كتاب السلم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحلق (وأما) الزغب والشعر الضعيف الذى قد يوجد في الصغر فلا أثر له * وفى شعر الابط وجهان (أحدهما) أن إنباته كنبات شعر العانة وبه قال القاضى الحسين وآخرون قال الامام لان إنبات العانة يقع في أول تحرك الطبيعة في الشهوة ونبات الابط يتراخى عن البلوغ في الغالب فكان أولى بالدلالة علي حصول البلوغ (والثانى) وهو الاصح علي ما ذكره صاحب التتمة أنه لا أثر له في البلوغ لانه لو أثر لما كشفوا عن المؤتزر لحصول الغرض من غير كشف العورة * ونبات اللحية والشارب فيهما هذان الوجهان لكن صاحب التهذيب فرق فألحق شعر الابط بشعر العانة ولم يلحق به اللحية والشارب * ولا أثر لثقل الصوت ونهود الثدى ونتوء طرف الحلقوم وانفراق الارنبة كما لا أثر لاخضرار الشارب وفى التتمة طرد الخلاف فيها (وأما) القسم الثاني وهو ما يختص بالنساء فشيئن (أحدهما) الحيض في وقت الامكان بلوغ واحتج له بما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لاسماء بنت أبى بكر (إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها الا هذا وأشار إلى الوجه والكفين) علق وجوب الستر بالمحيض (قوله) روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لاسماء بنت ابى بكر إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها الا هذا وأشار إلى الوجه والكفن أبو داود من حديث خالد بن دريك عن عائشة أن اسماء بنت أبى بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فاعرض عنها وقال فذكر هـ وقد أعله أبو داود بالانقطاع وقال ان خالد بن دريك لم يدرك عائشة ورواه في المراسيل من حديث هشام عن فتادة مرسلا لم يذكر خالد ولا عائشة وتفرد سعيد بن بشير وفيه مقال عن قتادة بذكر خالد فيه وقال ابن عدى أن سعيد بن بشير قال فيه مرة عن أم سلمة بدل عائشة ورجح ابو حاتم أنه خالد بن دريك أن عائشة مرسل وله شاهدا اخرجه البيهقى من طريق ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله سمع ابراهيم بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أظنه عن أسماء بنت عميس أنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها أختها عليها ثياب شامية الحديث
وذلك نوع تكليف وبما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال (لا تقبل صلاة حائض الا بخمار) أشعر بانها بالحيض كلفت بالصلاة (والثاني) الحبل يوجب البلوغ لانه مسبوق بالانزال لكن الولد لا يستيقن ما لم تضع فإذا وضعت حكمنا بحصول البلوغ قبل الوضع بستة أشهر وشئ لان أقل مدة الحمل ستة أشهر فأن كانت مطلقة فأتت بولد يلحق الزوج حكمنا ببلوغها قبل الطلاق * (فرع) الخنثى المشكل إذا خرج من ذكره ماء وهو على صفة المنى ومن فرجه دم وهو على صفة الحيض فهل نحكم ببلوغه فيه وجهان (أصحهما) نعم لانه إما ذكر وقد أمني أو أنثى وقد حاضت (والثانى) لا لتعارض الخارجين واسقاط حكم كل واحد منهما حكم الآخر ولهذا لا يحكم والحالة هذه بالذكورة ولا بالانوثة هذا ما نسبة القاضى ابن كج إلى ظاهر نص الشافعي * وان وجد أحد الامرين دون الثاني أو أمنى وحاض من الفرج فجواب عامة الاصحاب أنه لا يحكم ببلوغه لجواز ان يظهر من الفرج الآخر ما يعارضه وقال الامام وهو الحق ينبغى أن يحكم بالبلوغ بأحدهما كما يحكم بالذكورة والانوثة ثم ان ظهر خلافه غيرنا الحكم وكيف ينتظم منا أن نحكم بأنه ذكر أو أو أنثي ولا نحكم بأنه قد بلغ * (حديث) لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار تقدم في الصلاة في الشروط
قال (وأما الرشد فهو أن يبلغ صالحا في دينه مصلحا لدنياه * فإذا اختل أحد الامرين استمر الحجر (م ح و) * ومهما حصل انفك الحجر (و) * فلو عاد أحد المعنيين لم يعد الحجر لان الاطلاق الثابت لا يرفع الا بيقين كما أن الحجر الثابت لا يرفع إلى بيقين * فلو عاد الفسق والتبذير جميعا يعود الحجر أو يعاد على أظهر الوجهين * ثم يلى القاضي امره أو وليه في الصبى فيه وجهان * وكذا في الجنون الطارئ بعد البلوغ * وصرف المال إلى وجوه البر ليس بتبذير * فلا سرف في الخير * وصرفه إلى الاطعمة النفيسة التى لا تليق بحاله تبذير (و) * فإذا انضم إليه الفسق أوجب الحجر) * أول ما ينبغى أن يعرف في الفصل أولا معني الرشد المذكور في قوله تبارك وتعالى (فان آنستم منهم رشدا) وقد فسره الشافعي بالصلاح في الدين مع اصلاح المال ويدل عليه ما روى عن ابن عباس أنه قال معناه (رأيتم منهم صلاحا في دينهم وحفظا لاموالهم) وروى مثله عن الحسن ومجاهد والمراد من الصلاح في الدين أن لا يرتكب من المحرمات ما تسقط به العدالة ومن اصلاح المال أن لا يكون مبذرا وصرف المال إلى وجود الخير في الصدقات وفك الرقاب وبناء المساجد والمدارس وما أشبهها ليس بتبذير ولا سرف في الخير كما لا خير في السرف وعن الشيخ أبى محمد أن الصبى إذا بلغ وهو مفرط في الانفاق في هذه الوجوه فهو مبذر وان عرض له ذلك بعد ما بلغ مقتصدا لم نحكم (حديث) ابن عباس في قوله تعالى فان آنستم منهم رشدا معناه رأيتم منهم صالحا في دينهم وحفظا لاموالهم البيهقى من طريق على بن أبى طلحة عنه أتم من هذا (قوله) وروى مثله عن مجاهد والحسن أما أثر مجاهد فرواه الثوري في جامعه عن منصور عنه وأما أثر الحسن فاسنده البيهقى من طريق يزيد بن هرون عن هشام بن حسان عنه
بصيرورته مبذرا * وتضييع المال بالقائه في البحر أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملات ونحوها تبذير وكذا الانفاق في المحرمات * وصرفه إلى الاطعمة النفيسة التى لا يليق اتخاذها بحاله هل يكون سفها وتبذيرا (قال) الامام وصاحب الكتاب نعم للعادة (وقال) الاكثرون لا لان المال يطلب لينتفع به ويلتذ به وكذا القول في التجمل بالثياب الفاخرة والا كثار من شراء الغانيات والاستمتاع بهن وما أشبه ذلك * وبالجملة فالتبذير على ما نقله معظم الاصحاب محصور في التضيعات والانفاق في المحرمات * ولا بد من اختبار الصبي ليغرف حاله في الرشد وعدمه ويختلف ذلك باختلاف طبقات الناس فولد التاجر يختبر في البيع والشراء والمماكسة وولد الزارع في أمر الزراعة والانفاق على العوام فيها والمحترف فيما يتعلق بحرفته والمرأة في أمر القطن والعزل وحفظ الاقمشة وصون الاطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها من مصالح البيت * ولا تكفى المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن بكونه رشيدا وفى وقت الاختبار وجهان (أحدهما) ما بعد البلوغ لان تصرفه في الصبا غير نافذ (وأظهرهما) أنه قبله لقوله تعالى (وابتلوا اليتامي) واسم اليتيم انما يقع على غير البالغ وعلى هذا فكيف يختبر فيه وجهان (أصحهما) أنه يدفع إليه قدرا من المال ويمتحنه في المماكسة والمساومة فإذا آل الامر إلى عقد عقده الولى لان تصرف الصبى لا ينفذ (والثانى)
يصح منه العقد أيضا في هذا الغرض للحاجة * وقد أشرنا في أول البيع إلى هذا * ولو تلف المال المدفوع إليه للاختبار في يده فلا ضمان على الولى * إذا تقرر ذلك ننظر ان بلغ الصبى غير رشيد إما لاختلاف الصلاح في الدين أو اصلاح المال بقى محجورا عليه ولم يدفع إليه المال * وقال أبو حنيفة ان بلغ مفسدا للمال منع حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة كما سبق وان بلغ مصلحا لماله دفع المال إليه ونفذ تصرفه وان كان فاسقا وبه قال مالك فيمن بلغ فاسقا ونقل المتولي مثل مذهبهما عن بعض أصحابنا * وجه ظاهر المذهب أن الآية اعتبرت الرشد والصلاح مأخوذ من تفسير الرشد * ثم يتصرف في ماله ويستديم الحجر عليه من كان يتصرف قبل البلوغ أبا كان أو جدا أو وصيا أو حاكما * وان بلغ رشيدا دفع إليه المال وينفك الحجر عنه بنفس البلوغ والرشد أو يحتاج إلى فك القاضى فيه وجهان (أرجحهما) عند صاحب التهذيب أنه يحتاج إلى فك القاضى لان الرشد مما يعرف بالنظر والاجتهاد ويروي هذا عن ابن أبي هريرة رضى الله عنه (والثانى) وبه أجاب صاحب الكتاب وهو الاصح عند الامام والمتولي ويحكي عن ابن سريج أنه ينفك عنه لانه حجر لم يثبت بالحاكم فلا يتوقف زواله على إزالة الحاكم كحجر المجنون يزول بمجرد الافاقة وهذا أولى والا لاطبق الناس على طلب الفك في أوائل البلوغ ولا يجدوه أهم مهماتهم ثم قال المفرعون على الوجه الاول أنه كما ينفك بفك القاضى ينفك بفك الاب والجد وفى الوصي والقيم وجهان وهذا يطعن في توجيههم اياه بالحاجة إلى النظر والاجتهاد (وإذا قلنا) لا يزول حتى يزال فتصرفه قبل ازالة الحجر كتصرف من أنثئ الحجر عليه بالسفه الطارئ بعد البلوغ ويجرى الخلاف فيما إذا بلغ غير رشيد ثم صار رشيدا وإذا حصل الرشد
فلا فرق بين الرجل والمرأة وبين أن تكون المرأة مزوجة أو لا تكون وقال مالك رحمه الله لا يدفع المال إلى المرأة حتى تنكح فإذا نكحت دفع إليها باذن الزوج ولا ينفذ تبرعها بما زاد على الثلث إلا باذن الزوج ما لم تصر عجوزا * ولو عاد التبذير بعد ما بلغ رشيدا لم يطلق ولم يمكن من التصرف وكيف الحال فيه وجهان (أحدهما) أنه يعود الحجر بنفس التبذير كما لو جن (وأصحهما) أنه لا يعود ولكن يعاد ومن الذى يعيده لا خلاف في أن للقاضى أن يعيده وعن أبى يحيى البلخى فيما نقل ابن كج رحمه الله تعالى أنه يعيده الاب والجد أيضا والمشهور تخصيصه بالقاضي لانه في محل الاجتهاد * ولو عاد الفسق دون الاتفاق في المعاصي وسائر وجوه التبذير (فان قلنا) اقتران الفسق بالبلوغ لا يقتضى ادامة الحجر وهى الطريقة المنقولة على وفاق أبى حنيفة ومالك رحمهما الله فلا يحجر (وان قلنا) يقتضيها فوجهان (أحدهما) وبه قال ابن سريج أنه يحجر عليه كما يستدام به الحجر وكما لو عاد التبذير (وأصحهما) وبه قال أبو إسحق لا يحجر لان الاولين لم يحجروا على الفسقة ويخالف الاستدامة لان الحجر ثم كان ثابتا والاصل بقاء وههنا ثبت الاطلاق والاصل بقاءه فلا يلزم من الاكتفاء بالفسق للاستصحاب الاكتفاء به لبراءة الاصل ويخالف التبذير فانا نتحقق به تضييع المال وبالفسق لا يتحقق فانه ربما لا ينفق المال إلا فيما يسوغ وان كان فاسقا ومقصود هذا الحجر صيانة المال ولا يجئ في عود الفسق الوجه الذاهب إلى مصيره محجورا بنفس التبذير قال الامام رحمه الله فإذا حجر على من طرأ عليه السفه ثم عاد رشيدا (فان قلنا) الحجر عليه لا يثبت الا بضرب القاضى فلا يرفع إلا برفعه (وان قلنا) يثبت بنفسه ففى زواله الخلاف المذكور فميا إذا بلغ رشيدا * ومن الذى يلى أمر من حجر عليه بالسفه بالطارئ (ان قلنا) انه لا بد من ضرب القاضى فهو الذى يليه (وان قلنا) أنه يصير محجورا عليه بنفس السفه فوجهان شبيهان بالوجهين فيما إذا طرأ عليه الجنون بعد البلوغ (أحدهما) أنه يلى أمره الاب ثم الجد كما في حالة الصغر وكما إذا بلغ مجنونا (والثانى) يليه القاضى لان ولاية الاب قد زالت فلا تعود والاول أصح في صورة
عروض الجنون والثانى أصح في صورة عروض السفه فلان السفه وزواله مجتهد فيه يحتاج إلى نظر الحاكم * ونعود إلى ما يتعلق بالفاظ الكتاب (قوله) فان اختل أحد الامرين استمر الحجر ينتظم اعلامه بالميم والحاء والواو لما ذكرنا فيما إذا بلغ مصلحا لماله فاسقا (وقوله) مهما حصل أي كلاهما انفك الحجر معلم بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا بد من فكه وكذا قوله لم يعد الحجر للوجه الذى مر في عود الحجر عند عود التبذير (وقوله) لان اطلاق الثابت لا يرتفع الا بتيقن الرشد ولا يتيقن الرشد مع واحد من الامرين والاطلاق ههنا متيقن فلا يعاد الحجر الا بتيقن احتلال الرشد وذلك يعود للمعنيين جميعا وهذا قريب من لفظه في الوسيط وقضية خروج الصلاح في الدين واصلاح المال عن أن يكون حقيقة الرشد واعتبارهما للاستدلال بهما على حصول الرشد * واعلم أن كلام المصنف ههنا وفى الوسيط مصرح بأن عود مجرد الفسق والتبذير لا أثر له وانما المؤثر في عود الحجر أو اعادته عود الفسق والتبذير جميعا وليس الامر كذلك بل الاصحاب رضى الله عنهم مطبقون على أن عود التبذير وحده كاف في عود الحجر أو اعادته كما سبق بيانه (وقوله) ثم يلى أمره القاضى أو وليه في الصبى فيه وجهان موضع الوجهين ما إذا قلنا ان الحجر يعود بنفسه أما إذا قلنا ان القاضى هو الذى يعيده فهو الذى يلى امره بلا خلاف (وقوله) فصرف المال إلى وجوه الخير ليس بتبذير يمكن اعلامه بالواو للتفصيل المنقول عن الشيخ ابى محمد (وقوله) في الصرف إلى الاطعمة النفيسة انه تبذير يجب اعلامه بالواو ومعرفته ان الاظهر عند
الائمة رحمهم الله خلاف ما ذكره (وقوله) فإذا انضم الفسق إليه أوجب الحجر بناه على ما قدمه من اعتبار اجتماع الامرين وقد عرفت أن الصحيح المعتمد خلافه * (فرع) ولو كان يغبن في بعض التصرفات خاصة فهل يحجر عليه حجرا خاصا في ذلك النوع فيه وجهان لبعد اجتماع الحجر والاطلاق في الشخص الواحد (فرع) الشحيح على نفسه جدا مع اليسار قال في البيان فيه وجهان عن الصيمري والاصحح المنع * قال (ثم فائدة الحجر سلب استقلاله في التصرفات المالية كالبيع والشراء (و) والاقرار بالدين (م) وكذا الهبة وفى سلب عبارته عند التوكيل به خلاف وعليه يبتنى صحة قبوله الوصية والهبة ولا حجر عليه فيما لا يدخل تحت الحجر كالطلاق والظهار والخلع واستلحاق النسب ونفيه والاقرار بموجب العقوبات لانه مكلف والولى لا يتولى ذلك فلا بد وأن يتولاه بنفسه (والاصح) أنه لا يقبل اقراره باتلاف مال الغير كالصبى وينعقد احرامه بالحج ثم يمنع الزاد ان لم يكن فرضا عليه ثم حكمه حكم المحصر أو المحرم المفلس حتى لا يتحلل الا بلقاء البيت فيه خلاف) * الغرض الان الكلام فيما ينفذ من السفيه المحجور عليه من التصرفات ومالا ينفذ وفى مسائل (إحداها) لا يصح منه العقود التي هي مظنة الضرر المالى كالبيع والشراء والاعتاق والكتابة والهبة والنكاح ولا فرق بين أن يشترى بعين ماله أو في الذمة وفى شرائه في الذمة وجه ضعيف تخريجا من شراء العبد بغير اذن مولاه والمذهب الاول لان هذا الحجر انما يشرع نظرا للمبذر وذلك يقتضى الرد حالا ومالا والحجر على العبد لحق المولى فلا يمتنع التصحيح بحيث لا يضر بالمولى وإذا باع وأقبض استرد من المشتري فلو تلف
في يده ضمن فلو اشترى وقبض واستقرض فتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان عليه ومن أقبضه فهو الذى ضيعه ولوليه استرداد الثمن ان كان قد أقبضه ولا فرق بين أن يكون من عامله عالما بحاله أو جاهلا إذ كان من حقه أن يتجنب ولا يعامل الا عن بصيرة وكما لا يجب الضمان في الحال لا يجب بعد رفع الحجر لان هذا الحجر ضرب لمصلحته فأشبه الصبى لكن الصبى لم يأثم والسفيه يأثم لانه تكلف وفيما إذا أتلفه بنفسه وجه أنه يضمن عند رفع الحجر عنه وهذا كله فيما إذا استقل بهذه التصرفات أما إذا اذن له الولى نظر ان أطلق الاذن فهو لغو وأن عين له تصرفا أو قدر العوض فوجهان (أصحهما) عند المصنف أنه يصح كما لو أذن له في النكاح وهذا لان المقصود أن لا يضر بنفسه ولا يتلف ماله فإذا أذن الولى أمن من المحذور (والثانى) وهو الاصح عند صاحب التهذيب المنع كما إذا أذن للصبى ويخالف النكاح لان المال فيه تبع ومقصود الحجر حفظ المال عليه على أن الامام رحمه الله أشار إلى طرد بعضهم الخلاف في النكاح (فان قلنا) لا يصح فقد سلبنا بالحجر عبارته (وان قلنا) يصح فالمسلوب هو الاستقلال وعلى الوجهين يخرج ما إذا وكله غيره بشئ من هذه التصرفات هل يصح عقده للموكل وبما إذا إتهب وقبل الهبة لنفسه ولو أودعه انسان شيئا فلا ضمان عليه لو تلف عنده ولو أتلفه فقولان كما لو أودع صبيا (الثانية) لو أقر بدين معاملة لم يقبل سواء أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده كالصبى وفيما إذا أسنده إلى ما قبل الحجر وجه أنه يقبل تخريجا من الخلاف في أن المفلس إذا أقر بدين سابق على الحجر هل يزاحم المقر له الغرماء ولو أقر باتلاف مال أو جناية توجب المال فقولان (أحدهما) يقبل لانه لو أثبتنا الغصب أو الاتلاف يضمن فإذا أقر به يقبل (وأصحهما) الرد كما لو أقر بدين معاملة ولا يؤاخذ بعد فك الحجر عنه بما أقر به ورددناه ولو أقر بما يوجب عليه حدا أو قصاصا قبل لانه مكلف ولا تعلق لهذا الاقرار بالمال متى يتأثر بالحجر ولو أقر بسرقة توجب القطع قبل قوله في القطع وفى المال قولان كالعبد إذا أقر بسرقة هذا إن قلنا لا يقبل اقراره بدين الاتلاف (فان قلنا) فأولى أن يقبل ههنا ولو أقر بقصاص فعفى المستحق على مال فالصحيح ينوب المال لانه يتعلق باختيار الغير لا باقراره ولو أقر بنسب ثبت النسب وينفق على الولد
الذى استلحقه من بيت المال ولو ادعى عليه دين معامله لزمه قبل الحجر وأقام عليه بينة سمعت وان لم يكن بينة (فان قلنا) أن النكول ورد اليمين كالبينة سمعت (وان قلنا) كالاقرار فلا لان غايته أن يقروا قراره غير مقبول (الثالثة) يصح منه الطلاق لانه لايدخل تحت حجر الولى وتصرفه الا ترى ان الولى لا يطلق أصلا بل المحجور عليه يطلق بنفسه إذا كان مكلفا كالعبد وأيضا فأن الحجر لابقاء ماله عليه والبضع ليس بمال ولا هو جار مجري الاموال الا ترى أنه لا ينتقل إلى الورثة ولا يمنع المريض من ازالة المال عنه وإذا صح الطلاق مجانا فالخلع أولى بالصحة وكذلك يصح منه الطهار والرجعة ونفى النسب باللعان وما أشبهه لان هذه العقود لا تعلق لها بمال ولو كان السفيه مطلاقا مع حاجته إلى النكاح سري بجارية فان تبرم منها أبدلت (الرابعة) حكم السفية في العبادات حكم الرشيد لكنه لا يفرق الزكاة بنفسه فلو أحرم بغير اذن الولى انعقد احرامه ثم ينظر ان أحرم بحج التطوع وزاد ما يحتاج إليه للسفر على نفقته المعهودة ولم يكن له في الطريق كسب يفى بتلك الزيادة فللولي منعه ثم كيف سبيله نقل الامام رحمه الله وجهين (الاصح) الذى أورده الاكثرون أنه كالمحصر حتى يتحلل بالصوم إذا جعلنا لدم الاحصار بدلا لانه محجور في المال (والثانى) أن عجزه عن النفقة لا يلحقه بمحصر بل هو كالمفلس الفاقد للزاد والراحلة لا يتحلل الا تلفاء البيت وان لم يزد ما يحتاج إليه على النفقة المعهودة أو كان يكتسب في الطريق ما يفى بالزيادة لم يمنعه الولى بل ينفق عليه من ماله ولا يسلمه إليه بل إلى ثقة لينفق عليه في الطريق وان أحرم بحجة مفروضة كحجة الاسلام والحجة المنذورة قبل الحجر أنفق عليه الولي كما ذكرنا قال في التتمة والحجة المنذورة بعد الحجر كالمنذورة قبله إن سلكنا بالنذر مسلك واجب الشرع والا فهى كحجة التطوع ولو نذر التصدق بعين مال لم ينعقد وفى الذمة ينعقد ولو حلف انعقد يمينه ويكفر عند الحنث بالصوم كالرقيق * قال (وولى الصبى أبوه أو جده وعند عدمهما الوصي فان لم يكن فالقاضي ولا ولاية للام (و) ولا يتصرف الولى الا بالغبطة ولا يستوفى قصاصه (ح) ولا يعفو عنه ولا يعتق ولا يطلق بعوض وغير عوض ولا يعفو عن حق شفعته الا لمصلحته فلو ترك فليس له الطلب بعد البلوغ على الاصح (و) وله أن يأكل بالمعروف من ماله ان كان فقيرا وان كان غنيا فليستعفف) * هذه البقية لسائر من يلى أمر الصبى وفى معناه المجنون وانه كيف يتصرف أما الذى يليه فهو الاب ثم الجد كما في ولاية النكاح فان لم يكونا فالولى المنصوب من جهتهما فان لم يكن فالولاية للقاضى أو من ينصبه القاضى (وظاهر) المذهب أن لا ولاية للام كما ليس لها ولاية النكاح وعن أبى سعيد الاصطخرى رحمه الله أن لها ولاية المال بعد الاب لجد وتقدم على وصيهما لزيادة شفقتها (وأما) كيفية التصرف فالقول الجملى فيه اعتبار الغبطة وكون التصرف على وجه النظر والمصلحة وفى الفصل صور (منها) يجوز للولى أن التجارة لما فيها من الاخطار وانحطاط الاسعار فان لم يكن فيه مصلحة لنقل الخراج أو جور السلطان أو أشراف الموضع على البوار لم يجز ويجوز أن يبني له الدور والمساكن ويبنى بالاجر دون اللبن والجص ولا يبنى باللبن والطين لقلة بقائه وذكر القاضي الرويانى رحمه الله أن كثيرا من الاصحاب رحمهم الله جوزوا البناء له على عادة البلد كيف كانت قال وهو الاختبار ولا يبيع عقاره الا للحاجة مثل أن لا يكون له ما يصرفه إلى نفقته وكسوته وقصرت غلته عن الوفاء بهما ولم يجد من يقرضه أو لم ير المصلحة فيه والغبطة مثل أن يكون يقبل الخراج أو يرغب شريك أو جار باكثر من ثمن المثل وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن وله بيع ماله نسيئة وبالعرض إذا رأى المصلحة فيه فإذا باع نسيئه زاد على ثمنه نقدا وأشهد عليه وارتهن به رهنا وافيا فان لم يفعل ضمن هكذا قاله المعظم وروى الامام وجها في صحة البيع إذا لم يترهن وكان المشترى مليا وقال الاصح الصحة ويشبه أن يذهب القائل بالصحة إلى أنه لا يضمن ونجوزه اعتمادا على ذمة الملى ولا يحتاج الاب إذا باع مال ولده من نفسه نسيئة أن يرتهن من نفسه بل يؤتمن في حق ولده وإذا باع الاب والجد عقاره فيرفع الامر إلى القاضى أسجل على بيعه ولم يكلفه أثبات الحاجة أو الغبطة فإذا بلغ الصبى وادعى على الاب أو الجد بيع ماله من غير مصلحه فالقول قولهما مع اليمين
وعليه البينة وان ادعاه على الوصي أو الامين فالقول قوله في العقار وعليهما البينة وفى غير العقار وجهان (أظهرهما) أنها كالعقار والفرق عسر كالاشهاد في كل قليل وكثير يبيعه ومنهم من أطلق وجهين من غير فرق بين ولى وولى وبين العقار وغيره ودعواه على المشترى من الولى كهى على الولى وليس للوصي والامين بيع ماله من نفسه ومال نفسه منه روى أنه صلى الله عليه وسلم (قال لا يشترى الوصي من مال اليتيم) وللاب والجد ذلك وبيع مال أحد الصغيرين من الآخر وهل يشترط أن يقول بعت واشتريت كما لو باع من غيره أم يكتفى باحدهما فيقوم مقامهما كما أقيم الشخص الواحد مقام اثنين فيه وجهان تعرضنا لهما في أول البيع وإذا اشترى الولى للطفل فليشتر من ثقة وحيث أمر بالارتهان لم يقم أخذ الكفيل مقامه (ومنها) لا يستوفى القصاص المستحق له لانه ربما يرغب في العفو ولا يعفو لانه ربما بختأر الاستيفاء تشفيا ولا يعتق عبيده لا بعوض ولا مجانا ولا يكاتبهم ولا يهب أمواله لا بشرط الثواب ولا دونه إذ لا يقصد بالهبة العوض ولا يطلق زوجته لا مجانا ولا بعوض ولو باع شريكه شخصا مشفوعا فيأخذ ويترك بحسب المصلحة فان ترك بحكم المصلحة ثم بلغ الصبى وأراد أخذه فوجهان (أصحهما) انه لا يمكن كما لو أخذ بحكم المصلحة ثم بلغ الصبى وأراد رده (والثانى) يمكن لانه لو كان بالغا لكان له الاخذ وافق المصلحة أو خالف والاخذ المخالف للمصلحة لم يدخل تحت ولاية الولى فلا يفوت عليه في تصرف الولى (ومنها) ليس للولى أخذ أجرة ولانفقة من المال الصبى ان كان غنيا وان كان فقيرا فان قطع بسببه عن اكتسابه فله أخذ قدر نفقته قال الله تعالى (ومن كان غنيا فليستعفف) الاية وفى تعليق الشيخ أبى حامد رحمه انه يأخذ أقل الامرين من قدر النفقة وأجرة المثل والقول في انه هل يستبد بالاخذ يأتي في كتاب النكاح (قوله) روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يشتر الوصي من مال اليتيم لم أجده وقد أخرج البيهقى من طريق زهير بن أبى اسحق عن صلة بن زفر قال كنت جالسا عند ابن مسعود فجاء رجل من همدان على فرس أبلق فقال يا أبا عبد الرحمن اشترى هذا قال ماله قال إن صاحبه أوصى إلى قال لا تشتره ولا تستقرض من ماله
ان شاء الله تعالى * وهل عليه الضمان فيما أخذ كالمضطر إذا أكل الطعام أم كالامام إذا أخذ الرزق من بيت المال فيه قولان وللولي أن يخلط ماله بمال الصبى ويواكله قال الله تعالى (فان تخالطوهم فاخوانكم) وقاس ابن سريج على ما إذا خلط المسافرون ازوادهم وتناهدوا وقال لعل هذا أولى بالجواز وان تفاوتوا في الاكل لان كلا منهم من أهل المسامحة هذه صور الكتاب وشرحها (ومنها) يجب عليه أن ينفق عليه ويكسوه بالمعروف ويخرج من ماله الزكاة وارش الجنايات وان لم تطلب ونفقة القريب بعد الطلب (ومنها) أن دعت ضرورة حريق أو نهب إلى المسافرة بماله سافر وإذا كان الطريق مخوفا لم يسافر به وان كان امنا فوجهان (الذي) أورده الاصحاب رحمهم الله من العراقيين المنع كالمسافرة بالوديعة (والثانى) وهو الاصح الجواز لان المصلحة تقتضي ذلك والولى مأمور بالنظر بخلاف المودع وإذا كان له أن يسافر كان له أن يبعثه على يد أمين (ومنها) أنه ليس لغير القاضى اقراض مال الصبى الا عند ضرورة نهب أو حريق وإذا أراد سفرا ويجوز للقاضى الاقراض وان لم يعرض شئ من ذلك لكثرة شغاله وسوى أبو عبد الله الحناطى رحمه الله بين القاضى وغيره ولايجوز ايداعه مع امكان الاقراض في أصح الوجهين فان عجز عنه فله الايداع ويشترط فيمن يودع عنده الامانة وفيمن يقرضه الامانة واليسار جميعا واذ أقرض فان رأى أن يأخذ به رهنا أخذ والا تركه والله أعلم *
(كتاب الصلح)
(وفيه ثلاثة فصول) قال (الفصل الاول في أركانه وهو معاوضة له حكم البيع إن جرى على غير المدعى فالصلح لا يخالف البيع الا في ثلاث مسائل (الاولى) قال صاحب التلخيص يجوز الصلح على ارض الجنايات ولا يصح بلفظ البيع وأنكر الشيخ أبو على وغيره وقال ان كان معلوم القدر والصفة جاز باللفظين والا امتنع (ح) باالمفظين وان علم القدر دون الوصف كاقل الدية ففى كلا اللفظين خلاف (الثانية) أن يصالح عن بعض المدعى فهو جائز فيكون بمعنى هبة البعض ولفظ البيع لا ينوب منابه في هذا المقام وقيل أنه بلفظ الصلح أيضا لا يصح (الثالثة) إذا قال ابتداء لغيره من غير سبق خصومة صالحني من دارك هذه على ألف ففيه خلاف إذ لفظ البيع واقع فيه ولا يطلق لفظ الصلح لافى الخصومة) * فسر الائمة رحمهم الله الصلح في الشريعة بالعقد الذى ينقطع به خصومة المتخاصمين وليس ذلك على سبيل التحديد ولكنهم أردوا ضربا من التعريف مشيرين إلى أن هذه اللفظة تستعمل عند سبق المخاصمة غالبا والمخاصمات والمزاحمات المحوجة إلى المصالحة تارة تقع في الاملاك وتارة في المشتركات كالشوارع وغيرها والتعامل تارة يقع بالصلح وتارة بظهور جانب أحد المتنازعين باختصاصه بما يشعر بالاستحقاق فلا شتباك هذه الامور بعضها ببعض نسلك في الباب في كلام الشافعي رضى الله عنه للاصحاب رحمهم الله مع احكام الصلح المعقود لها الفصل (الاول) بيان المشتركات التى يقع فيها التزاحم صور يترجح فيها جانب أحد المتنازعين أو يظن رجحانه وقد عقد صاحب الكتاب لهما الفصل الثاني والثالث والاصل في الصلح ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الصلح جائز بين المسلمين الاصلحا أحل حراما أو حرم حلالا) ووقفه على عمر رضى الله عنه اشهر وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن (كتاب الصلح) (حديث) أبى هريرة الصلح جائز بين المسلمين الاصلحا أحل حراما أو حرم حلالا * أبو داود ابن حبان والحاكم من طريق الوليد بن رباح عنه بتمامه ورواه أحمد منحديث سليمان ابن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة دون الاستثناء وفي الباب عن عمر وبن عوف وغيره كما سيأتي قريبا
عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المؤمنون عند شروطهم الا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا والصلح جائز) إذا عرفت ذلك فالصلح إما أن يجرى بين المتداعيين أو بين المدعي واجنبي والقسم الاول على وجهين (احدهما) صلح المعاوضة وهو الذى يجرى على غير العين المدعاة كما إذا ادعى دارا فاقربها المدعى عليه وصالحه بها على عبد أو ثوب وهذا الضرب حكمه حكم البيع وان عقد بلفظ الصلح وتتعلق به جميع أحكام البيع كالرد بالعيب والشفعة والمنع من التصرف قبل القبض واشتراط القبض ان كان المصالح عنه والمصالح عليه متوافقين في علة الربا واشتراط التساوى في معيار الشرع إن كانا من جنس واحد من أموال الربا وجريان التخالف عند الاختلاف ويفسد بالغرر والجهل والشروط الفاسدة فساد البيع وكذا إذا صالح منها على منفعة غير معلومة جاز وكان هذا الصلح اجارة كانه استأجر الدار والعبد بالعين المدعاة فيثبت فيه أحكام الاجارات (الضرب الثاني) صلح الحطيطة وهو الجارى على بعض العين المدعاة كما إذا صالح من الدار المدعاة على نصفها أو ثلثها أو من العبدين على أحدهما فهذا هبة بعض المدعى ممن هو في يده فيشترط القبول ومضى امكان مدة القبض وفى اشتراط الاذن الجديد في القبض الخلاف المذكور في باب الرحمن ويصح بلفظ الهبة ما في معناها وهل يصح بلفظ الصلح فيه وجهان (أحدهما) لا لان الصلح يتضمن المعاوضة ومحال أن يعامل الانسان ملك نفسه ببعضه (وأظهرهما) الصحة لان الخاصية التى يفتقر إليها لفظ الصلح هو سبق الخصومة * (قوله) * ووقف هذا الحديث على عمر اشهر * البيهقى في المعرفة من طريق أبى العوام البصري قال كتب عمر إلى أبى موسى فذكر الحديث وفيه والصلح جائز فذكره بتمامه ورواه في السنن من طريق أخرى إلى سعيد بن أبى بردة قال هذا كتاب عمر إلى أبى موسى فذكره فيه وسياتى في كتاب القضاء تاما ان شاء الله * (حديث) كثير بن عبد الله بن عمر وبن عوف عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون عند شروطهم * الحديث تقدم في باب المصراة والرد بالعيب وانه للترمذي وغيره
وقد حصلت ثم هو منزل في كل موضع ما يقتضيه الحال كلفظ التمليك ولا يصح هذا الضرب بلفظ البيع وهذه احدى المسائل الثلاث التى ذكر صاحب الكتاب أن الصلح يخالف البيع فيها وذلك على الوجه الاظهر (وأما) إذا قلنا انه لا يصح بلفظ الصلح أيضا فلا فرق بين اللفظين (والمسألة الثانية) ذكر ابن القاص في التلخيص انه إذا صالحه من ارش الموضحة على شئ معلوم جاز إذا علما قدر أرشها ولو باع لم يجز وخالفه معظم الاصحاب في افتراق اللفظين وقالوا ان كان الارش مجهولا كالحكومة التى لم تقدر ولم تضبط لم يجز الصلح عنه ولابيعه وان كان معلوم القدر والصفة كالدراهم والدنانير إذا ضبطت في الحكومة جاز الصلح عنها وجاز بيعها ممن عليه وان كان معلوم القدر دون الصفة على الحد المعتبر في السلم كالابل الواجبة في الدية ففي جواب الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع جميعا وجهان ويقال قولان (أحدهما) انه يصح كما لو اشترى عينا ولم يعرف صفاتها (وأظهرهما) فيما ذكر الشيخ أبو الفرج السرخسى المنع كما لو أسلم في شئ ولم يصفه وهذا في الجراحة التى لا توجب القود أما في النفس أو فيما دونها فالصلح عنها مبني على الخلاف في أن موجب العمد ماذا وسياتى في موضعه ان شاء الله تعالى (والمسألة الثالثة) لاشك انه لو قال من غير سبق خصومة بعنى دارك هذه بكذا فباع يصح ولو قال والحالة هذه صالحني عن دارك هذه بالف فعن الشيخ أبى محمد فيه ذكر وجهين (أحدهما) الصحة لان مثل هذا الصلح معاوضة فسواء عقد بهذه الفظة أو بهذه اللفظة (وأظهرهما) المنع لان مثل هذا الصلح معاوضة لا يطلق ولا يستعمل الا إذا سبقت خصومة فعلى هذا يخالف الصلح البيع وكأن هذا الخلاف مفروض فيما إذا استعملا لفظ الصلح ولم ينويا أو أحدهما شيئا فاما إذ استعملا ونويا البيع فانه يكون كناية بلاشك ويكون على الخلاف المشهور في انعقاد البيع بالكنايات والقياس عود مسائل الاستثناء في الصلح الذى ذكرنا انه اجارة بلا فرق واعود الان إلى البحث عن لفظ الكتاب ونظمه (قوله) الفصل الاول في أركانه اركان الصلح على المعهود من كلام صاحب الكتاب المتصالحان والمصالح عليه والمصالح عنه وليس في الفصل
تعرض لها ولشروطها وانما الذى يتضمنه بيان الصحيح والفاسد وان الصحيح منه من أي قبيل هو فاذن الفصل ببيان الاحكام أشبه منه بالاركان وقوله والصلح لا يخالف البيع الا في ثلاث مسائل (اما) أن يحمل على كل صلح أو على الصلح المذكور قبل هذا الكلام وهو الصلح الجارى على غير المدعى وظاهر أن الاول غير مراد لانواع الصلح التى ليست بنوع ولو أراد ذلك لما احتاج إلى تقييد ما قبله بقوله ان جرى على عين المدعى والثانى فيه توقف أيضا لان احدى المسائل الثلاث ما إذا صالح على بعض المدعى والصلح على بعض المدعى لا يندرج في الصلح على غير المدعى حتى يستثني منه الا أن يراد بالعين كلما يصدق ان يقال انه ليس هو دون الخارج عن الذات لكنه بعيد عن الفهم في مثل هذه المواضع وربما يوجد في مض النسخ ان جرى على عين المدعى
بدل غير المدعى وهو فاسد لان الصلح على كل المدعى لا معني له وعلى بعضه لا يكون بيعا البتة ولو كان مكانها ان جرى علي العين المدعاة ليكون قسيما لقوله من بعد وان صالح عن الدين ويتضح استثناء المسألة المذكورة لكان أحسن لكن الصلح في مسألة الصلح عن الارش صلح عن الدين فلا يدخل حينئذ حتى يستثني مخالفة الصلح البيع لانه لا ينحصر في الصور الثلاث بل من صورها الصلح عن القصاص فانه صحيح ولا مجال للفظ البيع فيه (ومنها) قال صاحب التلخيص لو صالحنا أهل الحرب من أموالهم على شئ ناخذه منهم جاز ولا يقوم مقامه البيع واعترض عليه القفال بأن تلك المصالحة ليست مصالحة عن أموالهم على شئ نأخذه وانما نصالحهم ونأخذ منهم للكف عن دمائهم وأموالهم وهذا قويم لكنه لا يخدش مخالفة اللفظين لان لفظ البيع لا يجرى في أمثال تلك المصالحات (وقوله) فانكر الشيخ أبو على ذلك هذا قد ذكره الشيخ على أحسن وجه كما هو دأبه لكنه ليس مبتدئا بهذا الكلام حتى ينسب إليه بل الائمة رحمهم الله ذكروه قبله منهم الشيخ القفال و (قوله) والا امتنع باللفظين يجوز إعلامه بالحاء لان عند أبى حنيفة يجوز الصلح عن المجهول أرشا كان أو غيره وبه قال أحمد رحمه الله * لنا القياس على المصالح عليه فأنه لا بد وان يكون معلوما بالاتفاق (وقوله) وقيل إنه بلفظ الصلح أيضا لا يصح أي لابد من لفظ الهبة لانه غير صحيح أصلا * قال (وأما الصلح عن الدين فهو كبيع الدين فان صالح على بعضه فهو ابراء (و) عن البعض ولو صالح من حال على مؤجل أو مؤجل على حال أو صحيح على مكسر أو مكسر على صحيح فهو فاسد لانه وعد من المستحق أو المستحق عليه لا يلزم الوفاء به ولو صالح من ألف مؤجل على خمسمائة حال فهو فاسد لانه نزل عن القدر للحصول على زيادة صفة ولو صالح عن ألف حال على خمسمائة مؤجل فهو ابراء عن خمسمائة ووعد في الباقي لا يلزم) * (النوع الثاني) عن الدين وله ضربان (أحدهما) صلح المعاوضة وهو الجارى على غير الدين المدعى فينظران
صالح على بعض اموال الربا على ما يوافقه في العلة فلابد من قبض العوض في المجلس ولا يشترط تعيينه في نفس الصلح على أصح الوجهين وان كان دينا صح الصلح في أصح الوجهين ولكن يشترط التعيين في المجلس ولا يشترط القبض بعد التعيين في أصح الوجهين وكل ما ذكرناه موجها في البيع للدين ممن عليه الدين (وقوله) في الكتاب فهو كبيع الدين اشارة إلى هذه الجملة (والضرب الثاني) صلح الحطيطة وهو الجارى على بعض الدين المدعى فهو ابراء عن بعض الدين فان استعمل لفظ الابراء أوما في معناه كما إذا قال أبرأتك عن خمسمائة من الالف الذى عليك وصالحتك عن الباقي برئت ذمته عن ما أبرأه منه ولم يشترط القبول وفيه وجه بعيد مضطرد في كل ابراء ولا يشترط قبض الباقي في المجلس وان اقتصر على لفظ الصلح فقال صالحتك عن الالف الذى لى عليك على خمسمائة فوجهان كتغيرها في صلح الحطيطة في العين (والاصح) الصحة ثم هل يشترط القبول فيه وجهان كالوجهين فيما إذا قال لمن عليه الدين وهبته منك والاظهر اشتراطه لان اللفظ في وضعه يقتضيه ولو صالح منه على خمسمائة معينة فالوجهان جاريان ورأى الامام وجه الفساد ههنا أظهر لان بعض الخمسمائة يقتضى؟
كونها عوضا وكون العقد معاوضة فيصير بائعا لالف بخمسمائة ولصاحب الوجه الاول أن يمنعه ويقول الصلح منه على البعض المعين إبراء واستيفاء للباقى ولا يصح هذا الضرب بلفظ البيع كما في نظيره من الصلح عن العين ولو صالح من ألف حال على ألف مؤجل أو من الف مؤجل على الف حال فهو لاغ لانه في الصورة الاولى وعد من رب المال بالحساق الاجل وفى الثانية من المديون بأسقاط الاجل والاجل لا يلحق ولا يسقط نعم لو عجل من عليه المؤجل وقبله المستحق سقط الاجل بما جرى من الايفاء والاستيفاء وكذلك الحكم في الصحيح والمكسر * ولو صالح من ألف مؤجل على خمسمائة حالة فهذا الصلح فاسد لانه نزل عن بعض المقدار لتحصيل الحلول في الباقي والصفة بانفرادها لا تقابل بالعوض ثم صفة الحلول لا تلتحق بالمال المؤجل وإذا لم يحصل ما نزل عن القدر لتحصيله لم يصح النزول ولو صالح عن ألف حال على خمسائه مؤجلة فهذا ليس فيه شائبة المعاوضة ولكنه مسامحة من وجهين (أدهما) حط بعض القدر (والثاني) الحاق الاجل بالباقي والاول سائغ فيبرأ عن خمسمائة والثاني وعد لا يلزم فله أن يطالبه بالباقي في الحال * (فروع) (أحدها) قال أحد الوارثين لصاحبه تركت نصيبي من التركة اليك فقال قبلت لم يصح ويبقى حقه كما كان لانها ان كانت أعيانا فلا بد فيها من تمليك وقبول وان كان فيها دين عليه فلا بد من ابراء ولو قال صالحتك من نصيبي على هذا الثوب فان كانت التركة أعيانا فهو صلح عن العين وان كانت ديونا عليه فصلح عن الدين وان كانت على سائر الناس فهو بيع الدين من غير من عليه فالصلح باطل في الدين وفى العين قولا تفريق الصفقة * (الثاني) له في يد غيره الف درهم وخمسون دينار افصالحه منه على الفى درهم لا يجوز كذا لو مات عن اثنين والتركة الفا درهم ومائة دينار وهى في يد أحدهما فصالحه الآخر عن نصيبه على الفى درهم يجوز الفرق انه إذا كان الحق في الذمة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه فيجعل مستوفيا لاحد الالفين معتاضا بالآخر عن الدنانير وإذا كان معينا كان الصلح عنه اعتياضا وكانه باع الف درهم وخمسين دينارا بالفى درهم وهو من صور مدعجوة
ونقل الامام عن القاضى الحسين في صورة الدين أيضا المنع تنزيلا له على المعاوضة (الثالث) صالحه عن الدار المدعاة على أن يسكنها سنة فهو اعارة الدار منه يرجع عنها متى شاء وليس بمعاوضة لان الرقبة والمنافع ملكه ومحال أن يعتاض بملكه عن ملكه وإذا رجع عن الاعارة لم يستحق أجرة المدة التى مضت كما هو قضية العارية ونقل القاضى ابن كج وجها انه يستحق لانه جعل سكني الدار في مقابلة رفع اليد عنها وانه عوض فاسد فيرجع إلى أجر المثل ولو صالحه عنها على ان يسكنها سنة بمنفعة عبده سنة فهو كما لو اجر داره بمنفعة عبده سنة * (الرابع) صالحة عن الزرع الاخضر بشرط القطع جاز ودون هذا الشرط لا يجوز ولو كانت المصالحة عن الزرع مع الارض فلا حاجة إلى شرط القطع في أصح الوجهين ولو كان التنازع في نصف الارض ثم اقر المدعى عليه وتصالحا عنه على شئ لم يجزو ان شرطه القطع كما لو باع نصف الزرع مشاعا لا يحرز شرط القطع أو لم يشترط * قال (هذا كله في الصلح على الاقرار فأما الصلح على الانكار فال يصح (ح) كما إذا قال صالحني على دعواك الكاذبة أو عن دعواك أو صالحني مطلقا فان قال بعني الدار التى تدعيها فهو اقرار فيصح وان قال صالحني عن الدار فالظاهر انه ليس باقرار والصلح باطل وفى صلح الحطيطة علي الانكار في العين وجهان لانه في حكم الهبة للبعض بزعم صاحب اليد وكذا الخلاف في صلح الحطيطة في الدين) * (الوجه الثاني) من وجهى الصلح الجارى بين المتداعيين هو الصلح الجارى على الانكار فينظر ان جري على غير المدعى باطل خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد *
لنا القياس على ما إذا انكر الخلع والكتابة ثم تصالحا على شئ وصورة الصلح على الانكار أن يدعي عليه دارا مثلا فينكر ثم يتصالحان على ثوب أو دين ولا يكون طلب الصلح منه اقرار لانه ربما يريد قطع الخصومة هذا إذا قال صالحني مطلقا وكذا لو قال صالحني عن دعواك الكاذبة أو قال صالحني عن دعواك بل الصلح عن الدعوى لا يصح مع الاقرار أيضا لان مجرد الدعوى لا يعتاض عنها ولو قال بعد الانكار صالحني عن الدار التى ادعيتها فوجهان (أحدهما) انه اقرار لانه طلب منه التمليك وذلك يتضمن الاعتراف بالملك فصار كما لو قال ملكني (وأصحهما) انه ليس باقرار لان الصلح في الوضع هو الرجوع إلى الموافقة وقطع الخصومة فيجوز أن يكون المراد قطع الخصومة في المدعى لاغير فعلى هذا يكون الصلح بعد هذا الالتماس صلحا على الانكار ولو قال بعنيها أو هبها منى فالمشهور انه اقرار ودونه صريح في التماس التمليك وعن الشيخ أبى حامد انه كقوله صالحني وفى معناه ما إذا كان التنازع في جارية فاق زوجنيها ولو قال اجرني أو أعرنى فاولى أن لا يكون اقرار ولو أبرأ المدعى المدعي عليه وهو منكروقلنا لا يفتقر الابراء إلى القبول صح الابراء بخلاف الصلح لانه مستقل بالابراء فلا حاجة فيه إلى تصديق الغير ولهذا لو أبرأه بعد التحليف صح ولو صالحه لم يصح * وان جرى الصلح على الانكار على بعض العين المدعاة وهو صلح الحطيطة في العين فوجهان (أحدهما) وبه قال القفال انه صحيح لان المتصالحين متوافقان على أن النصف مستحق للمدعى اما المدعى فانه يزعم استحقاق الكل وأما المدعى عليه فانه سلم والنصف له بحكم همته منه وتسليمه إليه فاذن الخلاف بينهما في جهة الاستحقاق (والثانى) وبه قال الاكثرون انه باطل كما لو كان على غير المدعى قالوا ومهما اختلف القابض والدافع في الجهة فالقول قول الدافع ألا ترى أنه لو دفع إليه دراهم وقال دفعتها عن الدين الذى به الرهن وانكر القابض أو دفع إلى زوجته دراهم وقال دفعتها عن الصداق وقالت بل هي هدية فالقول قول الدافع وإذا كان كذلك فالدافع يقول
انما بذلت النصف الدفع الاذى حتى لا يرفعنى إلى القاضى ولا يقيم على بينة زور * وان كان المدعى دينا وتصالحا على بعضه على الانكار نظر ان صالحه عن الف على خمسمائة مثلا في الذمة لم يصح لان في التصحيح تقدير الهبة وايراد الهبة على ما في الذمة ممتنع وان أحضر خمسمائة وتصالحا من المدعى عليها فهو مرتب على صلح الحطيطة في العين ان لم يصح ذلك فهذا أولى وان صح ففيه وجهان والفرق أن ما في الذمة ليس ذلك المحضر المعين وفى الصلح عليه معنى المعاوضة ولا يمكن تصحيحه معاوضة مع الانكار واتفق الناقلون على أن وجه البطلان هاهنا ارجح * ولو تصالحا ثم اختلفا في أنهما تصالحا على الانكار أو على الاقرار ذكر القاضي ابن كج أن القول قول من يدعى الانكار لان الاصل أن لا عقد ولك أن تخرجه على الخلاف الذى سبق في نزاع المتعاقدين في أن العقد الجارى بينهما كان صحيحا أو فاسدا * قال (وان جاء أجنبي وصالح من جهة المدعى عليه وقال هو مقر صخ نظرا إلى توافق المتعاقدين وان قال هو منكر ولكنه مبطل في الانكار فالنظر إلى مباشر العقد وهو مقر أو إلى من له العقد وهو منكر فيه خلاف ولو صالح لنفسه وزعم أنه قادر على الانتزاع فالاظهر (و) الصحة) * (القسم الثاني) من قسمي الصلح ما يجرى بين المدعى وبين الأجنبي وذلك اما أن يكون مع اقرار المدعى عليه ظاهرا أو دونه (الحالة الاولى) ان يكون مع اقراره ظاهرا فاما أن يكون المدعي عينا أو دينا ان كان عينا
وقال الأجنبي ان المدعى عليه وكلنى في مصالحتك له علي نصف المدعى أو على هذا العبد من ماله فتصالحا عليه صح الصلح وكذا لو قال وكلني لمصالحتك عنه على عشرة في ذمته ثم ان كان صادقا في الوكالة صار المدعى للمدعى عليه والا فهو شراء الفضولي وقد سبق حكمه وتعريفه وان قال أمرنى بالمصالحة له على هذا العبد من ملكي فصالحه عليه فهو كما لو اشترى لغيره بمال نفسه باذن ذلك الغير وقد مر الخلاف في أنه يصح أو لا يصح وان صح فما يعطيه قرض أو هبة ولو صالح الأجنبي لنفسه بعين ماله أو بدين في ذمته صح كما لو اشتراه وعن الشيخ أبى محمد انه على وجهين كما إذا قال ابتداء لغيره من غير سبق دعوى ولا جواب صالحني من دارك هذه علي الف لانه لم يجر مع الأجنبي خصومة فيه قال وهذه الصورة أولى بالصحة لان اللفظ مرتب على دعوي وجواب فيكتفى فيه في استعمال لفظ الصلح * وان كان المدعي دينا وقال وكلنى المدعى عليه بمصالحتك على نصفه أو على هذا الثوب من ماله فصالحه وصح ولو قال على هذا الثوب وهو ملكى فوجهان (أحدهما) انه لا يصح لانه يبيع دينا بعين (والثانى) يصح ويسقط الدين كما لو ضمن دينا وأدى عنه عوضا * ولو صالح لنفسه على عين أو دين في ذمته فهو ابتباع دين في ذمة الغير وقد بينا حكمه في موضعه (والثانية) أن يكون انكاره ظاهرا فإذا جاء الأجنبي وقال اقر المدعى عليه عندي ووكلني في مصالحتك له الا أنه لا يظهر اقراره خيفة أن تنتزعه فصالحه صح لان قول الانسان في دعوى الوكالة مقبول في البيع والشراء وسائر المعاملات وان قال الأجنبي هو منكر ولكنه مبطل في الانكار فصالحني له على عبدى هذا لتنقطع الخصومة
بينكما فصالحه فوجهان (أظهرهما) على ما قاله الامام أنه غير صحيح لانه صلح دافع لمنكر (والثانى) يصح لان المتعاقدين متوافقان والاعتبار في شرائط العقد بمن يباشر العقد هذا إذا كان المدعى عينا فان كان دينا فطريقان (أحدهما) انه على الوجهين (وأصحهما) القطع بالصحة والفرق انه لا يمكن تمليك الغير بغير إذنه وان قال هو منكر وأنا أيضا لا أعلم صدقك وصالحه مع ذلك لم يصح سواء كان المصالح عليه له أو للمدعى عليه كما لو جرى الصلح مع المدعى عليه وهو منكر وان قال هو منكر ومبطل في الانكار فصالحني لنفسي بعبدي هذا أو بغيره في ذمتي لاخذ منه فان كان المدعى دينا فهو ابتياع دين في ذمة الغير وان كان عينا فهو شراء غير الغاصب المغصوب فينظر في قدرته على الانتزاع وعجزه وحكم الجانبين مبين في أول البيع فلو صالحه وقال انا قادر على الانتزاع فوجهان (أضهرهما) انه يصح اكتفاء بقوله (والثانى) لا لان الملك في الظاهر للمدعى عليه وهو عاجز عن انتزاعه قال الامام والوجه أن يفصل فيقال ان كان الأجنبي كاذبا فالعقد باطل باطنا وفى مؤاخذته في الظاهر لالتزامه الوجهان وان كان صادقا حكم بصحة العقد باطنا وقطع بمؤاخذته لكن لا تزال يد المدعى عليه الا بحجه (وقوله) في الكتاب وإن جاء أجنبي وصالح من جهة المدعى عليه وقال هو مقر صح نظرا إلى توافق العاقدين اراد
الحالة الثانية وهى أن يكون الصلح مع انكار المدعى عليه ظاهرا على ما أفصح به في الوسيط ويمكن حمله من جهة اللفظ على الحالة الاولى أيضا (وقوله) في المسألة بعده ففيه خلاف محمول على ما إذا كان المدعي عينا وان أراد تعميم الخلاف في العين والدين كان جوابا على أحد الطريقين ويجوز اعلام قوله خلاف - بالواو - لما سبق * (فرع) جار مجرى المثال لما ذكرنا * ادعى مدع على ورثة ميت دارا من تركته وزعم أن الميت غصبها منه واقروا به جاز لهم مصالحته فان دفعوا إلى واحد منهم ثوبا مشتركا بينهم ليصالح عليه جاز وكان عاقدا لنفسه ووكيلا عن الباقين ولو قالوا لواحد صالحه عنا على ثوبك فصالح عنهم فان لم يسمهم في الصلح فالصلح يقع عنه وان سماهم فوجهان في أن التسمية هل تلغى ان لم تلغ فالصلح يقع عنهم والثوب هبة منهم أو قرض عليهم فيه وجهان وان صالحه أحدهم على مال دون اذن الباقين ليملك جميع الدار جاز وان صالح لتكون الدار له ولهم جميعا لغى ذكرهم وعاد الوجهان في أن الكل يقع له أو يبطل في نصيبهم ويخرج في نصيبه على الخلاف في التفريق والله أعلم * قال (وإذا أسلم الكافر على عشر نسوة ومات قبل التعيين صح اصطلاحهن في قسمة الميراث مع التفاوت في المقدار وكان مسامحة وصح مع الجهل للضرورة ولا يصح الصلح على غير التركة لانه معاوضة من غير ثبت في استحقاق المعوض) * إذا أسلم الكافر على اكثر من أربع نسوة يختار أربعا منهن على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى فان مات قبل الاختيار والتعيين يوقف الميراث بينهن فان اصطلحن على الاقتسام على تفاوت أوتساومكن منه * واحتج مجوزوا الصلح على الانكار بهذه المسألة لان كل واحدة منهن تنكر نكاح من سواها وسوى ثلاث معها فالصلح الجارى بينهن صلح على الانكار قال الاصحاب هن بين أمرين إن اعترفن بشمول الاشكال فليست واحدة منهن بمنكرة لغيرها ولا مدعية لنفسها في الحقيقة وأنما تصح القسمة والحالة هذه مع الجهل بالاستحقاق للضرورة وتعدر التوقف لا
إلى نهاية وان زعمت كل واحدة منهن الوقوف على اختيار الزوج إياها فكل من أخذت شيئا تقول الذى أخذته بعض حقى وسامحت الباقيات بالباقي وتبرعت والمالك غير ممنوع من التبرع وقد ذكرنا فيما إذا ادعى على غيره عينا فانكر ثم تصالحا على حطيطة من قبل وجهين فمن صححه احتج بهذه المسألة وقال إن الاقتسام الجاري بينهن صلح على الحطيطة ومن لم يصححه فرق بان المال في يد المدعى عليه وفصل الامر ممكن بتحليفه وههنا استوت الاقدام ولا طريق إلى فصل الامر سوى اصطلاحهن ولو اصطلحن على أن تأخذ ثلاث أو أربع منهن المال الموقوف ويبذلن للباقيات عوضا من خالص مالهن لم يجز لان الصلح هكذا بذل عوض مملوك في مقابلة ما لم يثبت ملكه ومن أخذ عوضا في معاوضة لابد وأن يكون مستحقا للمعوض فإذا لم يكن الاستحقاق معلوما لم يجز أخذ العوض عليه ولا يخفى عليك مما أجريته في المسألة السبب الداعي إلى ايرادها في هذا الموضع * واعلم أن جميع ما ذكرناه مبني على وقف الميراث لهن وفيه كلام آخر مذكور في نكاح المشركات وفى نظائر المسألة ما إذا طلق إحدى امرأتيه ومات قبل البيان وقفنا لهما الربع أو الثمن واصطلحتا وما إذا ادعى اثنان وديعة في يد الغير وقال المودع لا أدرى انه لايكما وما إذا تداعيا دارا في يدهما وأقام كل واحد منهما بينة ثم اصطلحا أو في يد ثالث وقلنا لا تتساقط البينتان بالتعارض فاصطلحا * قال (الفصل الثاني في التزاحم على الحقوق في الطريق والحيطان والسقوف (أما) الطرق فالشوارع على الاباحة كالموات الا فيما يمنع الطروق فلكل واحد (ح) أن يتصرف في هوائه بما لا يضر بالمارة ولا يمنع الجمل مع الكنيسة وكذلك يفتح إليه الابواب والاظهر (و) جواز غرس شجرة وبناء دكة إذا لم يضيق الطريق أيضا) *
غرض الفصل الكلام في المزاحمات والتصرفات الواقعة في المشتركات إما اشتراك عموم كالطرق أو خصوص كالجدران والسقوف (أما) الطريق فينقسم إلى نافذ وغيره (القسم الاول) النافذ وهو الذى أراده بالتنازع فالناس كلهم يستحقون المرور فيه وليس لاحد أن يتصرف فيها بما يبطل المرور لاأن يشرع جناحا أو يتخذ على جدرانه ساباطا يضر بالمارة وان لم يضر فلا يمنع منه وبه قال مالك وقال ابو حنيفة لا اعتبار بالضرر وعدمه ولكن ان خاصمه إنسان فيه نزع وان لم يضر والا ترك وقال أحمد لا يجوز اشراع الجناح بحال الا إذا أذن فيه الامام * لنا اتفاق الناس على اشراع الاجنحة في جميع الاعصار من غير انكار وأيضا (فان النبي صلى الله عليه وسلم نصب بيده ميزابا في دار العباس رضى الله عنه) فنقيس الجناح عليه ونرجع في الضرر وعدمه إلى حال الطريق فان كان صيقا لا يمر فيه الفرسان والقوافل فينبغي أن يكون مرتفعا بحيث يمر المار تحته منتصبا وان كانوا يمرون فيه فلينته الارتفاع إلى حد يمر تحته الراكب منتصبا بل المحمل مع الكنيسة على رأسه على البعير لانه وان كان نادرا فقد يتفق ولا يشترط الزيادة عليه على الصحيح وقال أبو عبيد بن حربوية يشترط أن يكون بحيث يمر الراكب منصوب الرمح وضعفه النقلة بالاتفاق وقالوا وضع أطراف الرماح على الاكتاف ليس بعسير * ويجوز لكل أحد أن يفتح إلى الشارع من ملكه الابواب كيف شاء (وأما) نصب الدكة وغرس الشجرة فان تضيق الطريق به وضر بالمارة فهو ممنوع منه وإلا فوجهان (أحدهما) الجواز كالجناح الذى لا يضر بهم (والثانى) المنع لان المكان المشغول بالبناء والشجر لا يتأتى فيه الطروق وقد تزدحم المارة ويعسر عليهم (حديث) انه صلى الله عليه وسلم نصب بيده مبزابا في دار العباس أحمد من حديث عبيد الله بن عباس قال كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس ثيابه يوم الجمعة فاصا به منه ماء بدم فامر بقلعه فاتاه العباس فقال والله انه للموضع الذى وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ابن أبى حاتم انه سال أباه عنه فقال هو خطأ ورواه البيهقى من أوجه أخر ضعيفة أو منقطعة ولفظ أحدها والله ما وضعه حيث كان الا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأورده الحاكم في المستدرك وفي اسناد عبد الرحمن بن زيد بن اسلم وهو ضعيف وسيأتي في الديات ان شاء الله
المراقبة فيصطكون بهما وأيضا فانه إذا طالت المدة أشبه مكان البناء والغراس الاملاك وانقطع أثر استحقاق الطروق فيه بخلاف الاجنحة ويحكى الوجه الاول عن اختيار القاضى وهو أظهر عند المصنف ولم يورد في التهذيب سواه لكن أصحابنا العراقيون والشيخ أبا محمد أجابوا بالثاني واليه مال الامام وهو أقوى في المعنى ولا يجوز أن يصالح عن اشراع الجناح على شئ أما إذا صالحه الامام فلان الهواء لا يفرد بالعقد وانمأ يتبع القرار كالحمل مع الام وأيضا فلانه إن كان مضرا فما يمنع الضرر لا يجوز بالعوض كالبناء الرفيع في الطريق وان لم يكن مضرا فهو جائز وما يتحقه الانسان في الطريق لا يجوز أن يؤخذ منه عوض كالمرور وأما إذا صالحه واحد من الرعية فللمعنى الاول وأيضا فلانه ليس بالمستحق ولا هو نائب المستحقين * ولو أشرع جناحا لا ضرر فيه ثم انهدم أو هدمه فاشرع آخر في محاذاته جناحا لا يمكن معه اعادة الاول جاز كما لو قعد في طريق واسع ثم انتقل عنه يجوز لغيره الارتفاق به هكذا قالوه ولك أن تقول المرتفق بالعقود لمعاملة لا يبطل حقه بمجرد الزوال عن ذلك الموضع وانما يبطل بالسفر والاعراض عن الحرفة كما سيأتي في إحياء الموات فقياسه أن لا يبطل حقه بمجرد الانهدام والهدم بل يعتبر اعراضه عن ذلك الجناح ورغبته عن اعادته * اما لفظ الكتاب فقوله والشوارع على الاباحة كالموات معناه أنها منفكة عن الملك والاختصاص كالموات والاصل فيها الاباحة وجواز الانتفاع الا فيما يقدح في مقصودها وهو الطريق ويستوي في الحكم الجواد الممتدة في الصحارى والبلاد قال الامام وصيرورة الموضع شارعا له طريقان (أحدهما) أن يجعل الانسان ملكه شارعا وسبيلا مسبلا (والثانى) أن يحيى جماعة خطة قرية أو بلدة ويتركوا مسلكا نافذا بين الدور والمساكن ويفتحوا إليه الابواب ثم حكى عن شيخه ما يقتضى طريقا ثالثا وهو أن يصير موضع من الموات جادة ميتا يطرقها الرفاق فلا يجوز تغييره وانه كان يتردد في بيان الطريق التي يعرفها الخواص ويسلكونها وكل موات يجوز استطراقه ولكن لا يمنع من احيائه وصرف الممر عنه فليس له حكم الشوارع (وقوله) فما لا يضر بالمارة لك فيه مباحثة وهى أن هذه اللفظة ولفظ عامة الاصحاب تقتضي المنع من كل ما يضر بالمرور ثم الاكثرون في الفرق بين المضر
وغير المضر لم يتعرضوا الا للانخفاض والارتفاع ومعلوم أن جهة الا ضرار لا تنحصر في الارتفاع والانخفاض بل منع الضياء واظلام الموضع يضر بالمرور أيضا فهل هو مؤثر أم لا والجواب أن طائفة من الائمة منهم ابن الصباغ ذكروا أنه غير مؤثر لكن قضية المعني وظاهر لفظ الشافعي رضى الله عنه وأكثر الاصحاب تأثيره وقد نص عليه منصور التميمي في المستعمل حيث قال ووجه اضراره يعني الجناح شدة تطامنه أو منعه الضياء وفى التتمة أنه ان انقطع الضوء بالكلية أثر وإن انتقص فلا مبالاة به (وقوله) ولا يمنع المحمل مع الكنيسة في بعض النسخ الجمل مع الكنيسة وهو صحيح أيضا أي مع الكنيسة فوق المحمل المحمول على الجمل * قال (والسكة المنسدة الاسفل عند العراقيين كالشوارع وعند المراوزة هي ملك مشترك بين سكان السكة وشركة كل ساكن هل ينحط من باب داره إلى أسفل السكة فيه تردد ولا يجوز اشراع الجناح وفتح باب جديد الا برضاهم ورضاهم اعارة يجوز الرجوع عنه ولو فتح باب دار أخرى في داره التى هي في سكة مفسدة الاسفل أو فتح من تلك الدار بابا ثانيا في السكة فوق الباب الاول تردد لانه يكاد يكون زيادة على الانتفاع المستحق وأما فتح السكوفة فلا منع منه) * القسم الثاني غير النافذ كالسكة المنسدة الاسفل ونتكلم فيها في ثلاثة أمور (أولها) اشراع الجناح ولا خلاف في أن اشراع الجناح إليها غير جائز لغير أهل السكة وفيهم وجهان قال الشيخ أبو حامد ومن تابعه لكل منهم الاشراع إذا لم يضر بالباقين لان كلا منهم له الارتفاق بقرارها فليكن له الارتفاق بهوائها كالشارع وعلى هذا فلو كان مضرا ورضى أهل السكة جاز لان الحق لهم بخلاف مثله في الشارع فان رضى جميع المسلمين متعذرا لتحصيل وذكرا لاكثرون منهم القاضى ابو حامد وأبو الطيب الطبري انه لا يجوز الا برضاهم تضرروا أم لا لان السكة مخصوصة بهم فلا يتصرف فيها دون رضاهم وهذا كما أنه لا يجوز اشراع الجناح إلى دار الغير رضاه وان لم يتضرر ويحكى هذا عن أبى حنيفة وعلى الوجهين لا يجوز لهم أن يصالحوه على شئ لما مر أن الهواء تابع فلا يفرد بالمال صلحا كما لا يفرد به بيعا وكذا الحكم في صلح ملك صاحب الدار عن الجناح المشروع إليها ونعني باهل السكة كل من له باب نافذ إليها دون من يلاصق جداره
السكة من غير نفوذ باب وهل الاستحقاق في جميعها لجميعهم أو شركة كل واحد مختص بما بين رأس السكة وباب داره ولا يتخطى عنه فيه وجهان (أظهرهما) وهو الذى أورده القاضى ابن كج اختصاص كل واحد منهما بما بين رأس السكة وباب داره لان ذلك القدر هو محل تردده ومروره وما عداه فحكمه فيه حكم غير أهل السكة ووجه (الثاني) أنهم ربما احتاجوا إلى التردد والارتفاق بجميع الصحن لطرح الاثقال عند الاخراج والادخال وهذا الخلاف يظهر تأثيره على الصحيح في منع اشراع الجناح الا برضاهم فعلي القول باشتراك الكل في الكل يجوز لكل واحد من أهل السكة المنع وعلى الوجه الآخر انما يجوز المنع لمن يوضع الجناح بين بابه ورأس السكة دون من بابه بين موضع الجناح ورأس السكة ويظهر تأثيره على قول الشيخ أبى حامد أيضا في أن الذى يستحق المنع إذا كان الجناح مضرا من هو لكنهم لم يذكروه * ولو اجتمع المستحقون فسدوا باب السكة فجواب المعظم لا منع لانهم يتصرفون في ملكهم وقال أبو الحسن العبادي يحتمل أن يقال يمنعون لان أهل الشارع يفزعون إليها إذا عرضت زحمة ولا شك في أنه لو امتنع بعضهم لم يكن للباقين السد ولو سدوا متوافقين لم يستقل بعضهم بالفتح ولو اتفقوا علي قسمة صحن السكة بينهم جاز ولو أراد أهل رأس السكة قسم رأس السكة بينهم منعوا لحق من يليهم ولو أراد أهل الاسفل قسمة الاسفل فوجهان بناء على أن أهل الرأس هل يشاركونهم في الاسفل ثم ما ذكرنا من سد الباب وقسمة الصحن مفروض فيما إذا لم يكن في السكة مسجد فان كان فيها مسجد قديم أو حديث فالمسلمون كلهم يستحقون الطروق إليه فلا يمنعون منه استدركه القاضى ابن كج وعلى قياسه لا يجوز الاشراع عند الضرر وإن رضى أهل السكه لحق سائر الناس (وثانيها) فتح الباب وليس لمن لا باب له في السكة احداث باب إلا برضاء أهل السكة كلهم لتضررهم اما
بمرور الفاتح عليهم أو بمرورهم على الفاتح فلو قال افتح إليها بابا للاستضاءة دون الاستطراق أو قال اقتحه واسمره فوجهان (أصحهما) عند أبي القاسم الكرخي أنه يمكن لان منه لانه لو رفع جميع الجدار لتمكن منه فلان يمكن من رفع بعضه كان أولى (والثانى) لا يمكن لان الباب يشعر بثبوت حق الاستطراق فعساه يستدل به على الاستحقاق ولو كان له فيها باب وأراد أن يفتح غيره نظر ان كان ما يفتحه أبعد من رأس السكة فلمن الباب المفتوح بين رأس السكة وداره المنع وفيمن داره بين الباب ورأس السكة وجهان بناء على كيفية الشركة لما مر في الجناح وان كان ما يفتحه أقرب إلى رأس السكة فان سد الاول وجعل مكانه الباب المفتوح فلا منع لانه ينقص حقه وان لم يسد فعلى ما ذكرنا فيما إذا كان المفتوح أبعد من رأس السكة لان الباب الثاني إذا انضم إلى الاول أورث زيادة زحمة الناس وروث الدواب في السكة فيتضررون به وفى النهاية طرد طريقة أخرى جازمة بانه لامنع للذين يقع الباب المفتوح بين دراهم ورأس السكة لان الفاتح لا يمر عليهم وهذا ينبغى أن يطرد فيما إذا كان المفتوح أبعد من رأس السكة وتحويل الميزاب من موضع إلى موضع كفتح باب وسد باب * ولو كانت له داران تنفذ احداهما إلى الشارع وباب الاخرى إلى سكة منسدة فاراد فتح باب من
أحديهما إلى الاخرى هل لاهل السكة منعه فيه وجهان (أظهرهما) لا لان المرور مستحق له في السكة ورفع الحائل بين الدارين يصرف مصارف الملك فلا يمنع (والثانى) نعم لانه يثبت للدار الملاصقة للشارع ممرا في السكة ويزيد فيما استحقه من الانتفاع ولو كان باب كل واحد من الدارين في سكة غير نافذة وأراد فتح الباب من إحداهما إلى الاخرى جرى الوجهان في ثبوت المنع لاهل السكتين هكذا نقل الامام * وأعلم أن موضع الوجهين ما إذا سد باب إحدى الدارين وفتح الباب بينهما لغرض الاستطراق أما إذا قصد اتساع ملكه ونحوه فلا منع وحيث منعنا من فتح الباب إلى السكة المنسدة فصالحه على مال جاز بخلاف الصلح على اشراع الجناح لانه بذل مال في مقابلة الهواء المجرد ثم قال في التتمة إن قدروا مدة فهو إجارة وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد فهو بيع جزء شائع من السكة وتنزيله منزلة أحدهم وهو كما لو صالح غيره عن إجراء نهر في أرضه على مال يكون ذلك تمليكا للنهر ولو أراد فتح باب من داره في دار غيره فصالحه عنه مالك الدار على مال ويكون ذلك تمليكا للنهر ولو أراد فتح باب من داره في دار غيره فصالحه عنه مالك الدار على مال يصح ويكون ذلك كالصلح عن إجراء الماء على السطح ولا يملك شيئا من الدار والسطح لان السكة لا تراد الا للاستطراق فاثبات الا ستطراق فيها يكون نقلا للملك والدار والسطح ليس القصد منه الاستطرق وإجراء الماء والله أعلم * (وثالثها) فتح المنافذ والكوات للاستضاءة لامنع منه بحال لمصادفة الملك بل له أن يرفع جداره ويجعل مكانه شباكا * ولنعد إلى لفظ الكتاب (قوله) والسكة المنسدة الاسفل عند العراقيين كالشوارع إلى آخره يقتضي الحاق العراقيين لها بالشوارع في الانفكاك عن الملك وجواز إشراع الجناح وذهب المراوزة إلى أنها ملك السكان وليس الامر على الظاهر فان أئمتنا العراقيين لم يلحقوها بالشارع من كل وجه وكيف وطرقهم ناصة على اختصاصها بالسكان وأنها ملكهم وعلى أنه يجوز اشراع الجناح المضر إليها باذن السكان والحكم في الشارع بخلافهم فاذن هو محمول على تجويزهم اشراع الجناح الذى لا يضر إليها من غير اعتبار الرضا والمراوزة يمنعون منه ومع هذا التأويل فليس العراقيون مطبقين على تجويزه بل هل منقسمون إلى مجوز ومانع ألا ترى أن القاضى أبا الطيب منعه وهو عراقى (وقوله) لا يجوز اشراع
الجناح وفتح باب جديد الا برضاهم أي برضا من اثبتنا له الشركة في السكة وقصد بهذا الكلام التفريغ على الرأى الذى نسبه إلى المراوزة على ما بينه في الوسيط لكن لا يخلو إما أن يكون المراد فتح باب من الدار التى لها باب في هذه السكة أو الفتح من الدار التى لها في السكة باب قديم إن كان الثاني فقد ذكره من بعد حيث قال أو فتح من تلك الدار بابا ثانيا في السكة وان كان الاول فالعراقيون لا يخالفون فيه حتى يجعل ذلك تفريعا على أحد الوجهين وكذا إشراع الجناح انما يجوز دونه لمن له حق الطروق في السكة لا لغيره (وقوله) ورضاهم اعارة يجوز الرجوع فيه أراد به ما ذكره الامام لانه لو فتح من لاباب له في السكة بابا برضا أهلها كان لاهلها الرجوع مهما شاءوا ولا يلزمون بالرجوع شيئا بخلاف مالو أعار الارض للبناء ثم رجع فانه لا يقلع البناء مجانا وهذا لم أجده لغيره والقياس أن لافرق والله أعلم (وقوله) فوق الباب الاول أراد مما يلى رأس السكة على ما ذكره في الوسيط وموضع الخلاف فيه ما إذا لم ينسد الباب القديم ويمكن حمله على ما إذا كان فوقه مما يلى آخر السكة على ما مر * (فرع) قال القاضى الرويانى في التجربة إذا كان بين داريه طريق نافذ يحفر تحته سردابا من أحدهما إلى الاخرى وأحكم الارج لم يمنع قال وبمثله أجاب الاصحاب فيما إذا لم يكن نافذا لان لكل واحد دخول هذا الزقاق كطروق الدرب النافذ وغلط من قال بخلافه واعتذر الامام عن جواز دخولها بأنه من قبيل الاباحات المستفادة من قرائن الاحوال * قال (أما الجدار إن كان ملك أحدهما فلا يتصرف الآخر فيه الا بأمره فان استعاره لوضع جذعه لا يلزمه (م) الاجابة في القول الجديد فان رضى فمهما رجع كان له النقص بشرط أن يغرم النقص وقيل فائدة الرجوع المطالبة بالاجرة للمستقبل) * الجدار بين الملكين قد يختص باحد المالكين وقد يملكه المالكان على الاشتراك (القسم الاول) الجدار المخصوص بأحد المالكين هل للآخر وضع الجذوع عليه من إذن مالكه فيه
قولان (القديم) وبه قال مالك وأحمد نعم يجبر عليه لو امتنع لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره قال فنكس القوم رؤسهم فقال أبو هريرة رضى الله عنه مالى أراكم عنها معرصين والله لارمينها بين أكتافكم) أي لاضعن هذه السنة بين أظهركم (والجديد) وبه قال أبو حنيفة أنه ليس له ذلك ولا يجبر المالك لو امتنع لانه انتفاع بملك الغير فاشبه البناء في أرضه والحمل على بهيمته والحديث يحمل على الاستحباب لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال (لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه) (التفريع) الاجبار على القديم مشروط بشروط (أحداها) أن لا يحتاج مالك الجدار إلى وضع الجذوع عليه (الثاني) أن لا يزيد الجارفى (حديث) أبى هريرة لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره قال فنكس القوم فقال أبو هريرة مالى أراكم عنها معرضين والله لا رمينها بين اكتافكم، أي لا رمين هذه السنة بين أظهركم * متفق عليه ورواه الشافعي من ذلك الوجه ورواه ابو داود والترمذي وابن ماجه قال الترمذي حسن صحبح وفى الباب عن ابن عباس ومجمع بن جارية (قلت) وهما في ابن ماجه (تنبيه) قال عبد الغنى بن سعيد كل الناس يقوله خشبه بالجمع الا الطحاوي فانه يقول بلفظ الواحد (قلت) لم يفلد الطحاوي الا ناقلا عن غيره قال سمعت يونس بن عبد الاعلى يقول سالت ابن وهب عنه فقال سمعت من جماعة خشبة على لفظ الواحد قال وسمعت روح ابن الفرج يقول سألت أبا يزيد والحارث بن مسكين ويونس بن عبد الا على عنه فقالوا خشبة بالنصب والتنوين واحدة ورواية مجمع تشهد لمن رواه بلفظ الجمع ولفظه " أن أخوين من بنى المغيرة لقيا مجمع بن جارية الانصاري ورجالا كثيرا فقالوا نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبا في جداره " وكذلك رواية ابن عباس وقد أخرجها البيهقى من طريق شريك عن سماك عن عكرمة عنه بلفظ إذا سأل أحدكم جاره أن يدعم جذوعه على حائطه فلا يمنعه * (حديث) لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه * الحاكم من حديث عكرمة عن ابن عباس لا يحلء لا مرأ من مال أخيه الا ما اعطاه بطيب نفس منه ذكره في حديث طويل ورواه الدارقطني من طريق مقسم عن ابن عباس نحوه في حديث وفى اسناده العرزمى وهو ضعيف ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي من حديث أبى حميد الساعدي بلفظ (لا يحل = >
ارتفاع الجدار ولا يبنى عليه أزجا ولا يضع عليه ما لا يحتمله الجدار أو يضربه (والثالث) أن لا يملك شيئا من جدران البقعة التى يريد تسقيفها أولا يملك الا جدارا واحدا فان ملك جدارين فليسقف عليهما وليس له اجبار صاحب الجدار وصاحب النهاية لم يعتبر هذا الشرط هكذا ولكن قال الشرط أن تكون الجوانب الثلاثة من البيت لصاحب البيت وهو يحتاج إلى جانب رابع (فاما) إذا كان الكل للغير فانه لا يضع اجذوع عليها قولا واحدا ثم نقل عن بعض الاصحاب انه لم يعتبر هذا الشرط هكذا واعتبر في التتمة مثل ما ذكره الامام وحكى الوجهين فيما إذا لم يملك الا جانبا أو جانبين أيضا والمشهور ما تقدم (وإن قلنا) بالجديد فلا بد من رضا المالك وإذا رضى فاما أن يرضى من غير عوض أو بعوض إن رضى بغير عوض فهو إعارة يمكن من الرجوع عنها قبل وضع الجذوع والبناء عليه وبعده وجهان (أصحهما) أن له الرجوع أيضا كما في سائر العوارى وإذا رجع فلا كلام لامرء أن ياخذ عصى أخيه بغير طيب نفس منه وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم " وهو من رواية سهبل بن أبى صالح عن عبد الرحمن بن ابى سعيد عن ابى حميد وقيل عن عبد الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمر وبن يثربى رواه احمد والبيهقي وقوى ابن المدينى رواية سهيل وفي الباب عن ابن عمر بلفظ (لا يحلبن احد ماشية احد بغير اذنه) الحديث متفق عليه وعن عبد الله بن مسعود رفعه (حرمة مال المؤمن كحرمة رمه) اخرجه البزار من رواية عمر وبن عثمان عن ابى شهاب عن الاعمش عن ابى وائل عنه وقال نفرد به أبو شهاب وروى الدارقطني من حديث انس بلفظ المصنف وفيه الحارث بن محمد الفهرى رواية عن يحيى بن سعيد الانصاري مجهول وله طريق اخرى عنده عن حميد عن انس والراوي عنه داود بن الزبر قان متروك الحديث ورواه احمد والدارقطني ايضا من حميد حديث ابى حرة الرقاشى عن عمه وفيه على بن زيد بن جدعان وفيه ضعف ورواه ابو داود والترمذي والبيهقي من حديث عبد الله بن السائب بن يزيد عن ابيه عن جده بلفظ (لا يأخذ احدكم متاع أخيه لا عباو لا جادا) الحديث قال احمد هو يزيد بن اخت نمر لا اعرف له غيره نقله الاثرم وقال البيهقى اسناده حسن وحديث ابى حميد اصح ما في الباب
في انه لا يمكن من القلع مجانا وفائدة رجوعه فيه وجهان مذكوران في الكتاب (أظهرهما) انه يخير بين أن يبقى بأجرة وبين أن يقلع ويضمن ارش النقصان كما لو أعاره أرضا للبناء قال في التهذيب إلا أن في اعارة الارض له خصلة أخرى وهى تملك البناء بالقيمة وليس لمالك الجدار ذلك لان الارض أصل فجاز أن يستتبع البناء والجدار تابع فلا يستتبع والذى رواه الامام عن حكاية القاضى انه ليس له الا الاجرة ولا يمكن من القلع أصلا لان ضرورة القلع تتداعى إلى ما هو خالص مال المستعير لان الجذوع إذا ارتفعت أطرافها من جدار لم تستمسك على الجدار الثاني (والوجه الثاني) وبه أجاب العراقيون انه ليس له الرجوع أصلا ولا يستفيد به القلع ولا طلب الاجرة للمستقيل لان مثل هذه الاعارة إنما يراد بها التأبيد فاشبه ما إذا أعار لدفن ميت لا يمكن من نبشه ولا من طلب الاجرة فعلى هذا لو رفع صاحب الجذوع الجذوع هل له إعادتها من غير اذن جديد فيه وجهان نقلهما الشيخ أبو حامد واصحابه ولو سقطت بنفسها فكذلك والاصح المنع وكذا لو سقط الجدار فبناه صاحبه بتلك الآلة لان الاذن لا يتناول الامرة واحدة وان بناه بغير تلك الآلة فلا خلاف في أنه لا يعيد إلا باذن جديد لانه جدار آخر وان رضى بعوض فذلك قد يكون على سبيل البيع وقد يكون على سبيل الاجارة وسنتكلم فيهما من بعد * ولو صالحه على مال لم يجز ان فرعنا على قول الاجبار لان من ثبت له حق لا يؤخذ منه عوض عليه وان فرعنا على القول الآخر صح وليس ذلك كالصلح عن إشراع الجناح لانه صلح على الهواء المجرد * قال (وإن كان مشتركا فلكل واحد منع صاحبه من الانتفاع دون رضاه فلو تراضيا علي القسمة طولا أو عرضا جاز ولا يجبر على القسمة في كل الطول ونصف العرض إذ يتعذر الانتفاع بوضع الجذوع وكذا في نصف الطور (و) وكل العرض وإذا جرت بالتراضى أقرع في الصورة الاخيرة والاولى التخصيص لكل وجه بصاحبه في الصورة الاولى حتى لا تقضى القرعة بخلافه ولا مانع (و) في الاساس من الاجبار على قسمته) *
(القسم الثاني) الجدار المشترك والكلام في ثلاثة أمور يشتمل الفصل على اثنين منها (الاول) الانتفاع به وليس لاحد الشريكين أن يتد فيه وتدا أو يفتح فيه كوة أو يترب الكتاب بترا به دون اذن الشريك كسائر الاملاك المشتركة لا يستقل أحد الشريكين بالانتفاع بها ويستثنى من الانتفاعات ضربان (أحدهما) لو أراد أحدهما أعني الشريكين وضع الجذوع عليه ففى اجبار الآخر الخلاف المذكور في القسم الاول بطريق الاول (والثانى) مالا يقع فيه المضايقة من الانتفعات لكل واحد منهما الاستقلال به كالاستناد واسناد المتاع عليه يجوز مثله في الجدار الخالص للجار وهو كالاستضاءة بسراج الغير والاستظلال بجدار الغير ولو منع أحدهما الآخر من الاستناد فهل يمتنع عن الاصحاب فيه ترددا لانه عناد ومن الضرب الثاني ما إذا بنى في ملكه جدارا متصلا للجدار المشترك بحيث لا يقع ثقله عليه (الثاني) قسمته اما في كل الطول ونصف العرض أو في نصف الطول وكل العرض ولا يفهم من الطول ارتفاعه عن الارض فذلك سمك وانما طول الجدار امتداده من زاوية البيت إلى الزاوية الاخرى مثلا والعرض البعد الثالث فإذا كان طوله عشرة أطرع والعرض ذراعا فقسمته في كل الطول ونصف العرض هكذا ليكون لكل واحد نصف ذراع في طول عشر وقسمته بالعكس أن يجعل هكذا ليصير لكل واحد خمسة اذرع في عرض ذراع وأى واحد من النوعين تراضيا عليه جاز لكن كيف يقسم نقل بعض شارحي المختصر فيه وجهين (احدهما) انه يعلم بعلامة ويخط برسم (والثانى) انه يشق وينشر بالمناشير وينطبق على هذا الثاني ما ذكره العراقيون انهما لو طلبا من الحاكم القسمة بالنوع الاول لم يجبهما إلى ذلك لان شق الجدار في الطول اتلاف له وتضييع ولكنهما يباشران القسمة بأنفسهما ان شاءا وهو كما لو هدماه واقتسما النقض وان طلب أحدهما القسمة وامتنع الآخر نظر ان طلب النوع الاول من القسمة فظاهر المذهب انه لا يجاب إليها وذكر الامام وطائفة أن له معنيين (أحدهما) انا لو اجبرنا لاقرعنا والقرعة ربما تغير الشق الذى يلى دار يد لعمرو وبالعكس فلا يتمكن واحد منهما من الانتفاع بما صار له (والثانى) انه لا يتأتى فيه فصل محقق لان غايته رسم خطين بين الشقين ومع ذلك
فإذا بني أحدهما على ما صار له تعدى الثقل والتحامل إلى الشق الآخر وضعف الامام المعنى الثاني بما مر أن هذه القسمة جائزة بالتراضي وذلك يدل على أن رسم الخط كاف في القسمة والمفاضلة وما ذكره توجيها واعتراضا مبنى على الاكتفاء بالعلامة وترك الشق والقطع وهو الاول من الوجهين المنقولين في حالة التراضي وعن صاحب التقريب وجه أنه يجاب الطالب ويجبر الممتنع لكن لا يقرع بل يخصص كل واحد بما يليه (وأما) النوع الثاني وهو قسمة نصف الطول في كل العرض فجائز بالتراضى أيضا وفى الاجبار عليه وجهان أما الذين اعتبروا الشق والقطع فانهم وجهوا أحدهما بأن القطع يوجب اتلاف بعض الجدار ولا اجبار مع الاضرار (والثانى) أن الضرر والنقصان في هذا النوع هين فاشبه قسمة الثوب الصفيق (وأما) المكتفون برسم الخط والعلامة فبنوهما على المعنيين السابقين (إن قلنا) بالاول جرى الاجبار لان كل واحد منهما يتأتى له الانتفاع بما يصير إليه (وإن قلنا) بالثاني فلا لتعذر المفاضلة المحققة والاشبه من الوجهين كيف فرض التوجيه مع الاجبار وهو الذى أورده في الكتاب هذا في قسمة الجدار نفسه (أما) إذا انهدم وظهرت العرصة أو كان بينهما عرصة جدار لم يبن عليها بعد فطلب أحدهما قسمتها في كل الطول ونصف العرض (فان قلنا) في الجدار أن الطالب لمثل هذه القسمة يجاب ويخصص كل واحد بالشق الذى يليه من غير قرعة فكذلك ههنا وبه قال أبو الطيب بن سلمة (وإن قلنا) لايجاب ثم فههنا وجهان بنوهما على المعنيين السابقين (إن قلنا) بالاول لم يجب (وان قلنا) بالثاني أجيب وان طلب قسمتها في نصف الطول وكل العرض أجيب لفقد المعاني المذكورة في الجدار وإذا بني الجدار وأراد أن يكون عريضا زاد فيه من عرض بيته والله أعلم بالصواب * وإذا عرفت ذلك فاعلم قوله في الكتاب ولا يجبر على القسمة في كل الطول ونصف العرض - بالواو - وكذا قوله وكذا في نصف الطول وكل العرض (وأما) قوله إذا جرت بالتراضى أقرع في الصورة الاخيرة والاولى تخصيص كل وجه بصاحبه في الصورة الاولى وفى الصورة الاخيرة القسمة في نصف الطول وكل العرض والاولى هي القسمة في كل الطول ونصف العرض ولا يفهم من قوله الاولى التخصيص بعينه على رأى ذهابا إلى أن
المراد من الاولى من خلاف في المسألة فان أحدا لم يذكر فيها خلافا بل أطلقوا الجواز للقسمة عند التراضي والمعود في القسمة القرعة فان ما أراد الارشاد إلى أن الشريكين ينبغى أن يصيرا إلى التخصيص من غير قرعة فبيع كل واحد منهما ماله في الشق الذى يلى صاحبه بما لصاحبه في الشق الذى يليه تحرزا عن تضييع المال (وأما) قوله ولا مانع في الاساس من الاجبار على قسمته فالمراد من الاساس عرصة الجدار وجوابه واضح في القسمة في نصف الطول وكل العرض وأما في الطول ونصف العرض فالذي أجاب به احد الوجهين وفيه وجه آخر كما قدمنا والاصح عند العراقيين وغيرهم ما أجاب به والله أعلم * قال (والقول الجديد أنه لا يجبر (م ح) على العمارة في الاملاك المشتركة لانه ربما يتضرر بتكليفه العمارة نعم لو انفرد الشريك الآخر فلا يمنع لانه عناد محض ثم ان أعاد الجدار بالنقض المشترك عاد ملكا مشتركا كما كان ولو تعاونا على العمل فكمثل ولو انفرد أحدهما وشرط له الآخر أن يكون ثلثا الجدار له صح وكان سدس النقض عوضا عن عمله المصادق لملك الشريك وإذا انهدم العلو والسفل وقلنا ليس لصاحب العلو اجبار صاحب السفل على العمارة فله أن يعمر بنفسه فان عمر فليس (و) له منع صاحب السفل من الانتفاع بسفله ولا أن يغرمه (و) قيمة ما بناه من الجدار والسقف ومن له حق إجراء الماء في ملك الغير فلا يجبر على العمارة بحال) * (الامر الثالث) العمارة فأذا هدم أحد الشريكين الجدار المشترك من غير اذن صاحبه لاستهدامه أو من غير استهدامه ففى التهذيب وغيره أن النص اجبار الهادم على اعادته وان القياس أنه يغرم النقصان ولا يجبر على البناء لان الجدار ليس بمثلى ولو استهدم الجدار بنفسه أو هدماه معا اما لاستهدامه أو لغير استهدامه ثم امتنع أحدهما عن العمارة فقولان (القديم) وبه قال مالك واحمد في المشهور عنهما أنه يجبر الممتنع على العمارة دفعا للضرر عن الشركاء وصيانة للاملاك المشتركة عن التعطيل (والجديد) أنه لا يجبر كما لا يجبر على زراعة الارض المشتركة وكما ان طالب العمارة قد يتضرر بامتناع الشريك فالشريك