كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الباب الثاني في الدماء وفيه فصلان) قال (الفصل الاول) في ابدالها وهي أنواع (الاول) دم التمتع وهو دم ترتيب وتقدير كما في القرآن وفي معناه دم الفوات والقران (الثاني) جزاء الصيد وهو دم تعديل وتخيير (و) في نص القرآن (الثالث) دم الحلق وهو دم تخيير وتقدير إذ يتخير بين شاة وثلاثة آصع من طعام كل صاع أربعة أمداد يطعمه ستة مساكين وبين صيام ثلاثة أيام فهذه الثلاث منصوص عليها) *
الدماء الواجبة في المناسك سواء تعلقت بترك مأمور أو ارتكاب منهي إذا أطلقناها أردنا دم شاة فان كان الواجب غيرها كالبدنة في الجماع فيقع النص عليه ولا يجزئ فيها جميعا إلا ما يجزئ في الاضحية إلا في جزاء الصيد فيجب المثل في الصغير صغير وفي الكبير كبير * وكل من لزمه شاة جاز له أن يذبح مكانها بقرة أو بدنة إلا في جزاء الصيد * وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فالكل فرض حتى لا يجوز أكل شئ منها أو الفرض السبع حتى يجوز له أكل الباقي فيه وجهان * ولو ذبح بدنة ونوى التصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه وأكل الباقي جاز له ذلك وله أن ينحر البدنة عن سبع شياه لزمته * ولو اشترك جماعة في ذبح بقرة أو بدنة وأراد بعضهم الهدى والبعض
الاضحية والبعض اللحم جاز خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يجوز إلا أن يريد جميعهم القربة ولمالك حيث قال لا يحوز الا أن يكونوا أهل بيت واحد * ولايجوز أن يشترك اثنان في شاتين لامكان انفراد كل واحد بواحدة * إذا عرفت ذلك فاعلم ان كلام الباب يقع في فصلين (أحدهما) في كيفية وجوبها وما يقوم مقامها (والثاني) في مكانها وزمانها والبحث في الاولى من وجهين (أحدهما) النظر في أن أي دم يجب على الترتيب واى دم يجب علي التخيير وهاتان الصفتنا متقابلتان فمعني الترتيب انه يتعين عليه الذبح ولا يجوز العدول عنه إلى غيره الا إذا عجز عنه ومعنى التخيير انه يفوض الامر الي خيرته فله العدول
إلى غيره مع القدرة عليه (والثانى) النظر في ان أي دم يجب على سبيل التقدير وأى دم يجب علي سبيل التعديل وهاتان الصفتان متقابلتان فمعنى التقدير ان الشرع قدر البدل المعدول إليه ترتيبا أو تخييرا بقدر لا يزيد ولا ينقص ومعنى التعديل انه أمر فيه بالتقويم والعدول إلى الغير بحسب القيمة وهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى (أو عدل ذلك صياما) وكل دم بحسب الصفات المذكورة لا يخلو عن أربعة أوجه (احدها) الترتيب والتقدير (وثانيها) الترتيب والتعديل (وثالثها) التخيير والتقدير (ورابعها) التخيير والتعديل (وأما) تفصيلها فهي على ما ذكر في الكتاب ثمانية أنواع (احدها) دم التمتع وهو دم ترتيب وتقدير على ما ورد في نص الكتاب قال الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلي
الحج فما استيسر من الهدى) الآية وقد بينا شرح القول وبينا فيه ان دم القران في معناه وفى دم الفوات قولان نقلهما القاضي ابن كج (أصحهما) ولم يورد الاكثرون غيره انه كدم التمتع في الترتيب والتقدير وسائر الاحكام لان دم التمتع انما وجب لترك الاحرام من الميقات والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم * وقد روى عن عمر رضي الله عنه انه أمر الذين فاتهم الحج بالقضاء من قابل ثم قال (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع) (والثانى) انه كدم الجماع في الاحكام إلا أن ذلك بدنة وهذا شاة ووجه الشبه اشتراك الصورتين في التفريط المحوج إلى القضاء (الثاني) جزاء الصيد وهو دم تخيير وتعديل قال الله تعالى (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل
من النعم) الآية وما فيه التخيير يختلف يكون الصيد مثليا أو غير مثلي على ما سبق في موضعه وجزاء شجر الحرم كجزاء الصيد (الثالث) دم الحلق وفديته وهو دم تخيير وتقدير فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين أن يذبح شاة وبين أن يتصدق بعزق من طعامه على ستة مساكين وبين أن يصوم ثلاثة أيام والعزق ثلاثة آصع وكل صاع اربعة أمداد فتكون الآصع الثلاثة اثنى عشر مدا نصيب كل مسكين مدان وفى سائر الكفارات لا يزاد لكل مسكين على مد هذا هو المشهور * وحكي في العدة وجها آخر انه لا يتقدر ما يصرف إلي كل مسكين وإنما أخذ التخيير في هذا الدم من نص الكتاب قال الله
تعالى (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (وأما) التقدير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة وقد رويناه في باب المحظورات (وقوله) في الكتاب دم الفوات يجوز اعلامه بالواو لما رويناه من القول
الثاني (وقوله) وتخيير في جزاء الصيد بالواو لقول حكيناه عن رواية أبى ثور من قبل انه علي الترتيب (وقوله) فهذه الثلاث منصوص عليها أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها * قال (الرابع) الواجبات المجبورة بالدم فيها دم تعديل وترتيب وقيل إنه كدم التمتع في التقدير أيضا) *
الدم المنوط بترك المأمورات كالاحرام من المقيات والرمى والمبيت بمزدلفة ليلة العيد وبمنى ليالى التشريق والدفع من عرفة قبل غروب الشمس وطواف الوداع فيه وجهان (أحدهما) أنه دم ترتيب وتعديل (أما) الترتيب فالحاقا بدم التمتع لما في التمتع من ترك الاحرام من الميقات (وأما) التعديل فجريا على القياس والتقدير لايعرف الا بتوقيف * فعلى هذا يلزمه ذبح شاة فان عجز قوم الشاة دارهم واشترى بها طعاما يتصدق به فان عجز صام عن كل مد يوما * وإذا ترك رمى حصاة فقد ذكرنا أقوالا في أن الواجب مد أو درهم أو ثلث شاة فان عجز فالطعام والصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة (والوجه الثاني) أنه يلحق بدم لتمتع في التقدير كما الحق به في الترتيب ويكون الواجب دم ترتيب وتقدير فان عجز عن الدم صام ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع * وفى تعليق بعض المراوزة وجه آخر تفريعا على الوجه الثاني وهو أن الصوم المعدول إليه هو صوم فدية الاذى دون العشرة وما الاظهر من الوجهين ايراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه الاول وبه قال
القاضي ابن كج والامام وغيرهما لكن الثاني اظهر في المذهب ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره وحكي القاضي ابن كج وجها ثالثا ضعيفا أنه دم تخيير وتعديل كجزاء الصيد * قال (الخامس الاستمتاعات كالطيب واللبس ومقدمات الجماع فيه دم ترتيب وتعديل وفيه قول آخر أنه دم تخيبر تشبيها بالحلق (وقيل) انه دم تقدير أيضا إتماما للتشبيه (وأما) القلم ففى معنى الحلق) * دم التطيب والتدهن واللباس ومقدمات الجماع دم ترتيب أو تخيير فيه قولان أو وجهان (أحدهما) أنه دم ترتيب كدم التمتع لانه مترفه بهذا الاستمتاعات كما أن المتمتع مترفه بالتمتع (وأظهرهما) وبه قال ابو اسحق أنه دم تخيير تشيها بفدية الحلق لاشتراكهما جميعا في الترفه وإلحاقها بالحلق أولى منه بالتمتع فان الدم ثم إنما وجب لترك الاحرام من الميقات (فان قلنا) بالاول ففى كونه دم تقدير أو تعديل وجهان (أحدهما) انه دم تقدير اتماما للتشبيه بدم التمتع (واظهرهما) انه دم تعديل كجزاء الصيدلان التقدير انما يؤخذ من التوقيف (وان قلنا) بالثاني ففى كونه دم تقدير أو تعديل ايضا وجهان
(اظهرهما) انه دم تقدير اتماما للتشبيه بالحلق * والحاصل من هذه الاختلافات اربعة اوجه (احدها) الترتيب والتعديل (وثانيها) التخيير والتعديل (وثالثها) لتخيير والتقدير وهذه الثلاثة هي المذكورة في الكتاب (ورابعها) الترتيب والتقدير واظهر الوجوه الثالث وايراد الكتاب يشعر بترجيح الاول وبه قال صاحب التهذيب وهذا الاختلاف لا يجئ في قلم الاظفار بل هو ملحق بالححلق بلا خلاف لاشتراكهما في معنى الترفة والاستهلاك جميعا والله اعلم *
قال (السادس دم الجماع وفيه بدنه أو بقرة أو سبع من الغنم فان عجز قوم البدنة دارهم والدارهم طعاما والطعام صياما فهو دم تعديل وترتيب (وقيل) انه دم تخيير كالحلق (وقيل) بين البدنة والبقرة والشاة ايضا ترتيب) * في خصال فدية الجماع وجهان (اصحهما) انها خمس ذبح بدنه وذبح بقرة وذبح سبع من الغنم والاطعام بقدر قيمة البدنة على ما عرفت من سبيل التعديل والصيام عن كل مد يوما (والثانى) حكاه القاضي ابن كج أن خصالها الثلاث الاول فان عجز عنها فالهدى في ذمته إلى ان يجد تخريجا من أحد
القولين في دم الاحصار وسنذكره فان جرينا على الصحيح وهو اثبات الخصال الخمس فهذا الدم دم تعديل لا محالة لانا في الجملة نقوم البدنة وهل هو دم ترتيب أو تخيير فيه قولان ومنهم من قول وجهان (أصحهما) أنه دم ترتيب فعليه بدنة إن وجدها والا فبقرة والا فسبع من الغنم والاقوم البدنة دارهم والدارهم طعاما ثم فيه وجهان (احدهما) أنه يصوم عن كل مد يوما فان عجز عن الصيام اطعم كما في كفارة الظهار والقتل (واصحهما) ولم يورد الجمهور غيره ان الترتيب على العكس ويتقدم الطعام على الصيام لانا لم نجد في المناسك تقديم الصيام على الاطعام في غير هذا الدم فكذلك ههنا * وانما قدمت البدنة
على البقرة وان قامت مقامها في الضحايا لان الصحابة رضي الله عنهم نصوا علي البدنة وذلك يقتضى تعينها وبينها وبين البقرة بعض التفاوت الا ترى الي قوله صلى الله عليه وسلم (من راح في الساعة الاولي فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكانما قرب بقرة) واما أقيم الاطعام والصيام مقامها تشبيها بجزاء الصيد الا ان الامر ثم علي التخيير وههنا على الترتيب لانه يشبه الفوات في ايجاب
القضاء وموجب الفوات مرتب (والقول الثاني) أنه دم تخيير لانه سبب تجب به البدنة فيكون على التخيير كقتل النعامة وأيضا فان الجماع ملحق بالاستهلاكات على ما سبق فتكون فديته علي التخيير كفدية الحلق وعلى هذا ففيم يثبت التخيير وجهان (أظهرهما) أنه يتخير بين البدنة والبقرة والسبع من الغنم كما لو لزمه سبعة دماء (واما) الاطعام والصيام فهما على الترتيب ولا عدول اليهما الا إذا عجز عن الذبح (والثاني) انه يتخير بين الكل كما في قتل النعامة وكما ان في فدية الحلق يتخير بين الصيام والصدقة والنسك * وقد ذكر القفال وآخرون ان الفولين في ان دم الجماع دم ترتيب أو تخيير مبني على ان الجماع
استهلاك أو استمتاع ان جعلناه استهلاكا فهو علي التخيير كفدية الحلق والقلم وان جعلناه استمتاعا فهو على الترتيب كفدية الطيب واللباس والتمتع * (واعلم) ان هذا التشبيه في الطيب واللباس كلام من يجعل الامر ثم على الترتيب وقد سبق ما فيه من الخلاف (وقوله) في الكتاب قوم البدنة دارهم يجوز اعلامه بالواو للوجه المنسوب إلى حكاية ابن كج (وقوله) والدراهم طعاما والطعام صياما باقى الكلام محذوف والمعني وأطعم فان عجز صام * ثم ايراد الكتاب قد يوهم ترجيح قول التخيير بين البدنة والبقرة والشاة على الترتيب لكن الاظهر عند الاكثرين الترتيب فيها أيضا وايراد الوسيط يوافقه * قال (السابع الجماع الثاني أو بين التحللين إن قلنا فيه شاة فهو كالقبلة وان قلنا بدنة فكالجماع الاول) * قد سبق الخلاف في أن الجماع الثاني يوجب البدنة أو الشاة وكذا الجماع بين التحللين فان أوجبنا البدنة فهي في الكيفية كالجماع الاول قبل التحللين وان أوجبنا الشاة فهى كفدية القبلة وسائر مقدمات الجماع وهذا ظاهر * قال (الثامن دم التحلل بالاحصار وهو شاة فان عجز فلا بدل له في قول وفى قول بدله كدم التمتع وفى قول كدم الحلق وفى قول كدم الواجبات المجبورة) *
على المحصر دم شاة للتحلل ولا معدل عنه ان وجد الشاة والا فهل لهذا الدم من بدل فيه قولان (أصحهما) وبه قال أحمد نعم كسائر الدماء الواجبة على المحرم (والثاني) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لا لان الله تعالى لم يذكر لدم الاحصار بدلا ولو كان له بدل لا شبه أن يذكره كما ذكر بدل غيره (التفريع) ان قلنا له بدل فما ذلك البدل فيه ثلاثة أقوال (أحدها) الصوم وبه قال أحمد رحمه الله كدم التمتع لان التحلل والتمتع جميعا مشروعان تخفيفا وتر فيها وفيهما جمعا ترك بعض النسك فيلحق أحدهما بالآخر (والثاني) الاطعام لان قيمة الهدى أقرب إليه من الصيام وإذا لم يرد نص فالرجوع إلى الاقرب أولى (والثالث) ان لكل واحد منهما مدخلا في البدلية كفدية الحلق ووجه الشبه بينهما ان المحصر يبغى دفع أذى العدو والاحرام عن نفسه كما أن الحالق يبغي دفع اذى الشعر (التفريع) ان قلنا ان بدله الصوم فما ذلك الصوم فيه ثلاثة اقوال (احدها) وبه قال احمد رحمه الله صوم المتمتع عشرة ايام (والثاني) صوم فدية الاذى ثلاثة ايام (والثالث) ما يقتضيه التعديل وانما يدخل الطعام في الاعتبار على هذا القول ليعرف به قدر الصوم لا ليعطم (وان قلنا) ان بدله الاطعام ففيه وجهان (احدهما) أنه مقدر كفدية الاذى وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين (الثاني) انه يطعم ما يقتضيه التعديل (وان قلنا) لكل واحد مدخلا فيه فهل بينهما ترتيب فيه وجهان
(احدهما) لا كما في فدية الحلق (وأصحهما) نعم كالترتيب بين الهدى وبدله فعلي الاول قدر الطعام والصيام كقدرهما في الحلق وعلى الثاني الطريق بينهما التعديل * إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكتاب واعلم قوله ولا بدل له في قوله بالالف ويقابله ان له بدلا وما هو ذكر فيه اقوالا ثلاثة (احدها) ان بدله كبدل دم التمتع وهذا مختصر قولنا ان بدله الصوم وان ذلك الصوم صوم التمتع (والثانى) ان بدله كبدل دم الحلق وهذا مختصر قولنا ان للاطعام والصيام معا مدخلا في البدلية وان الامر فيهما على التخيير والتقدير (والثالث) أن بدله كبدل دم الواجبات المجبورة وهذا مختصر قولنا لكل واحد منهما مدخل فيه والامر فيما على الترتيب والتعديل فعلى
الاول هو دم ترتيب وتقدير وعلي الثاني دم تخيير وتقدير وعلى الثالث دم ترتيب وتعديل وهذا حكم دماء الواجبات المجبورة على الارجح عند صاحب الكتاب على ما مر فان لم نقل بذلك لم يستمر هذا التشبيه والاصح في المسالة التي نحن فيها الترتيب والتعديل قاله القاضى الرويانى وصاحب التهذيب وغيرهما رحمهم الله وهو اختيار المزني رضى الله عنه والله أعلم * قال (الفصل الثاني في مكان إراقة الدماء وزمانها) (ولا تختص دماء المحظورات والجبرانات بزمان بعد جريان سببها بخلاف دم الضحايا ودم * الفوات يراق في الحجة الفائتة أو في الحجة المقضية فيه قولان) *
مقصود الفصل بيان زمان إراقة الدماء ومكانها (أما) الزمان فالدماء الواجبة في الاحرام إما لارتكاب محظورات أو جبرا لترك مأمور لا اختصاص لها بزمان بل يجوز في يوم النحر وغيره وانما الضحايا هي التى تختص بيوم النحر وأيام التشريق * وعن أبي حنيفة رحمه الله ان دم القران والتمتع لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر * لنا القياس على جزاء الصيد ودم التطيب والحلق * ثم ما عدا دم الفوات يراق في النسك الذى هو فيه وأما دم الفوات فيجوز تأخيره إلى سنة القضاء وهل يجوز إراقته في سنة الفوات فيه قولان (أحدهما) وهو نصه في الاملاء أنه يجوز كدم الافساد يراق في الحجة الفاسدة (وأصحهما) أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القضاء لظاهر خبر عمر رضى الله عنه حيث قال (حج من قابل واهد ما استيسر من الهدى) (فان قلنا) بالاول فوقت وجوبه سنة الفوات وكأن الفوات أوجب شيئين الدم والقضاء فله تعجيل أحد لواجبين وتأخير الثاني (وان قلنا) بالثاني ففى وقت الوجوب وجهان (أصحهما) أن لوجوب منوط بالتحريم بالقضاء كما ان دم التمتع منوط بالتحرم بالحج ووجه الشبه أن من فات حجه يتحلل من نسك ويتحرم بآخر كالمتمتع الا أن نسكى المتمتع يقعان في سنة واحدة والقضاء سيقع في سنة أخرى ولما بينهما من الشبه فنقول لو ذبح قبل التحلل عن الفائت لم يجزه علي الاصح كما لو ذبح المتمتع قبل الفراغ من العمرة * هذا إذا كفر بالدم أما إذا كان بصوم فان قلنا أن الكفارة تجب بالتحرم بالقضاء فصيام الايام الثلاثة لا يتقدم على القضاء لا محالة لان العبادة البدنية
لا تقدم علي وقتها ويصوم السبعة بعد الرجوع وان قلنا إنها تجب بالفوات فقد حكي الامام رحمه الله في جواز صوم الايام الثلاثة في الحجة الفائتة وجهين (وجه) المنع أنه في إحرام ناقص والذى عهدناه إيقاع الثلاثة في نسك كامل * قال (وأما المكان فيختص (ح) جواز الاراقة بالحرم والافضل في الحج منى وفى العمرة عند المروة لانهما محل تحللهما وقيل لو ذبح على طرف الحرم جاز وقيل ما لزم بسبب مباح لا يختص بمكان) * الدماء الواجبة على المحرم تنقسم إلى دم الاحصار وما لزم المحصر من دماء المحظورات والى سائر الدماء (أما) القسم الاول فقد ذكرنا حكمه في فصل الاحصار (وأما) الثاني وهو المقصود في الكتاب
وان كان اللفظ مطلقا فيتقيد بالحرم ويجب تخصيص لحومها بمساكين الحرم ويجوز صرفها الى القاطنين والغرباء الطارئين لكن الصرف إلى القاطنين أولي * وهل يختص ذبحها بالحرم فيه قولان (أصحهما) نعم وبه قال أبو حنيفة لان النبي صلي الله عليه وسلم (أشار الي موضع النحر من مني وقال هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر) ولان الذبح حق متعلق بالهدى فيختص بالحرم كالتصدق (والثانى) لا يختص لان المقصود هو اللحم فإذا وقعت تفرقته في الحرم وانصرف إلى مساكينه حصل الغرض * فعلى الاول لو ذبح خارج الحرم لم يعتد به * وعلى الثاني لو ذبح خارج الحرم ونقل إليه وفرقه جاز لكن يشترط أن يكون النقل والتفريق قبل تغير اللحم والى هذا أشار في الكتاب في
العبارة عن هذا القول حيث قال وقيل لو ذبح على طرف الحرم جاز * ولا فرق فيما ذكرناه بين دم التمتع والقران وسائر الدماء والواجبة بسبب منشأ في الحرم وبين الدماء الواجبة بسبب منشأ في الحل * وفى القديم قول ان ما انشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الاحصار وبه قال أحمد والمذهب الاول واحتج له بقوله تعالي في جزاء الصيد (هديا بالغ الكعبة) أطلق ولم يفصل بين أن يقتل الصيد في الحل أو الحرم * ولا فرق أيضا بين أن يكون السبب الموجب للدم مباحا أو بعذر كالحلق للاذى أو مطلقا كالتمتع والقرن بين أن يكون محرما * وذكر الامام أن صاحب التقريب حكي وجها أن ما لزم بسبب مباح ولا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان وأن شيخه حكى
وجها أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق وهما ضعيفان وصاحب الكتاب أورد الاول منهما * ثم أفضل مواضع الحرم للذبح في حق الحاج منا وفى حق المعتمر المروة لانهما محل تحللهما وكذلك حكم ما يسوقانه من الهدى * ولو كان يتصدق بالاطعام بدلا عن الذبح فيجب تخصيصه بمساكين الحرم بخلاف الصوم فانه ياتي به حيث يشاء لانه لا غرض فيه للمساكين * وعند أبى حنيفة يجوز صرف اللحم والطعام إلى غير مساكين الحرم وانما الذى يختص بالحرم الذبح وإذا ذبح الهدى في الحرم ففرق منه لم يجزه عما في ذمته وعليه إعادة الذبح أو شرى اللحم والتصدق به وفيه وجه أنه يكفيه التصدق بالقيمة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا شئ عليه *
قال (واختتام الكتاب بمعني الايام المعلومات وهى العشر الاول من ذى الحجة وفيها المناسك والمعدودات وهى أيام التشريق وفيها الهدايا والضحايا والله أعلم بالصواب) * ختم الكتاب بذكر معني الايام المعلومات والايام المعدودات قد ذكرهما الله وتعالى في آيتين من كتابه فالمعلومات هي العشر الاول من ذى الحجة آخرها يوم النحر وبه قال أحمد رحمه الله في رواية ويروى عنه مثل ما روى عن مالك وهو أنها يوم النحر ويومان بعده وعند أبي حنيفة رحمه الله المعلومات ثلاثة أيام يوم عرفة ويوم النحر واليوم الاول من أيام التشريق * فعنده اليوم الاول داخل في المعدودات والمعلومات معا وعند مالك رحمه الله الاول والثانى من أيام
التشريق داخلان فيها * لنا التفسير عن ابن عباس رضى الله عنهما والاخذ به أولي لان الاشبه تغاير المسميات عند تغاير الاسماء (وأما) المعدودات فهي أيام التشريق بلا خلاف (وقوله) في الكتاب وفيها المناسك اراد به اصول المناسك فان توابعها قد يتأخر بعضها إلى ايام التشريق (قوله) وفيها الهدايا والضحايا لك أن تبحث فيه فتقول هذا يقتضي تخصيص الهدايا بهذه الايام وقد ذكر من قبل ان دماء الجبرانات والمحظورات لا تختص بزمان واسم الهدي يقع عليها كما يقع على ما يسوقه المحرم فان اراد ههنا ما يسوقه المحرم فهل يختص ذبحه بهذه الايام على ما هو قضية اللفظ أم لا (فاعلم) ان المراد في هذا الموضع بالهدايا ما يسوقها المحرم وفى اختصاصها بيوم النحر وايام
التشريق وجهان (احدهما) وهو الذى اورده في التهذيب أنها لا تختص كدماء المحظورات (وأظهرهما) وهو الذى اورده صاحب الكتاب والعراقيون انها تختص كالاضحية فعلى هذا لو اخر الذبح حتي مضت هذا الايام نظر ان كان هديا واجبا ذبح قضاء وان كان تطوعا فقد فات وان ذبح فقد قال الشافعي رضى الله عنه هي شاة لحم * ولا يخفى ان لفظ الكتاب يحتاج إلى تأويل فان الذى جرى ذكره ايام التشريق لا غير والذبح لا يختص بها بل يوم النحر في معناها لا محالة والله اعلم (واعلم) أن في المختصر بابا في آخر كتاب الحج ترجمه بنذر الهدى
وعلي ذلك جرى الاصحاب فذكروا ههنا فروعا ومسائل كثيرة لكن صاحب الكتاب أخر ايراده
منها إلي كتابي الاضحية والنذر اقتداء بالامام رحمه الله ونحن نشرح ما ذكره ونضم إليه ما يحسن ايراده ان شاء الله تعالى لكن نذكر نبذا لابد من معرفتها فنقول.
من قصد مكة لحج أو عمرة
فسيتحب له أن يهدى إليها شيئا من النعم (أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة) ولا يلزم ذلك الا بالنذر * وإذا ساق هديا تطوعا أو نذرا نظر ان ساق بدنة أو بقرة فيستحب ان يقلدها نعلين وليكن لهما قيمة ليتصدق بها وان يشعرها ايضا والاشعار الاعلام والمراد ههنا ان يضرب صفحة سنامها اليمني بحديدة وهي مستقبلة للقبلة فيدميها ويلطخها بالدم ليعلم من رآها أنها هدى فلا يستجيز التعرض لها * وقال ابو حنيفة لا اشعار * ومالك واحمد استحبا الاشعار ولكن
قالا يشعرها من الجانب الايسر * لنا ما روى عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم (صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فاشعرها في صفحة سنامها الايمن) وان ساق غنما استحب تقليدها ولكن بخرب القرب وهى عراها وآذانها لا بالنعل لانها ضعيفة يثقل عليها حمل النعال * وقال
مالك وبو حنيفة لا يستحب تقليد الغنم * لنا ما روي انه صلى الله عليه وسلم (اهدى مرة غنما مقلدة) ولا يستحب اشعارها لانها ضعيفة ولان شعرها يمنع من ظهور الدم * ثم إذا قلد النعم وأشعرها لم تصر بذلك هديا واجبا على اصح القولين كما لو كتب الوقف علي باب داره لا تصير وقفا * وإذا عطب الهدى الذي ساقه في الطريق ينظر ان كان تطوعا فهو ماله يفعل به ما يشاء من بيع واكل وغيرهما وان كان واجبا فعليه ذبحه فلو تركه حتى هلك ضمنه وإذا ذبحه غمس النعل التي قلده في دمه وضرب بها صفحة سنامها وتركه ليعلم من مر به انه هدى فيأكل منه وهل تتوقف الاباحة على ان يقول ابحته لمن ياكل منه فيه قولان (اصحهما) عند صاحب الهذيب انه لا حاجة إليه لانه بالنذر زال ملكه عنه وصار للناس * ولا يجوز للمهدى ولا لاغنياء الرفقة الاكل منه
وفى فقرائها وجهان (اصحها) انه ليس لهم الاكل ايضا لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه (لا تأكل كل منها انت ولا احد من اهل رفقتك) والله ولى التوفيق * تم الربع الاول وهو ربع العبادات من كتاب العزيز في شرح الوجيز بحمد الله تعالي وعونه ويتلوه في هذا المجلد أيضا كتاب البيع ولقد نقلنا هذه الدرر النفيسة من نسخة كتبت علي يد المغفور له أبو بكر بن محمود بن بابا في سنة سبع وستين وستمائة هجرية علي صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية * وجدنا هذا الختام في بعض نسخ الاصل
(كتاب البيع)
(والنظر في خمسة أطراف) (الاول في صحته وفساده وفيه أربعة أبواب) (الباب الاول في أركانه) قال (وهى ثلاثة (الاول) الصيغة وهي الايجاب والقبول اعتبرا للدلالة على الرضا الباطن ولا تكفي المعاطاة (م ح و) أصلا ولا الاستيجاب (م) والايجاب وهو قوله بعنى بدل قوله اشتريت على أصح الوجهين بخلاف النكاح فانه لا يجرى مفافصة وينعقد البيع بالكناية مع النية علي الاصح كالكتابة والخلع بخلاف النكاح فانه مقيد بقيد الشهادة) * الاصل في الباب الاجماع وآيات الكتاب نحو قوله تعالي (وأحل الله البيع) وقوله عز وجل (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والاخبار نحو ما روى عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن أطيب الكسب فقال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) (قوله) مفافصة المفافصة الاخذ على غرة اه
ولفقه هذا الكتاب أبواب منتشرة ومسائل كثيرة جمعها المصنف في خمسة أطراف وسبيل ضبطها أن البيع أما صحيح أو فاسد وبتقدير الصحة فهو اما جائز أو لازم وعلى التقديرين فاما أن يقترن به القبض أو لا يقترن وعلي التقديرين فالالفاظ المستعملة فيه اما التي تتأثر بقرائن عرفية تقتضي زيادة علي موجب اللغة أو نقصانا وإما غيرها وعلى التقديرين فالمتبايعان قد يكونا حرين وقد يكون أحدهما رقيقا وباعتبار آخر قد يعرض لهما الخلاف في كيفية البيع وقد لا يعرض والاحكام تختلف بحسب هذه الاحوال * فالطرف الاول في الصحة والفساد (والثاني) في الجواز واللزوم (والثالث) في حكم البيع قبل القبض وبعده (والرابع) في الالفاظ المتأثرة بالقرائن (والخامس) في مداينة العبيد واختلاف المتبايعين * والطرف الاول في صحة البيع وفساده وفيه أبواب (أحدها) في أركانه وهى ثلاثة ترجمها في الوسيط فقال هي العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد فلابد منها لوجود صورة العقد هذا لفظه * ولك أن تبحث فتقول ان كان المراد أنه لابد من وجودها لتدخل صورة البيع في الوجود فالزمان والمكان وكثير من الامور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركانا * وإن كان المراد أنه لا بد من حضورها في الذهن ليتصور البيع فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة وهذا لان البيع فعل من الافعال والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل ألا ترى انا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لم نعد المصلى والحاج في جملتها وكذلك مورد الفعل بل الاشبه أن الصيغة أيضا ليست جزاء من حقيقة فعل البيع الا ترى أنه ينتظم أن يقال هل المعاطاة بيع أم لا ويجيب عنه مسؤل بلا وآخر بنعم (والوجه) أن يقال البيع مقابلة مال بمال وما أشبه ذلك فيعتبر في صحته أمور (منها) الصيغة (ومنها) كون العاقد بصفة كيت وكيت (ومنها) كون المعقود عليه كذا وكذا * ثم أحد الاركان على ما ذكره الصيغة وهي الايجاب من جهة البائع بان يقول بعت أو اشتريت أو
ملكتك وفى ملكت وجه منقول عن الحاوى والقبول من جهة المشتري بان يقول قبلت ويقوم مقامه ابتعت واشتريت وتملكت ويجرى في تملكت مثل ذلك الوجه * وإنما جعلنا قوله ابتعت وما بعده قائما مقام القبول ولم نجعله قبولا لما ذكره إمام الحرمين من ان القبول على الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به (فاما) إذا أتى بما يتأتى الابتداء به فقد أتي باحد شقى العقد * ولافرق بين أن يتقدم قول البائع بعت علي قول المشتري اشتريت وبين أن يتقدم قول المشترى اشتريت * ويصح في البيع الحالتان ولا يشترط اتفاق اللفظين بل لو قال البائع اشتريت فقال المشترى تملكت أو ابتعت أو قال البائع ملكت فقال المشترى اشتريت صح لان المعنى واحد (وقوله) اعتبرا للدلالة على الرضا يريد به أن المقصود الاصلي هو التراضي لئلا يكون واحد منهما آكلا مال الآخر بالباطل بل يكونا تاجرين عن تراض على ما قال تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينك بالباطل) الآية الا أن الرضي أمر باطن يعسر الوقوف عليه فنيط الحكم باللفظ الظاهر * ثم في بعض النسخ على الرضى الباطن وفى بعضها علي الرضي في الباطن وهما صحيحان ويتعلق بهذه القاعدة مسائل ثلاث (إحداها) المعاطاة ليست بيعا علي المذهب المشهور لان الافعال لا دلالة لها بالوضع وقصود الناس فيها تختلف * وعن ابن سريج فيها تخريج قول الشافعي أنه يكتفى بها في المحقرات لان المقصود الرضي وبالقرائن يعرف حصوله وبهذا أفتى القاضى الرويانى وغيره وذكروا لمستند التخريج صورا (منها) لو عطب الهدى في الطريق فغمس النعل الذى قلده بها في الدم وضرب بها صفحة سنامه هل يجوز للمارين الاكل
منه ذكرنا فيه قولين وخلافا سيأتي إن شاء الله تعالي (ومنها) لو قال لزوجته ان اعطيتني الفا فانت طالق فوضعت بين يديه ولم تتلفظ بشئ يملكه ويقع الطلاق وفى الاستشهاد بهذه الصور نظر (ومنها) لو قال لغيره اغسل هذا الثوب فغسله وهو ممن يعتاد الغسل بالاجرة هل يتسحق الاجر فيه خلاف سيأتي ذكره في موضعه * ثم مثلوا المحقرات بالتافه من البقل والرطل من الخبز وهل من ظابط؟ سمعت والدى رحمه الله تعالى وغيره يحكى ضابطها بما دون نصاب السرقة والاشبه الرجوع فيه الي العادة فما يعتاد فيه الاختصار على المعاطاة بيعا ففيه التخريج ولهذا قال صاحب التتمة معبرا عن التخريج ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهي بيع فيه ومالا كالدواب والجوارى والعقار فلا * وإذا قلنا بظاهر المذهب فما حكم الذى جرت العادة من الاخذ والعطاء فيه وجهان (احدهما) انه اباحة وبه أجاب القاضى أبو الطيب حين سأله ابن الصباغ عنه قال فقلت له لو أخذ بقطعة ذهب شيئا فاكله ثم عاد يطالبه بالقطعة هل له ذلك قال لا قلت فلو كان إباحة لكان له ذلك قال إنما اباح كل واحد منهما بسبب اباحة الاخر له (قلت) فهو إذا معاوضة فاصحهما ان حكمه حكم المقبوض بسائر العقود الفاسدة فلكل واحد منهما مطالبة الاخربما سلمه إليه مادام باقيا وبضمانه ان كان تالفا * فلو كان الثمن الذى قبضه البائع مثل القيمة فقد قال المصنف في الاحياء هذا مستحق ظفر بمثل حقه والمالك راض فله تملكه لا محالة * وعن الشيخ ابي حامد انه لا مطالبة لواحد منهما على الآخر وتبرأ ذمتهما بالتراضى وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة فانه لابراءة وان وجد الرضى (وقوله) فلا تكفى
المعاطاة اصلا معلم بالواو والحاء والميم لان ابا حنيفة يجعلها بيعا في المحقرات التى جرت العادة فيها بالاكتفاء بالاخذ والعطاء * وقال مالك ينعقد البيع بكل ما يعده الناس بيعا واستحسنه ابن الصباغ * (المسألة الثانية) لو قال بعني فقال البائع بعتك نظران قال بعد ذلك اشتريت أو قبلت انعقد البيع لا محالة والا فوجهان في رواية بعضهم وكذلك اورده المنصف ههنا وقولان في رواية اخرين وكذلك اورده في النكاح (احدهما) انه لا ينعقد وبه قال ابو حنيفة والمزنى لانه يحتمل ان يكون غرضة استبانة رغبة البائع في البيع (والثانى) ينعقد وبه قال مالك لان المقصود وجود لفظ دال علي الرضي بموجب العقد والاستدعاء الجازم دليل عليه والكلام فيما إذا وجد ذلك * وعن احمد روايتان كالقولين وفي نظير المسألة من النكاح طريقان مذكوران في موضعهما والاصح فيه الانعقاد باتفاق الائمة (واما) ههنا فادعي صاحب الكتاب ان الاصح المنع * وفرق بينهما بان النكاح لا يجرئ مغافصة في الغالب فتكون الرغبة معلومة من قبل ويعتبر قوله زوجنى استدعاء جزما والبيع كثير ما يقع مغافصة لكن الذى عليه الجمهور ترجيح الانعقاد ههنا ايضا ولم تتعرض طائفة لحكاية الخلاف فيه * ولو قال البائع اشتر منى كذا فقال المشتري اشتريت فقد سوى بينهما في التهذيب بين هذه الصورة والصورة السابقة واورد بعضهم انه لا ينعقد البيع * والفرق بينهما بان قول المشترى بعنى موضوع للطلب ويعتبر من
جهته الطلب مبتدئا أو القبول مجيبا وقول البائع اشتر بكذا لم يوضع للبدء ولا للايجاب ولابد من جهته من بدء أو ايجاب وبني على هذا أنهما لو تبايعا عبدا بعبد وعقد البيع بلفظ الامر فايهما جعل نفسه بائعا أو مشتريا لزمه حكمه حتى لو قال الآمر بعنى عبدك هذا صح لننزيله نفسه منزلة المشترى ولو قال اشتر منى عبدى لم يصح لتنزيله نفسه منزلة البائع * ولو قال المشتري اتبعنى عبدك بكذا أو قال بعتني بكذا فقال بعت لم ينعقد البيع حتى يقول بعده اشتريت * وكذا لو قال البائع اشتر دارى بكذا أو اشتريت مني دارى فقال اشتريت لا ينعقد حتى يقول بعده بعت (المسألة الثالثة) قال الائمة كل تصرف يستقل به الشخص كالطلاق والعتق والابراء فينعقد بالكنايات مع النية انعقاده بالصريح ومالا يستقل به الشخص بل يفتقر إلى الايجاب والقبول فهو على ضربين (أحدهما) ما يفتقر إلى الاشهاد كالنكاح وكبيع الوكيل إذا شرط الموكل عليه الاشهاد فهذا لا ينعقد بالكناية لان الشهود لا يطلعون على المقصود والنيات والاشهاد على العقد لابد منه وقد يتوقف في هذا التوجيه لان القرائن بما تتوفر فيبعد الاطلاع على ما في باطن الغير (والثانى) مالا يفتقر إليه فهو أيضا على ضربين (أحدهما) ما يقبل مقصوده التعليق بالاغرار كالكتابة والخلع فينعقد بالكناية مع النية * قال الشافعي رضي الله عنه لو قال لامرأته
أنت بائن بالف فقالت قبلت ونويا صح الخلع (والثاني) ما لا يقبل كالبيع والاجارة وغيرهما وفى انقعاد هذه التصرفات بالكناية مع النية وجهان (أحدهما) لا ينعقد لان المخاطب لا يدري بم خوطب (وأظهرهما) أنه ينعقد كما في الكتابة والخلع * ومثال الكناية في البيع أن يقول خذه منى أو تسلمه منى بالف أو أدخله في ملكك أو جعلته لك بكذا ملكا وما أشبه ذلك * ولو قال سلطتك عليه بالف فهل هو من الكنايات أو لا كما لو قال أبحته لك بالف اختلفوا فيه * ولو كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ترتب ذلك على أن الطلاق هل يقع بالكتابة ان قلنا لا يقع فهذه العقود أولى بان لا تنعقد (وان قلنا) نعم فوجهان في انعقادها بالكنايات (فان قلنا) تنعقد فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع علي الكتاب على الاصح ليقترن القبول بالايجاب بحسب الامكان * ولو تبايع حاضران بالكتابة ترتب ذلك على حال الغيبة إن منعنا فههنا أولى وإلا فوجهان * وحكم الكتابة على القرطاس والرق واللوح والارض والنقش على الحجر والخشب واحد ولاعبرة برسم الاحرف على الماء * والفوا في مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعا على انقعاد البيع بالكتابة أنه لو قال بعت من فلان وهو غائب فلما بلغه الخبر قال قبلت ينعقد البيع لان النطق أقوى من الكتابة * وقال أبو حنيفة لا ينعقد