استقاء الكل فينزح بقدر ما يغلب على الظن ان الشعر قد خرج معه كله فما يبقي بعد ذلك في البئر وما يحدث فيه فهو طهور لانه ماء غير مستيقن النجاسة ولا مظنون النجاسة ولا
أثر للشك والتردد في بقاء الشعر فيه ووقوعه فيما حدث لحصول الظن باخراج الجميع نعم ان تحقق شيئا بعد ذلك على خلاف الغالب اتبعه وقيل أن ينزج إلى الحد المذكور فإذا غلب على ظنه انه لا يخلو كل دلو عن شئ من النجاسة ولكنه لم يره ولا تيقنه فجواز الاستعمال على القولين في الاصل والغالب إذا تعارضا كما سيأتي نظائر ذلك واعلم ان فرض المسألة في تمعط الشعور مبنى علي نجاسة شعور الحيوانات بالموت فان لم ينجسها فليقع الفرض في سائر الاجزاء * قال (الفصل الثالث في الماء الجارى فان وقعت فيه نجاسة مائعة لم تغيره فهو طاهر إذا الاولون لم يحترزوا من الانهار الصغيرة)
نشرح مسائل الماء الجارى علي ما ذكرها ورواها في الاصل ثم نردفها بما ينبغي فنقول الماء الجاري ينقسم إلى ماء الانهار المعتدلة وإلى ماء الانهار العظيمة * القسم الاول ماء الانهار المعتدلة والنجاسة الواقعة فيه اما أن تكون مائعة أو جامدة فان كانت مائعة فينظر هل تغير الماء ام لا فان غيرته فالقدر المتغير نجس وحكم غيره معه كحكمه مع النجاسة الجامدة وان لم تغيره فينظر ان كان عدم التغير للموافقة في الاوصاف فالحكم على ما ذكرنا في الراكد وان كان لقلة النجاسة وانمحاقها فيه لم ينجس الماء وان كان قليلا لان الاولين كانوا يستنجون على شطوط الانهار الصغيره ولا يرون
ذلك تنجيسا لمياهها وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب (وان كانت النجاسة جامدة تجري بجري الماء فما فوق النجاسة وتحتها طاهر لتفاصل جريات الماء وما علي جانبيها فيه طريقان قيل بطهارته وقيل بتخريجه علي قول التباعد: وان كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق الا أن ما يجرى من الماء علي النجاسة وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين: فان زاد علي القلتين اعني ما بين المغترف والنجاسة فوجهان أظهرهما المنع الا أن يجتمع في حوض مترادا فان الجارى لا تراد له فهو متفاصل الاجزاء) أما إذا كانت النجاسة جامدة كالميتة فان غيرت شيئا من الماء فهو نجس وان لم تغير فينظر أتجرى مع الماء أم هي واقفة والماء يجرى عليها: فان كانت تجرى مع الماء فما فوقها الذى لم يصل النجاسة وما
تحتها الذى لم يصل إليه النجاسة طاهران لتفاصل أجزاء الماء الجارى فان كل جرية منه طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها بخلاف الراكد فان أجزاءه مترادة متعاضدة: وأما ما علي يمينها وشمالها وفي سمتها إلى العمق أو وجه الماء فيه طريقان: أحدهما القطع بالطهارة لما ذكرنا من تفاصل الاجزاء: والثاني التخريج على قولى التباعد كالراكد: والتفاصل انما يكون في طول النهر لا نحدار الماء فيه لا في العرض ومنهم من أجرى خلاف التباعد بما تحت النجاسة دون ما فوقها لان ما تحتها مستمد من موضعها وفى كلام العراقيين ما يقتضى طرده في جميع الجوانب فينبغي أن يعلم قوله فما فوق النجاسة وما تحتها طاهر بالواو اشارة إلى الخلاف المذكور: وان كانت النجاسة واقفة والماء يجرى عليها فالحكم كما لو
كانت جارية مع الماء ونزيدها هنا أن ما يجرى من الماء على النجاسة وهو قليل ينجس بملاقاتها ولايجوز الاغتراف منها إذا كان بين النجاسة وموضع الاغتراف دون القلتين: فان بلغ قلتين في الطول فوجهان: أحدهما وبه قال صاحب التلخيص وأبو إسحق رحمهما الله انه طاهر يجوز الاغتراف منه لحيلولة قدر القلتين ودفعه النجاسة وأصحهما وبه قال ابن سريج انه نجس وان امتد الجدول فراسخ لما سبق ان أجزاء الماء الجارى متفاصلة فلا يتقوى البعض منها بالبعض ولا تندفع النجاسة الا بأن تجتمع في حوض أو حفرة مترادا وقد يسأل فيقال ماء هو الف قلة وهو نجس من غير أن يتغير بالنجاسة هذا صورته *
قال (وهذا كله في الانهار المعتدلة فأما النهر العظيم الذي يمكن التباعد فيه عن جوانب النجاسة بقدر القلتين فلا يجتنب فيه الا حريم (و) النجاسة) ولا يعود فيه الخلاف الذى ذكرناه في التباعد عما حوالى النجاسة (وهو الذى تغير شكله بسبب النجاسة وهذا الحريم مجتنب أيضا في الماء الراكد) بينا انقسام الماء الجاري الي ماء الانهار المعتدلة وإلى ماء الانهار العظيمة وذكرنا حكم القسم الاول أما النهر العظيم فلا يجتنب فيه الا حريم النجاسة ولا يعود في الخلاف الذى ذكرناه في التباعد عما حوالي النجاسة: وحكي في البسيط وجها آخر أنه يجرى الخلاف في أيضا ولابد من بيان العظيم والحريم وقد أشار إلى تفسيرهما في الكتاب أما العظيم فقد قال هو الذى يمكن التباعد
فيه عن جوانب النجاسة كلها بقدر القلتين والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك ويدخل فيه الجداول الصغيره التى يجرى فيها الماء اليسير والانهار التى يبلغ ما بين حافتيها قدر قلتين ولكن لا يمكن التباعد فيها بقدر قلتين من كل جانب وذكر إمام الحرمين رضي الله عنه أن النهر المعتدل هو الذى يفرض تغيره بالنجاسات المعتادة والعظيم ما لا يمكن تغيره بها قال (والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي العظيم وأما الحريم فقد فسره بما يتغير شكله بسبب النجاسة) يعنى ما ينسب إلى النجاسة بتحريكه إياها وانعطافه عليها أو التفافه بها ولهذا اعتبر التغير
في الشكل دون الرائحة وسائر الصفات وفي وجوب اجتناب الحريم وجهان حكاهما في البسيط أحدهما أنه لا يجتنب كغيره: والثاني وهو الذى ذكره ها هنا أنه يجتنب وان لم يوجب التباعد لانه في العيافة والاستقذار كالمتغير بالنجاسة: ثم قال وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد أيضا وذكر في البسيط أنه لا يجتنب في الماء الراكد وفرق بينه وبين الجارى علي أحد الوجهين بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم فكما يجوز الاغتراف مما بعد من النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها وهذه الاختلاف تقتضي اعلام المستثنى والمستثني منه في قوله فلا يجتنب فيه الا حريم النجاسة لان منهم من أوجب اجتناب غير الحريم ومنهم من لم يوجب
اجتناب الحريم أيضا وكذلك اعلام قوله: وهذا الحريم يجتنب أيضا في الماء الراكد: فهذا شرح ما ذكره ونعود إلى الموعود ونذكر أمورا من شرط محصل هذا الكتاب أن يعرفها: أحدها حكمه بطهورية القليل من الجارى إذا وقعت فيه نجاسة مائعة ولم تغيره كانه اختيار القول القديم الذى حكاه صاحب التلخيص وغيره في أن الماء الجارى لا ينجس الا بالتغير وذلك القول قد اختاره طائفة من الاصحاب ووجهوه بشئ آخر سوى ما ذكره في الكتاب: وهو أن الماء الجارى وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذى تزال به النجاسة لكن المذهب الذى عليه الجمهور الفرق بين القليل والكثير كما في الراكد ونجاسة القليل بمجرد الملاقاة
ويدل عليه الاخبار الفارقة بين القليل والكثير فانها تعم الراكد والجارى: والثاني لم يتعرض في تفصيل النجاسة الجامدة للفرق بين القليل من الماء والكثير ولابد منه لانه لا يمكن أن تكون مسائله كلها مفروضة في الكثير وحده ولا في الكثير والقليل جميعا وإلا كان الوجهان في نجاسة الماء الجارى علي الميتة جاريين في الكثير الذى تبلغ كل جرية منه قلتين فصاعدا وهو محال ولا يمكن أن تكون كلها مفروضة في القليل وحده والا كان خلاف التباعد جاريا فيما علي يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد بل الوجه الحكم بالنجاسة عند القلة وكذلك ذكره
صاحب التهذيب وغيره: الثالث قضية كلام الا كثرين تصريحا وتلويحا انه لا فرق بين الحريم وغيره لا في الراكد ولا في الجارى على خلاف ما ذكره لانه اما أن يكون طاهرا في نفسه أو نجسا ان كان طاهرا فلا معنى لوجوب الاجتناب: وان كان نجسا فيلزم نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتي يتعدى الي جميع الراكد والي جميع ما في عرض النهر في الماء الجارى *
قال (الفصل الرابع في ازالة النجاسة) (فان كانت حكيمة فيكفى اجراء الماء على موردها وان كانت عينية فلابد من ازالة عينها فان بقى طعم لم يطهر لان ازالته سهل وان بقي لون بعد الحت والقرض فمعفو عنه والرائحة كاللون علي الاصح)
الشئ النجس ينقسم إلى نجس العين وغيره أما نجس العين فلا يطهر بحال الا الخمر تطهر بالتخلل وجلد الميتة يطهر بالدباغ والعلقة والمضغة والدم الذى هو حشو البيض إذا نجسناها فاستحالت حيوانا: وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حكيمة وإلى عينية: أما الحكيمة فهي التى لا تحس مع تيقن وجودها كالبول إذا جف على المحل ولم توجد له رائحة ولا أثر فيكفى اجراء
الماء على موردها إذ ليس ثم ما يزال ولا يجب في الاجزاء عدد خلافا لابي حنيفة حيث شرط في ازالة النجاسة الحكمية الغسل ثلاثا في رواية: وفي رواية الشرط أن يغلب على ظن الغاسل طهارته ولا حمد رحمه الله حيث قال في احدى الروايتين يشترط الغسل سبعا في جميع النجاسات
كما في نجاسة الكلب: لنا قوله صلى الله عليه وسلم لاسماء رضى الله عنها حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء أمر بالغسل من غير اعتبار عدد، وأما العينية فلا يكفى فيها اجراء الماء بل لا بد من محاولة ازالة أوصافها الثلاثة الطعم واللون والرائحة أو ما وجد منها فان بقي طعم لم يطهر سواء
بقى مع غيره من الصفات أو وحده لان الطعم سهل الازالة ويظهر تصويره فيما إذا دميت لثته أو تنجس فوة بنجاسة اخرى فغسله فهو غير طاهر مادام يجد طعمه في فيه وان لم يبق الطعم نظر: ان بقى اللون وحده وكان سهل الازالة فلا يطهر: وان كان عمر الازالة كدم الحيض يصيب الثوب
وربما لا يزول بعد المبالغة والاستعانة بالحت والقرص فيطهر لما روى أن نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم سألنه عن دم الحيض يصيب الثوب وذكرن أن لون الدم يبقى فقال ألطخنه بزعفران المعنى أن اللون الباقي لا أثر له فان كرهتن رؤيته فالطخنه بزعفران وعن خولة بنت
يسار قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض فقال اغسليه فقلت اغسله فيبقى أثره فقال يكفيك ولا يضرك اثره وان بقيت الرائحة وحدها وهي عسرة الازالة كرائحة الخمر فهل يطهر المحل فيه قولان: وقيل وجهان والاول اصح أحدهما لا: لان بقاء الرائحة يدل على بقاء العين فصار كالطعم وهذا هو القياس في اللون لكن منعنا عنه الاخبار: والثاني وهو الاصح
يطهر لانا انما احتملنا بقاء اللون لمكان المشقة في ازالته وهذا المعنى موجود الرائحة وروى في اللون ايضا وجه أنه لا يطهر المحل مادام باقيا ذكره في التتمة ونسبه امام الحرمين إلى صاحب التلخيص فلو اعلمت قوله فمعفو اشارة إلى هذا الوجه لما كان به بأس وان بقى اللون والرائحة معا فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين وفيه وجه ضعيف ويتبين لك بما حكيناه أن قوله فان بقي طعم لم يطهر مجري على اطلاقه لانه لا فرق بين أن يبقى وحده أو مع غيره في الصفات الثلاث: وقوله في الرائحة واللون غير محمول على اطلاقه بل المراد ما إذا كان كل واحد منهما وحده: ثم لك في قوله وان بقي لون بعد الحت والقرص فمعفو مباحثتان أحداهما: الاستعانة بالحت
والقرص وهل هي شرط أم لا: ظاهر كلامه يقتضى الاشتراط وبه يشعر نقل بعضهم لكن الذى نص عيله المعظم خلافه واحتجوا عليه بحديث خولة واقتصروا على الاستحباب: الثانية لم قال فمعفو ولم يقل فطاهر: أهو نجس لكن يعفى عنه: أم كيف الحال: أطلق الا كثرون القول بالطهارة ويجوز أن يقال أنه نجس لكن يعفى عنه كما في أثر محل الاستنجاء ودم البراغيث: وليس في الاخبار تصريح بالطهارة وانما يقتضي العفو والمسامحة: وقد تعرض في التتمه لمثل هذا في الرائحة فقال ان قلنا لا يطهر فهو معفو عنه كدم البراغيث * قال (ثم يستحب الاستظهار بغسلة ثانية وثالثة وفي وجوب العصر وجهان فان وجب العصر ففى الاكتفاء بالجفاف وجهان) قوله ثم يستحب الاستظهار يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء فالاستطهار طلب الطهارة والاستظهار طلب الاحتياط وهذا كما قال الشافعي رضي الله عنه في المبتدأة المميزة إذا استحيضت ولا يجوز لها أن تسظهر بثلاثة أيام قرئ بهما جميعا والغرض ان التثليث مستحب في ازالة النجاسة كما في رفع الحدث واحتجوا عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستيقظ من نومه بان لا يغمس يده في الاناء حتي يغسلها ثلاثا لتوهم النجاسة فعند تحققها أولي وانما يتأدى الاستحباب إذا وقعت المرة الثانية والثالثة بعد زوال النجاسة: أما الغسلات المحتاج إليها لا زالة النجاسة فلا بد منها: واستحباب
الاستظهار يشمل النجاسة الحكمية والعينية وقد حكينا عن مذهب احمد ان العدد واجب في ازالة النجاسات مطلقا فينبغي أن يكون قوله ثم يستحب معلما بالالف: وأما العصر فقد اختلفوا في حصول الطهارة قبله على وجهين وبنوهما على ان الغسالة طاهرة أم نجسة: ان قلنا انها طاهرة فلا حاجة إلى العصر وهو الاصح: والا فالغسالة باقية فلا تطهر وعلى هذا هل يكتفى بالجفاف: فيه وجهان أصحهما نعم: لان زوال الغسالة بالجفاف أبلغ منه بالعصر: والثاني لا: لانا بالعصر نتوهم انتقال أجزاء النجاسة في صحبة الماء وعند الجفاف لا يزول الا بلل الماء وتبقي أجزاء النجاسة: وقد يستدرك على العبارة التى ذكرها في تفريع الوجهين في الجفاف على وجوب العصر لان التفريع على الشئ لا ينبغي أن يرفع
الاصل ومن قال يطهر بالجفاف لا ينتظر منه القول بوجوب العصر واشتراطه بل الشرط عنده زوال البلل اما بالعصر أو بالجفاف فالعبارة السليمة أن يقال غسل المحل ولم يعصر هل يطهر مع بقاء البلل فيه وجهان: ان قلنا لا يطهر فهل يطهر إذا جف فيه وجهان * قال (فروع سبعة الاول إذا أورد الثوب النجس على ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب على الاظهر) ما سبق من طهارة المحل بالغسل اما مع العصر أو دونه فيما إذا كان الماء واردا على المحل أما لو ورد المحل النجس كالثوب نغمس في إجابة فيها ماء ويغسل فيه فهل يطهر فيه وجهان قال ابن سريج يطهر كما لو كان الماء واردا عليه وقال الاكثرون وهو الاصح لا يطهر لان بالملاقاة بين الماء القليل والنجاسة يقتضى
نجاسة خالفنا فيما إذا كان الماء واردا فان الوارد عامل والقوة للعامل ويدل على الفرق انه صلى الله عليه وسلم منع المستيقظ من النوم من غمس اليد في الاناء قبل الغسل ثلاثا ولولا الفرق بين الوارد والمورود لما انتظم المنع من الغمس والامر بالغسل والوجه الاول فيما إذا قصد بالغمس ازالة النجاسة فاما لو ألقته الريح فيه والماء قليل نجس الماء بلا خلاف قال الائمة ومن هذا نشأظن من نقل عن ابن سريج أنه يشترط النية في ازالة النجاسة قال (الثاني إذا أصاب الارض بول فصب عليها الماء حتى صار مغلوبا ونضب الماء طهر (ح) وكذا إذا لم ينضب إذا حكمنا بطهارة الغسالة وان العصر لا يجب) * إذا أصاب الارض بول فصب عليها من الماء
ما يغمره وتستهلك فيه النجاسة طهرت بعد نضوب الماء وقبله: وجهان: ان قلنا ان الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم وان قلنا انها نجسة والعصر واجب فلا وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف بل يكفى أن يفاض الماء كالثوب المعصور لا يشترط فيه الجفاف والنضوب كالعصر وقال أبو حنيفة لا تطهر الارض حتى تحفر إلى الموضع الذى وصلت إليه النداوة وينقل التراب لنا ما روى ان اعرابيا بال في ناحية المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم صبوا عليه ذنوبا من ماء ولم يأمر بنقل التراب وقوله
حتى صار مغلوبا اشارة إلى أن المعتبر أن يكون الماء المصبوب على الموضع غالبا على النجاسة غامرا لها ولا بأس لو أعلمته أو اعلمت قوله طهر: بالواو لوجهين رويا على خلاف ظاهر المذهب أحدهما يجب أن يكون الماء سبعة أضعاف البول: الثاني يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب وعلي بول الاثنين ذنوبان وعلى هذا أبدا ثم الخمر وسائر النجاسات المائعة كالبول تطهر الارض عنها بالمكاثرة ولا تقدير علي على ظاهر المذهب: وقوله إذا حكمنا بطهارة الغسالة وان العصر لا يجب لا ضرورة الي الجمع بينهما بل
لو اقتصر على نفى وجوب العصر لحصل الغرض فان الخلاف في العصر مبنى على الخلاف في الغسالة قال (الثالث اللبن المعجون بماء نجس يطهر إذا صب عليه الماء الطهور فان طبخ طهر ظاهره بافاضة الماء دون باطنه) اللبن النجس ضربان أحدهما ان يختلط بالتراب نجاسة جامدة من روث أو عظام ميتة أو غيرهما فيضرب منه لبن فهو نجس ولا سبيل إلى تطهيره بحال لما فيه من عين النجاسة: فلو طبخ فالمذهب الجديد انه علي نجاسته والنار لا تطهر شيئا بل الطهورية مخصوصة بالماء: وفي القديم قول أن الارض النجسة تطهر إذا زال اثر النجاسة بالشمس والريح ومرور الزمان فخرج أبو زيد والخضرى
وآخرون منه قولا في تأثير النار وقالوا تأثير النار اشد واقوي من تأثير الشمس: فعلى هذا يطهر ظاهره بالطبخ لان النار تحرق ما عليه من النجاسة: وان قلنا بالجديد الصحيح فلو غسل هل يطهر ظاهره: المنصوص في الام انه لا يطهر لانتشار أجزاء النجاسة والتصاقها بالمحل وزوال الجميع غير معلوم وقال أبو الحسين بن المرزبان والقفال يطهر لان عين النجاسة قد زالت فإذا ورد عليه الماء طهر محله النجس والظاهر الاول: الضرب الثاني أن لا يختلط به نجاسة جامدة
ولكن يعجن بماء نجس أو بول وهو الذى ذكره في الكتاب فهذا اللبن يمكن تطهيره كسائر الاعيان التي أصابتها نجاسة مائعة وطريق تطهير ظاهره افاضة الماء عليه على سبيل غسل سائر الاعيان وطريق تطهير باطنه أن ينقع في الماء حتى يصل الماء إلى جميع اجزائه كالعجين بمائع نجس انما يطهر بوصول الماء إلى جميع اجزائه هكذا حكمه ما لم يطبخ فان طبخ فعلى التخريج الذى سبق يطهر ظاهره وكذلك باطنه في اظهر القولين لتأثره بالنار وعلى الجديد هو على نجاسته وإذا غسل طهر ظاهره دون باطنه لانه استحجر بالطبخ فلا يتغلغل الماء فيه وانما يطهر الكل إذا دق حتى صار كالتراب ثم افيض الماء عليه: ولو كان رخوا لا يمتنع نفوذ الماء فيه بعد الطبخ
فهو كما قبل الطبخ: وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله يطهر إذا صب فيه الماء الطهور ليس المراد منه طهارة الظاهر وحده بدليل قوله بعده فان طبخ طهر ظاهره دون باطنه فانه بين ارادة طهارة الكل في الاول وحينئذ فمجرد الصب لا يكفي بل في الكلام اضمار: المعنى إذا صب فيه الماء الطهور حتي ينتقع فيه ويصل الماء إلى جميع اجزائه وفي بعض النسخ إذا نضب وهو عبارة الوسيط وتقييد الماء بالطهورية في هذا الموضع كالمستغني عنه لوضوح اشتراط الطهورية في الماء الذي تزال به النجاسات مطلقا وعدم اختصاصه بهذا الموضع وقوله فان طبخ طهر ظاهره بافاضه الماء يجوز أن يعلم قوله بافاضة الماء بالواو اشارة إلى التخريج المذكور فان من صار إليه قال بأنه يطهر
بالطبخ لا بافاضة الماء عليه كذلك قوله دون باطنه لما ذكرنا أن أحد القولين علي قاعدة القول المخرج طهارة الباطن ايضا قال (الرابع بول الصبى قبل أن يطعم يكفى فيه رش الماء (ح م) ولا يجب الغسل بخلاف بول الصبية للحديث) الواجب في ازالة النجاسات الغسل الا في بول الصبى الذى لم يطعم ولم يشرب سوى اللبن فيكفى فيه الرش ولا يجب الغسل خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد: لنا ما روى أنه صلى الله عليه
وسلم قال انما يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلام
وعن أم قيس أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي لها لم يأكل الطعام فأجاسته في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله واعلم أنه لابد من أن يصيب الماء جميع موضع البول ثم لا يراده ثلاث درجات أحداها النضح المجرد: الثانية النضح مع الغلبة والمكاثرة: الثالث أن ينضم إلى ذلك الجريان والسيلان ولا حاجة في الرش الي الدرجة الثالثة وهل يحتاج إلى الثانية فيه
وجهان اظهرهما نعم والرش والغسل يفترقان في أمر السيلان والتقاطر وهل يلحق بول الصبية ببول الصبي فيه وجهان أحدهما نعم كما يستوى بول الرجل والمرأة في الحكم واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يلحق به للخبر ويفرق بينهما من جهة المعني بأن بول الصبى كالماء وبول الصبية أصفر ثخين وأيضا بأن طبعها أحر فبولها الصق بالمحل