فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 266-305
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 266-305
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
  • الفصل الثالث * (في سنن دخول مكة) قال (وهي أن يغتسل بذى طوى ويدخل مكة من ثنية كداء ويخرج من ثنية كدى وإذا وقع بصره علي الكعبة قال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا ثم يدخل البيت من باب بنى شيبة فيؤم الركن الاسود ويبتدئ طواف القدوم) *

المحرم بالحج قد يقرب من مكة ووقت الوقوف ضيق فيعدل عن الجادة إلى عرفة فإذا وقف دخلها وهكذا يفعل الحجيج الآن غالبا وقد يتسع الوقت فيدخلونها ثم يخرجون منها إلي عرفة وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الفصل وما بعده ما هو مبنى على التصوير الثاني وهكذا هو في مصنفات عامة الاصحاب رحمهم الله ونحن ننبه على ما يفترق فيه التصوير ان في مواضع الحاجة إن شاء الله تعالى * إذا عرفت ذلك فلدخول مكة سنن (منها) أن يغتسل بذى طوي وهو من سواد مكة قريب منها * روى عن ابن عمر رضى الله عنهما " انه كان لا يقدم مكة الا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله " (واعلم) ان القصد بقوله أن يغتسل

بذى طوى بيان استحباب موضع الغسل (فاما) كون الغسل للدخول مستحبا فقد ذكره مرة في الفصل الثاني من هذا الباب ومرة قبل ذلك في كتاب الجمعة (ومنها) أن يدخل من ثنية كداء - بفتح الكاف والمد - وهو من أعلى مكة وإذا خرج خرج من ثنية كدى - بضم الكاف - وهو على ما يشعر به كلام الاكثرين بالمد أيضا ويدل عليه انهم كتبوه بالالف ومنهم من قال انه بالياء وروى فيه شعرا وهو من أسفل مكة * وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم " كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى " قال الاصحاب وهذه السنة في حق من جاء من طريق المدينة والشام واما الجاؤن من سائر الاقطار فلا يؤمرون بان يدوروا حول مكة ليدخلوا من ثنية كداء وكذلك القول في ايقاع الغسل بذي طوى وقالوا انما دخل النبي صلي الله عليه وسلم من تلك الثنية اتفاقا لا قصدا

لانها على طريق المدينة وههنا شيئان (أحدهما) أن قضية هذا الكلام أن لا يتعلق بنسك واستحباب بالدخول من تلك الثنية في حق الجائين من طريق المدينة أيضا وهكذا أطلق الامام نقله عن الصيدلاني (والثاني) أن الشيخ أبا محمد نازع فيما ذكروه من موضع الثنية وقال ليست هي علي طريق المدينة بل هي في جهة المعلي وهو في أعلى مكة والمرور فيه يفضى إلى باب بني شيبة ورأس الردم وطريق المدينة يفضي إلى باب ابراهيم عليه السلام * ثم ذهب الشيخ إلى استحباب الدخول منها لكل جاء تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم والامام ساعد الجمهور في الحكم الذى ذكروه وشهد للشيخ بان الحق في موضع الثنية ما ذكره * (ومنها) إذا وقع بصره على البيت قال ما روي في الخبر وهو أن النبي صلي الله عليه وسلم " كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وعظمته ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا "

ويستحب أن يضيف إليه " اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام " يروى ذلك عن عمر رضي الله عنه ويؤثر أيضا أن يقول " اللهم انا كنا نحل عقدة ونشد أخرى ونهبط واديا

ونعلوا آخر حتى أتيناك غير محجوب أنت عنا اليك خرجنا وبيتك حججنا فارحم ملقى رحالنا بفناء بيتك " ويدعو بما أحب من مهمات الدنيا والآخرة وأهمها سؤال المغفرة (واعلم) أن بناء البيت رفيع يرى قبل دخول المسجد في موضع يقال له رأس الردم إذا دخل الداخل من أعلا مكة وحينئذ يقف ويدعو بما ذكرنا * (ومنها) أن يقصد المسجد كما فرغ من الدعاء ويدخله من باب بني شيبة وقد أطبقوا علي استحبابه لكل قادم لان النبي صلى الله عليه وسلم " دخل المسجد منه قصدا لا اتفاقا فانه لم يكن على طريقه وانما كان على طريقه باب ابراهيم عليه السلام " والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدواران حول البلد وكان المعنى فيه ان ذلك الباب في جهة باب الكعبة والركن الاسود وان كان في زاوية المسجد ويبتدئ كما دخل بطواف القدوم * روي أن النبي صلى الله عليه وسلم

(حج فاول شئ بدأ به حين قدم ان توضأ ثم طاف بالبيت " أو يؤخر غيير ثيابه واكتراء منزله إلى أن يفرغ منه نعم لو كان الناس في المكتوبة حين دخل صلاها معهم أولا وكذا لو أقيمت الجماعة وهو في أثناء الطواف قدم الصلاة وكذا لو خاف فوت فريضة أو سنة مؤكدة * ولو قدمت المرأة نهارا وهى ذات جمال أو شريفة لا تبرز للرجال أخرت الطواف إلى الليل * وليس في حق من

قدم الوقوف علي دخول مكة طواف قدوم وإنما هو في حق من دخلها أولا لسعة الوقت ويسمى أيضا طواف الورود وطواف التحية لانه تحية البقعة يأتي به من دخلها سواء كان تاجرا أو حاجا أو دخلها لامر آخر * ولو كان معتمرا فطاف للعمرة اجزأه ذلك عن طواف القدوم كما أن الفريضة عند دخول المسجد تجزئ عن التحية والله أعلم * ولعلك تنظر في لفظ الكتاب في الدعاء عند رؤية المبيت فتقول انه جمع أولا بين المهابة والبر ولم يرووا في الخبر المهابة وذكر أخيرا البر دون المهابة وكذا رويتموه

في الخبر * ونقل المزني في المختصر المهابة دون البر فما الحال فيهما (فاعلم) أن الجمع بين المهابة والبر لم نره إلا لصاحب الكتاب ولا ذكر له في الخبر ولا في كتب الاصحاب بل البيت لا يتصور منه بر فلا يصح اطلاق هذا اللفظ إلا أن يعنى البر إليه * (وأما) الثاني فالثابت في الخبر الاقتصار على البر كما أورده ولم يثبت الائمة ما نقله المزني (وقوله) فيؤم الركن الاسود كالمستغنى عنه في هذا الموضع إذا لابد لكل طائف أن يؤم الركن الاسود ويبتدئ به على ما سيأتي في واجبات الطواف فلو لم يعرض له ههنا كما لم يتعرض لسائر واجبات الطواف لما ضره (وقوله) ويبتدئ بطواف القدوم مطلق لكنه محمول على

ما سوى المواضع التى بيناها * واختلفوا في أن دخول مكة راكبا أولى أم دخولها ماشيا علي وجهين وان دخلها ماشيا فقد قيل الاولى أن يكون حافيا لما روى " أنه صلى الله عليه وسلم قال " لقد حج هذا البيت سبعون نبيا كلهم خلعوا نعالهم من ذى طوى تعظيما للحرم) *

قال (وكل من دخل مكة غير مريد نسكا لم يلزمه (ح) الاحرام علي أظهر القولين ولكنه يستحب كتيحة المسجد) * من قصد دخول مكة لا لنسك له حالتان (أحداهما) أن لا يكون ممن يتكرر دخوله كالذى يدخلها لزيارة أو تجارة أو رسالة وكالمكي إذا دخلها عائدا من سفره فهل يلزمه أن يحرم بالحج أو

العمرة فيه طريقان (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب انه علي قولين (أحدهما) ويحكى عن مالك واحمد انه يلزمه الاحرام بحج أو عمرة لاطباق الناس عليه والسنن يندر فيها الاتفاق العملي * وعن ابن عباس رضى الله عنهما " أنه لا يدخل احد الا محرما " (والثاني) انه لا يلزمه ذلك ولكن يستحب

كتحية المسجد وما الاظهر منهما ذكر صاحب الكتاب ان هذا القول الثاني أظهر وبه قال الشيخ أبو محمد واليه ميل الشيخ أبى حامد ومن تابعه ورجح المسعودي وصاحب التهذيب في اخرين قول الوجوب وبه أجاب صاحب التلخيص ولا فرق علي القولين بين أن تكون داره فوق الميقات أو دونه * وعند أبى حنيفة ان كان داره فوق الميقات لزمه والا فلا (والطريق الثاني) القطع بالاستحباب ويحكى هذا عن صاحب التقريب * (والحالة الثانية) أن يكون ممن يتكرر دخوله كالحطابين والصيادين ونحوهم فان قطعنا بنفى الوجوب في الحالة الاولى فههنا أولى وان سلكنا طريقه القولين فههنا طريقان (أحدهما)

طرد القولين (وأصحهما) القطع بنفى الوجوب وبه أجاب في التلخيص * والفرق ان هؤلاء ان امتنعوا من الدخول انقطعوا عن معايشهم يتضرر به الناس وان دخلوا وأحرموا كل مرة شق عليهم وفيه وجه ضعيف انه يلزمهم الاحرام في كل سنة مرة * (التفريع) ان قلنا بالوجوب فلذلك شروط (احدها) أن يجئ الداخل من خارج الحرم فاما أهل الحرم فلا احرام عليهم بلا خلاف (والثاني) أن لا يدخلها لقتال ولا خائفا فان دخلها لقتال باغ أو قاطع طريق أو غيرهما أو خائفا منه أو خائفا من ظالم أو

غريم يحبسه وهو معسر لا يمكنه ان يطهر لاداء النسك لم يلزمه الاحرام بحال " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح غير محرم لانه كان مترصد اللقتال خائفا غدر الكفار " * (والثالث) ان يكون حرا أما العبيد فلا احرام عليهم بحال لان منافعهم مستحقة للسادة ولا فرق بين ان ياذنوا في الدخول أو لا يأذنوا لان الاذن في الدخول لا يتضمن الاذن في الاحرام رواه الامام عن اتفاق الاصحاب ومن يلزم الاحرام بالدخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه * وان اذن السيد لعبده في

الدخول محرما فهل يكون حينئذ كالاحرار فيه وجهان (اقيسهما) لا لانه ليس من اهل فرض النسك فصار كما لو اذن له في حضور الجمعة * وإذا اجتمعت شرائط الوجوب دخلها غير محرم فهل عليه القضاء قال الامام فيه قولان وقال غيرهما وجهان (احدهما) نعم تداركا للواجب * وسبيله على هذا ان يخرج ويعود محرما ولا نقول ان عوده يقتضي احراما آخر كما لو دخلها علي قصد النسك يكفيه إحرامه بذلك النسك ولا يلزمه بالدخول احرام آخر وكان الغرض أن لا يعرى دخوله عن الاحرام

لحرمة البقعة (وأصحهما) وهو الذى أورده الاكثرون انه لا يجب وله علتان (أحداهما) انه لا يمكن القضاء لان دخوله الثاني يقتضى احراما آخر وإذا لم يمكن القضاء لم يجب كمن نذر صوم الدهر وأفطر * وفرع صاحب التلخيص على هذه العلة فقال لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ثم صار منهم قضى لحصول الامكان وربما نقل عنه انه يجب عليه أن يجعل نفسه منهم (واصحهما) وبه قال العراقيون والقفال انه تحية البقعة فلا يقضى كتحية المسجد وزيفوا العلة الاولى بما سبق في توجيه القول الاول * وذكر القاضي ابن كج تفريعا علي القول بالوجوب انه إذا انتهى إلى الميقات على قصد دخول مكة يلزمه ان يحرم من الميقات * ولو أحرم بعد مجاوزته فعليه دم بخلاف ما إذا ترك الاحرام أصلا ورأسا

لان نفس العبادة لا تجبر بالدم * وهل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة فيما ذكرناه قال بعض الشارحين نعم والمراد بدخول مكة فيما نحن فيه دخول الحرم ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره (وقوله) في الكتاب وكل من دخل مكة غير مريد نسكا فيه اشارة إلى انه لو كان مريدا نسكا يلزمه أن يدخلها محرما على الوجه الذي مر في موضعه وليس ذلك موضع الخلاف * ثم لفظ الكتاب

وان كان مطلقا في حكاية الخلاف فالمراد ما إذا اجتمعت الشروط المذكورة * ثم قوله لم يلزمه معلم بالحاء والميم والالف ويجوز أن يعلم قوله علي أظهر القولين بالواو للطريقة النافية للخلاف (واعلم) أن هذا الفصل لما كان مترجما بسنن دخول مكة وكان الاحرام عند الدخول في حق من لا يقصد النسك معدودا من المستحبات على ما اختاره صاحب الكتاب استحسن ايراد المسألة في هذا الفصل *

قال (الفصل الرابع في الطواف) (وواجباته ست: (الاول) شرائط الصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة إلا انه يباح فيه الكلام) *

للطواف بانواعه وظائف واجبة وأخرى مسنونة (القسم الاول) الواجبات وقد عدها في الكتاب سبعة (أحدها) الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة كما في الصلاة وبه قال مالك لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا انكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير " فلو طاف جنبا أو محدثا أو عاريا أو طافت المرأة حائضا أو طاف وعلى

ثوبه أو بدنه نجاسة لم يعتد بطوافه وكذا لو كان يطأ في مطافه النجاسات ولم أر للائمة رحمهم الله تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنفل ماشيا أو راكبا وهو تشبيه لا بأس به ولو أحدث الطائف في خلال طوافه نظر ان تعمد الحدث فقولان في أنه يبنى أو يستأنف إذا توضأ ويقال وجهان (أحدهما) يستأنف كما في الصلاة (وأصحهما) انه يبنى ويحتمل في الطواف ما لا يحتمل في الصلاة كالفعل الكثير والكلام وان سبقه الحدث رتب علي حالة التعمد ان قلنا يبني عند التعمد فههنا أولي وان قلنا يستأنف فههنا قولان أو وجهان (والاصح) البناء وهذا كله فيما إذا لم يطل الفصل فان طال فسيأتي حكمه وحيث لا يجب الاستئناف فلا شك في استحبابه (وقوله) شرائط الصلاة غير مجرى على ظاهره فان المعتبر في الطواف بعضها وهو الطهارة وستر العورة ولا يعتبر فيه استقبال

القبلة وترك الكلام وترك الافعال الكثيرة وترك الاكل (واعلم) قوله من طهارة الحدث والخبث وستر العورة بالحاء لان عنده لو طاف جنبا أو محدثا أو عاريا أو طافت المرأة حائضا لزمت الاعادة ما لم يفارق مكة فان فارقها أجزأ دم شاة ان طاف مع الحدث وبدنة ان طاف مع الجناية وبالالف لان عند احمد رواية مثله إلا أن الاعلام بهما انما يصح إذا كان المراد من وجوب شرائط الصلاة في الطواف اشتراطها فيه دون الوجوب المشترك بين الشرائط وغيره فانا قد نوجب الشئ ولا نشترطه كركعتي الطواف في الطواف على أحد القولين * والذى حكيناه عن أبي حنيفة رحمه الله ينافى الاشتراط دون الوجوب المشترك والله أعلم *

قال (الثاني الترتيب (ح) وهو أن يجعل البيت على يساره ويبتدئ بالحجر الاسود فان جعله على يمينه لم يصح ولو استقبله بوجهه ففيه تردد ولو ابتدأ بغير الحجر لم يعتد بذلك الشوط إلى أن ينتهى إلي الحجر فمنه يبدأ الاحتساب ولو حاذى آخر الحجر ببعض بدنه في ابتداء الطواف فيه وجهان) * هذا الواجب وما بعده قد يحوج إلى معرفة هيئة البيت فنقدم في وضع البيت وما لحقه من التغايير مقدمة مختصرة: ونقول لبيت الله تعالي أربعة أركان ركنان يمانيان وركنان شاميان وكان لاصقا بالارض وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه

وسلم بعشر سنين وأعادت قريش عمارته على الهيئة التى هي عليها اليوم ولم يجدوا من النذور والهدايا والاموال الطيبة ما يفى بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد ابراهيم عليه السلام وضيقوا عرض الجدار من الركن الاسود إلي الشامي الذى يليه فبقي من الاساس شبه الدكان مرتفعا وهو الذى يسمى الشاذروان وقد روى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لعائشة رضى الله عنها " لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد ابراهيم فالصقته بالارض وجعلت له بابين شرقيا وغربيا " ثم إن ابن الزبير رضى الله عنهما عدمه

أيام ولايته وبناه على قواعد ابراهيم عليه السلام كما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده علي الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش والركن الاسود والباب في صوب الشرق والاسود هو أحد الركنين اليمانيين والباب بينه وبين أحد الشاميين وهو الذى يسمى عراقيا أيضا والباب إلى الاسود أقرب منه إليه ويليه الركن الآخر الشامي والحجر بينهما وسنصفه من بعد والميزاب بينهما ويلى هذا الركن اليماني الآخر الذى هو عن يمين الاسود * إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يعتبر في الطواف شيئان قد يعبر عنهما معا بالترتيب وقد يعبر

به عن أحدهما (والاول) قضية لفظ الكتاب (أحدهما) أن يجعل البيت على يساره (والثانى) أن يبتدئ بالحجر الاسود فيحاذيه بجميع بدنه في مروره وإنما اعتبر لان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك طاف وقال " خذوا عنى مناسككم " فلو جعل البيت علي يمينه كما إذا ابتدأ من الحجر الاسود ومر على وجهه نحو الركن اليماني لم يعتد بطوافه وقال أبو حنيفة رحمه الله يعيد الطواف مادام بمكة فان فارقها أجزأه دم شاة ولو لم يجعله على يمينه ولكن استقبله بوجهه وطاف معترضا فعن القفال فيه وجهان (أحدهما) الجواز لحصول الطواف في يسار البيت (والثانى) المنع لانه لم يول الكعبة شقه الايسر والخلاف جار فيما لو ولاها شقه الايمن ومر القهقرى نحو الباب والقياس جريانه فيما لو استدبرها ومر معترضا وما الاظهر من هذا الخلاف الذى أورده صاحب التهذيب وغيره في الصورة الثانية انه يجوز ويكره وقال الامام والاصح المنع كما أن المصلى لما أمر بان يولى الكعبة صدره ووجهه لم يجز أن يوليها شقه وهذا

أوفق لعبارة الاكثرين فانهم قالوا يجب أن يجعل البيت علي يساره ولم يوجد ذلك في هذا الصورة وقالوا لو جعله هلى يمينه لم يصح وقد وجد ذلك في صورة الرجوع القهقرى ومن صحح الطواف في هذه الصور فالمعتبر عنده أن يكون تحرك الطائف ودورانه في يسار البيت لا غير والله أعلم * ولو ابتدأ الطائف من غير الحجر الاسود لم يعتد بما فعله حتى ينتهي إلي الحجر الاسود فيكون منه ابتداء طوافه كما لو قدم المتوضئ علي غسل الوجه غسل عضو آخر فانا نجعل غسل الوجه ابتداء وضوءه وينبغى أن يمر عند الابتداء بجميع بدنه علي الحجر الاسود وذلك بان لا يقدم جزءا من بدنه على جزء من الحجر فلوا حاذاه ببعض بدنه وكان بعضه مجاوزا إلى جانب الباب ففيه قولان (الجديد) أنه لا يعتد بتلك الطوافة (والقديم) انه يعتد بها وتكفى المحاذاة ببعض البدن وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا استقبل الكعبة ببعض بدنه وصلى هل تصح صلاته وفيما علق عن الشيخ أبى محمد وغيره أن الخلاف ثم مخرج من الخلاف في الطواف وعكس الامام ذلك فاشار إلى تخريج هذا من ذاك ولو حاذي بجميع البدن بعض الحجر دون البعض أجزأه كما يجزئه أن يستقبل بجميع بدنه بعض الكعبة ذكره أصحابنا العراقيون (وقوله) في الكتاب لم يعتد بذلك الشوط هو الطوفة الواحدة وكره الشافعي رضى الله عنه اللفظ فاستحب أن يقال طواف وطوافان (وقوله) ولو حاذى آخر

الحجر أراد بآخر الحجر البعض الذى يلى الباب ولا حاجة إلى هذا التقييد بل الخلاف جار فيما إذا حاذى جميع الحجر ببعض بدنه (وقوله) وجهان اقتدى فيه بامام الحرمين رحمهما الله ومعظم الاصحاب احكو قولين منصوصين كما قدمنا * قال ((الثالث أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت فلا يمشى على شاذروان البيت ولا في داخل محوط الحجر فان ستة أذرع منه من البيت ولو كان يمس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح (ح) لان معظم بدنه خارج) *

الطواف المأمور به هو الطواف بالبيت قال الله تعالي (وليطوفوا بالبيت العتيق) وإنما يكون طائفا به إذا كان خارجا عنه والا فهو طائف في البيت إذا تقرر ذلك ففى الفصل صور (أحداهما) لو مشى علي شاذروان البيت لم يصح طوافه لما ذكرنا أنه من البيت * وعن المزني انه سماه تازير البيت أي هو كالازار له وقد يقال التازيز - بزاءين وهو التأسيس (الثانية) ينبغي أن يدور في طوافه حول الحجر الذى ذكرنا انه بين الركنين الشاميين وهو موضع حوط عليه بجدار قصير بينه وبين كل واحد من الركنين فتحة وكلام جماعة من الاصحاب يقتضى كون جميعه من البيت وهو ظاهر لفظه في المختصر

لكن الصحيح انه ليس كذلك بل الذي هو من البيت منه قدر سنة أذرع تتصل بالبيت روى ان عائشة رضي الله عنها قالت " نذرت أن أصلى ركعتين في البيت فقال صلى الله عليه وسلم صلى في الحجر فان ستة أذرع منه من البيت " (ومنهم) من يقول ستة أذرع أو سبعة كان الامر فيه علي التقريب ولفظ المختصر محمول على هذا القدر فلو دخل احدى الفتحتين وخرج

من الاخرى فهو ماش في البيت لا يحسب له ذلك ولا طوفه بعده حتي ينتهي إلى الفتحة التى دخل منها ولو خلف القدر الذى هو من البيت ثم اقتحم الجدار وتخطي الحجر على السمت صح طوافه (الثالثة) لو كان يطوف ويمس الجدار بيده في موازاة الشاذروان أو أدخل يده في موازاة ما هو

من البيت من الحجر ففى صحة طوافه وجهان (أحدهما) وبه أجاب في الكتاب انه يصح لان معظم بدنه خارج وحينئذ يصدق أن يقال انه طائف بالبيت (وأصحهما) باتفاق فرق الاصحاب وفيهم الامام انه لا يصح لان بعض بدنه في البيت كما لو كان يضع احدي رجليه أحيانا علي الشاذروان

ويقفذ بالاخرى (وقوله) في الكتاب أن يكون بجميع بدنه خارج البيت لفظ الجميع كالمستغنى عنه فانه لو اقتصر على قوله أن يكون ببدنه كان المفهوم منه الجميع وإذا تعرض له فلا شك أن مثل هذا انما يذكر تأكيدا ومبالغة في أنه لا يحتمل خروج البعض وهذ لا يليق به الجواب بالصحة فيما

إذا كان يمس الجدار بيده في موازاة الشاذروان (وقوله) ولا في داخل محوط الحجر مطلق ولكن تعقيبه بقوله فان ستة أذرع منه من البيت يبين الحد الممنوع عن المشي فيه * قال (الرابع) أن يطوف داخل المسجد ولو في أخرياتها وعلى سطوحها وأروقتها فلو طاف بالمسجد لم يجز) *

يجب أن لا يوقع الطواف خارج المسجد كما يجب أن لا يوقعه خارج مكة والحرم ولا باس بالحائل بين الطائف والبيت كالسقاية والسوارى ولا بكونه في أخريات المسجد وتحت السقف وعلي الاروقة والسطوح إذا كان البيت أرفع بناء على ما هو اليوم فان جعل سقف المسجد أعلي فقد

ذكر في العدة انه لا يجوز الطواف علي سطحه ولو صح هذا لزم أن يقال إذا انهدمت الكعبة والعياذ بالله لم يصح الطواف حول عرصتها وهو بعيد ولو اتسعت خطة المسجد اتسع المطاف وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم *

قال (الخامس) رعاية العدد فلو اقتصر على ستة أشواط لم يصح (ح)) * تجب رعاية العدد في الطواف وهو أن يطوف سبعا فلوا اقتصر على ستة أشواط لم يجزه وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعا وقد قال " خذوا عنى مناسككم " وعند

أبي حنيفة رحمه الله لو اقتصر على اكثر الطواف وأراق عن الباقي دما أجزأه وبني علي ذلك أنه لو كان يدخل في الاشواط كلها من احدى فتحتي الحجر ويخرج من الاخرى كفاه أن يمشى وراء الحجر سبع مرات أو يريق دما وتداوره بما وراء الحجر يكون معتمدا به في الاشواط كلها *

قال (السادس ركعتان عقيب الطواف مشروعتان وليستا من الاركان وفى وجوبهما قولان وليس لتركها جبران لانه لا يفوت إذ الموالاة ليست بشرط في اجزاء الطواف علي الصحيح) * إذا فرغ من الطوافات السبع صلى ركعتين روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " فعل ذلك " وهما واجبتان

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل