كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
علل اصح القولين وهو ان المرأة لا تؤمر باخراج الكفارة ويروى هذا التعليل عن الاستاذ ابى طاهر وطائفة لكن الاكثرين زيفوه وقالوا يتصور فساد صومها بالجماع بأن يولج وهى نائمة أو ناسية أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تطاوع بعد الايلاج وتستديمه والحكم لا يختلف علي القولين فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا لا شئ عليها والوجوب لا يلاقيها مستثنى عن الظابط (وقوله) وفيه قول قديم أراد به القول الثاني وهو انها تؤمر باخراج الكفارة كالرجل وهذا قد نقله الامام وصاحب الكتاب في الوسيط عن الاملاء وليس تسميته قديما من هذا الوجه فان الاملاء محسوب من الكتب الجديدة ولكن رأيت لبعض الائمة روايته عن القديم والاملاء معا ويشبه أن يكون له في القديم قولان (أحدهما) كالجديد لان المحاملي حكى القول الصحيح عن الكتب الجديدة والقديمة جميعا (وقوله) ولا يتحمل الزانى أي على قولنا أن الوجوب يلاقيها والزوج يتحمل (وأما) مواضع العلامات (فقوله) ولا علي المرأة مرقوم بالحاء والميم (وقوله) ولا الزوج المجنون ولا المسافر كلاهما بالواو لما قدمنا وليس قوله إذا لا كفارة عليهما خاليا في حق المسافر عن التفصيل والخلاف (وقوله) ولا عن المعسرة يشمل ما إذا كانت معسرة وهو قادر علي الاعتاق وفى هذه الصورة خلاف تقدم فلا يبعد اعلامه بالواو (وقوله) ولا كفارة على من افطر بغير جماع معلم بالميم والحاء والالف ويجوز أن يعلم بالواو أيضا لامور (احدها) انه نقل عن الحاوى أن أبا علي ابن ابى هريرة قال تجب بالاكل والشرب كفارة فوق كفارة المرضع والحامل دون كفارة المجامع قال أقضى القضاة وهذا مذهب لا يستند إلى خبر ولا أثر ولا قياس (والثانى) أن أبا خلف الطبري وهو من تلامذة القفال اختار وجوب الكفارة بكل ما يأثم بالافطار به (والثالث) أن الحناطي ذكر أن عبد الحكم روى عنه ايجاب الكفارة فيما إذا جامع فيما دون الفرج فأنزل ووطئ البهيمة والاتيان في غير المأتي معلمان بالحاء والواو *
قال ﴿ولا تجب على من ظن أن الصبح غير طالع فجامع﴾ * إذا ظن ان الصبح غير طالع فجامع ثم تبين خلافه فحكم الافطار قد مر ولكن لا كفارة عليه لانه غير مأثوم بما فعل فلا يستحق التغليظ قال الامام رحمه الله ومن قال بوجوب الكفارة علي الناسي بالجماع يقول بمثله ههنا لتقصيره بترك البحث ولو ظن ان الشمس قد غربت فجامع ثم بان خلافه فقد ذكر صاحب التهذيب وغيره انه لا كفارة عليه ايضا لانها تسقط بالشبهة وهذا ينبغى ان يكون مفرعا على تجويز الافطار والحالة هذه والا فتجب الكفارة وفاء بالضابط المذكور لما يوجب الكفارة ولو اكل الصائم ناسيا فظن بطلان صومه فجامع فهل يفطر فيه وجهان (احدهما) لا كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيا وتكلم عامدا لا تبطل صلاته (واصحهما) ولم يذكر الاكثرون غيره انه يفطر كما لو جامع علي ظن ان الصبح لم يطلع فبان خلافه وعلي هذا فلا تجب الكفارة لانه وطئ وهو يعتقد انه غير صائم وعن القاضي ابي الطيب انه يحتمل ان تجب الكفارة لان هذا الظن لا يبيح الوطئ ولو افطر المسافر بالزنا مترخصا فلا كفارة عليه لانه وان اثم بهذا الجماع لكن لم يأثم به بسبب الصوم فان الافطار جائز له ولو زنا المقيم ناسيا للصوم وقلنا ان الصوم يفسد بالجماع ناسيا فلا كفارة عليه ايضا علي الوجه الاصح لانه لم يأتم بسبب الصوم فانه كان ناسيا له وإذا تأملت هذه الصور عرفت اشتراكها في شئ واحد وهو ان المجامع فيها غير ماثوم بالجماع بسبب الصوم ثم منها مالا اثم فيه ومنها ما فيه اثم ولكن لا بسبب الصوم وهي متعلقة بالقيد الذى ذكره آخرا وهو قوله اثم به لاجل الصوم وهذا يجوز ان يقدر وصفا واحدا به يحصل الاحتراز عن الصور كلها فحيث لا اثم لا إثم بسبب الصوم ويجوز ان يقدر وصفين (احدهما) كونه ماثوما به (والثانى) كونه ماثوما به بسبب الصوم فبالاول يحصل الاحتراز عن الصور التي لا اثم فيها وفيها جماع المراهق والمسافر والمريض علي قصد الترخص كما سبق وبالثانى يحصل الاحثراز عن الصور التي يأثم فيها لا بالصوم * قال ﴿وتجب على المنفرد (ح) برؤية الهلال وعلي من جامع مرارا كفارت (ح) وتجب علي من جامع ثم انسأالسفر (ح) ولو طرأ بعد الجماع مرض أو جنون أو حيض سقط في قول ولم يسقط في قول وتسقط بالجنون والحيض (م) دون المرض (ح) في قول﴾ * في الفصل ثلاث مسائل (احداها) إذا رأى هلال رمضان وحده وجب عليه صومه وإذا صامه
وافطر بالجماع فعليه الكفارة وبه قال مالك واحمد خلافا لابي حنيفة رحمهم الله * لنا أنه هتك حرمة يوم من رمضان بافساد صومه بالجماع فاشبه سائر الايام ولو رأى هلال شوال وحده وجب عليه أن يفطر ويخفى افطاره عن الناس كيلا يتهم * وعن أبي حنيفة واحمد أنه لا يفطر برؤيته وحده * لنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " وإذا رؤى رجل يأكل يوم الثلاثين من رمضان بلا عذر عزر عليه فلو شهد أنه رأى الهلال لم يقبل لانه متهم يريد اسقاط التعزير عن نفسه بخلاف ما إذا شهد اولا فردت شهادته نم اكل لا يعزر (الثانية) لو افطر بالجماع ثم جامع في ذلك اليوم ثانيا فلا كفارة عليه إذ الجماع الثاني لم يقع مفسدا ولو جامع في يومين أوفي رمضانين فعليه كفارتان سواء كفر عن الاول أو لم يكفر وبه قال مالك * وقال ابو حنيفة إذا جامع في يومين ولم يكفر عن الاول لم يلزمه الا كفارة واحدة وعنه فيما إذا كفر روايتان ولو جامع في رمضانين فالمشهور أنه يلزمه كفارتان بكل حال وعنه رواية اخرى انه كاليومين * وقال احمد إذا وطئ في يومين فكفر عن الاول فعليه كفارة أخرى وان لم يكفر فلاصحابه فيه اختلاف * لنا ان صوم كل يوم عبادة برأسها فلا تتداخل كفارتاهما كالحجتين إذا جامع فيهما (الثالثة) إذا افسد صومه بالجماع ثم انشأ سفرا
طويلا في يومه لم تسقط عنه الكفارة لان السفر المنشأ في اثناء النهار لا يبيح الفطر فيه فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة وعن صاحب التقريب والحناطي ان سقوط الكفارة مخرج على خلاف سنذكره في نظائره ويروى عن ابى حنيفة رحمه الله في المسالة روايتان (اصحهما) انها لا تسقط وصاحب الكتاب لم يرو عنه في الوسيط الا السقوط ولذلك اعلم قوله في الكتاب وتجب علي من جامع بالحاء مع الواو ولو جامع ثم مرض ففيه طريقان (احدهما) انه لا تسقط الكفارة ايضا كالسفر (واظهرهما) أنه علي قولين (اظهرهما) وبه قال مالك واحمد انه لا تسقط لانه هتك حرمة الصوم بما فعل (والثانى) تسقط لان المرض الطارئ يبيح الفطر فيتبين به أن الصوم لم يقع مستحقا وبهذا قال ابو حنيفة ولو طرأ بعد الجماع جنون أو حيض فقولان اشار اليهما في اختلاف العراقيين (اظهرهما) وبه قال ابو حنيفة انها تسقط لان الجنون والحيض ينافيان الصوم فيتبين بعروضهما انه لم يكن صائما في ذلك اليوم (والثانى) لا تسقط لقصده الهتك اولا والمسألة في الحيض مفرعة على ان المرأة إذا افطرت بالجماع تلزمها الكفارة وعروض الموت كعروض الحيض والجنون وإذا جمعت بين المرض والجنون والحيض انتظم فيها ثلاثة اقوال كما ذكر في الكتاب فان ضممت السفر إليها وتعرضت للطريقة البعيدة حصلت اربعة اقوال رابعها انه يسقط بها دون السفر والله اعلم * قال {ثم هذه كفارة مرتبة ككفارة الظهار وفى وجوب القضاء وجواز العدول من الصوم الي الاطعام بعذر شدة الغلمة وجواز تفريق الكفارة علي الزوجة والولد عند الفقر
واستقرار الكفارة في الذمة عند العجز عن جميع هذه الخصال وقت الجماع خلاف ففى وجه نميل االى القياس ونحمل هذه القضايا في حديث الاعرابي علي خاصيتها وفى وجه نعمل بطاهر الحديث} * القول في كيفية الكفارة إنما يستقصي في باب الكفارات والكلام الجملي أن هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار فيلزم عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا لما ذكرنا في حديث أبى هريرة رضى الله عنه وقال مالك يتخير بين الخصال الثلاثة وهو رواية عن احمد والاصح عنه مثل مذهبنا ثم في الفصل صور (احداها) إذا افسد صومه بالوقاع ولزمته الكفارة هل يلزمه قضاء اليوم الذى أفسده معها فيه ثلاثة أوجه ومنهم من يقول قولان ووجه للاصحاب لانه حكى عن الامام أنه قال يحتمل أن يجب القضاء ويحتمل أن يدخل في الكفارة وكل وجه (احدهما)
انه لا يجب القضاء لان الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة ولانه صلي الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي بالكفارة (واصحهما) أنه يجب لانه روى في بعض الرويات أنه صلي الله عليه وسلم قال للرجل " واقض يوما مكانه " (وثالثها) أنه إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا لاختلاف الجنس قال ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة ولا يتحمل الزوج فان الكفارة إذا كانت صوما لم تتحمل فما ظنك بالقضاء (الثانية) شدة الغلمة هل يكون عذرا في العدول من الصيام إلى الاطعام فيه وجهان (أحدهما) نعم لما روى " أنه صلي الله عليه وسلم قال للاعرابي الذى جاءه وقد واقع صم شهرين قال هل أتيت الا من قبل الصوم فقال اطعم ستين مسكينا " (والثانى)
لا لمكان القدرة على الصوم وسنذكر ما الاظهر منهما (الثالثة) لو كان من لزمته الكفارة فقيرا فهل له صرف الكفارة إلى أهله وأولاده فيه وجهان (أحدهما) نعم لقوله صلى الله عليه وسلم للاعرابي " أطعمه أهلك وعيالك " (وأصحهما) لا كالزكوات وسائر الكفارات (وأما) الحديث فلا نسلم أن الذى أمره بصرفه الي الاهل والعيال كان كفارة وهذا لانه يحتمل أنه لم يملكه ذلك وانما أراد أن يملكه ليكفر فلما أخبره بحاجته صرفه إليه صدقة ويحتمل أنه ملكه وأمره بالتصدق به فلما اخبره بحاجته أذن له في أكله واطعامه عياله ليبين أن الكفارة انما تجب إذا فضل عن الكفاية وان سلمنا أنه كان كفارة ولكن يحتمل أن النبي صلي الله عليه وسلم تطوع بالتكفير عنه فسوغ له صرفه الي الاهل والعيال فيكون فائدة الخبر أنه يجوز للغير التطوع بالكفارة عن الغير باذنه وانه يجوز للمتطوع صرفه إلى اهل المكفر عنه وعياله وهذه الاحتمالات بأسرها منقولة عن الام (الرابعة) إذا عجز عن جميغ الخصال فهل تستقر الكفارة في ذمته قال الاصحاب الحقوق المالية الواجبة لله تنقسم الي ما تجب لا بسبب يباشره العبد وإلي ما تجب بسبب يباشره فالاول كزكاة الفطر إن كان قادرا وقت وجوبها وجبت والا لم تستقر في ذمته الي أن يقدر (والثانى) علي ضربين ما يجب على وجه البدل كجزاء الصيد فان كان قادرا عليه فذاك والا ثبت في ذمته الي أن يقدر تغليبا لمعني الغرامة وما يجب لا على وجه البدل ككفارة الوقاع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان (أحدهما) انها تسقط عند العجز كزكاة الفطر وبه قال أحمد (وأصحهما) انها لا تسقط كجزاء الصيد فعلي هذا متي قدر
علي احدى الخصال لزمته * واحتج للقول الاول بأن النبي صلي الله عليه وسلم " لما أمر الاعرابي بأن يطعمه أهله وعياله لم يأمره بالاخراج في ثانى الحال " ولو وجب ذلك لاشبه أن يبين له ولمن رجح الثاني أن يقول لم قلت أن المصروف الي الاهل والعيال لم يقع تكفيرا فانا روينا وجها مجوزا عند الفقر ان سلمنا ذلك ولكن يحتمل ان يكون الغرض باقيا في ذمته ولم يبين له ذلك لان حاجته الي معرفة الوجوب انما تمس عند القدرة وتأخير البيان إلي وقت الحاجة جائز وهذا الذى ذكرناه يوقفك على انه لا يمكن الاستدلال بخبر الاعرابي في هذه الصورة والتي قبلها علي الجمع وانما يمكن الاستدلال به في أحداهما لان المأمور بصرفه الي الاهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون ان كان لم يصح الاستدال به في هذه الصورة وان لم يكن لم يصح في الصورة السابقة وأعرف بعد هذا في لفظ الكتاب شيئين (أحدهما) انه أطلق ذكر الخلاف في الصور الاربع وفسره بوجهين وهو مسلم في الصورة الثانية والثالثة (وأما) الاولي فقد ذكرنا ان من الاصحاب من يجعل الخلاف فيها قولا وكذا ذكره القفال في شرح التلخيص (وأما) الرابعة فالجمهور حكوا الخلاف فيها قولين وانما اطلق صاحب الكتاب فيها الوجهين تقليدا للامام (والثانى) انه بين ان احد طرفي الخلاف في الصور جميعا يوجه بالقياس والثاني بظاهر الخبر وإذا جرينا علي القياس حملنا قصة الاعرابي على خاصيته وخاصية اهله قال الامام وكثيرا ماكان يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الاضحية وإرضاع الكبير ونحوهما
وهذا وان كان على بعد فهو أهون من تشويش أصول الشريعة (واعلم) أن مثل هذا التأويل انما يصار إليه عند الاضطرار ولنا عنه مندوحه اما في غير الصورة الثانية فقد بيناه وأما في الثانية فانما يحتاج الي تأويل الخبر فيها من يجعل الاظهر امتناع العدول إلى الاطعام بعذر شدة الغلمة ومنهم صاحب الكتاب فانه أعاد المسألة في آخر كتاب الكفارات وزجح وجه الامتناع وقضية كلام الاكثرين التجويز ولم يورد صاحب التهذيب غيره فإذا صرنا إليه عملنا بظاهر الخبر واستغنينا عن التأويل * قال ﴿الرابع الفدية وهى مد من الطعام مصرفها مصرف الصدقات﴾ * الاصل في الفدية الخبر والاثر علي ما سياتي ذكرهما وهى مد من الطعام لكل يوم من أيام رمضان وجنسه جنس زكاه الفطر فيعتبر على الاصح غالب قوت البلد ولا يجزئ الدقيق والسويق كما مر (وقوله) مصرفها مصرف الصدقات ليس المراد من الصدقات ههنا الزكوات فلا تصرف الفدية الي الاصناف الثمانية وانما المراد التطوعات وهى في الغالب مصروفة إلى الفقراء والمساكين وكل مد بمثابة كفارة تامة فيجوز صرف عدد منها الي مسكين واحد بخلاف امداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها الي مسكين كما سيأتي في موضعه ويجوز أن يعلم قوله مد بالحاء والالف لانه روى عن أبى حنيفة رحمه الله انها مد من بر أو صاع من تمر وعن احمد رحمه الله انها مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير * قال ﴿وتجب بثلاثة طرق (احدها) فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه ومات قبل القضاء فيخرج من تركته مد وقال في القديم يصوم عنه وليه ولا يجب علي من فاته بالمرض ويجب على الشيخ الهرم علي الصحيح﴾ * فقه الفصل مسألتان (احداهما) إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان قبل القضاء فله حالتان (احداهما) أن يكون موته بعد التمكن من القضاء فلا بد من تداركه بعد موته وما طريقه فيه قولان (الجديد) وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله ان طريقه ان يطعم من تركته لكل يوم مد
لما روى مرفوعا وموقوفا علي ابن عمر رضي الله عنهما ان من مات وعليه صوم فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " ولا سبيل الي الصوم عنه لان الصوم عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة (والقديم) وبه قال احمد انه يجوز لوليه ان يصوم عنه لما روى عن عائشة رضى الله عنها انه صلي الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صوم صام عنه وليه " وإذا فرعنا عي القديم فلو امر الولي اجنبيا بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير اجرة جاز كما في الحج ولو استقل به الأجنبي ففى اجزائه وجهان (اظهرهما) المنع والمعتبر على هذا القول الولاية علي ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو بشرط العصوبة أو الارث توقف الامام رحمه الله فيه وقال لا نقل عندي في ذلك وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الاشبه اعتبار الارث والله اعلم * ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه ولا يسقط عنه بالفدية وعن البويطي ان الشافعي رضى الله عنه قال في
الاعتكاف يعتكف عنه وليه وفى رواية يطعم عنه وليه قال صاحب التهذيب ولا يبعد نخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد وإذا قلنا بالاطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمد اعتكف يوم بليلته هكذا حكاه الامام عن رواية شيخه قال وهو مشكل فان اعتكاف لحظة عبادة تامة وإن قيس علي الصوم فالليل ثم خارج عن الاعتبار (والحالة الثانية) أن تكون موتته قبل التمكن من القضاء بأن لا يزال مريضا من استهلال شوال الي أن يموت فلا شئ في تركته ولا علي ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن من الاداء لا شئ عليه (المسألة الثانية) الشيخ الهرم الذى لا يطيق الصوم أو يلحقه مشقة شديدة فلا صوم عليه وفى الفدية قولان (أحدهما) ويحكى عن رواية البويطى وحرمله انها لا تجب عليه وبه قال مالك كالمريض الذى يرجى زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت وأيضا فانه سقط فرض الصوم عنه فأشبه الصبى والمجنون (وأصحهما) وبه قال أبو حنيفة وأحمد انها تجب ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم وقرأ ابن عباس (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ومعناه يكلفون الصوم فلا يطيقونه والقولان جاريان في المريض الذى لا يرجي برؤه وحكم صوم الكفارة والنذر حكم صوم رمضان ولو نذر في حال العجز صوما ففى انعقاده وجهان وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ فلو كان معسرا هل تلزمه إذا قدر فيه قولان كما ذكرنا في الكفارة ولو كان رقيقا فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الاعسار وأولى بأن لا يجب لانه لم يكن من أهل الفدية عند الافطار ولو قدر الشيخ بعد ما أفطر علي الصوم هل يلزمه الصوم قضاء نقل صاحب التهذيب انه لا يلزمه لانه لم يكن مخاطبا بالصوم بل كان مخاطبا بالفدية بخلاف المعضوب إذا احج الغير عنه ثم قدر يلزمه الحج في قول لانه كان مخاطبا بالحج ثم قال من عند نفسه إذا قدر قبل أن يفدى عليه أن يصوم وان قد بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالحج لانه كان مخاطبا بالفدية على توهم أن عذره غير زائل وقد بان خلافه (واعلم) ان في كون الشبخ مخاطبا بالفدية دون
الصوم كلاما فان صاحب التتمة في آخرين نقلوا خلافا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم ثم ينتقل للعجز الي الفدية ام يخاطب بالفداء ابتداء وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره وإذا كان كذلك فلصاحب التهذيب ان يمنع قول من قال إنه لم يكن مخاطبا بالصوم (وأما) لفظ الكتاب فقوله فوات نفس الصوم انما اطلق اللفظ هكذا ليشمل القضاء والاداء فان الفدية قد تجب مع القضاء على ما سيأتي ثم ليس الفوات موجبا للفدية علي الاطلاق بدليل الصبي والمجنون ومن لم يتمكن من القضاء بل في بعض المواضع وهو ما إذا أخر القضاء مع الامكان وفى حق الشيخ الهرم فلذلك قال فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه ثم قوله فيمن تعدى بتركه ينبغى ان يحمل على ترك الصوم نفسه لا علي ترك الاداء والتعدى بترك نفس الصوم بعد ترك الاداء انما يكون بالتعدي في ترك القضاء وقد يسبق الي الفهم من لفظ صاحب الكتاب ههنا وفى الوسيط ان المراد التعدي بترك الاداء لكن القولين المذكورين في انه يصام عنه أو يطعم غير مخصوص به بل الاكثرون من أصحابنا العراقيين اما نقلوا القولين في المعذور بترك الاداء إذا تمكن من القضاء ولم يقض (وقوله) يصوم عنه وليه في الحكاية عن القديم ليس المراد منه انه يلزمه ذلك وإنما القول القديم انه يجوز له ذلك ان أراده هكذا أورده في التهذيب وحكاه الامام عن الشيخ أبى محمد وهو كالمتردد فيه ثم قوله يصوم معلم بالحاء والميم لما سبق وبالالف أيضا لان عند أحمد لا يصوم عنه في قضاء رمضان وفيه كلام الكتاب ولكن لو كان عليه صوم نذر صام عنه وليه وعندنا لا فرق على القولين (وقوله) ولا يجب علي من فاته بالمرض المراد منه الحالة الثانيه وهى ان يستمر المرض ويمنعه من القضاء ولو أفطر بعذر السفر ودام السفر إلى الموت فلا شئ عليه ايضا * قال {الثاني ما يجب بفضيلة الوقت وهي في حق الحامل والمرضع فإذا أفطرتا خوفا على ولديهما
قضتا وافتدتا عن كل يوم مدا وفيه قول آخر انه لا يجب كالمريض وهل يلحق بهما الافطار بالعدوان ومن أنقذ غيره من الهلاك وافتقر إلي الافطار فيه وجهان} * الحامل والمرضع إن خافتا علي أنفسهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض وإن لم يخفا من الصوم الا على الولد فلهما الافطار وعليهما القضاء وفى الفدية ثلاثة أقوال (أصحها) وبه قال احمد أنها تجب لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالي (وعلي الذين يطيقونه فدية) انه منسوخ الحكم الا في حق الحامل والمرضع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " في الحامل والمرضع إذا خافتا علي ولديهما أفطرتا وافتدتا " (والثاني) انه تستحب لهما الفدية ولا تجب وبه قال أبو حنيفة والمزنى واختاره القاضى الروياني في الحلية ووجهه تشبيه الحامل بالمريض لان الضرر الذى يصيب الولد يتأدى إليها وتشبيه المرضع بالمسافر لانهما يفطران لئلا يمنعهما الصوم عما هما بصدده وهو الارضاع في حق هذه والسفر في حق ذاك وقد يشبهان معا بالمريض والمسافر من حيث ان الافطار مانع لهما والقضاء يكفى تداركا (والثالث) وبه قال مالك انها تحب علي المرضع دون الحامل لان المرضع لا تخاف علي نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف علي الولد فكانت كالمريض ويحكى القول الاول عن الام والقديم والثانى عن رواية حرملة والثالث عن البويطي وإذا فرعنا علي الاصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الاولاد في أصح الوجهين
وهو الذى أورده في التهذيب وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها أو غيره باجارة أو غيرها نفى صاحب التتمة الفرق وقال تفطر المستأجرة وتفدى كما أن السفر لما افاد جواز الافطار لا يفترق الحال فيه بين أن يكون لغرض نفسه أو غرض غيره وأجاب صاحب الكتاب في الفتاوى بان المستأجرة لا تفطر بخلاف الام لانها متعينة طبعا وإذا لم تفطر فلا خيار لاهل الصبي ولو كانت الحامل أو المرضع مسافرة أو مريضة فافطرت علي قصد الترخص بالمرض والسفر فلا فدية عليها وان لم تقصد الترخص ففى لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا افطر بالجماع ثم في الفصل مسألتان (احداهما) إذا افطر بغير الجماع عمدا في نهار رمضان هل تلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان (احدهما) نعم لانها واجبة علي الحامل والمرضع مع قيام العذر والترخيص في الافطار فلان تجب عليه مع أنه غير معذور كان أولي (واظهرهما) لا لانه لم يرد فيه توقيف وحيث وجبت الفدية انما وجبت جابرة وهي لا تجبر ما تعدى ولا يليق بعظم جريمته ويخالف الحامل والمرضع لان هناك ارتفق بالافطار شخصان فجاز أن يتعلق به بدلان وهما القضاء والفدية كالجماع لما ارتفق به الرجل والمرأة تعين القضاء والكفارة العظمى وههنا بخلافه وقرب الامام الوجهين في المسألة بالوجهين في ان من تعمد بترك الابعاض هل يسجد للسهو (الثانية) لو رأى مشرفا على الهلاك بغرق وغيره وهو بسبيل من تخليصه ولكن افتقر في تخليصه إلى الافطار فله ذلك ويقضي وهل تلزمه الفدية فيه وجهان (اظهرهما) وبه قال القفال نعم لانه فطر ارتفق به شخصان كما في حق المرضع والحامل (والثاني) لا لان ايجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف والوجهان فيما ذكر الشيخ ابو محمد مبنيان على الخلاف في وجوب الفدية علي الحامل والمرضع ان أوجبناها فكذلك ههنا والا فلا وأشار مشيرون الي تخريج الخلاف ههنا مع التفريع علي وجوب الفدية ثم وفرقوا بان الافطار ثم لاحياء نفس عاجزة عن الصوم خلقة فاشبه افطار الشيخ الهرم وههنا الغريق غير عاجز عن الصوم والله أعلم * وقوله في الكتاب ما تجب
لفضيلة الوقت معناه ان الفدية قد تجب جبرا لفوات فضيلة الوقت مع تدارك أصل الصوم بالقضاء وليس ذلك موجبا علي الاطلاق بدليل المسافر والمريض وانما تجب في المواضع التي عدها فلذلك قال وهو في حق الحامل إلى آخره (وقوله) وافتدتا معلم بالحاء والزاى ويجوز أن يعلم بالميم أيضا وكذا قوله لا يجب عليهما لان مالكا يفصل فلا يقول بوجوبها عليهما ولا ينفيها عنهما * قال ﴿الثالث ما يجب لتأخير القضاء فلكل يوم أخر قضاؤه عن السنة الاولي مع الامكان مد وإن تكررت السنون ففى تكررها وجهان﴾ * من عليه قضاء رمضان وأخره حتى دخل رمضان السنة القابلة نظر ان كان مسافرا أو مريضا فلا شئ عليه بالتأخير فان تأخير الاداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى بالجواز وان لم يكن وهو المراد من قوله مع الامكان فعليه مع القضاء لكل يوم مد وبه قال مالك واحمد خلافا لابي حنيفة والمزني لنا الاثر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " من أدرك رمضان فافطر لمرض ثم صح ولم يقضه حتى أدرك رمضان آخر صام الذى أدرك ثم يقضى ما عليه ثم يطعم عن كل يوم مسكينا " ولو أخر حتى مضى رمضانان فصاعدا ففى
تكرر الفدية وجهان (أحدهما) أنها لا تتكرر بل تتداخل كالحدود لان الفدية انما وجبت في السنة الاولى لانه أخرج القضاء عن وقته وهو مابين الرمضانين وهذا لا يتكرر (والثانى) أنها تتكرر قال في النهاية وهو الاصح لانه يجب عليه فدية لتأخير سنة فيجب فديتان لتأخير سنتين والحقوق المالية لا تتداخل ولو كان قد افطر عداونا وعلقنا به الفدية فاخر القضاء فعليه لكل يوم فديتان واحدة للافطار وأخرى للتأخير ولا تداخل لاختلاف الموجب ورأيت فيما علق عن ابراهيم المروروزى ترتيبه على مالو أخر القضاء حتى مضي رمضانان ان عددنا الفدية ثم فههنا أولي والا فوجهان لاختلاف جنس الموجب وإذا أخر القضاء مع الامكان ومات قبل أن يقضى وقلنا الميت يطعم عنه فوجهان (أصحهما) انه يخرج من تركته لكل يوم مدان أحدهما لتاخير القضاء والآخر لفوات أصل الصوم (والثاني) ويحكى عن ابن سريج انه يكفى مد (وأما) إذا قلنا ان الميت يصام عنه فصوم الولي يحصل به تدارك أصل الصوم ويفدى عنه للتأخير وإذا فرعنا علي الاصح وهو اخراج مدين فلو كان عليه قضاء عشرة أيام فمات قبل أن يقضى ولم يبق من شعبان الا خمسة ايام أخرج من تركته خمسة عشر مدا عشرة لاصل الصوم وخمسة للتأخير لانه لو عاش لم يمكنه الا قضاء خمسة ولو افطر بغير عذر وأوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان السنة الثانية ومات قبل أن يقضى فالظاهر وجوب ثلاثة امداد لكل يوم فان تكررت السنون زادت الامداد وإذا لم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء الفائت فهل يلزمه في الحال الفدية عما لا يسع الوقت أم لا يلزم الا بعد مجئ رمضان فيه وجهان مشبهان لما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غدا فانصب قبل الغد يحنث في الحال أو بعد مجئ الغد ولو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجئ رمضان السنة القابلة ليؤخر القضاء مع الامكان ففى جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكفارة عن الحنث المحظور فهذا شرح الطرق الثلاثة الموجبة للفدية على ما فيها من الخلاف وإذا أردت حصرها فقل لا شك ان الفدية انما تجب عند فوات الاداء وإذا فات الاداء فاما أن نوجب القضاء أيضا وهو في حق من مات قبل القضاء وفى الشيخ الهرم أو لا يفوت
فاما ان يقع مؤخرا عن رمضان السنة القابلة وهو الطريق الثالث أو لا يقع فتجب لفضيلة الوقت في المواضع المذكورة في الطريق الثاني * قال ﴿واما صوم التطوع فلا يلزم (م ح) بالشروع وكذا القضاء (م ح) إذا لم يكن علي الفور﴾ * من شرع في صوم تطوع أو في صلاة تطوع لم يلزمه الاتمام ولا قضاء عليه لو خرج من صومه وصلاته وبه قال احمد وعند ابى حنيفة رحمه الله لا يجوز الافطار بغير عذر ويجب القضاء سواء افطر بعذر أو بغير عذر وقال مالك ان خرج بغير عذر لزمه القضاء والا فلا * لنا ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت " دخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم فقلت انا خبأنا لك حيسا قال أما اني كنت اريد الصوم ولكن قريبه " وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت " دخل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنا صائمة فناولني فضل شرابه فشربت فقلت يارسول الله انى كنت صائمة وانى كرهت ان ارد سؤرك فقال ان كان من قضاء رمضان فصومي يوما مكانه وان كان تطوعا فان شئت فاقضيه وان شئت فلا تقضيه " وعندنا يستحب الاتمام وان لم يجب ولو افطر فيستحب القضاء
ولا يكره الخروج منه بعذر وان كان بغير عذر فوجهان (اظهرهما) انه يكره ومن الاعذار ان يعز علي من اضافه امتناعه من الاكل ولو شرع في صوم القضاء هل له الخروج منه نظرا إن كان علي الفور فلا وان كان على التراخي ففيه وجهان (احدهما) ويحكى عن القفال انه يجوز لانه متبرع بالشروع فيه فاشبه المسافر يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه (والثاني) لا يجوز لانه صار متلبسا بالفرض ولا عذر به فليزمه اتمامه كما لو شرع في الصلاة في اول الوقت والاول هو الذى اورده المصنف وصاحب التهذيب وطائفة وقضية كلام الاكثرين ترجيح الثاني وبه أجاب الروياني في الحلية وحكاه صاحب المعتمد عن نصه في الام وصوم الكفارة اللازمة بسبب حرام كالقضاء الذى هو علي الفور وما لزم بسب غير محرم كالقتل الخطأ فهو كالقضاء الذى هو علي التراخي وكذا النذر المطلق وهذا كله مبني علي انقسام القضاء إلى ما هو علي الفور والي ما هو على التراخي وهو الاشهر فالاول ما تعدى فيه بالافطار لا يجوز تأخير قضائه لان جواز التأخير ترفيه لا يليق بحاله قال في التهذيب وليس له والحالة هذه التأخير بعذر السفر (والثانى) ما لم يتعد به كما في حق الحائض والافطار بعذر السفر والمرض فقضاؤه علي التراخي ما لم يدخل رمضان السنة القابلة وفى كلام بعض
أصحابنا العراقيين ما يرفع هذا الفرق المحاملي يقول في التجريد ومن افطر في رمضان بعذر أو بغير عذر فطرا لا تجب به كفارة فالقضاء يلزمه ووقته موسع إلى شهر رمضان الثاني ويمكن تأييد ما ذكروه
بانه قال في المختصر ومن صام متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب الي والاستدلال أنه أطلق القول باستحباب التتابع في القضاء ولو كان أحد نوعيه علي الفور لكان التتابع فيه واجبا لا محبوبا (وقوله) في الكتاب وكذا القضاء إذا لم يكن علي الفور قد عرفت مما سبق انه يجب اعلامه بالواو ثم فيه شئ من جهة اللفظ وهو ان هذا الكلام معطوف على قوله أما صوم التطوع فلا يلزم بالشروع فيكون أن القضاء إذا لم يكن علي الفور لا يلزم بالشروع أيضا وانما كان يحسن هذا ان لو كان ما هو على الفور يلزم بالشروع وليس كذلك بل هو لازم من ابتدائه إلى انتهائه *
قال ﴿وصوم التطوع في السنة صوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء وستة أيام بعد عيد رمضان وفى الشهر الايام البيض وفى الاسبوع الاثنين والخميس وعلي الجملة صوم الدهر مسنون بشرط الافطار يوم العيدين وأيام التشريق﴾ * الايام التى يستحب التطوع بصومها تنقسم الي ما يتكرر بتكرر السنين والي ما يتكرر بتكرر الشهور والى ما يتكرر بتكرر الاسابيع (أما) القسم الاول فمنه يوم عرفة روى " ان النبي صلى الله عليه وسلم قال صيام يوم عرفة كفارة سنتين " وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج (فاما) الحجيج فينبغي لهم ألا يصوموا كي لا يضعفوا عن الدعاء وأعمال الحج ولم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة وأطلق
كثير من الائمة كونه مكروها لهم لما روى " انه صلي الله عليه وسلم نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة " فان كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصوم فقد قال ابو سعد المتولي الاولي ان يصوم حيازة للفضيلتين ونسب غيره هذا الي مذهب أبى حنيفة رحمه الله وقال الاولي عندنا ألا يصوم بحال ومنه يوم عاشوراء روى انه صلى الله عليه وسلم قال " صيام يوم عاشوراء يكفر سنة " ويوم عاشوراء هو العاشر من المحرم ويستحب ان يصوم معه تاسوعاء وهو التاسع منه لما روي انه صلى الله عليه وسلم قال " لان عشت إلى قابل لاصومن اليوم التاسع " وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس رضى الله عنهما (أحدهما) الاحتياط فانه ربما يقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع (والثانى) مخالفة اليهود فانهم لا يصومون الا يوما واحدا فعلى هذا لو لم يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحادى عشر ومنه ستة أيام من شوال يستحب
صومها وبه قال ابو حنيفة واحمد رحمهما الله لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله " وعن مالك ان صومها مكروها والافضل أن يصومها متتابعة وعلي الاتصال ليوم العيد مبادرة الي العبادة واياه عني بقوله بعد عيد رمضان * وعن أبي حنيفة رحمه الله ان الافضل أن يفرقها في الشهر (وأما) القسم الثاني فمنه أيام البيض وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لما روى انه صلى الله عليه وسلم " أوصي أبا ذر رضى الله عنه بصيامها " وانما يقال أيام البيض علي الاضافة لان المعني أيام الليالي البيض (وأما) القسم الثالث فمنه يوم
الاثنين والخميس روي انه صلى الله عليه وسلم " كان يتحرى صومهما " وروى انه قال تعرض الاعمال يوم الاثنين والخميس فاحب ان يعرض عملي وانا صائم " ويكره افراد يوم الجمعة بالصوم لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة الا ان يصوم قبله أو بعده " وكذا افراد
يوم السبت فانه يوم اليهود وقد روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا تصوموا يوم السبت الا فيما افترض عليكم " (واما) قوله وعلي الجملة صوم الدهر مسنون (فاعلم) ان المسنون يطلق لمعنيين (احدهما) ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك ان صوم الدهر ليس مسنونا بهذا المعنى (والثانى) الندوب وفى كون صوم الدهر بهذه الصفة كلام ايضا فان صاحب التهذيب
رحمه الله في آخرين أطلقوا القول بكونه مكروها واحتجوا بما روى " انه صلي الله عليه قال لعبد الله ابن عمر رضى الله عنهما ولا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر " وبما روي " انه نهى عن صيام الدهر " وفصل الاكثرون فقالوا ان كان يخاف منه ضررا أو يفوت به حقا فيكره والا فلا وحملوا النهي علي الحالة الاولي أو على ما إذا لم يفطر العيدين وأيام التشريق (وقوله) شرط الافطار يوم العيدين وايام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط لان افطار هذه الايام يخرج الموجود عن أن يكون صوم الدهر وإذا كان كذلك لم يكن شرطا لاستثنائه فان استنان صوم الدهر يستدعي تحققه وانما المراد منه ان صوم سوى هذه الايام مسنون والله أعلم * ولو نذر صوم الدهر لزم وكانت الاعياد وايام التشريق مستثناة عنه وكذلك شهر رمضان وقضاوه إذا فرض فواته بعذر أو بغير عذر وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء حكي ابو القاسم الكرخي فيه وجهين والذى أجاب به صاحب التهذيب انه لا فدية ولو نذر صوما آخر بعد هذا النذر لم ينعقد ولو لزمه صوم كفارة صام
عنها وفدى عن النذر ولو افطر يوما من الدهر فلا سبيل إلى القضاء ولا فدية ان كان بعذر والا فتجب الفدية ولو نذرت المرأة صوم الدهر فللزوج منعها ولا قضاء ولا فدية وان اذن أو مات فلم تصم لزمها الفدية والله أعلم * [باب الاعتكاف] قال ﴿الاعتكاف سنة مؤكدة لا سيما في العشر الاخير من رمضان لطلب ليلة القدر وهي في أوتار العشر الاخير وميل الشافعي رضى الله عنه إلي الحادي والعشرين وقيل انها في جميع الشهر وقيل في جميع السنة ولذا قال أبو حنيفة لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان انت طالق ليلة القدر لم تطلق الا إذا مضت سنة لان الطلاق لا يقع بالشك ويحتمل ان تكون في النصف الاول﴾ * الاصل في الاعتكاف الاجماع والكتاب والاخبار (اما) الاجماع فظاهر (وأما) الكتاب فقوله تعالي (وطهر بيتى للطائفين والعاكفين) وقال الله تعالي (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد (واما) الاخبار فسيأتي طرف منها واستفتح الكتاب بذكر شيئين (احدهما) بيان استحباب الاعتكاف وموضع تأكده (والثانى)
الكلام في ليلة القدر (أما) الاول فالاعتكاف من الشرائع القديمة وهو مستحب في جميع الاوقات روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة " وهو في العشر الاواخر من مضان آكد استحبابا اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم وطلبا لليلة القدر " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاخير من رمضان حتي قبضه الله تعالي " (واعلم) أن استحباب الاعتكاف
في العشر الاخير مكرر قد ذكره مرة في سنن الصوم ومن رغب في المحافظة علي هذه السنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس يوم العشرين حتى لا يفوته شئ من ليلة الحادى والعشرين ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد ولو مكث ليلة العيد فيه إلي أن يصلي فيه العيد أو يخرج منه إلى المصلى كان أولي (وأما) الثاني (فاعلم) أن ليلة القدر أفضل ليالي السنة خص الله تعالي بها هذه الامة وهى باقية الي يوم القيامة وجمهور العلماء وفيهم الشافعي رضى الله عنهم على انها في العشر الاخير من رمضان
وهى في أوتارها أرجي لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الاواخر من رمضان " وميل الشافعي رضي الله عنه إلى انها ليلة الحادى والعشرين لما روى عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يعتكف العشر الوسطي من رمضان فاعتكف عاما فلما كانت ليلة احدى وعشرين وهى الليلة التي كان يخرج في صبيحتها عن اعتكافه قال من كان اعتكف معى فليعتكف في العشر الاواخر قال فأريت هذه اليلة ثم أنسيتها ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الاواخر والتمسوها في كل وتر فامطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد علي عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناى رسول الله صلي الله عليه وسلم انصرف الينا وعلي جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة احدى
وعشرين " وأبدى في بعض المواضع الميل إلى ليلة الثالث والعشرين لما روى عن عبد الله بن انيس رضى الله عنه انه " قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اني اكون بباديتي وانى أصلى بهم فمرنى بليلة من هذا الشهر أنزلها المسجد فأصلي فيه فقال انزل في ليلة ثلاث وعشرين " وجمع بين الليلتين في المختصر فقال ويشبه ان يكون في ليلة احدى وعشرين أو ثلاث وعشرين والمعني في اخفاء الله تعالى هذه الليلة حمل الناس على احياء جميع ليالى العشر بالعبادة رجاء اصابتهما وعلامة هذه الليلة انها طلقة لا حارة ولا باردة وان الشمس في صبيحتها تطلع بيضاء ليس لها كثير شعاع ويستحب أن يكثر فيها من قول " اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنى " وعند مالك هي في العشر ولا ترجيح لبعض الليالى علي البعض
وعند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله هي ليلة السابع والعشرين وهذا الذى ذكروه لا ينافى قوله في الكتاب وهي في أوتار العشر الاخير فلا نعلمه بعلاماتهم ولكن يجوز أن نعلمه بالحاء لانه روى عنه انها محتملة في جميع السنة وروى في جميع الشهر والروايتان مستنبطتان مما نقل عنه انه لو قال لزوجته أول يوم من رمضان أنت طالق ليلة القدر لا تطلق الا مثل ذلك اليوم من السنة الاخرى وعن ابن خزيمة من أصحابنا ان ليلة القدر منقولة في ليالي العشر تنقل في كل سنة الي ليلة جمعا بين الاخبار وقوله وقيل انها في جميع الشهر يشعر بأنه وجه للاصحاب وقوله ولذلك لو قال لزوجتة في منتصف شهر رمضان أنت طالق ليلة القدر لم تطلق إلا إذا مضت سنة يشعر بأن المسألة مجزوم بها موجهة للوجه المنقول وقد حكى في الوسيط المسألة هكذا عن نص الشافعي رضى الله عنه وكل واحد من نقل الوجه وتوجيهه محل التوقف (أما) النقل فلانك لا تكاد تجد رواية احتمالها في جميع ليالى الشهر عن الاصحاب في شئ من كتب المذهب (وأما) التوجيه فلان ما أجاب به في مسألة الطلاق يخالف ما نقله الائمة فانهم قالوا إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر فان قاله قبل شهر رمضان أو في رمضان قبل مضي شئ من ليالي العشر طلقت بانقضاء الليالي العشر وإن قاله بعد مضى بعض لياليها لم تطلق الي مضي سنة هكذا نقل الشيخ أبو إسحق في المهذب والامام وغيرهما ولم نر اعتبار مضى سنة في المسألة المذكورة الا في كتب صاحب الكتاب (وقوله) ان الطلاق لا يقع بالشك مسلم لكنه يقع بالظن الغالب قال إمام الحرمين الشافعي رضى الله عنه متردد في ليالى العشر ويميل إلى بعضها ميلا ضعيفا وانحصارها في العشر ثابت عنده بالظن القوى وإن لم يكن مقطوعا به والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة والله أعلم *
قال ﴿وفى الكتاب ثلاثة فصول (الفصل الاول) في أركانه وهى أربعة (الركن الاول) الاعتكاف وهو عبارة عن اللبث في المسجد ساعة مع الكف عن الجماع وهل يشترط الكف عن مقدمات الجماع فيه قولان ولا يشترط (ح وم) اللبث يوما ولا يكفى العبور﴾ * مقصود الفصل الاول الكلام في اركان الاعتكاف وهى فيما عدها أربعة الاعتكاف والنية والمعتكف والمعتكف (الاول) الاعتكاف وهو عبارة عن المقام في اللغة يقال عكف واعتكف أي أقام وأما في الشريعة فقد فسره في الكتاب باللبث في المسجد ساعة مع الكف عن الجماع وفيه اعتبار أمور (احدها) اللبث وقد حكى الامام رحمه الله في اعتباره وجهين (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب أنه لابد منه لان لفظ العكوف مشعر به (والثانى) أنه يكفى مجرد الحضور كما يكفى الحضور بعرفة في تحقيق ركن الحج ثم فرع على الوجهين فقال إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعبور حتى لو دخل من باب وخرج من باب ونوى فقد اعتكف وإن اعتبرنا اللبث لم يكف ما يكفى في الطمأنينة في اركان الصلاة بل لابد وأن يزيد عليه بما يسمي إقامة وعكوفا ولا يعتبر السكون بل يصح اعتكافه قاعدا وقائما ومترددا في ارجاء المسجد ولا يقدر اللبث بزمان حتي لو نذر اعتكاف ساعة انعقد ولو نذر اعتكافا مطلقا خرج عن عهدة النذر بأن يعتكف لحظة واستحب الشافعي رضى الله عنه أن
يعتكف يوما وذلك للخروج من الخلاف فان مالكا وأبا حنيفة رحمهما الله لا يجوزان اعتكاف أقل من يوم ونقل الصيدلانى وجها أنه لابد من مكث يوم أو ما يدنو من يوم لان ما دون ذلك معتاد في الحاجات التي تعن في المساجد فلا تصلح للقربة وقد عرفت مما ذكرنا أن قوله ولا يشترط اللبث يوما ينبغى أن يرقم بالميم والحاء والواو (وقوله) ولا يكفى العبور بالواو ويجوز أن يرقم به لفظ اللبث أيضا في قوله وهو عبارة عن اللبث ولا يخفى أن قوله ساعة ليس المراد منه الواحدة من الساعات التى يقسم اليوم والليلة عليها ولا سبيل إلى حمله عل اللحظة وان لطفت لما ذكر الائمة انه لابد وأن يزيد علي زمان الطمأنينة ولانه لو حمل علي هذا المعني لضاع واغنى لفظ اللبث عنه فإذا هو محمول علي القدر الذى يثبت اسم العكوف والاقامة فيه (والثاني) كونه في المسجد وهذا سيأتي شرحه في الركن الرابع (والثالث) الكف عن الجماع فلا يجوز للمعتكف الجماع ولا سائر المباشرات بالشهوة لقوله تعالي (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد) ولو جامع بطل اعتكافه سواء جامع في المسجد أو جامع حين خرج لقضاء الحاجة إذا كان ذاكرا للاعتكاف عالما بتحريم الجماع وهذا هو المراد من لفظ الكتاب وإن اطلق الكف عن الجماع فأما إذا جامع ناسيا للاعتكاف أو جاهلا بالتحريم فهو كنظيره في الصوم * وقال مالك وأبو حنيفة واحمد رحمهم الله يفسد الاعتكاف بجماع الناسي ولا فرق
بين جماع وجماع وروى المزني عن نصه في بعض المواضع انه لا يفسد الاعتكاف من الوطئ الا ما يوجب الحد فقال الامام قضية هذا أن لا يفسد باتيان البهيمة إذا لم نوجب به الحد وكذلك بالاتيان في غير المأتى والمذهب الاول ولو لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دون الفرج متعمدا فهل يفسد اعتكافه فيه طريقان (أظهرهما) ان المسألة على قولين (أحدهما) ويروى عن الاملاء انها تفسده لانها مباشرة محرمة في الاعتكاف فأشبهت الجماع (والثاني) يروى عن الام انها لا تفسده لانها مباشرة لا تبطل الحج فلا تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة (والثاني) القطع بأنها لا تفسد حكاه الشيخان أبو محمد والمسعودي والمشهور طريقة القولين وما موضعهما فيه ثلاثة طرق (أحدها) ان القولين فيما إذا أنزل فأما إذا لم ينزل لم يبطل الاعتكاف بلا خلاف كالصوم (وثانيها) ان القولين فيما إذا لم ينزل أما إذا أنزل بطل اعتكافه بلا خلاف لخورجه عن أهلية الاعتكاف بالجنابة (وثالثها) وهو الاظهر طرد القولين وفى الحالين والفرق علي أحد القولين فيما إذا لم ينزل بين الاعتكاف والصوم ان هذه الاستمتاعات في الاعتكاف محرمة لعينها وفى الصوم ليست محرمة لعينها بل لخوف الانزال ولهذا يرخص فيها لمن لا تحرك القبلة شهوته وإذا اختصرت الخلاف في المسألة قلت فيها ثلاثة أقوال أو وجوه (أحدها) انها لا تفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل (والثاني) تفسده أنزل أو لم ينزل وبه قال مالك (والثالث) وبه قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب احمد ان ما انزل منها افسد الاعتكاف ومالا فلا والمفهوم من كلام الاصحاب بعد الفحص ان هذا القول ارجح واليه ميل أبى اسحق المروزى وان استبعده صاحب المهذب ومن تابعه (أما) القول بالفساد عند الانزال فقد أطبق الجمهور علي انه أصح (وأما) المنع عند عدم الانزال فقد نص على ترجيحه المحاملي والشيخ ابو محمد والقاضى الرويانى وغيرهم رحمهم الله وايانا والاستمناء باليد مرتب علي ما إذا لمس فأنزل (ان قلنا) انه لا يبطل الاعتكاف فهذا أولي (وان قلنا) يبطله ففيه وجهان والفرق
كمال الاستاع والالتذاذ ثم باصطكاك البشرتين ولا بأس للمعتكف بأن يقبل علي سبيل الشفقة والاكرام ولا بأن يلمس بغير شهوة " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدني رأسه لترجله عائشة رضى الله عنها وهو معتكف " * قال ﴿ولا يشترط ترك التطيب وترك البيع والشراء (م و) وترك الاكل (م ح) بل يصح الاعتكاف من غير صوم فان نذر أن يعتكف صائما لزمه كلاهما وفى لزوم الجمع قولان ولو نذر ان يعتكف مصليا أو يصوم معتكفا لم يلزم الجمع﴾ * ترك التطيب ليس بشرط في الاعتكاف بل للمعتكف أن يتطيب كما له أن يرجل الرأس ويتزوج ويزوج بخلاف المحرم وله ان يتزين بلبس الثياب إذ لم ينقل أن النبي صلي الله عليه وسلم غير ثوبه للاعتكاف وعن أحمد انه يستحب ترك التطيب والتزين برفيع الثياب ويجوز له أن يأمر باصلاح معاشه وتعهد ضياعه وأن يبيع ويشترى ويخيط ويكتب وما أشبه ذلك ولا يكره شئ من هذه الاعمال إذا لم تكثر سيما إذا وقع في محل الحاجة وان أكثر أو قعد يحترف بالخياطة ونحوها كره ولكن لا يبطل
اعتكافه وعن مالك انه إذا قعد فيه واشتغل بحرفته يبطل اعتكافه ونقل عن القديم قول مثله في الاعتكاف المنذور ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف والمذهب ما سبق لان ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطله كثيره كسائر الافعال ولو كان يشتغل بقراءة القرآن ودراسة العلم فهو زيادة خير وعن أحمد انه لا يستحب له إلا ذكر الله تعالي والصلاة ويجوز له أن يأكل في المسجد والاولى أن يبسط سفرة ونحوها لانه أبلغ في تنظيف المسجد وله أن يغسل اليد والاولي غسلها في طست ونحوها حتي لا يبتل المسجد فيمنع غيره من الصلاة والجلوس فيه ولانه قد يستقذر فيصان المسجد عنه ولهذا قال في التهذيب ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز نضحه بالماء المستعمل وان كان طاهرا لان النفس قد تعافه ويجوز الفصد والحجامة في المسجد بشرط أن يأمن التلويث والاولي الاحتراز عنه وفى البول في الطست احتمالان ذكرهما ابن الصباغ والاظهر المنع وهو الذى أورده صاحب التتمة لانه قبيح واللائق بتعظيم المسجد تنزيهه عنه بخلاف الفصد والحجامة ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة واستدبارها عند الفصد ويمنع عند قضاء الحاجة وليس من شرط الاعتكاف الصوم بل يصح الاعتكاف في الليل وحده وفى العيد وأيام التشريق خلافا لابي حنيفة ومالك رحمهما الله حيث قالا الصوم شرط فيه ولا يصح في العيد وأيام التشريق ولا في الليالي المجردة وعن أحمد روايتان (أصحهما) مثل مذهبنا * لنا ما روى أن عمر رضي الله عنه " سأل النبي صلي الله عليه وسلم قال كنت نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال صلي الله عليه وسلم أوف بنذرك " ولو لم يصح الاعتكاف
في الليلة المفردة لما أمره بالوفاء بنذره ويجوز أن يعلم قوله بل يصح الاعتكاف من غير صوم مع علامات هؤلاء بالواو لان الشيخ أبا محمد وغيره نقلوا عن القديم قولا مثل مذهبهم إذا عرفت ذلك فلو نذر أن يعتكف يوما هو فيه صائم أو اياما هو فيها صائم لزمه الاعتكاف في ايام الصوم لان الاعتكاف بالصوم أفضل وان لم يكن مشروطا به فإذا التزمه بالنذر لزمه كما لو التزم التتابع فيه وليس له في هذه الصورة افراد احدهما عن الآخر بلا خلاف وليست هذه مسألة الكتاب ولو اعتكف في رمضان اجزأه لانه لم يلتزم بهذا النذر صوما وانما نذر الاعتكاف علي صفة وقد وجدت ولو نذر ان يعتكف صائما أو يعتكف بصوم لزمه الاعتكاف والصوم جميعا بهذا النذر وهل يلزمه الجمع بينهما فيه وجهان (احدهما) وبه قال ابو على الطبري لا لانهما عبادتان مختلفتان فأشبه ما إذا نذر ان يصلي صائما (وأصحهما)
ويحكي عن نصه في الام نعم لما ذكرنا في المسألة السابقة فلو شرع في الاعتكاف صائما ثم افطر لزمه استئناف الصوم والاعتكاف علي الوجه الثاني ويكفيه استئناف الصوم علي الوجه الاول ولو نذر اعتكاف أيام وليال متتابعة صائما وجامع ليلا ففيه هذان الوجهان ولو اعتكف عن نذره في رمضان اجزأه عن الاعتكاف في الوجه الاول وعليه الصوم وعلي الثاني لا يجزئه عن الاعتكاف ايضا ولو نذر ان
يصوم معتكفا ففيه طريقان (أظهرهما) طرد الوجهين (والثانى) وبه قال الشيخ أبو محمد القطع بأنه لا يجب الجمع والفرق أن الاعتكاف لا يصلح وصفا للصوم والصوم يصلح وصفا للاعتكاف فانه من مندوباته ولو نذر أن يعتكف مصليا أو يصلى معتكفا لزمه الصلاة والاعتكاف وفى لزوم الجمع طريقان (أحدهما) طرد الوجهين (وأصحهما) القطع بأن لا يجب والفرق أن الصوم والاعتكاف متقاربان فان كل واحد منهما كف وإمساك والصلاة افعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف ويخرج على هذين الطريقين ما لو نذر أن يعتكف محرما فان لم نوجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة