كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال (ويكمل الدم في ثلاث شعرات وفى الواحدة مد قول ودرهم في قول وثلث دم في قول ودم كامل في قول) * ستعرف في باب الدماء فدية الحلق وان اراقة الدماء احدى خصالها ولا يعتبر في وجوبها تامة حلق جميع الرأس ولا قلم جميع الاظفار بالاجماع ولكن يكمل الدم في حلق ثلاث شعرات وقلم ثلاثة أظفار من أظفار اليد والرجل سواء كانت من طرف واحد أو من طرفين خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث قال لا يكمل الدم حتي يحلق ربع الرأس أو يقلم خمسة أظفار من طرف واحد ولمالك رضي الله عنه حيث قال يكمل بحلق ثلاث شعرات وانما يكمل إذا حلق من رأسه القدر الذى يحصل به اماطة الاذى ولاحمد رحمه الله حيث قدر في رواية باربع شعرات والرواية الثانية عنه مثل مذهبنا * لنا ان المفسرين ذكروا في قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) ان المعني فحلق ففدية * ومن حلق ثلاث شعرات فقد حلق وهذا إذا حلقها دفعة واحدة في مكان واحد فان فرق زمانا أو مكانا فسيأتي في النوع السادس حكمه
وان اقتصر على حلق شعرة واحدة أو شعرتين ففيه أقوال (أظهرها) وهو الذى ذكره في أكثر كتبه ان في شعرة مدا من طعام وفى شعرتين مدين لان تبعيض الدم عسر والشرع قد عدل الحيوان بالطعام في جزاء الصيد وغيره والشعرة الواحدة هي النهاية في القلة والمد أقل ما وجب في الكفارات فقوبلت به (والثاني) في شعرة درهم وفى شعرتين درهمين لان تبعيض الدم عسير وكانت الشاة تقوم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة دراهم تقريبا فاعتبرت تلك القيمة عند الحاجة إلى التوزيع (والثالث) رواه الحميدى عن الشافعي في شعرة ثلث دم وفى شعرتين ثلثا دم تقسيما للواجب في الشعرات الثلاث علي الآحاد وقد ذكر ان هذا القول منقول في ترك الحصاة والحصاتين فخرج ههنا وذكر في القول الثاني مثله (والرابع) حكاه صاحب التقريب وغيره ان الشعرة الواحدة تقابل بدم كامل وهو اختيار الاستاذ أبي طاهر ووجهه بان محظورات الاحرام لا تختلف بالقلة والكثرة كما في الطيب واللباس فإذا عرفت ما ذكرناه أعلمت قوله في ثلاث شعرات - بالحاء والميم والالف - ولك أن تعلم الحكم في الاحوال الاربعة بالحاء لانه لا يوجب فيما دون الربع شيئا مقدرا وانما يوجب صدقة وان تعلم قوله ودرهم في قول بالواو لان من الاصحاب من لم يثبته قولا للشافعي وادعي انه ذكره حكاية عن مذهب عطاء والخلاف في الشعرة والشعرتين جار في الظفر والظفرين * ولو قلم دون القدر المعتاد كان كما لو قصر الشعر ولو أخذ من بعض جوانبه ولم يأت على رأس الظفر فقد قال الامام ان قلنا يجب في الظفر الواحد ثلث دم أو درهم فالواجب فيه ما يقتضيه الحساب وان قلنا يجب فيه مد فلا سبيل إلى تبعيضه والله أعلم *
قال (وان حلق بسبب الاذى جاز ولزم الفدية * وان نبتت شعرة في داخل الجفن فلا فدية في نتفها لانه مؤذ بنفسه كالصيد الصائل والنسيان لا يكون عذرا في الحلق والاتلافات علي اظهر القولين) * مقصود الفصل بيان حكم المعذور في الحلق والذى سبق كان مع غير المعذور ونعم صور العذر انه لا يأثم بالحلق وى الفدية صور (احداها) لو كثرت الهوام في رأسه أو كانت به جراحة واحوجه إذا هام إلى الحلق فله ذلك وعليه الفدية * كان كعب بن عجرة يوقد تحت قدره والهوام تنتئر من رأسه فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أيؤذيك هوام رأسك قال نعم قال فاحلق وانسك بدم أو صم ثلاثة أيام أو تصدق بعرق من الطعام على ستة مساكين " والعرق ثلاثة آصع وكذا الحكم لو كان كثير الشعر وكان يتأذى بالحر (الثانية) لو نبتت شعرة أو شعرات في داخل الجفن وكان يتأذى بها فله قلعها ولا فدية عليه لان التأذى ههنا من نفس الشعر فهي كالصيد الصائل على المحرم بخلاف الصورة الاولي * وعن الشيخ ابي على طريقة أخرى في المسألة وهى تخريج الضمان علي وجهين بناء على القولين فيما إذا عمت الجراد المسالك واضطر إلى وطئها واتلافها * ولو طال شعر حاجبه ورأسه وغطى عينه قطع القدر المغطي ولا فدية عليه * وكذا لو انكسر ظفره وتأذى به قطعه ولا يقطع معه من الصحيح شيئا (الثالثة) ذكرنا ان النسيان يسقط الفدية في الطيب واللباس وكذلك الحكم فيما عدا الوطئ من الاستمتاعات كالقبلة واللمس بالشهوة ولو وطئ ناسيا ففيه خلاف سيأتي وهل يسقط الفدية في الحلق والقلم فيه وجهان (احدهما) نعم كما في الاستمتاعات (واصحهما) لا لان الاتلافات لا فرق فيها بين العمد والخطأ كما في ضمان الاموال * وهذا منصوص والاول مخرج من أحد قوليه فيما إذا حلق المغمى عليه فانه نص ثم على قوله ومنهم من قطع بما نص
عليه وامتنع من التخريج وفرق بان الناسي يعقل ما يتعاطاه بخلاف المغمى عليه والمجنون والصبي الذى لا يميز كالمغمي عليه * ويجوز أعلام قوله على أظهر القولين بالوا ولانه أجاب بالطريقة المبينة للخلاف (وقوله) في الحلق والاتلافات يدخل فيه قتل الصيد ويقتضى كونه على الخلاف وهكذا قاله الاكثرون وأشار مشيرون إلى تخصيص الخلاف بالحلق والقلم والقطع بانه لا أثر له في قتل الصيد (وقوله) والنسيان لا يكون عذرا أراد في إسقاط الفدية فاما الاثم فالنسيان يسقطه كما في سائر المحظورات * قال (ولو حلق الحلال شعر الحرام باذنه فالفدية علي الحرام فان كان مكرها فعلى الحلال وان كان ساكتا فقولان) * إذا حلق شعر غيره فاما أن يكون الحالق حراما والمحلوق حلالا أو بالعكس أو يكونا حرامين أو حلالين (أما) الحالة الاخيرة فلا يخفى حكمها (وأما) الاولى فلا منع منها ولا يجب علي الحالق شئ وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث قال ليس للمحرم أن يحلق شعر غيره ولو فعل فعليه صدقة * لنا أن هذا الشعر ليس له حرمة الاحرام فجاز له حلقه كشعر البهيمة (وأما) إذا حلق الحلال أو الحرام شعر الحرام فقد أساء ثم ينظر ان حلق بامره فالفدية على المحلوق لان فعل الحالق بامره مضاف إليه ألا ترى أنه لو حلف أن لا يحلق رأسه فامر غيره فخلق حنث في يمينه ولان يده ثابتة على الشعر وهو مأمور بحفظه اما علي سبيل الوديعة أو العارية كما سيأتي وكلاهما إذا تلف في يده بامره يضمن * وان حلق لا بأمره فينظر ان كان نائما أو مكرها أو مغمى عليه ففيه قولان (اصحهما) أن الفدية على الحالق وبه قال مالك واحمد رحمهما الله لانه المقصر ولا تقصيرمن المحلوق وهذا ما أورده في الكتاب (والثاني) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله واختاره المزني رحمه الله أنها على المحلوق لانه المرتفق به وقد ذكر المزني أن الشافعي رضى الله عنه قد خط على هذا القول لكن الاصحاب نقلوه عن البويطى ووجدوه غير مخطوط عليه وبنوا القولين على أن استحفاظ الشعر في يد المحرم جار مجرى الوديعة أو مجرى العارية وفيه جوابان
(إن قلنا) بالاول فالفدية علي الحالق كما أن ضمان الوديعة علي المتلف دون المودع (وان قلنا) بالثاني وجبت علي المحلوق وجوب الضمان على المستعير قالوا والاول اظهر لان العارية هي التى يمسكها لمنفعة نفسه وقد يريد المحرم الازالة دون الامساك وايضا فانه لو احترق شعره بتطاير الشرر ولم يقدر على التطفية لا فدية عليه ولو كان كالمستعير لوجبت عليه الفدية * (التفريع) ان قلنا الفدية علي الحالق نظر ان فدي فذاك وان امتنع مع القدرة فهل للمحلوق مطالبته باخراجها فيه وجهان وجواب الاكثرين ان له ذلك بناء على ان المحرم كالمودع والمودع خصم فيما يؤخذ منه ويتلف في يديه * ولو اخرج المحلوق الفدية باذن الحالق جاز أو بغير إذنه لا يجوز في اصح الوجهين وبه قال ابن القطان وابو علي الطبري كما لو اخرجها اجنبي بغير اذنه وإن قلنا أن الفدية علي المحلوق فينظر إن فدي بالهدى أو الاطعام رجع باقل الامرين من الطعام أو قيمة الشاة على الحالق ولا يرجع بما زاد لان الفدية على التخيير وهو متطوع بالزيارة وان فدي بالصوم فهل يرجع فيه وجهان (اظهرهما) لا وعلى الثاني بم يرجع فيه وجهان (اظهرهما) بثلاثة امدد من طعام لان صوم كل يوم مقابل بمد (والثاني) بما يرجع به لو فدى بالهدى أو الاطعام * ثم إذا رجع فانما يرجع بعد الاخراج في اصح الوجهين (والثانى) له ان ياخذ منه ثم يخرج وهل للحالق ان يفدى علي هذا القول (اما) بالصوم فلا لانه متحمل والصوم لا يتحمل (واما) بغيره فنعم ولكن باذن المحلوق لان في الفدية معنى القربة فلا بد من نية لاقاة الوجوب * وان لم يكن نائما ولا مغمى عليه ولا مكرها لكنه سكت عن الحلق ولم يمنع منه فقد قال في الكتاب فيه قولان وقال المعظم وجهان (أحدهما) ان الحكم كما لو كان نائما لان السكوت ليس بأمر ألا ترى ان السكوت على اتلاف المال لا يكون أمرا بالاتلاف (وأصحهما) انه كما لو حلق بامره لان الشعر عنده اما كالوديعة أو كالعارية وعلى التقديرين يجب الدفع عنه * ولو امر حلال حلالا بحلق شعر حرام وهو نائم فالفدية على الآمر ان لم يعرف الحالق الحال وان عرف فعليه في أصح الوجهين *
قال (النوع الخامس الجماع ونتيجته الفساد والقضاء والكفارة وإنما يفسد بالجماع قبل التحللين (ح) وفيما بينهما فلا وفى العمرة قبل السقى الا إذا قلنا الحلق نسك فيفسد قبل الحلق وليس للعمرة الا تحلل واحد) * قال الله تعالي (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا والرفث مفسر بالجاع وللجاع في الحج والعمرة نتائج فمنها فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلى وابن عباس وأبى هريرة وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم اجمعين * واتفق الفقهاء عليه بعدهم وانما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوة الاحرام ولا فرق بين أن يقع فبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث قال لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن تلزم به الفدية (وأما) الجماع بين التحللين فلا أئر له في الفساد * وعن مالك واحمد رحمهما الله انه يفسد ما بقى من احرامه ويقرب منه ما ذكره القاضى ابن كج أن ابا القاسم الداركي وابا علي الطبري حكيا قولا عن القديم انه يخرج إلى ادنى الحل ويجدد منه احراما ويأتي بعمل عمرة * واطلق الامام نقل وجه انه مفسد كما قبل التحلل وتفسد العمرة ايضا بالجماع قبل حصول التحلل ووقت التحلل منها مبنى علي الخلاف السابق في الحلق فان لم نجعله نسكا فانما يفسد بالجماع قبل السعي وان جعلناه نسكا فيفسد أيضا بالجماع قبل الحلق * وقال أبو حنيفة رحمه الله انما يفسد إذا جامع قبل أن يطوف أربعة أشواط واما بعد ذلك فلا * ويجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب قبل السعي وقوله قبل الحلق كلاهما - بالحاء - (واعلم) ان التفصيل الذى ذكره في أن الجماع يفسدها قبل الحلق أو لا يفسدها إلا إذا وقع قبل السعي مبنيا علي الحلق هل هو نسك ضرب من البسط والايضاح وإلا فإذا عرفنا في هذا الموضع ان الجماع قبل التحلل مفسد وعرفنا من قبل الخلاف في أن الحلق هل هو نسك أم لا لا يشتبه علينا التفصيل المذكور * واللواط واتيان البهيمة في الافساد كالوطئ في الفرج وبه قال أحمد خلافا لابي حنيفة رحمه الله فيهما ولمالك رحمه الله في اتيان البهيمة وروى ابن كج وجها كمذهب مالك *
قال (ثم يجب المضى في فاسدها باتمام ما كان يتمه لولا الافساد * ثم عليه بدنة إن أفسد وان كان بين التحللين فشاة وقيل بدنة وقيل لا يجب شئ والجماع الثاني بعد الافساد فيه شاة وقيل بدنة وقيل لا شئ بل يتداخل) * سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص خارجا منها لكن الحج والعمرة وان فسدا يجب المضى فيهما وذلك باتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد * روى عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا " من فسد حجه مضى في فاسده وقضي من قابل " ومن نتائج الفساد الكفارة وهى بدنة والقول في كيفة وجوبها وما يقوم مقامها مذكور في باب الدماء * وعند أبى حنيفة رحمه الله ان جامع قبل الوقوف لا تجب الفدية وإنما يجب فيه دم شاة وهذا مع تسليمة حصول الفساد والحالة هذه ولذلك اعلم قوله وعليه بدنة ان أفسد بالحاء * والعمرة كالحج في وجوب البدنة * وعن أبى اسحق أن بعض أصحابنا ذهب إلى أنه لا يجب في افسادها إلا شاة لا نخفاض رتبتها عن رتبة الحج ثم في الفصل مسألتان (احداهما) لو جامع بين التحللين وفرعنا على الصحيح وهو انه لا يفسد ففيما يجب فيه قولان (اظهرهما) شاة لانه لا يتعلق فساد الحج به فاشبه المباشرة فيما دون الفرج * واختار المزني هذا القول وأشار في المختصر إلى تخريجه للشافعي رضي الله عنه وقيل انه حكاه في غير المختصر عن نصه (والثانى) ان الواجب بدنة لانه وطئ محظور في الحج فاشبه الوطئ قبل التحلل وبهذا قال مالك وأحمد ونقل الامام بدل القولين وجهين ووجها ثالثا وهو أنه لا يجب فيه شئ أصلا وهو ضعيف لان الوطئ لا ينقص عن سائر محظورات الاحرام وهى بين التحلين موجبة للفدية على ظاهر المذهب وإذا عرفت ذلك علمت قوله فشاة وقوله لا يجب شئ بالميم والالف وقوله بدنة وقوله لا يجب شئ بالزاى * (الثانية) إذا فسد حجه بالجماع ثم جامع ثانيا فينظر ان لم يفد عن الاول ففى وجوب شئ للثاني قولان (أحدهما) لا يجب بل يتداخلان كما لو جامع في الصوم مرتين لا تجب إلا كفارة واحدة (وأصحهما) أنه لا تداخل لبقاء الاحرام ووجوب الفدية بارتكاب سائر المحظورات بخلاف الصوم فانه بالجماع الاول قد خرج عنه * وان فدي عن الاول فلا تداخل على المشهور ومنهم من طرد القولين وبعضهم خصص القولين في الحالين بما إذا طال الزمان بين الجماعين أو اختلف المجلس وقطع بالتداخل فيما إذا لم يكن كذلك وحيث قلنا بعدم التداخل ففيما يجب بالجماع
الثاني قولان (أحدهما) بدنة كما في الجماع الاول (وأظهرهما) شاة لانة محظور لا يتعلق به فساد النسك فاشبه سائر المحظورات وإذا اختصرت هذه الاختلافات قلت في المسألة ثلاثة أقوال علي ما ذكره في الكتاب (أظهرها) أن الجماع الثاني يوجب شاة وبه قال أبو حنيفة رحمه الله (والثانى) انه يوجب بدنة (والثالث) أنه لا يوجب شيأ وبه قال مالك * وعند أحمد رحمه الله ان كفر عن الاول وجب للثاني بدنة ويجوز ان يعلم لهذه المذاهب قوله فيه شاة بالميم والالف وقوله بدنة بالميم والحاء وقوله لا شئ بالحاء والالف * قال (ثم إذا اتم الفاسد لزمه القضاء ويتادى بالقضاء ما كان يتادى بالاداء من فرض اسلام أو غيره فان كان تطوعا فيجب القضاء ولا يتأدى به غير التطوع وفى وجوب القضاء على الفور وجهان وكذا في الكفارة وقضاء الصوم إذا وجبا بعدوان * وان كان بسبب مباح فلا يضيق وقضاء الصلاة المتروكة عمدا على الفور لتعلق القتل به * وإذا احرم من مكان لزمه في القضاء ان يحرم من ذلك المكان ولا يلزمه ان يحرم في ذلك الزمان بل له التأخير) * إفساد الحج يقتضي القضاء بالاتفاق وقد روينا عن كبار الصحابة رضى الله عنهم انهم قالوا وقضي من قابل ولا فرق في وجوب القضاء بين حج الفرض وحج التطوع فان التطوع يصير بالشروع فرضا ايضا وقضاء كل حجة يجزئ عما كان يجزئ اداؤها لولا الفساد فلا يتأدى بالفرض غيره ولا بالتطوع غيره * ولو افسد القضاء بالجماع لزمته الكفارة ولم يلزمه إلا قضاء واحد لان المقضي واحد ويتصور القضاء في عام الافساد بان يحصر بعد الافساد ويتعذر عليه المضي في الفاسد فيتحلل ثم يتفق زوال الحصر والوقت باق فيشتغل بالقضاء * هذا اصل الفصل ويتعلق به صور (احداها) في كيفية وجوب القضاء وجهان (احدهما) انه على التراخي كما كان الاداء علي التراخي (واصحهما) انه على الفور لانه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة رضى الله عنهم انه يقضى من
قابل وعن القفال اجراء هذا الخلاف في كل كفارة وجبت بعدوان لان الكفارة في وضع الشرع على التراخي كالحج (وأما) الكفارة الواجبة من غير عدوان فهي على التراخي لا محالة وأجرى الامام رحمه الخلاف في المتعدى بترك الصوم أيضا والكلام في انقسام قضاء الصوم إلى الفور والتراخي والخلاف فيه قد مر في كتاب الصوم * قال الامام والمتعدي بترك الصلاة يلزمه قضاؤها على الفور بلا خلاف على المذهب لان المصمم على ترك القضاء مقتول عندنا ولا يتحقق هذا إلا مع توجه الخطاب بمبادرة القضاء وهذا ما أورده المصنف حكما وتوجيها وفى التوجيه وقفة لان أكثر الاصحاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القضاء على ما عرفت في باب تارك الصلاة (وأما) الحكم فاعلم أن في وجوب الفور وجهين في حق المتعدى (أحدهما) وبه اجاب في الكتاب انه يجب لان جواز التأخير توع ترفيه وتخفيف والمتعدي لا يستحق ذلك ويحكي هذا عن أبي اسحق وهو الاشبه على ما ذكرنا في ترك الصوم (والثاني) انه لا يجب إذ الوقت قد فات واستوت بعده الاوقات وربما رجح العراقيون هذا الوجه (وأما) غير المتعدى فالمشهور انه لا يلزمه الفور في القضاء روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتي خرج من الوادي " ونقل في التهذيب وجها انه يلزمه لقوله صلى الله عليه وسلم " فليصلها إذا ذكرها " الثانية ان كان قد أحرم في الاداء قبل الميقات مثل ان أحرم من الكوفة أو من دويرة أهله لزمه أن يخرج في القضاء من ذلك الموضع لان ما بين ذلك الموضع مسافة لزمه قطعها محرما في الاداء فيلزمه في القضاء كما بين الميقات ومكة ولو جاوزه اراق دما كما لو جاوز الميقات الشرعي * وان كان قد أحرم بعد مجاوزة الميقات نظر ان جاوزه مسيئا لزمه في القضاء ان يحرم الميقات الشرعي وليس له ان يسئ ثانيا وهذا معني قول الاصحاب يحرم في القضاء من أغلظ الموضعين عليه من الميقات أو من حيث أحرم في الاداء وان جاوزه غير مسئ بأن لم يرد النسك ثم بدا له فأحرم ثم افسد فقد حكى الشيخ أبو على فيه وجهين (أحدهما) وهو الذى أوره صاحب التهذيب ان عليه ان يحرم في القضاء من الميقات الشرعي لانه الواجب في الاصل (وأصحهما) عند الشيخ أبي على انه لا يلزم ذلك بل له أن يحرم
من ذلك الموضع سلوكا بالقضاء مسلك الاداء ولهذا لو اعتمرا المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحج من مكة وأفسده لا يلزمه في القضاء أن يحرم من الميقات بل يكفى أن يحرم من جوف مكة * ولو افرد الحج ثم احرم بالعمرة من ادنى الحل ثم افسدها يكفيه ان يحرم في قضائها من أدنى الحل والوجهان مفروضان فيما إذا لم يرجع الي الميقات فما فوقه (اما) إذا رجع ثم عاد فلا بد من الاحرام من الميقات * واعلم قوله في الكتاب لزمه في القضاء ان يحرم من ذلك المكان بالميم والحاء لان مالكا وابا حنيفة رحمهما الله قالا يحرم في قضاء الحج من الميقات وفى قضاء العمرة من التنعيم * ولا يجب ان يحرم بالقضاء في الزمان الذي احرم فيه بالاداء بل له التأخير عنه مثل ان يحرم بالاداء في شوال له ان يحرم بالقضاء في ذى القعدة وفرقوا بين الزمان والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المكاني أكمل الا ترى ان مكان الاحرام يتعين بالنذر وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الاحرام بالحج في شوال له أن يؤخره وظني ان هذا الاستشهاد لا يسلم عن النزاع (الثالثة) ولم يذكرها في الكتاب لو كانت المرأة محرمة ايضا نظر ان جامعها وهى نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد وحينئذ يجب على كل واحد منهما بدنة أو لا يجب إلا بدنة واحدة فيه قولان والاصح الثاني * ثم تلك البدنة تختص بالرجل أو يلاقيها وهو متحمل عنها فيه قولان كما سبق في الصوم وقطع قاطعون بلزوم البدنة عليها بخلاف الصوم لان هناك يحصل الفطر
قبل تمام حقيقة الجماع وغير الجماع لا يوجب الكفارة * وإذا خرجت الزوجة للقضاء فهل يجب على الزوج ما زاد من النفقة بسبب السفر فيه وجهان قال في العدة ظاهر المذهب منهما الوجوب * وإذا خرجا معا للقضاء فليفترقا في الموضع الذى اتفقت الاصابة فيه كيلا تدعوه الشهوة إلي المعاودة فان معهد الوصال مشوق وهل يجب فيه قولان (القديم) نعم وبه قال أحمد لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال " فإذا أتيا المكان الذى أصابا فيه ما أصابا تفرقا " (والجديد) لا وبه قال أبو حنيفة كما لا يجب في سائر المنازل ويستحب أن يتفرقا من حين الاحرام وذهب مالك الي وجوبه * قال (ولو أفسد القارن ففى لزوم دم القران وجهان وتفوت العمرة بفساد القران وهل تفوت بفوات الحج في القران فيه وجهان وجه الفرق أن التحلل عن الفائت بأعمال العمرة) * يجوز للمفرد بأحد النسكين إذا فسده أن يقضيه مع الآخر قارنا وان يتمتع بالعمرة إلى الحج ويجوز للمتمتع والقارن القضاء على سبيل الافراد ولا يسقط دم القران بالقضاء علي سبيل الافراد خلافا لاحمد رحمه الله * إذا عرفت ذلك ففى الفصل مسألتان (إحداهما) إذا جامع القارن لم يخل اما أن يجامع قبل التحلل الاول أو بعده (الحالة الاولى) أن يجامع قبله فيفسد نسكاه ويجب عليه بدنة واحدة لاتحاد الاحرام وهل يلزم دم القران مع البدنة فيه وجهان (أحدهما) لا لانه لم يتمتع بقرانه
وقد ذاق وبال الافساد فيكتفي به (وأظهرهما) ولم يورد المعظم سواه نعم لانه لزم بالشروع فلا يسقط بالافساد * وعن أبي حنيفة رحمه الله لا بدنة الا مع الا فساد كما سبق ويلزمه شاتان لانهما نسكان ثم إذا اشتغل بقضائهما فان قرن أو تمتع فعليه دم آخر وإلا فقد اشار الشيخ أبو على رحمه الله تعالى إلى خلاف فيه ومال مالك إلى انه لا يجب شئ آخر * (الثانية) أن يجامع بعد التحلل الاول فلا يفسد واحد من نسكيه واحتج له بأن عروض المفسد بعد التحلل من العبادة لا يؤثر ألا ترى انه إذا سلم التسليمة الاولى من الصلاة ثم اتي بمفسد لم تفسد صلاته ولا فرق بين ان يكون قد أتى بأعمال العمرة أو لم يأت بها وعن الاودنى انه إذا لم يأت بشئ من اعمال العمرة تفسد العمرة والمذهب الاول لان العمرة في القران تتبع الحج في الحكم ولهذا يحل للقارن معظم محظورات الاحرام بعد التحلل الاول وان لم يأت بأعمال العمرة * ولو قدم القارن مكة وطاف وسعى ثم جامع بطل نسكاه جميعا وان كان ذلك بعد أعمال العمرة * ثم الواجب في هذه الحالة بدنة أو شاة فيه قولان قد سبقا (المسألة الثانية) القارن إذا فاته الحج لفوات الوقوف هل يقضى بفوات عمرته فيه قولان وقال الامام وصاحب الكتاب وجهان (اظهرهما) نعم اتباعا للعمرة للحج كما تفسد بفساده وتصح بصحته (والثانى) لا لان وقتها موسع ويخالف الفساد لان من فاته الحج يتحلل بعمل عمرة فلا معنى لتفويت عمرته مع اتيانه بها واتساع وقتها وإذا قلنا بفواتهما فعليه دم واحد للفوات ولا يسقط عنه دم القران وإذا قضاهما فالحكم على ما ذكرنا في قضائهما عند الافساد وان قرن أو تمتع فعليه دم ثالث وإلا فعلى الخلاف *
قال (والجماع دائر بين الاستمتاعات والاستهلاكات فان الحق بالاستمتاعات كان النسيان عذرا فيه) * جميع ما ذكرنا في جماع العامد العالم بالتحريم فأما إذا جامع ناسيا أو جاهلا بالتحريم ففى فساد حجه قولان (القديم) وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزنى رحمه الله أنه يفسد لانه سبب معلق به وجوب القضاء فأشبه الفوات في استواء عمده وسهوه (والجديد) انه لا يفسد إلا أن يعلم فيدوم عليه ووجهه ان الحج عبادة تتعلق الكفارة بافسادها فيختلف حكمها بالعمد والسهو كالصوم ويفارق الفوات لان الفوات يتعلق بارتكاب محظور ولا يخفى افتراق الطرفين في الاصول (وقوله) والجماع دائر بين الاستمتاعات والاستهلاكات إلى آخره أشار به إلى ما ذكره الائمة ان معنى الاستمتاع بين في الجماع وفيه مشابهة الاستهلاك ولهذا يضمن به المهر بالقولان مبنيان على ان أي المعتبين يرجح ان رجحنا معني الاستمتاع فرقنا بينهما كما في الطيب واللباس وهو الاصح (وقوله) كان النسيان عذرا فيه معلم - بالحاء والميم والزاى - لما عرفته من مذهبهم ولو اكره على الوطئ فمنهم من جعل الفساد على وجهين بناء على القولين في الناسي وعن أبى على بن ابى هريرة رحمه الله القطع بالفساد ذهابا إلى ان اكراه الرجل على الوطئ ممتنع * ولو أحرم عاقلا ثم جن فجامع ففيه القولان في جماع الناسي والله اعلم *
قال (ويفسد الحج بالردة طالت أو قصرت فلو عاد إلى الاسلام لم يلزم المضى في الفاسد على أحد الوجهين لان الردة محبطة) * لما تكلم فيما يفسد الحج وهو الجماع أراد أن يبين أن المفسد هل هو منحصر فيه أم لا وفقه الفصل أن الاصحاب اختلفوا في أن عروض الردة في خلال الحج والعمرة هل يفسدهما على وجهين (أحدهما) أنها لا تفسدهما لكن لا يعتد بالمأتى به في زمان الردة على ما مر نظيره في الوضوء والاذان (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنها تفسدهما كما تفسد الصوم والصلاة ولا فرق على الوجهين بين أن يطول زمانها أو يقصر وإذا قلنا بالفساد فوجهان (أظهرهما) أنه يبطل النسك بالكلية حتى لا يمضى فيه لا في الردة ولا إذا عاد إلى الاسلام لان الردة محبطة للعبادة (والثانى) أن سبيل الفساد ها هنا كسبيله عند الجماع فيمضى فيه لو عاد إلى الاسلام لكن لا تجب الكفارة كما أن افساد الصوم بالردة لا تتعلق به الكفارة ومن قال بالاول فرق بينها وبين الجماع بمعنى الاحباط وأيضا فان ابتداء الاحرام لا ينعقد مع الردة بحال وفى انعقاده مع الجماع ثلاثة أوجه (أحدها) أنه ينعقد على الصحة فان نزع في الحال فذاك والا فسد نسكه وعليه البدنة والقضاء والمضى في الفاسد (والثانى) أنه ينعقد فاسدا وعليه القضاء والمضى فيه مكث أو نزع ولا تجب الفدية ان نزع في الحال وان مكث وجبت وهل هي بدنة أو شاة يخرج على القولين في نظائر هذه الصورة (الثالث) أنه لا ينعقد أصلا كما لا تنعقد الصلاة مع الحدث *
قال (النوع السادس مقدمات الجماع كالقبلة والمماسة فكل ما ينقض الطهارة منها يوجب الفدية أنزل أو لم ينزل (م) ولا نجب البدنة الا بالجماع وأما النكاح والانكاح لا ينعقدان من المحرم (ح) ولا فدية فيه) * مقصود الفصل مسألتان (احداهما) ليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج كالمفاخذة واللمس بالشهوة قبل التحلل الاول فان الاعتكاف يحرم جميع ذلك ومعلوم أن الاحرام أولي بتحريمه فيه وفى حلها بعد التحلل الاول ما مر من الخلاف وحيث ثبت التحريم وباشر شيأ منها عمدا وجبت عليه الفدية روى عن على وابن عباس رضي الله عنهما " أنهما أوجبا بالقبلة شاة " وان كان ناسيا لم يلزمه شئ بلا خلاف لانه استمتاع محض ولا يفسد شئ منها الحج ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل وبه قال أبو حنيفة * وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد * لنا أنه استمتاع لا يتعلق به الحد فلا يفسد الحج كما لو لم ينزل وليكن قوله ولا تلزم البدنة الا بالجماع معلما بالميم والالف لما روينا عنهما وايضا فلان عن احمد روايتين في أنه تجب بدنة أو شاة تفريعا على عدم الفساد في صورة الانزال وايضا فلانه روى عنه هذا الخلاف في صورة عدم الانزال وقد نجد في النسخ اعلام قوله أو لم ينزل بالميم لان صاحب الكتاب حكى في الوسيط عن مذهب
مالك انه لا يجب الدم عند الانزال والاغلب على الظن انه وهم فيه (فرعان) (الاول) الاستمناء باليد يوجب الفدية في اصح الوجهين (الثاني) لو باشر دون الفرج ثم جامع هل تدخل الشاة في البدنة أو يجبان جميعا فيه وجهان (المسألة الثانية) لا ينعقد نكاح المحرم ولا إنكاحه ولا نكاح المحرمة ولا يستحب خطبة المحرم وخطبة المحرمة والقول في هذه المسألة والخلاف فيها وتفاريعها ياتي في كتاب النكاح ان شاء الله تعالى * قال (فان قيل فلو باشر جميع هذه المحظورات فهل يتداخل الواجب قلنا ان اختلف الجنس كالاستهلاك والاستمتاع لم يتداخل وإن اختلف النوع في الاستهلاك كالقلم والحلق لم يتداخل ايضا * وجزاء الصيود لا يتداخل * وان اتحد النوع والزمان في الاستمتاع تداخل كما إذ البس العمامة والسراويل والخف على التواتر المعتاد فيكفيه دم واحد وإن تخلله زمان فاصل فقولان في الاتحاد ومعهما تخلل التكفير تعدد * وإن اختلف النوع في الاستمتاع كالتطيب واللبس فالاصح التعدد وان كان العذر شاملا كما لو حلق أو تطيب أو تستر بسبب شجة مرة واحدة أو تطيب مرارا بسبب مرض واحد ففى التداخل وجهان ولو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة اوقات وقلنا لا اثر لتفريق الزمان فالواجب دم والا فثلاثة دراهم على قول وثلاثة امداد على قول)
الغرض الآن الكلام فيما إذا وجد من المحرم من محظورات الاحرام شيئان فصاعدا وبيان انه متى تتعدد الفدية ومتى تتداخل ولو اخر هذا الفصل إلى ان يذكر النوع السابع ايضا لكان احسن في الترتيب * وجملة القول فيه ان المحظورات تنقسم إلى استهلاك كالحلق واستمتاع كالتطيب وإذا باشر محظورين فاما ان يكون احدهما من قسم الاستهلاك والآخر من الاستمتاع أو يكونا معا من قسم الاستهلاك أو من قسم الاستمتاع (الحالة الاولى) ان يكون احدهما من هذا والآخر من ذاك فينظر ان لم يستند إلى سبب واحد كحلق الراس ولبس القميص تعددت الفدية ولا تداخل لان السبب مختلف ولا تداخل عند اختلاف السبب كما في الحدود وإن استند إلى سبب واحد كما إذا أصاب رأسه شجة واحتاج الي حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب فوجهان (أصحهما) أنه لا تداخل أيضا لاختلاف أسباب الفدية (والثانى) أنها تتداخل لان الداعي الي جميعها شئ واحد * (الحالة الثانية) أن يكون كلاهما من قسم الاستهلاك فلا يخلو إما أن يكونا مما لا يقابل بالمثل أو بما يقابل به أو أحدهما من هذا والآخر من ذاك فاما الضرب الاول فينظر إن اختلف نوعه كالحلق والقلم فلا تداخل ويجب لكل واحدا فدية سواء وجد على سبيل التفرق أو التوالى في مكان واحد أو مكانين كالحدود لا تتداخل إذا اختلفت أسبابها ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في ضمن فعل واحد كما لو لبس ثوبا مطيبا يلزمه فديتان وفيه وجه أنه لا يجب إلا فدية واحدة * وان اختلف النوع كما إذا كان الموجود منه الحلق لا غير فقد سبق أن حكم ثلاث
شعرات يقابل بدم واحد ولو حلق جميع الراس دفعة واحدة في مكان واحد لم يلزمه الا فدية واحدة لانه يعد فعلا واحدا وكذا لو حلق شعر رأسه وبدنه على التواصل * وعن الانماطى أنه يلزمه فدية لشعر الرأس وفدية لشعر البدن * ولو حلق شعر رأسه في مكانين أو في مكان واحد ولكن في زمانين متفرقين ففى التداخل طريقان (احدهما) وبه قال القاضي أبو الطيب انه كما لو اتحد نوع الاستمتاع واختلف المكان والزمان وستعرفه (واصحهما) وبه قال الشيخ ابو حامد القطع بعدم التداخل لانه اتلاف فيضمن كل واحد ببدله كما في قتل الصيود ويخالف ما إذا حلق شعره أو قلم أظفاره دفعة واحدة فان وجوب الفدية الواحدة ليس علي سبيل التداخل بل لان الموجود فعل واحد * ولو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة امكنة أو ثلاثة اوقات متفرقة (فان قلنا) ان كل شعرة تقابل بثلث دم فلا فرق بين أخذهما دفعة واحدة أو في دفعات (وان) قلنا ان الشعرة الواحدة تقابل بمد أو درهم والشعرتين بمدين أو درهمين فينبني على الخلاف الذى ذكرناه الآن وان لم نعدد الفدية فيما إذا حلق الراس في دفعتين أو دفعات ولم نجعل لتفريق الزمان اثرا فالواجب فيها دم كما لو اخذها دفعة واحدة وان عددناها وجعلنا التفريق مؤثر اقطعنا حكم كل شعرة عن الاخريين واوجبنا فيها ثلاثة دراهم على قول وثلاثة امداد علي قول * (والضرب الثاني) ما يقابل بمثله وهو اتلاف الصيود فتتعدد فديتها سواء فدى عن الاول أو لم يفد اتحد المكان أو اختلف
والى أو فرق لان سبيلها سبيل ضمان المتلفات وحكم الضرب الثالث حكم الضرب الثاني بلا فرق (الحالة الثالثة) ان يكون كلاهما من قسم الاستمتاع فلا يخلو اما ان يتحد النوع أو يختلف (القسم الاول) ان يتحد كما لو تطيب بانواع من الطيب أو لبس انواعا من المخيط كالعمامة والقميص والسراويل والخف أو نوعا واحدا مرة بعد اخرى فينظر ان فعل ذلك في مكان واحد علي التوالي فلا تعدد لان جميعه يعد خطة واحدة * قال الامام ولا يقدح في التوالى طول الزمان في مضاعفة القميص وتكوير العمامة ويشبه هذا بالرضعة الواحدة في الرضعاع والاكلة الواحدة في اليمين وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله على التتابع المعتاد * وإن فعل ذلك في مكانين أو مكان واحد ولكن تخلل زمان فاصل فينظر ان لم يتخلل التكفير بينهما فقولان (الجديد) وبه قال أبو حنيفة انه يجب للثاني فدية اخرى كما في الاتلاف (والقديم) انه لا يجب وتتداخل لان الفدية تجب لحق الله تعالى ويفرق فيها بين العامد والناسى فاشبهت الجنايات الموجبة للحدود (فان قلنا) بالاول فذلك إذا لم يجمعها سبب واحد (اما) إذا تطيب أو لبس مرارا لمرض واحد فوجهان كما ذكرنا في الحالة الاولى (وأصحهما) التعدد أيضا * وإن تخلل بينهما تكفير فلا خلاف في وجوب فدية أخرى كما في باب الحدود * وإن كان قد نوى بما اخرجه الماضي والمستقبل جميعا فيبنى على أن تقديم الكفارة على الجنب المحظور هل يجوز ام لا (ان قلنا) لا فلا أثر لهذه النية (وان قلنا) نعم فوجهان (احدهما) ان الفدية ملحقة بالكفارة في جواز التقديم فلا يلزمه للثاني شئ (والثانى) المنع كما لا يجوز للصائم ان يكفر قبل الافطار
(والقسم الثاني) أن يختلف النوع كما إذا لبس وتطيب فوجهان في تعدد الفدية وان اتحد المكان وتواصل الزمان (أحدهما) أنها لا تتعدد لان المقصد واحد وهو الاستمتاع ويحكي هذا عن ابن أبى هريرة (وأصحهما) التعدد لتباين السبب ومنهم من نظر إلى اتحاد السبب وتعدده كما قدمنا نظيره وما ذكرنا كله في غير الجماع (أما) إذا تكرر منه الجماع فقد ذكرنا حكمه من قبل * هذا شرح الفصل ولا تلمني علي ما لحق مسائله من التقديم والتأخير فالذي أوردته أحسن ما حضرني من طرق الشرح وفوق كل ذى علم عليم * ويجوز أن يعلم قوله وجزاء الصيود لا يتداخل أيضا بالحاء لان عند أبى حنيفة رحمه الله انها لا تتداخل إذا قتلها الا على قصد رفض الاحرام (فاما) إذا قتلها قاصدا رفض الاحرام لم يجب إلا جزاء واحد * قال (النوع السابع اتلاف الصيد ويحرم بالحرم والا حرام كل صيد مأكول ليس مائيا من غير فرق بين أن يكون مستأنسا (م) أو وحشيا مملوكا أو مباحا (م) ويحرم التعرض لاجزائه ولبيضه وما ليس مأكولا فلا جزاء فيه (ح) الا إذا تولد من مأكول وغير مأكول وصيد البحر حلال) * من محظورات الاحرام الاصطياد قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقال الله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) . ولا يختص تحريمه بالاحرام بل له سبب آخر وهو كونه في الحرم ولما اشترك السببان فيما يقتضيانه من التحريم والجزاء ومعظم المسائل جرت العادة بخلط أحدهما بالآخر وذكر ما يشتركان فيه وما يختص به كل واحد منهما في هذا الموضع فقد جعل صاحب الكتاب الكلام في السبب الاول في نظرين (أحدهما) في الصيد المحرم وفيما يجب به ضمانه (والثانى) في أن الضمان ماذا (أما) الاول فالصيد المحرم كل مأكول متوحش ليس مائيا هذه عبارة صاحب الكتاب في الوسيط واستغني ههنا بلفظ الصيد عن المتوحش فانه لا يقع عن الحيوانات الانسية وبين ما يدخل في الضابط المذكور ويخرج عنه بصور (إحداها) لا فرق بين المستانس والوحشي لانه وان استانس لا يبطل حكم توحشه الاصلى كما أنه لو توحش انسى لا يحرم التعرض له ابقاء لحكمه الاصلى *
وقال مالك لا جزاء في المستانس ولا فرق في وجوب الجزائين بين أن يكون الصيد مملوكا كالانسان أو مباحا نعم يجب في المملوك مع الجزاء ما بين قيمته حيا ومذبوحا لحق المالك وعن المزني أنه لا جزاء في الصيد المملوك * لنا ظاهر القرآن (الثانية) كما يحرم التعرض للصيد يحرم التعرض لاجزائه بالجرح والقطع لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحرم " لا ينفر صيدها " ومعلوم أن القطع والجرح أعظم من التنفير وإذا جرحه ونقصت الجراحة من قيمته فياتي القول فيما يجب عليه في النظر الثاني وإن برئ ولم يبق نقصان ولا اثر فهل يلزمه شئ فيه وجهان * هذا كالخلاف فيما إذا جرحه فاندملت الجراحة ولم يبق نقص ولا شين هل يجب شئ ويجرى الخلاف فيما نتف ريشه فعاد كما كان * (الثالثة) بيض الطائر المأكول مضمون بقيمته خلافا لمالك حيث قال فيه عشر قيمة البائض وللمزني حيث قال لا يضمن اصلا * لنا ما روى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم " قضى في بيض نعام أصابه المحرم بقيمته " فان كانت مذرة فلا شئ عليه بكسرها كما
لو قد صيدا ميتا الا في بيض النعامة ففيها قيمتها لان قشرها منتفع به * قاله في الشامل ولو نفر طائرا عن بيضته التي استحضنها ففسدت فعليه القيمة ولو أخذ بيض دجاجة فاحصنها صيدا ففسد بيضه أو لم يحضنه ضمنه لان الظاهر أن الفساد نشأ من ضم بيض الدجاجة الي بيضه * ولو أخذ بيضة صيد واحضنها دجاجة فهو في ضمانها إلى أن يخرج الفرخ ويصير ممتنعا حتي لو خرج ومات قبل الامتناع لزمه مثله من النعم ولو كسر بيضة وفيها فرخ ذو روح فطار وسلم فلا شئ عليه وان مات فعليه مثله من النعم ولو حلب لبن صيد فقد قال كثير من ائمتنا من العراقيين وغيرهم أنه يضمن وحكوا عن أبى حنيفة رحمه الله انه ان نقص الصيد به ضمنه والا فلا واحتجوا عليه بانه ماكول انفصل من الصيد فاشبه البيض وذكر القاضى الرويانى في التجربة أنه لا ضمان في اللبن بخلاف البيض فانه بعرض ان يخلق منه مثله (الرابعة) ما ليس بماكول من الدواب والطيور صنفان ما ليس له أصل ماكول وما أحد أصليه ماكولا (أما) الصنف الاول فلا يحرم التعرض
له بالاحرام ولو قتله المحرم لم يلزمه الجزاء وبه قال أحمد روى انه صلى الله عليه وسلم قال " يقتل المحرم السبع العادى " ومعلوم أن الاسد والنمر والفهد سباع عادية وقال أبو حنيفة رحمة الله يجب الجزاء بقتل غير المملوك من الصيد الا الذئب والفواسق الخمس وقال مالك رحمة الله مالا يبتدى بالايذاء يجب الجزاء فيه كالصقر والبازى * ثم الحيوانات الداخلة في هذا الصنف على أضرب (منها) ما يستحب قتلها للمحرم وغيره وهى المؤذيات بطبعها نحو الفواسق الخمس روى انه صلى الله عليه وسلم قال " خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " وروى أنه قال " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح فذكرهن " وفى معناها الحية والذئب
والنسر والعقاب والبق والبرغوث والزنبور ولو ظهر القمل على بدن المحرم أو ثيابه لم يكره تنحيته ولو قتله لم يلزمه شئ ويكره له أن يفلى رأسه ولحيته وان فعل فاخرج منها قملة وقتلها تصدق ولو بلقمة نص عليه وهو عند الاكثرين محمول على الاستحباب ومنهم من قال انه يجب ذلك لما فيه من إزالة الاذى عن الرأس (ومنها) الحيوانات التى فيها منفعة ومضرة كالفهد والصقر والبازى فلا يستحب قتلها لما يتوقع من المنفعة ولا يكره لما يخاف من المضرة (ومنها) التي لا تظهر فيها منفعة ولا مضرة كالخنافس والحلان والسرطان والرحمة والكلب الذى ليس بعقور فيكره قتلها * ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع لورود النهى عن قتلها وفى وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلها * (والصنف) الثاني ما أحد أصليه مأكول كالمتولد بين الذئب والضبع وبين حمار الوحش وحمار الاهل فيحرم التعرض له ويجب الجزاء فيه احتياطا كما يحرم
أكله احتياطا واعلم أن الصنف الاول يخرج عن الضابط المذكور بقيد المأكول لكن الصنف الثاني يدخل فيه ويحرم الضبط والوجه أن يزاد فيه فيقال كل صيد هو ماكول أو في أصله ماكول * (الخامسة) الحيوانات الانسية كالنعم والخيل والدجاج يجوز للمحرم ذبحها ولا جزاء عليه وأما ما يتولد من الوحشى والانسى كالمتولد من اليعقوب والدجاجة أو الظبي والشاة فيجب في ذبحه الجزاء احتياطا كما في المتولد من المأكول وغير المأكول وطريق ادراجه في الضابط يقاس بما ذكرناه فيه (السادسة) انما يحرم صيد البر على المحرم دون صيد البحر قال الله تعالى (أحل لكم صيد البحر) الآية قال الاصحاب وصيد البحر الذى لا يعيش الا في البحر أما ما يعيش في البر والبحر فهو كالبر والطيور المائية التى تغوص في الماء وتخرج من صيود البر لانها لو تركت في الماء لهلكت والجراد من صيد البر يجب الجزاء بقتله وبه قال عمر وابن عباس رضي الله عنهما وحكى الموفق ابن طاهر وغيره قولا غريبا أنه من صيود البحر لانه يتولد من روث السمك والله أعلم * قال (ويضمن هذا الصيد بالمباشرة والسبب واليد والسبب كنصب الشبكة أو ارسال كلب أو انحلال رباطه بنوع تقصير في ربطه أو تنفير صيد حتى يتعثر قبل سكون نفاره فكل ذلك يوجب الضمان إذا أفضي إلى التلف * ولو حفر المحرم بئرا في ملكه لم يضمن ما تردى فيه ولو حفر في الحرم فوجهان ولو أرسل كلبا حيث لا صيد فعرض صيد ففى الضمان وجهان) * قد عرفت ان الصيد المحرم أي صيد هو والغرض الآن بيان الجهات التى يضمن بها ذلك الصيد وهي ثلاث (الاولى) مباشرة الاتلاف وهي ثلاثة (والثانية) التسبب إليه وموضع تفسيره وضبطه كتاب الجنايات وتكلم ههنا في صور (احداها) لو نصب شبكة في الحرم أو نصب المحرم شبكة فتعقل بها صيد وهلك فعليه الضمان سواء نصبها في ملك نفسه أو ملك غيره لان نصب الشبكة يقصد بها الاصطياد فهو بمثابة الاخذ باليد (الثانية) لو ارسل كلبا فاتلف صيد اوجب عليه الضمان لان ارسال الكلب يسبب إلى الهلاك ولو كان الكلب مربوطا فحل رباطه فكذلك لان السبع شديد الضراوة بالصيد فيكفى في قصد الصيد حل الرباط وان كان الاصطياد لا يتم الا بالاغراء * ولو انحل الرباط لتقصيره في الربط نزل ذلك منزلة الحل وحكى الامام رحمه الله في هذه الصورة تردد الائمة فليكن قوله
أو انحلال رباطه معلما بالواو لذلك وحيث اوجبنا الضمان في هذه المسائل فذلك إذا كان ثم صيد فان لم يكن فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيد فوجهان (أحدهما) انه لا يضمن إذا لم يوجد منه قصد الصيد (وأرجحهما) على ما رواه الامام انه يضمن لحصول التلف بسبب فعله وجهله لا يقدح فيه كما سنذكره في حفر البئر (الثالثة) لو نفر المحرم صيدا فتعثر فهلك أو اخذه سبع أو انصدم بشجر أو جبل وجب عليه الضمان سواء قصد تنفيره أو لم يقصد ويكون في عهدة المنفر إلى ان يعود الصيد إلى طبيعة السكون والاستقرار فلو هلك بعد ذلك فلا شئ عليه ولو هلك قبل سكون النفار ولكن بآفة سماوية ففى الضمان وجهان (أحدهما) يجب ويكون دوام أثر النفار كاليد المضمنة (وأشبهما) انه لا يجب لانه لم يهلك بسبب من جهة المحرم ولا تحت يده (الرابعة) لو حفر المحرم أو حفر في الحرم بئرا في محل عدوان فتردى فيها صيد وهلك فعليه الضمان ولو حفره في ملكه أو في موات فأما في حق المحرم فظاهر المذهب انه لا ضمان كما لو تردت فيها بهيمة أو آدمى ونقل صاحب التتمة وجها غريبا أنه يجب الضمان (وأما) في الحرم فوجهان مشهوران (أحدهما) انه لا ضمان كما لو حفر المحرم في ملكه (والثانى) يجب لان حرمة الحرم لا تختلف وصار كما لو نصب شبكة في الحرم في ملكه وأومأ صاحب التهذيب رحمه الله إلى ترجيح الوجه الاول لكن الثاني أشبه ويحكى ذلك عن الربيع وصاحب التلخيص ولم يورد في التتمة غيره * قال (ولو دل حلالا على صيد عصى ولا جزاء عليه وفى تحريم الاكل عليه منه قولان وما ذبحه لنفسه فأكله حرام عليه وهل هو ميتة في حق غيره فيه قولان وكذا صيد الحرم) * في الفصل مسألتان (إحداهما) لو دل الحلال محرما على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم ولا شئ على الحلال سواء كان الصيد في يده أو لم يكن نعم هو مسئ بالاعانة على المعصية ولو دل المحرم حلالا على صيد فقتله نظر ان كان الصيد في يد المحرم وجب عليه الجزاء لان حفظه واجب عليه ومن يلزمه الحفظ يلزمه الضمان إذا ترك الحفظ كما لو المودع السارق على الوديعة وإن لم يكن في يده وهو مسألة الكتاب فلا جزاء علي الدال ولا على القاتل أما القاتل فلانه حلال وأما الدال فكما لو دل
رجلا على قتل انسان لا كفارة على الدال وساعدنا مالك رحمه الله على ذلك وقال أبو حنيفة رحمه الله ان كانت الدلالة ظاهرة فلا جزاء عليه وان كانت خفية ولولاها لما رأى الحلال الصيد يجب الجزاء وسلم في صيد الحرم انه لا جزاء على الدال * وعن أحمد ان الجزاء يلزم الدال والقاتل بينهما * وقوله في الكتاب وفي تحريم الاكل منه عليه قولان صريح في اثبات الخلاف في أن المحرم هل يجوز له أن يأكل من الصيد الذي دل عليه الحلال حتى قتله لكن الوجه ان تغير هذه اللفظة ويجوز أن يجعل مكانها وفي وجوب الجزاء عليه عند الاكل منه قولان أما التغيير فلانك إذا بحثت لم تر نقل الخلاف في جواز الاكل للمحرم والصورة هذه لا لغير صاحب الكتاب وله له في الوسيط وغيره بل وجدتهم جازمين بحرمة الاكل علي المحرم مما صيد له أو باعانته بسلاح وغيره أو باشارته ودلالته محتجين عليه بما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " لحم الصيد حلال لكم في الاحرام ما لم تصطادوه أو لم يصطد لكم "
وبما روى أن أبا قتاده رضى الله عنه " خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم فتخلف عن بعض أصحابه وهو حلال وهم محرمون فرأو احمر وحش فاستوى علي فرسه ثم سال أصحابه أن ينا ولوه سوطا فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه وحمل على الحمر فعقر منها اتانا فأكل منها بعضهم وأبي بعضهم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه فقال هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا لا قال فكلوا ما بقى من لحمها " أشعر ذلك بالتحريم إذا كان الاصطياد باعانته أو دلالته
أو له وعجيب أن يكون نقل القولين صوابا ثم يغفل عنه كل من عداه من الاصحاب وهو أيضا في غير هذا الكتاب (وأما) جواز التبديل بما ذكرت فلان القولين في أن ما صيد للمحرم أو بدلالته أو باعانته لو أكل منه هل يلزمه جزاؤه مشهوران (أحد) القولين وهو القديم وبه قال مالك واحمد رحمهما الله انه يلزمه القيمة بقدر ما أكل لان الاكل فعل محرم في الصيد فيتعلق به الجزاء كالقتل ويخالف ما لو ذبحه وأكله حيث لا يلزم بالاكل جزاء لان وجوبه بالذبح اغنى عن جزاء آخر (والجديد) انه لا يلزم لانه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤول إلى النماء فلا يتعلق باتلافه الجزاء كما لو اتلف بيضة مذرة * (واعلم) أن هذه المسالة مذكورة في الكتاب من بعد وتبديل اللفظ يفضى الي التكرار لكنى لا أدرى على ماذا يحمل ان لم يحتمل التكرار * ولو امسك محرم صيدا حتي قتله غيره نظر ان كان حلالا فيجب الجزاء علي المحرم لتعدية بالامساك والتعريض للقتل وهل يرجع به علي الخلاف * قال الشيخ أبو حامد لا لانه غير ممنوع من التعرض للصيد وقال القاضى أبو الطيب نعم * هذا ما أورده في التهذيب وشبهه بما إذا غصب شيئا فاتلفه متلف في يده يضمن الغاصب ويرجع على المتلف وإن كان محرما أيضا فوجهان (أظهرهما) أن الجزاء كله على القاتل لانه مباشر ولا أثر للامساك مع المباشرة (والثاني) أن لكل واحد من الفعلين مدخلا في الهلاك فيكون الجزاء بينهما نصفين وقال في العدة الصحيح أن الممسك يضمنه باليد والقاتل يضمنه بالاتلاف فان أخرج الممسك الضمان رجع به على المتلف وان أخرج المتلف لم يرجع على الممسك (المسالة الثانية) إذا ذبح المحرم صيدا لم يحل له الاكل منه وهل يحل الاكل منه لغيره فيه قولان (الجديد) وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله أنه ميتة لانه ممنوع من الذبح لمعنى فيه فصار كذبيحة المجوسى فعلى هذا لو كان مملوكا وجب مع الجزاء القيمة للمالك (والقديم) أنه لا يكون ميتة ويحل لغيره الاكل منه لان من يحل بذبحه الحيوان الانسى يحل بذبحه الصيد كالحلال فعلى هذا لو كان الصيد مملوكا فعليه مع الجزاء ما بين قيمته حيا ومذبوحا للمالك وهل يحل له بعد زوال الاحرام فيه وجهان (أظهرهما) لا وفى صيد الحرم إذا ذبح طريقان (أظهرهما) طرد القولين والآخر القطع بالمنع والفرق أن صيد الحرم منع منه جميع الناس في جميع الاحوال فكان آكد تحريما وليكن قوله وكذا صيد الحرم معلما بالواو لمكان الطريقة الاخرى * قال (واثبات اليد عليه سبب الضمان الا ئاذا كان في يده فاحرم ففى لزوم رفع اليد قولان فان قلنا يلزم ففى زوال ملكه قولان وإن قلنا لا يلزم فلو قتله ضمن لانه ابتداء اتلاف * ولو اشترى صيدا وقلنا إن الاحرام لا يقطع دوام الملك ففيه قولان كما في شراء الكافر العبد المسلم والصحيح أنه يرث ثم يزول ملكه) * الثالثة من جهات الضمان اثبات اليد ويد المحرم على الصيد إما أن يقع ابتداؤها في حال الاحرام أو يكون ابتداؤها سابقا على الاحرام (أما) اثبات اليد عليه ابتداء في حال الاحرام فهو حرام غير مفيد للملك فإذا أخذ صيدا ضمنه كما يضمن الغاصب ما يتلف في يده بل لو تولد تلف الصيد بما في يده لزمه الضمان كما لو كان راكب دابة فاتلفت صيدا بعضها أو رفسها وكذا لو بالت في الطريق فزلق به صيد وهلك كما لو زلق به آدمى أو بهيمة (أما) لو انفلت بعيره فاصاب الصيد فلا شئ عليه نص علي ذلك كله (واما) إذا تقدم ابتداء اليد على الاحرام فان كان في يده صيد مملوك ثم احرم فهل يلزمه رفع اليد عنه فيه قولان (احدهما) لا كما لا يلزمه تسريح زوجته وان حرم ابتداء النكاح عليه (والثاني) نعم لان الصيد لا يراد للدوام فتحرم استدامته كالطيب واللباس ويحرم عليه النكاح فانه يقصد للدوام وهذا أصح القولين على ما ذكره المحاملى والكرخي وغيرهما من العراقيين (واعلم) أنا نعنى برفع اليد الارسال والاطلاق الكلي وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله يجب رفع اليد المتأبدة عنه ولا يجب رفع اليد الحكمية والارسال المطلق (التفريع) ان لم نوجب الارسال فهو على ملكه له بيعه وهبته لكن لا يجوز له قتله ولو قتله يجب الجزاء كما لو قتل عبده يلزمه الكفارة ولو أرسله غيره لزمه القيمة للمالك وإن قتله فكذلك فان كان محرما لزمه الجزاء أيضا ولا شئ على المالك كما لو مات * وان أوجبنا الارسال فهل يزول ملكه عنه فيه قولان (أحدهما) وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله لا كما لا يبين زوجته (والثاني) نعم كما يزول حل الطيب واللباس وهذا أصح عند العراقيين وعكس بعض الاصحاب الترتيب فوضع القولين في زوال الملك أولا ثم قال ان قلنا لا يزول الملك ففى وجوب الارسال قولان والامر فيه قريب (التفريع) ان قلنا يزول ملكه فارسله غيره أو قتله فلا شئ عليه ولو أرسله المحرم فاخذ غيره ملكه ولو لم يرسله حتى تحلل فهل عليه ارساله فيه وجهان (أحدهما) وهو المنصوص نعم لانه كان مستحق الارسال فلا يرتفع هذا الاستحقاق بتعدية بالامساك (والثانى) ويحكى عن أبى اسحق انه لا يجب ويعود ملكا له كالعصير إذا تخمر ثم تخلل وحكى الامام رحمه الله على هذا القول وجهين في أنه يزول بنفس الاحرام أو الاحرام يوجب عليه الارسال فإذا أرسل حينئذ يزول والاول أشبه بكلام الجمهور (وإن قلنا) لا يزول ملكه عنه فليس لغيره أخذه ولو أخذه لم يملكه ولو قتله ضمنه وهو بمثابة المنفلت من يده وعلى القولين جميعا
لو مات الصيد في يده بعد إمكان الارسال لزمه الجزاء لانها مفرعان علي وجوب الارسال وهو مقصر بالامساك * ولو مات الصيد قبل إمكان الارسال فقد حكم الامام رحمه الله وجهين في وجوب الضمان وقال المذهب وجوبه ولا خلاف في أنه لا يجب تقديم الارسال على الاحرام (وقوله) في الكتاب ففى لزوم رفع اليد قولان يجوز أن يعلم لفظ القولين بالواو لان القاضى ابن كج روى عن أبي اسحق طريقة قاطعة بانه لا يلزم وحيث قال بالارسال اراد به الاستحباب (وقوله) لانه ابتداء اتلاف أراد به أنا على هذا القول وإن جوزنا استدامة اليد والملك فلا يجوز الاتلاف لان الاتلاف ليس باستدامة وإنما هو ابتداء فعل وكان الاحسن في التعبير عن هذا الغرض أن يقول لان الاتلاف ابتداء ثم في الفصل مسالتان (احداهما) لو اشترى المحرم صيدا أو اتهب أو أوصى له فقبل يفرع ذلك على الخلاف الذي سبق (ان قلنا) ان الملك يزول عن الصيد بالاحرام لا يملكه بهذه الاسباب لان من منع من ادامة الملك فهو أولي بالمنع من ابتدائه وان قلنا لا يزول ففى صحة الشراء والهبة قولان بناء على القولين فيما إذا شترى الكافر عبدا مسلما ويدل على المنع ما روى ان الصعب ابن جثامة " أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنا لم نرد عليك إلا انا حرم " فان صححنا هذه العقود فذاك وإلا فليس له القبض فان قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لله تعالي والقيمة للبائع وان رده عليه سقطت القيمة ولا يسقط ضمان الجزاء الا بالارسال وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبدا مرتدا فقتل في يده وفى أنه من ضمان من يتلف خلاف سنذكره في موضعه ان شاء الله تعالى * (الثانية) إذا مات له قريب وفى ملكه صيد هل يرثه ان جوزنا الشراء وغيره من الاسباب الاختيارية نعم والا فوجهان والاظهر ثبوته لانه لا اختيار فيه وعلي هذا فقد ذكر الامام وصاحب الكتاب انه يزول ملكه عقيب ثبوته بناء علي أن الملك يزول عن الصيد بالاحرام وفى التهذيب وغيره ما ينازع في زواله عقيب ثبوته لانهم قالوا إذا ورثه فعليه ارساله فان باعه صح ولا يسقط عنه ضمان الجزاء حتى لو مات في يد المشترى يجب الجزاء علي البائع وانما يسقط عنه إذا أرسله المشترى (وان قلنا) بانه لا يرث فالملك في الصيد لسائر الورثة واحرامه بالاضافة إلى الصيد مانع من موانع الميراث * كذا أورده أبو سعيد المتولي وذكر أبو القاسم الكرخي على هذا الوجه انه احق به فيوقف حتى يتحلل فيتملكه * ولو اشترى صيدا من انسان ووجد به عيبا
وقد أحرم البائع فان قلنا يملك الصيد بالارث يرد عليه والا فوجهان لان منع الرد اضرار بالمشترى ولو باع صيدا وهو حلال وأحرم ثم أفلس المشترى بالثمن لم يكن له الرجوع علي الاصح كالشراء والاتهاب بخلاف الارث فانه قهرى ولو استعار المحرم صيدا أو أودع عنده كان مضمونا بالجزاء عليه وليس له التعرض له فان ارسله سقط عنه الجزاء وضمن القيمة للمالك وان رده إلى المالك لم يسقط عنه ضمان الجزاء ما لم يرسله المالك وحيث صار الصيد مضمونا على المحرم بالجزاء فان قتله حلال في يده فالجزاء علي المحرم وان قتله محرم آخر فالجزاء عليهما أو علي القاتل ومن في يده طريق فيه وجهان * قال (وإن أخذ صيد اليداوية كان وديعة (ح) والناسى كالعامد في الجزاء لا في الاثم ولو صال عليه صيد فلا ضمان في دفعه ولو أكله في مخمصة ضمن * ولو عم الجراد المسالك فتخطاه المحرم ففيه وجهان) * في هذه البقية صور (إحداها) لو خلص المحرم صيدا من فم هرة أو سبع أو من شق جدار أو اخذه ليداويه ويتعهده فمات في يده هل يضمن فيه قولان كما لو أخذ المغصوب من الغاصب ليرده علي الملك فهلك في يده (أحدهما) وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه يضمن لان المستحق لم يرض بيده فتكون يده يد ضمان (والثاني) لا يضمن لانه قصد المصلحة فتجعل يدوه ديعة والقولان معا منصوصان في عيون المسائل وايراده يقتضى ترجيح الثاني منهما وهو المذكور في الكتاب (الثانية) الناسي كالعامد في وجوب الجزاء لا في الاثم أما افتراقهما في الاثم فلما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان " الخبر (وأما) استواؤهما في وجوب الجزاء فلان الاتلاف يوجب الضمان على العامد والخاطئ على نسق واحد بدليل الضمانات الواجبة للآدميين وخرج بعض الاصحاب في وجوب الضمان على الناسي قولين لانه حكي عن نصه قولان فيما إذا أحرم ثم جن وقتل صيدا (أحدهما) وجوب الضمان لما ذكرنا (والثاني) المنع لان الصيد على الاباحة وإنما يخاطب بترك التعرض
له من هو أهل للتكليف والخطاب * وقد ذكرنا هذا الخلاف مرة في النوع الرابع من المحظورات (وقوله) في الكتاب والناسي كالعامد يجوز اعلامه بالواو لذلك وبالالف أيضا لان أبا نصر بن الصباغ ذكر أن في رواية عن أحمد لا جزاء على المخطئ بحال (الثالثة) لو صال الصيد على محرم أو في الحرم فقتله دفعا فلا ضمان عليه لانه بالصيال التحق بالمؤذيات * وعن أبى حنيفة رحمه الله انه يجب ولو ركب إنسان صيدا وصال على محرم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله فالذي أورده الاكثرون انه يجب عليه الضمان لان الاذى ههنا ليس من الصيد * وحكى الامام أن القفال رحمه الله ذكر فيه قولين (أحدهما) ان الضمان على الراكب ولا يطالب به المحرم (والثاني) انه يطالب المحرم ويرجع بما غرم على الراكب * وان ذبح صيدا في مخمصة وأكله ضمن لانه أهلكه لمنفعة نفسه من غير ايذاء من الصيد * ولو اكره محرم أو محل في الحرم على قتل صيد فقتله فوجهان (أحدهما) ان الجزاء على المكره (والثاني) على المكره ثم يرجع على المكره وعن أبى حنيفة أن الجزاء في صيد الحرم علي المكره وفى الاحرام علي المكره (الرابعة) ذكرنا ان الجراد مما يضمن بالقيمومة بيضه مضمون بالقيمة كاصله فلو وطئها عامدا أو جاهلا ضمن ولو عمت المسالك ولم يجد بدا من وطئها فوطئها ففى الجزاء قولان وقال الامام وصاحب الكتاب وجهان (أحدهما) يجب لانه قتلها لمنفعة نفسه فصار كما لو قتل صيدا في المخمصة (وأظهرهما) لا يجب لانها الجأته إليه فاشبه صورة الصيال * وحكي الشيخ أبو محمد رحمه الله طريقة أخرى قاطعة بانه لا جزاء فيجوز أن يعلم قوله وجهان بالواو لذلك * ولو باض صيد في فراشه ولم يمكنه رفعه ألا بالتعرض للبيض وفسد بذلك ففيه هذا الخلاف *
قال (النظر الثاني في الجزاء فالواجب في الصيد مثله من النعم أو طعام بمثل قيمة النعم أو صيام يعدل (ج) الطعام لك يوم مد فان انكسر مد كمل وهو على التخيير فان لم يكن مثليا كالعصافير وغيرها فقدر قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما والعبرة في قيمة الصيد بمحل الاتلاف وفي قيمة النعم بمكة لانه محل ذبحه) * الصيد ينقسم إلى مثلي ونعنى به ماله مثل من النعم والى ما ليس بمثلى (أما) الاول فجزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحا ولا يجوز أن يخرجه حيا وبين أن يقوم المثل دراهم ثم لا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن ان شاء اشترى بها طعاما وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوما حيث كان قال الله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) إلى قوله صياما (وأما) الثاني وهو ما ليس بمثلى كالعصافير وغيرها من الطيور على ما ستعرف ضروبها ففيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاما ثم إن شاء تصدق بها وان شاء صام عن كل مد يوما فان انكسر مد في القسمين صام يوما لان الصوم لا يتبعض * وإذا تأملت هذا التفصيل عرفت ان للجزاء
ثلاثة أركان في القسم الاول الحيوان والطعام والصيام وركنين في الثاني وهما الطعام والصيام وهي أو هما على التخيير في ظاهر المذهب * وعن رواية ابي ثور قول انها على الترتيب وهو أضعف الروايتين عن احمد وقال مالك رحمه الله ان لم يخرح المثل عن المثلى يقوم الصيد لا المثل * وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجب المثل بل عليه قيمة الصيد فان شاء تصدق بها وان شاء اشترى بها شيئا من النعم التي تجزى في الاضحية فذبح وان شاء صرفها إلى الطعام فاعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره أو صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما * وعن احمد انه لا يخرج الطعام وانما التقويم بالطعام لمعرفة قدر الصيام وحكاية هذه المذاهب تنبئك ان قوله في الكتاب مثله من النعم ينبغي ان يكون معلما بالحاء (وقوله) أو طعام بالالف (وقوله) مثل قيمة النعم بالميم (وقوله) لكل مد يوم بالحاء (وقوله) على التخيير بالالف والواو * وإذا لم يكن الصيد مثليا فالعبرة في قيمته بمحل الاتلاف وان كان مثليا واراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الاطعام أو
الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ * هذا نصه ونقل بعض الشارحين فيه طريقين (أصحهما) الجريان على ظاهر النصين (أما) اعتبار قيمة محل الاتلاف في الحالة الاولى فقياسا على كل متلف متقوم (وأما) اعتبار قيمة مكة في الاخرى فلان محل ذبح المثل مكة لو كان يذبح فإذا عدل عنه عدل بقيمته في محل الذبح (والطريق الثاني) انهما على قولين وحيث اعتبرنا قيمة مكان الاتلاف فقد ذكر الامام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام في ذلك المكان أيضا أو سعر الطعام بمكة والظاهر منهما الثاني * قال (والمثلي كالنعامة ففيه بدنة وفي حمار الوحش بقرة وفي الضبع كبش وفي الارنب عناق وفي الظبي عنز وفي اليربوع جفرة وفي الصغير صغير وفي الكبير كبير ويحكم بالمماثلة عدلان فان كان القاتل أحدهما وهو مخطئ غير فاسق ففي جوازه وجهان * وفي الحمام شاة وفي معناه القمري والفواخت وكل ما عب وهدر * وما دونه فيه القيمة وما فوقه فيه قولان (أحدهما) القيمة قياسا والثاني الحاقه بالحمام) *
من المهم في الباب معرفة أن المثل ليس معتبرا على التحقيق وانما هو معتبر على التقريب وليس معتبرا في القيمة بل في الصورة والخلقة لان الصحابة رضى الله عنهم حكموا في النوع الواحد من الصيد بالنوع الواحد من النعم مع اختلاف البلاد وتفاوت الازمان واختلاف القيم بحسب اختلافها فعلم أنهم اعتبروا الخلقة والصورة * إذا تقرر ذلك فالكلام في الدواب ثم في الطيور (أما) الدواب فما ورد فيه نص فهو متبع وكذلك كل ما حكم فيه عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل للصيدا لمقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم قال الله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) وقد حكما * وعن مالك أنه لا بد من تحكيم عدلين من أهل العصر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " انه قضى في الضبع بكبش " وعن الصحابة رضى الله عنهم أنه قضوا في النعامة ببدنة وفي حمار الوحش وبقر الوحش ببقرة وفي الغزال بعنز وفي الارنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وعن عثمان رضى الله أنه حكم في أم حبين بحلان وعن عطاء ومجاهد أنهما حكما في الوبر بشاة * قال الشافعي رضى الله عنه إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة لانه ليس بأكبر بدلا منها وعن عطاء ان في الثعلب شاة وعن عمر رضى الله
عنه أن في الضب جديا وعن بعضهم أن في الابل بقرة * واعف ههنا شيئين (أحدهما) تفسير ما يشكل من هذه الالفاظ.
أما العناق فهو اسم الانثى من ولد المعز قال أهل اللغة وهي عناق من حين تولد إلى أن ترعى والجفرة هي الانثى من ولد المعز تفطم وتفصل عن أمها وتأخذ في الرعي وذلك بعد اربعة اشهر والذكر جفر هذا معناهما في اللغة ويجب أن يكون المراد من الجفرة ههنا ما دون العناق فان الارنب خير من اليربوع وأم حبين دابة على خلقة الحرباء عظيمة البطن ومنه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال
ممازحا لبلال رضى الله عنه وقد تدحرج بطنه " أم حبين " قال الشيخ أبو محمد وأرى هذا الحيوان من صغار الضب حتى يفرض مأكولا * واعلم أن في حل أم حبين ترددا نذكره في كتاب الاطعمة ان شاء الله تعالى والقول بوجوب الجزاء مفرع على الحل (وأما) الحلان فمنهم من فسره بالحمل ومنهم من فسره بالجدي والحلام كالحلان والوبر دابة كالجراد الا أنها أنبل وأكرم منها وهي كحلاء من جنس بنات عرس تكون في الفلوات وربما أكلها البدويون والانثى وبرة (الثاني) قد نجد في كتب بعض الاصحاب أن في الظبي كبشا وفي الغزال عنزا وهكذا أورد أبو القاسم الكرخي وزعم أن الظبي ذكر الغزال وأن الغزال الانثى قال الامام والذي ذكره هؤلاء وهم بل الصحيح أن في الظبي عنزا وهو شديد الشبه به فانه اجرد الشعر متقلص الذنب وأما الغزال فهو ولد الظبي فيجب فيه ما يجب في الصغار فهذا هو القول فبما ورد فيه نقل وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شئ فيرجع فيه إلى قول عدلين قال الله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) وليكونا فقيهين كيسين وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين أو يكونا قاتلا الصيد الحكمين ان كان القتل عمدا وعدوانا فلا لانه يورث الفسق والحكم لا بد وأن يكون عدلا وان كان خطأ أو كان مضطرا إليه فوجهان (احدهما) وبه قال مالك انه لا يجوز كما لا يجوز ان يكون المتلف أحد المقومين (واصحهما)
انه يجوز لما روى " ان رجلا قتل ضبا فسأل عمر رضى الله عنه فقال احكم فيه فقال انت خير مني وأعلم يا امير المؤمنين فقال انا امرتك ان تحكم فيه ولم آمرك ان تزكيني فقال الرجل ارى فيه جديا فقال عمر رضى الله عنه فذلك فيه " وايضا فانه حق الله تعالى فيجوز ان يكون المؤمن عليه امينا فيه كما ان رب المال امين في الزكاة * ولو حكم عدلان بان له مثلا وآخر عن بانه لا مثل له فلا خذ بقول الاولين إلى قاله في العدة.
(واما) الطيور فتقسم إلى حمام وغيره أما الحمام ففيه شاة روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وابن عمر وابن عباس وعاصم بن عمر وعطاء وابن المسيب وغيرهم رضى الله عنهم وعلام بني ذلك فيه وجهان (أحدهما) أن ايجابها لما بينهما من الشبه فان كل واحد منهما يألف البيوت ويأنس بالناس (واصحهما) أن مستنده توقيف بلغهم فيه (وأما) غيره فان كان أصغر من الحمام في الجثة كالزرزور والعصفورة والبلبل والقنبرة والوطواط فالواجب فيه القيمة قياسا وقد روى عن الصحابة رضى الله عنهم أنهم حكموا في
الجراد بالقيمة ولم يقدروا * وان كان أكبر من الحمام أو مثلا له ففيهما قولان (أحدهما) أن الواجب شاة لانها لما وجبت في الحمام فلان تجب فيما هو أكبر منه كان أولى (والثاني) وهو الجديد وأحد قوليه في القديم أن الواجب القيمة قياسا كما لو كان أصغر * وعن الشيخ أبي محمد ان بناء القولين على المأخذين السابقين ان قلنا وجوب الشاة توقيف صرف ففي الاكبر أيضا شاة استدلالا وان قلنا انه ماخوذ من المشابهة بينهما فلا وقوله في الكتاب ففيها بدنة وفي حمار الوحش بقرة إلى آخرها يجوز إعلامها بالحاء لان أبا حنيفة رحمه الله لا يوجب المثل في شئ من الصيود (وقوله) وفي الصغير صغير أراد به أن كل جنس من الصيود المثلية يعتبر فيما يجب فيه من النعم المماثلة في الصغر والكبر ففي الصغير صغير وفي الكبير كبير لظاهر قوله تعالى (مثل ما قتل من النعم) والكلمة معلمة بالميم لان عند مالك الواجب الكبير وان كان الصيد صغيرا وقوله وهو مخطئ غير فاسق قد عرفت مما مر أنه لم يذكره (وقوله) وفي الحمام شاة معلم بالميم لان مالكا إنما يوجب الشاة في حمامة الحرم وأما حمامة الحل إذا قتلها المحرم فالواجب عنده فيها القيمة (وقوله) وفي معناه القمري والفواخت وكل ما عب وهدر ظاهره يقتضى خروج هذه الطيور عن تفسير الحمام والحاقها به في الحكم لكن المشهور أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر فمنه صغار وكبار ويدخل فيه اليمام وهي التي تالف البيوت والقمري والفاختة والداس والفاس والقطا * والعب هو شرب الماء جرعا وغير الحمام من الطيور تشربه قطرة قطرة والهدير هو
ترجيعه صوته وتغريده والا شبه أن ماله عب فله هدير ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ذلك * يدل عليه نص الشافعي رضى الله عنه في عيون المسائل قال وما عب في الماء عبا فهو حمام وما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام * قال (فروع يجوز مقابلة المريض بالمريض وفي مقابلة الذكر بالانثى مع التساوي في اللحم والقيمة ثلاثة أقوال في الثالث تؤخذ الانثى عن الذكر كما في الزكاة بخلاف عكسه) * رسم المسائل المذكورة في هذا الموضع إلى راس السبب الثاني فروعا ونحن نشرحها واحدا واحدا (أحدها) المريض من الصيود يقابل بالمريض من مثله من النعم وكذلك المعيب بالمعيب إذا اتحد جنس العيب كالعوراء بالعوراء وان اختلف الجنس فلا كالعوراء بالحوراء وان كان عور أحدهما باليمين وعور الاخرى باليسار ففي الاجزاء وجهان (أصحهما) ولم يورد العراقيون غيره الاجزاء لتقارب الامر فيه ولو قابل المريض بالصحيح أو المعيب بالسليم فقد زاد خيرا وقال مالك إن ذلك واجب ويفدى الذكر بالذكر والانثى بالانثى وهل يفدى الذكر بالانثى وبالعكس أما فداء الذكر بالانثى فقد ذكروا أن اشارة النص مختلفة فيه وللاصحاب فيه طريقان (أظهرهما) ان المسألة على قولين (أحدهما) المنع لانهما مختلفان في الخلقة وذلك مما يقدح في المثلية (وأصحهما) الجواز كما في الزكاة ولان هذا اختلاف لا يقدح في المقصود الاصلي فاشبه الاختلاف في اللون (والطريق الثاني) تنزيل النصين على حالين ان أراد الذبح لم يجز لان لحم الذكر أطيب وإن أراد التقويم جاز لان قيمة الانثى أكثر (وقيل) ان لم تلد الانثى جاز وان ولدت فلا لان الولادة تفسد اللحم وإذا جوزنا ذبح الانثى عن الذكر فهل هو أولى قال بعضهم نعم لان لحم الانثى أرطب وقال القاضي أبو حامد لا لان لحم الذكر أطيب (وأما) فداء الانثى بالذكر ففي جوازه وجهان ويقال قولان كما سبق وحكي الامام طريقة أخرى أن فداء الذكر بالانثى جائز لا محالة كما في الزكاة وإنما التردد في عكسه وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب وإذا تأملت ما حكيناه من كلام الاصحاب وجدتهم طاردين للخلاف مع نقصان اللحم * وقال الامام رحمه الله ان كان ما يخرجه ناقصا في طيب اللحم أو في القيمة لم يجزه بلا خلاف والخلاف مخصوص بما إذا لم يكن فيه واحد من النقصانين والى هذا أشار صاحب الكتاب بقوله مع تساوي اللحم والقيمة *