فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 245-284
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السلم

صفحات 245-284
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الشافعي رضى الله عنه بالحديث المذكور في أول الباب (وهو أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين) والثمار لا تبقى هذه المدة بل تنقطع * وإذا أسلم فيما يعم وجوده ثم انقطع عند المحل لجائحة فقولان (أحدهما) أنه ينفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل القبض (وأصحهما) وبه قال ابو حنيفة لا ينفسخ لان المسلم فيه يتعلق بالذمة فأشبه ما إذا أفلس المشترى بالثمن لا ينفسخ العقد ولكن للبائع الخيار ولان هذا العقد ورد على مقدور في الظاهر فعروض الانقطاع كاباق العبد المبيع وذلك لا يقتضى الا الخيار

فكذلك ههنا المسلم يتخير أن يفسخ العقد أو يصبر إلى وجود المسلم فيه ولا فرق في جريان القولين بين أن لا يوجد المسلم فيه عند المحل أصلا وبين أن يكون موجودا فيسوف المسلم إليه حتى ينقطع وعن بعض الاصحاب أن القولين في الحالة الاولى (أما) في الثانية فلا ينفسخ العقد بحال لوجود المسلم فيه وحصول القدرة فان أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ كزوجة المولى إذا رضيت بالمقام ثم ندمت ووجهه الامام بأن هذه الاجازة انظار والانظار تأجيل والاجل لا يلحق العقد بعد

لزومه وقد يتوقف الناظر في كونها انظار أو يميل إلى انها اسقاط حق ورضى بما عرض كأجازة زوجة العنين ويجوز أن يقدر فيه وجهان لان الامام حكى وجهين في أنه لو صرح باسقاط حق الفسخ هل يسقط قال والصحيح أنه لا يسقط * ولو قال المسلم إليه للمسلم لا تصبر وخذ رأس مالك فللمسلم أن لا يجيبه وفيه وجه * ولو حل الاجل بموت المسلم إليه في اثناء المدة والمسلم فيه منقطع جرى القولان ذكره في التتمة قال وكذا لو كان موجودا عند المحل وتأخر التسليم لغيبة أحد المتعاقدين ثم

حضر والمسلم فيه منقطع * ولو انقطع بعض المسلم فيه فقد ذكرنا حكمه في تفريق الصفقة * ولو أسلم في شئ عام الوجود عند المحل ثم عرضت آفة علم بها انقطاع الجنس لدى المحل فيتنجز حكم الانقطاع في الحال أو يتأخر إلى المحل فيه وجهان (أحدهما) يتنجز حتى ينفسخ العقد على قول ويثبت الخيار على الثاني لتحقق العجز في الحال (وأظهرهما) لا لانه لم يجئ وقت وجوب التسليم وهذا الخلاف مأخوذ من الخلاف فيما إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فتلف قبل الغد يحنث في الحال أو يتأخر

الحنث إلى الغد (وقوله) في الكتاب ففي تنجيز الخيار أو تأخيره تفريع على أن الثابت بالانقطاع الخيار دون الانفساخ وعلى القول الآخر يتنجز الانفساخ واللفظ العام ما سبق واطلاقه القولين في المسألة اتباع للامام والوجه الحمل على القولين المخرجين وحينئذ لا يبقي بينهما وبين الوجهين كثير فرق (فان قيل) فبم يحصل الانقطاع (قيل) إن لم يوجد المسلم فيه أصلا بأن كان ذلك الشئ ينشأ في تلك البلدة وقد أصابته جائحة مستأصلة فهذا انقطاع حقيقي وفى معناه ما لو كان يوجد في غير تلك البلدة ولكن لو نقل إليها

لفسد وما إذا لم يوجد إلا عند قوم محصورين وامتنعوا من بيعه ولم كانوا يبيعونه بثمن غال وجب تحصيله ولم يكن ذلك انقطاعا وإن أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله إن كان في حد القرب وبم يضبط (أما) صاحب التهذيب في آخرين فانهم نقلوا وجهين (أقربهما) أنه يجب نقله مما دون مسافة القصر (والثانى) من مسافة لو خرج إليها بكرة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلا (وأما) الامام فانه جرى على الاعراض عن مسافة القصر وقال إن أمكن النقل على عسر

(فالاصح) أن السلم لا ينفسخ قطعا ومنهم من طرد فيه القولين * قال (وأصح القولين أنه لا يشترط تعيين مكان التسليم بل ينزل المطلق على مكان العقد) * السلم اما مؤجل أو حال أما المؤجل فقد حكى عن نص الشافعي رضى الله عنه اختلاف في أنه هل يجب تعيين مكان التسليم وانقسم الاصحاب إلى نفاة للخلاف ومثبتين (أما) النفاة فعن أبى إسحق

المروزى أنه ان جرى العقد في موضع يصلح للتسليم فلا حاجة إلى التعيين وإن جري في موضع غير صالح فلا بد من التعيين وحمل النصين على الحالين * وعن ابن العاص أن المسلم فيه ان كان لحمله مؤنة وجب التعيين والا فلا وحمل النصين على الحالين وبهذا قال أبو حنيفة وهو اختيار القاضى أبى الطيب فهذان طريقان (وأما) المثبتون فلهم طرق (احدها) وبه قال صاحب الافصاح والقاضى أبو حامد ان المسألة على قولين مطلقا (والثانى) أنه ان لم يكن الموضع صالحا وجب التعيين

لا محالة وان كان صالحا فقولان (والثالث) ان لم يكن لحمله مؤنة فلا حاجة إلى التعيين وان كان له مؤنة فقولان (والرابع) ان كان لحمله مؤنة فلا بد من التعيين وإلا فقولان وهذا اصح الطرق عند الامام * ويروي عن اختيار القفال ووجه اشتراط التعيين ان الاغراض تتفاوت بتفاوت الامكنة فلابد من التعيين قطعا للنزاع كما لو باع بدراهم وفى البلد نقود مختلفة ووجه عدم الاشتراط وبه قال احمد القياس على البيع فأنه لا حاجة فيه إلى تعيين مكان التسليم ووجه الفرق بين الموصع الصالح

وغير الصالح اطراد العرف بالتسليم في الموضع الصالح واختلاف الاغراض في غيره ووجه الفرق بين ما لحمله مؤنة وغيره قريب من ذلك والفتوى من هذا كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحا أو كان لحمله مؤنة وعدم الاشتراط في غيرها تبين الحالتين ومتى شرطنا التعيين فلو لم يعين فسد العقد وان لم نشرطه فان عين تعين وعن احمد رواية ان هذا الشرط يفسد السلم وان لم يعين حمل على مكان العقد * وفى التتمة انه إذا لم يكن لحمله مؤنة سلمه في أي موضع صالح شاء وذكر

وجها فيما إذا لم يصلح الموضع للتسليم انه يحمل على أقرب موضع صالح * ولو عين موضعا للتسليم فخرب وخرج عن صلاحية التسليم ففيه ثلاثة اوجه ذكرها القاضى ابن كج (احدها) أنه يتعين ذلك الموضع (والثاني) لا وللمسلم الخيار (والثالث) يتعين اقرب موضع صالح (وأما) السلم الحال فلا حاجة فيه إلى تعيين مكان التسليم كالبيع ويتعين مكان العقد لكن لو عينا موضعا آخر جاز بخلاف البيع لان السلم يقبل التأجيل فيقبل شرطا يتضمن تأخير التسليم بالاحصار والاعيان

لا تحتمل التأجيل فلا تحتمل شرطا يتضمن تأخير التسليم وحكم الثمن في الذمة حكم المسلم فيه وان كان معينا فهو كالمبيع قال في التهذيب ولا نعنى بمكان العقد ذلك الموضع بعينه بل تلك المحلة والله أعلم * قال (الشرط الرابع أن يكون معلوم المقدار بالوزن أو الكيل * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم * من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم * ولا يكفي العد في المعدودات بل لابد من ذكر الوزن في البطيخ والبيض والباذنجان والرمان وكذا الجوز واللوز ان عرف نوع لا يتفاوت في القشور غالبا ويجمع في اللبن بين العد والوزن) * يشترط أن يكون المسلم فيه معلوم القدر للخبر والاعلام تارة تكون بالكيل وأخرى بالوزن أو العدد أو الذرع (وقوله) في الحديث في كيل معلوم ووزن معلوم ينبغى أن يعرف فيه شيئان

(أحدهما) أنه ليس أمرا بالجمع بين الكيل والوزن بل الجمع قد يكون مبطلا كما لو أسلم في ثوب ووصفه وقال وزنه كذا أو أسلم في مائة صاع حنطة على أن يكون وزنها كذا لانه يورث عزة الوجود قال الشيخ أبو حامد لكن لو ذكر وزن الخشب مع الصفات المشروطة جاز لانه لو كان زائدا أمكن نحته حتى يعود إلى القدر المشروط * إذا تقرر ذلك فالمراد من الخبر الامر بالكيل في المكيلات والوزن في الموزونات (الثاني) هذا الامر ورد على العادة الغالبة في النوعين لا للتعيين فيجوز دكر

الوزن في المكيلات والكيل في الموزونات التى يتأتى فيها الكيل بخلاف الربويات لان المقصود ههنا معرفة المقدار وكل واحد منهما معروف وثم نص الشارع على طريق المماثلة فوجب الاتباع وعن أبى الحسين ابن القطان أن بعض الاصحاب منع من السلم كيلا في الموزونات والمشهور الاول لكن امام الحرمين حمل ما أطلقه الاصحاب علي ما يعتاد الكيل في مثله ضابطا (أما) لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلا لم يصح لان للقدر اليسير منه مالية كبيرة والكيل لا يعد ضابطا

فيه * ثم الفصل صورتان (إحداهما) السلم في البطيخ والقثاء والرمان والسفرجل والباذنجن والرانج والبيض جائز والمعتبر فيها الوزن دون الكيل لانها تتجافى في المكيال ودون العدد لكثرة التفاوت فيه والناس يكتفون بالعدد تعويلا على العيان وتسامحا وكذا لا يجوز السلم في الجوز واللوز عددا ويجوز وزنا وفى الكيل وجهان نقلهما صاحب البيان المذكور منهما في الشامل الجواز وكذا في الفستق والفندك * واستدرك الامام فقال قشور الجوز واللوز مختلفة فمنها غلاظ ومنها رقاق والغرض

يختلف باختلافها فليمتنع السلم فيها بالوزن أيضا وليحمل ما أطلقه الاصحاب على النوع الذى لا تختلف قشوره في الغالب * وعن أبي حنيفة أنه يجوز السلم عددا في البيض والجوز ولا يجوز السلم في البقول جزما لاختلافها وانما السلم فيها بالوزن ولا يجوز السلم في البطيخة الواحدة والسفرجلة الواحدة ولا في عدد منها لانه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها وذلك يورث عزة الوجود (وقوله) في الكتاب ولا يكفى العد في المعدودات يجوز اعلامه بالحاء لما حكيناه عنه ثم هو غير مجرى على اطلاقه لان التقدير

في الحيوانات انما يكون بالعد دون الوزن والكيل (وقوله) بل لابد من ذكر الوزن بعد قوله ولا يكفى العد قد يوهم الحاجة إلى ذكر الوزن مع العد وليس كذلك بل هو مفسد كما سبق والمراد أن المعتبر الوزن ولا نظر إلى العد (الثانية) يجمع في اللبن بين العد والوزن فيقول كذا لبنة وزن كل واحدة كذا لانها تضرب عن اختيار فالجمع فيها بين العد والوزن لا يورث عزة ثم الامر فيها على التقريب دون التحديد *

قال (ولو عين مكيالا لا يعتاد كالكوز فسد العقد * وان كان يعتاد فسد الشرط وصح العقد على الاصح لانه لغو * ولو أسلم في ثمرة بستان بعينه بطل لانه ينافى الدينية * وان أضافه إلى ناحية كمعقلي البصرة جاز إذ الغرض منه الوصف) * في الفصل مسألتان (احداهما) لو عين للكيل ما لا يعتاد الكيل به كالكوز فسد السلم لان ملاه مجهول القدر ولان فيه غرر لا حاجة إلى احتماله فانه قد يتلف قبل المحل وفى البيع لو قال

بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة فوجهان بناء على المعنيين (والاصح) الصحة اعتمادا على المعني الثاني * ولو عين في البيع أو السلم مكيالا معتادا فهل يفسد العقد فيه وجهان (أحدهما) نعم لتعرضه للتلف (وأصحهما) لا ويلغو الشرط كسائر الشروط الذى لا غرض فيها والسلم الحال كالمؤجل أو كالبيع فيه وجهان (جواب) الشيخ أبى حامد منهما انه كالمؤجل لان الشافعي رضى الله عنه قال لو أسلم في ملء هذه الجرة خلا لم يصح لانها قد تنكسر فلا يمكن التسليم كذلك

ههنا * ولو قال أسلمت اليك في ثوب كهذا الثوب أو في مائة صاع من الحنطة كهذه الحنطة فقد قال العراقيون لا يصح لابه ربما يتلف ذلك المحضر كما في مسألة الكوز وفى التهذيب أنه يصح ويقوم مقام الوصف * ولو أسلم في ثوب ووصفه ثم أسلم في ثوب آخر بتلك الصفة جاز إن كانا ذاكرين لتلك الاوصاف (الثانية) لو أسلم في حنطة ضيعة بعينها أو ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لم يجز وعللوه بشيئين (أحدهما) أن تلك البقعة قد تصيبها جائحة فتنقطع ثمرته وحنطته فاذن في

التعيين غرر لا ضرورة إلى اجتماله (والثانى) وهو المذكور في الكتاب أن التعيين ينافى الدينية من حيث إنه يضيق مجال التحصيل والمسلم فيه ينبغى أن يكون دينا مرسلا في الذمة ليتيسر أداؤه * وإن أسلم في ثمرة ناحية أو قرية كبيرة نظر إن أراد المسلم فيه تنوع المسلم فيه كمعقلي البصرة جاز فانه مع معقلى بغداد صنف واحد لكن كل واحد منهما يمتاز عن الآخر بصفات وخواص فالاضافة إليها تفيد فائدة الاوصاف وإن لم تفد تنويعا فوجهان (أحدهما) انه كتعيين المكيال لخلوه عن الفائدة (وأصحهما)

الصحة لانه لا ينقطع غالبا ولا يتضيق به المجال * قال (الشرط الخامس معرفة الاوصاف * فلا يصح السلم إلا في كل ما ينضبط منه كل وصف تختلف به القيمة اختلافا ظاهرا لا يتغابن الناس بمثله في السلم * ولا يصح في المختلطات المقصودة الا دكان كالمرق والحلاوي والمعجونات * والخفاف والقسى والنبال * والاصح أنه يصح في العتابى والخز وان اختلف اللحمة والسدي لانه في حكم الجنس الواحد كالشهد (و) واللبن * وكذلك ما لا يفسد خلطه كالخبز وفيه الملح * والجبن واللبن وفيه الانفحة * وكذا دهن البنفسج والبان * وفى خل الزبيب والتمر وفيه الماء تردد) * أقدم فقه الفصل ثم أتكلم في الضبط الذي حاوله (أما) الفقه فهو أن معرفة أوصاف المسلم فيه بذكرها في العقد شرط فلا يصح السلم فيما لا تنضبط أوصافه أو تنضبط واهملا بعض ما يجب ذكره لان البيع لا يحتمل جهالة المعقود عليه وهو عين فلان لا يحتملها السلم وهو دين كان أولى

ولتعذر الضبط أسباب (منها) الاختلاط والمختلطات أربعة أنواع لان الاختلاط اما أن يقع بالاختيار أو خلقة والاول اما أن يتفق وجميع اخلاطها مقصودة أو يتفق والمقصود واحد والاول اما أن يكون بحيث يتعذر ضبط اخلاطه أو بحيث لا يتعذر (النوع الاول) المختلطات المقصودة الاركان التى لا تنضبط أقدار اخلاطها وأوصافها كالهرائس ومعظم المرق والحلاوى والمعجونات والحوارشات والغالية المركبة من المسك والعنبر والعود والكافور فلا يصح السلم في شئ منها للجهل بما هو متعلق الاغراض وكذا

الخفاف والنعال لاشتمالها على الظهارة والبطانة والحشو لان العبارة تضيق عن الوفاء بذكر أطرافها وانعطافاتها وفى البيان أن الصيمري حكي عن ابن سريج جواز السلم فيها وبه قال أبو حنيفة وكذا القسى لا يجوز السلم فيها لاشتمالها علي الخشب والعظم والعصب (وأما) النبل فقد نقل فيه اختلاف نص واتفقوا علي أنه لا خلاف فيه واختلاف النص محمول على اختلاف أحواله فلا يجوز السلم فيه بعد التخريط والعمل عليه (أما) إذا كان عليه عصب وريش ونصل فللمعنيين (أحدهما) أنه من المختلطات

(والثانى) اختلاف وسطه وطرفيه دقة وغلطا وتعذر ضبطه وانه من أي موضع يأخذ من الدقة في الغلظ أو بالعكس ولم تأخذ وأما إذا لم يكن فللمعنى الثاني ويجوز السلم قبل التخريط والعمل عليه لتيسر ضبطه والمغازل كالنبال والترياق المخلوط كالغالية فان كان نباتا واحدا أو حجرا جاز السلم فيه (النوع الثاني) المختلطات المقصودة الاركان التى تنضبط اقدارها وصفاتها كالثياب العتابية والخزوز المركبة من الابريسيم والوبر وفى السلم فيه وجهان (أحدهما) المنع كالسلم في الغالية والمعجونات

(وأصحهما) عند المصنف ومعظم العراقيين الجواز لان قدر كل واحد من اخلاطها مما يسهل ضبطه ويحكى هذا عن نص الشافعي رضى الله عنه وبه أجاب القاضى ابن كج ويخرج على الوجهين السلم في الثوب المعمول عليه بالابرة بعد النسج من غير جنس الاصل كالابريسم على القطن أو الكتان وان كان تركيبها بحيث لا تنضبط أركانها فهي كالمعجونات (النوع الثالث) المختلطات التى لا يقصد منها إلا الخليط الواحد كالخبز وفيه الملح لكنه غير مقصود في نفسه وانما يراد منه اصلاح الخبز وفى السلم

فيه وجهان (أصحهما) عند الامام أنه جائز وبه قال أحمد وهو الذي أورده في الكتاب لان الملح مستهلك فيه والخبز في حكم الشئ الواحد (والثانى) وهو الاصح عند الاكثرين المنع لوجهين (أحدهما) الاختلاط واختلاف الغرض بحسب كثرة الملح وقلته وتعذر الضبط (والثانى) تأثير النار فيه * وفى السلم في الجبن مثل هذين الوجهين لكن الجمهور مطبقون على ترجيح وجه الجواز كأنهم اعتمدوا في الخبز المعنى الثاني ورأوا أن عمل النار في الخبز يختلف وفى الجبن بخلافه والله أعلم *

والوجهان جاريان في السمك الذى عليه شئ من الملح وفى خل التمر والزبيب وجهان أيضا (أحدهما) واليه ميل الصيمري والامام منع السلم فيهما لما فيهما من الماء كما لا يجوز السلم في المخيض (وأظهرهما) عند الاكثرين الجواز لانه لا غنية به عن الماء فان قوامه به بخلاف المخيض إذ لا مصلحة له في الماء والاقط كالجبن وفى التتمة أن المصل كالمخيض لما فيه من الدقيق والادهان المطيبة كدهن البنفسج والبان والورد إن خالطها شئ من جرم الطيب لم يجز السلم فيها وان تروح السمسم بها ثم اعتصر جاز *

(النوع الرابع) المختلطات خلقة ومثلها الامام بالشهد واللبن وعد الشهد من المختلطات أظهر من عد اللبن منها لان في ركني الشهد امتيازا ظاهرا واللبن شئ واحد الا أنه بعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان وفى السلم في الشهد وجهان (احدهما) المنع لان الشمع فيه وقد يقل وقد يكثر فأشبه سائر المختلطات وهذا ما رواه القاضى ابن كج عن نصه (وأصحهما) الجواز لان اختلاطه خلقي فأشبه النوى في التمر وكما يجوز السلم في الشهد يجوز في كل واحد من ركنيه (واما) اللبن فلا خلاف في جواز السلم

فيه (وقوله) في اول الفصل فلا يصح السلم إلى قوله لا يتغابن الناس بمثله في السلم هكذا هو في بعض النسخ وفى بعضها ما لا يتغابن الناس بمثله وهما صحيحان ومعني الاول لا يحتمل الناس اهمال مثل ذلك الاختلاف والنقصان ومعنى الثاني انه لا بأس بأن لا تنضبط منه الاوصاف التى لا يبالى بها ويحتمل فواتها * ثم اعلم ان من الاصحاب من يقول يجب التعرض للاوصاف التى يختلف بها الغرض ومنهم من يعتبر الاوصاف التى تختلف بها القيمة (ومنهم) من يجمع بينهما وليس شئ منها معمولا

باطلاقه لان كون العبد ضعيفا في العمل وقويا وكاتبا وأمينا وما أشبه ذلك أوصاف يختلف بها الغرض والقيمة ولا يجب التعرض لها ثم (قوله) لا يصح السلم الا في كذا يقتضى صحة السلم في كذا لان الاستثناء من النفي اثبات وليس ذلك على الاطلاق بل لو انضبط منه كل وصف تختلف به القيمة ولكن كان عزيز الوجود لا يصح السلم فيه قال (وأما ما يقبل الوصف ولكن يفضى الاطناب فيه إلى عزة الوجود كاللآلئ الكبار واليواقيت والجارية الحسناء مع ولدها إلى غير ذلك مما يعز وجوده فان ذلك يوجب عسرا في التسليم فلا يجوز السلم فيه) * قد سبق أن السلم فيما يندر وجوده لا يجوز لانه عقد غرر فلا يحتمل إلا فيما يوثق بتسليمه ثم الشئ قد يكون نادر الوجود من حيث جنسه كلحم الصيد في موضع العزة وقد لا يكون كذلك إلا أنه بحيث إذا ذكرت أوصافه التي بينا أنه يجب التعرض لها عز وجوده لندرة اجتماعها وفى هذا

القسم صورتان (إحداهما) لا يجوز السلم في اللآلئ الكبار واليواقيت والزبرجد والمرجان لانه لابد فيها من التعرض للحجم والشكل والوزن والصفاء لعظم تفاوت القيمة باختلاف هذه الاوصاف واجتماع المذكور فيها نادر ويجوز في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلا ووزنا وبم ضبط النوعين * قال قائلون ما يطلب للتداوي فهو صغير وما يطلب للتزين فهو كبير * وعن الشيخ أبى محمد أن ما وزنه

سدس دينار يجوز السلم فيه وإن كان يطلب منه التزبن لعموم وجوده والوجه أن يكون اعتبار السدس بالتقريب (الثانية) لو أسلم في جارية وولدها أو جارية وأختها أو عمتها أو شاة وسخلتها لم يجز لان اجتماع الجارية الموصوفة بالصفات المشروطة نادر هكذا أطلقه الشافعي رضى الله عنه وعامة الاصحاب رضى الله عنهم وفصل الامام فقال لا يمتنع ذلك في الزنجية التى لا تكثر صفاتها ويمتنع في السرية التى تكثر صفاتها وإلى هذا التفصيل أشار في الكتاب بقوله والجارية الحسناء وهذا مفرع

على أن الصفات التى يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجوارى ولم تفصل الائمة القول فيه كما ستعرفه لكن في موضع السلم اشكال على الاطلاق لانهم حكوا عن نصه أنه لو شرط كون العبد كاتبا أو الجارية ماشطة جاز ولمدع أن يدعي ندرة اجتماع صفة الكتابة والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها بل قضية ما أطلقوه تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبا وتلك ماشطة وكما يندر كون أحد الرقيقين ولدا للآخر مع اجتماع الصفات المشروطة فيهما فكذا يندر كون أحدهما

كاتبا والآخر ماشطا مع اجتماع تلك الصفات فلنسو بين الصورتين في المنع والتجويز * ولو أسلم في جارية وشرط كونها حاملا فطريقان (أظهرهما) المنع وعللوه بان اجتماع الحمل مع الصفات المشروطة نادر وهذا يؤيد الاشكال الذى أوردناه (والثانى) وبه قال أبو إسحق وأبو علي الطبري وابن القطان أنه على قولين بناء على أن الحمل هل له حكم أم لا (ان قلنا) نعم جاز والا فلا لانه لا يعرف حصوله وهما كالقولين في الشراء بهذا الشرط * ولو شرط كون الشاة المسلم فيها لبونا فقولان منصوصان

وقد ذهب الشيخ أبو حامد إلى ترجيح قول الجواز كما مر في شراء الجارية بشرط أنها لبون لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحمل تقتضي ترجيح المنع ههنا أيضا وبه أجاب صاحب التهذيب * قال (ويجوز السلم في الحيوان (ح) للاخبار والآثار فيه فيتعرض للنوع واللون والذكورة والانوثة والسن فيقول عبد تركي أسمر ابن سبع طويل أو قصير أو ربع * ثم ينزل كل شئ على أقل الدرجات ولا يشترط وصف آحاد الاعضاء إذ يفضي اجتماعها إلى عزة الوجود * وفى الكحل والدعج وتكلثم الوجه والسمن في الجارية * وما لا يعز وجوده ولكن قد يعد استقصاء فيه تردد * وكذا في ذكر الملاحة ويقول في البعير ثنى أحمر من نعم بنى فلان غير مودون أي غير ناقص الخلقة * ويتعرض في الخيل للون والسن والنوع * ولا يجب التعرض للشيات كالطغر واللطيم * ويتعرض في الطيور للنوع والكبر والصغر من حيث الجثة) *

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل