كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يلزم من الجهة التى جرت العادة بالنظر منها والعادة لم تجر بالنظر من أسفل وتوقف امام الحرمين وصاحب المعتمد في صورة الواقف علي طرف السطح لان الستر من الاسفل انما لا يراعي إذا كان علي وجه الارض فان التطلع من تحت الازار لا يمكن الا بحيلة وتعب أما إذا كان علي طرف السطح فالاعين تبتدر ادراك السوءة فليمتنع ذلك ولو صلي في قميص واسع الجيب ترى عورته من الاعلي في حال من احوال الصلاة اما في الركوع والسجود أو غيرهما لم تصح الصلاة لما روى عن سلمة بن الاكوع قال " قلت يا رسول الله انى رجل اصيد أفاصلى في القميص الواحد قال نعم وازرره بشوكة " وطريقه عند سعة الجيب أن يزره
كما أرشد إليه النبي صلي الله عليه وسلم أو يشد وسطه بخيط أو يستر موضع الجيب بشئ يلقيه على عاتقه أو ما أشبه ذلك وكذا لو لم يكن واسع الجيب لكن كان علي صدر القميص أو ظهره خرق تبدو منه العورة فلا بد من شئ مما ذكرناه ولو كان القميص بحيث يرى من سعة جيبه شئ من العورة عند الركوع والسجود لكن منع منها لحيته أو شعر رأسه ففيه وجهان أحدهما لا تجزيه صلاته لان الساتر لا بد وان يكون غير المستتر فلا يجوز أن يكون بعضه لباسا له وهذا ما ذكره القاضي ابن كج والروياني واصحهما أنه يجوز لحصول مقصود الستر كما لو ستره بمنديل وكما لو كان على ازاره ثقبة فجمع عليها الثوب بيده ولو ستر باليد الثقبة ففيه الوجهان ولا يخفى أن الكلام فيما إذا لم تمس السوءة ولو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع ولا مانع وكان لا يظهر شئ منها في القيام فهل تنعقد صلاته ثم إذا انحنى بطل أو لا تنعقد أصلا قال امام الحرمين فيه هذا الوجهان لان سبب عدم التكشف التصاق صدره في القيام بموضع ازراره وتظهر فائدة الخلاف فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع وفيما لو القى ثوبا على عاتقه قبله ويتبين بما ذكرناه أن قوله الا إذا كانت كثافة لحيته مانعة من الرؤية ليس لحصر الاستثناء في هذه الصورة بل لو صلى في قميص متسع الجيب وشد وسطه أو أتى بطريق آخر يمنع الرؤية كما سبق جاز وكذا لو ستر باليد بعض عورته في جريان الوجهين والاصح منهما (واعلم) أنه يشترط في الستر ان يكون الساتر شيئا يشتمل الستور عليه اما باللبس كالثوب والجلد أو بغير
اللبس كما في صورة التطيين فأما الفسطاط الضيق ونحوه فلا عبرة به لانه لا يعد مشتملا عليه وانما يقال هو داخل فيه ولو وقف في جب وصلي على جنازة فان كان واسع الرأس تظهر منه العورة لم يجز وان كان ضيق الرأس فقد قال في التتمة يجوز ذلك ومنهم من قال لا يجوز لانه لا يعد ذلك سترا * قال (ولو وجد خرقة لا تكفى الا لاحدى السوءتين لم يستر بها الفخذ ويخير بين السوءتين علي أعدل الوجوه إذ لا ترجيح ولو عتقت الامة في أثناء الصلاة تسترت واستمرت فان كان الحمار بعيدا فعلي قولي سبق الحدث) *
في الفصل مسالتان نذكرهما وما يليق بهما في قاعدتين (احداهما) إذا لم يجد المصلى ما يستر به العورة صلى عاريا والقول في أنه كيف يصلى وإذا صلى هل يقضى قد سبق في آخر كتاب التيمم ولو حضر جمع من العراة فلهم أن يصلوا جماعة وينبغى أن يقف امامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة وهل يسن لهم اقامة الجماعة أم الاولى ينفردوا فيه قولان القديم أن الانفراد اولي ويحكى عن أبي حنيفة ولو كان فيهم لابس فليؤمهم وليقفوا صفا واحدا خلفه فان خالفوا فأم عار واقتدى به اللابس جاز خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يجوز اقتداء اللابس بالعارى ولو اجتمع رجال ونساء فلا يصلون معا لا في صف ولا في صفين بل يصلي الرجال أولا والنساء جالسات خلفهم مستدبرات للقبلة ثم يصلي الرجال والنساء جالسون خلفهن كذلك ولو وجد المصلي ما يستر به بعض العورة فعليه أن يستر به القدر الممكن بلا خلاف لا كمن يجد من الماء
ما لا يكفيه لطهارته فان فيه خلافا قدمناه لان للماء بدلا ينتقل إليه والستر بخلافه ثم ان كان ما وجده يكفى للسوءتين بدأ بهما ولو كان لا يكفى الا أحدهما لم يعدل الي ستر غيرهما كالفخذ لان ما سوى السوءتين كالتابع والحريم لهما فسترهما أهم واولي وفيهما ثلاثة أوجه أصحها عند جمهور الاصحاب وحكوه عن نص الشافعي رضي الله عنه أنه يستر القبل رجلا كان أو امرأة لانه لا حائل دون القبل ودون الدبر حائل وهو الاليتان والثانى انه يستر الدبر لانه افحش عند الركوع والسجود والثالث انه يتخير لتعارض هذين المعنيين حكى هذا الوجه القاضي ابن كج وغيره وهو ارجح عند المصنف وأعدل لتقابل الامرين وانتفاء الترجيح لكن من صار الي الوجه الاول ذكر شيئا آخر وهو انه يستقبل بالقبل القبلة فيكون ستره اهم تعظيما لها وهذا كله في واضح الذكورة والانوثة
أما الخنثى المشكل ان وجد ما يستر به قبله ودبره قدم سترهما فان لم يف الموجود بهما وفرعنا على انه يقدم القبل فيستر قبليه فان كان لا يكفى الا لاحدهما ستر ايهما شاء والاولي ان يستر آلة الرجال ان كان ثم امراة وآلة النساء ان كان ثم رجل ثم ما ذكرناه من تقديم السوءتين أو احداهما علي الفخذ وغيره ومن تقديم احدى السوءتين علي الاخرى على الخلاف الذى فيه كلام في الاستحقاق أو في الاولوية والاستحباب قال امام الحرمين لا يمتنع ان يقال الكلام في الاولوية وله ستر ما شاء لان الفخذ وما دون السرة من العورة ولا فرق عندنا بين السوءة وغيرها في وجوب الستر وابو حنيفة
رحمه الله هو الذى يفصل ويقسم العورة الي مغلظة ومخففة قال وفى كلام الاصحاب ما يدل علي أنه في التحتم نظر الي عرف الناس فان من ستر فخذه وترك السوءة بادية يعد منكشفا (واعلم) أن الاول من هذين الاحتمالين هو الذى أورده طائفة منهم القاضى الرويانى وردوا الكلام الي الاولوية صريحا والثاني قضية كلام الاكثرين وهو الاولى وقوله في الكتاب لم يستر بها الفخذ: ان كان المراد منه احد الاحتمالين فليعلم بالواو لمكان الثاني وان كان المراد المشترك بينهما وهو الظاهر
فذاك (الثانية) لو كانت الامة تصلي مكشوفة الرأس فعتقت في خلال الصلاة نظر ان لم تقدر على الستر مضت في صلاتها كالعاجز ياتي بجميع الصلاة في العرى وان كانت قادرة على الستر لكنها لم تشعر بقدرتها عليه أو لم تشعر بالعتق حتي فرغت من الصلاة ففى وجوب القضاء عليها القولان المذكوران فيما إذا صلي جاهلا بنجاسة ثوبه ومنهم من قطع بالوجوب ههنا لانها كانت متمكنة من الستر قبل الشروع في الصلاة وان شعرت بهما فان كان الخمار قريبا منها فطرحته علي رأسها أو طرحه غيرها عليها مضت في صلاتها وكان ذلك بمثابة ما لو كشف الريح عورته فرد الثوب في الحال وان كان بعيدا أو احتاجت في التستر إلى أفعال كثيرة ومضي مدة في التكشف ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث فان فرعنا على القديم فلها ان تسعى في طلب الساتر كما يسعي في طلب الماء وان وقفت حتي أتيت به نظر ان وصل إليها في المدة التي كانت تصل إليه لو سعت فلا باس وان زادت المدة فوجهان
أحدهما يجوز ذلك لما فيه من ترك المشي والافعال وأظهرهما لا يجوز وتبطل صلاتها لزيادة المدة وكثره الافعال لا باس بها علي القول الذى يفرع عليه وينبغي أن يطرد هذا التفصيل والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث وان لم نذكره ثم هو لو شرع العارى في الصلاة ثم وجد السترة في اثنائها فحكمه علي ما ذكرنا في الامة تعتق وهي واجدة السترة: ونختم الكلام في هذا الشرط بفروع مهمة (منها) أنه ليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرا ولو وهبه منه لم يلزمه قبوله وحكى فيه وجهان آخران أحدهما أنه يلزمه القبول والصلاة فيه ثم له الرد والثاني عليه القبول وليس له الرد ولو اعاره منه فعليه القبول فلو لم يقبل وصلي عريانا لم تصح صلاته ولو باعه أو آجره منه فهو كما لو بيع الماء منه وقد ذكرناه في التيمم واقراض الثوب كاقراض الثمن ولو احتاج الي شراء الثوب
والماء ولم يقدر علي شرائهما يقدم شراء الثوب (ومنها) لو أوصى بثوبه لاولي الناس به في ذلك الموضع فالمرأة أولي من الرجل والخنثى أولى من الرجل (ومنها) لو لم يجد الا ثوبا نجسا ولم يجد ما يغسله به فقولان أحدهما يصلي فيه تسترا عن أعين الناس كما أنه يجب التستر به خارج الصلاة وعلي هذا تجب الاعادة واصحهما انه يصلي عاريا ولا يلبسه فان لم يجد الا ثوب حرير فاصح الوجهين أنه يصلي فيه لان لبس الحرير يباح للحاجة (ومنها) يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمم ويتقمص ويرتدى فان اقتصر علي ثوبين فالافضل قميص ورداء أو قميص وسراويل فان اقتصر علي واحد فالقميص أولي ثم الازار ثم السراويل وانما كان الازار أولي لانه يتجافى ثم في الثوب الواحد ان كان واسعا التحف به وخالف بين طرفيه كما يفعل القصار في الماء وان كان ضيقا عقده
فوق سرته ويجعل علي عاتقه شيئا ويستحب ان تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابا كثيفا فوقا ثيابها ليتجافي عنها ولا يتبين حجم اعضائها قال (الشرط الرابع ترك الكلام والعمد منه مع العلم بتحريمه مبطل للصلاة قل أو كثر فتبطل الصلاة بالحرف الواحد ان كان مفهما وان لم يكن مفهما فلا تبطل الا بتوالي حرفين وفى حرف بعده مدة تردد والتنحنح بغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه وان تعذرت القراءة الا به لم يضر وان تعذر الجهر فوجهان) * عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال " ان صلاتنا هذه لا يصح فيها شئ من كلام الآدميين
انما هي للتسبيح والتكبير وتلاوة القرآن " وروى انه صلي الله عليه وسلم قال " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تتكلموا في الصلاة " للمتكلم في الصلاة حالتان (أحداهما) أن لا يكون معذورا فيه (والثانية) أن يكون معذورا وهذا الفصل مسوق لبيان الحالة الاولي فينظر ان نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته الا إذا كان مفهما اما انه لا تبطل إذا لم يكن مفهما فلان أقل ما بنى عليه الكلام حرفان والحرف الواحد ليس من جنس الكلام واما انه تبطل إذا كان مفهما فلاشتماله على مقصود الكلام والاعراض به عن الصلاة ومثال الحرف الواحد المفهم ق وش من وقى ووشي وما أشبه
ذلك فانه يفهم وان كان ينبغى أن يسكت عليها بالهاء وان نطق بحرفين بطلت صلاته سواء أفهما أم لا لان ذلك من جنس الكلام والكلام ينقسم الي مفيد وغير مفيد ولو اتي بحرف ومدة بعده فهل هما كالحرفين فيه وجهان أحدهما لا لانها قد تتفق لاشباع الحركة ولا يعد حرفا وأظهرهما نعم لان المدة الف أو ياء أو واو وهي حروف مخصوصة فضمها الي الحرف كضم حرف آخر إليه ومال امام الحرمين الي رفع هذا الخلاف بحمل الوجه الاول علي ما إذا أتبعه بصوت غفل لا يقع علي صورة المدات والجزم بالمنع إذا أتبعه بحقيقة المد وفى التنحنح ثلاثة اوجه أظهرها انه ان لم يبن منه حرفان فلا تبطل الصلاة والا فيبطلها كما لو اتي بحرفين على وجه آخر والثانى انه لا تبطل وان بان منه حرفان لانه ليس من جنس الكلام ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فاشبه الصوت الغفل وحكي هذا عن نص الشافعي رضي الله عنه والثالث ذكر القفال انه ان كان مطبقا فمه لم يضر وان كان فاتحا فمه ننظر حينئذ هل يبين منه حرفان ام لا والفرق انه ان كان مطبقا شفتيه كان التنحنح كقرقرة في التجاويف فإذا فرعنا على الاول وهو الذى قطع به الجمهور فذلك إذا أتى به قصدا من غير حاجة فاما إذا كان مغلوبا فلا باس ولو تعذرت القراءة الا به تنحنح وهو معذور وان أمكنه القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح ففيه وجهان أحدهما أنه يعذر به اقامة لشعار الجهر ولان التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعا عن القراءة بل يعد من توابعها وأظهرهما أنه ليس بعذر لان الجهر أدب وسنة ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له ولو تنحنح الامام وظهر منه حرفان فهل للمأموم أن يدوم على متابعته فيه وجهان ذكرهما القاضي الحسين أحدهما لا بل يفارقه لان الاصل سلامته وصدور
أفعاله عن اختياره وأظهرهما أن له أن يدوم علي متابعته لان الاصل بقاء العبادة والظاهر من حاله الاحتراز عن مبطلات الصلاة فيحمل علي كونه مغلوبا والضحك والبكاء والنفخ والانين كالتنحنح ان بان منها حرفان بطلت صلاته والا فلا ولا فرق بين أن يكون بكاؤه لامر الدنيا أو الآخرة وعند أبي حنيفة ان كان الانين والبكاء لامر الجنة أو النار لم يضر وان كان لمرض ونحوه بطلت صلاته بكل حال إذا عرفت ذلك فعد إلى الفاظ الكتاب واعلم أن قوله والعمد منه مبطل للصلاة الغرض منه بيان حكم الكلام في غير المعذور لادارة الحكم على وصف العمدية فانه قد يتكلم عامدا ولا تبطل صلاته علي ما سيأتي في الاعذار لكن الوصف المقابل للعمدية وهو النسيان أشهر الاعذار فكني بالعامد عن غير المعذور وقوله فتبطل الصلاة بالحرف الواحد الي آخره اشارة إلى حد القليل معناه ما قل هو الحرف الواحد ان كان مفهما أو حرفان كيفما كانا وقوله والتنحنح لغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه مطلق والمراد منه ما إذا ظهر منه حرفان فان قلت لو لم يظهر الا حرف واحد لم يقع عليه اسم التنحنح وقد تعرض في الكتاب للتنحنح فلا حاجة إلى التقييد المذكور فالجواب أن انتقاء ظهور الحرفين قد يكون لانحصار ما ظهر في الحرف الواحد وقد يكون لاسترسال سعال لا يبين منه حرف أصلا فلا بد من التقييد (وقوله) لغير ضرورة كأن المراد بالضرورة الحاجة والا فيدخل في قوله والتنحنح لغير ضرورة مبطل ما إذا تعذرت القراءة الا به لانه يمكنه الصبر فلعلها تتيسر على قرب وحينئذ يكون ما ذكره حكما بالبطلان في تلك الصورة ومعلوم انه ليس كذلك *
قال (ولا تبطل الصلاة بسبق اللسان ولا بكلام الناسي (ح) ولا بكلام الجاهل (ح) بتحريمه ان كان قريب العهد بالاسلام وهل تبطل بكلام المكره فيه قولان ومصلحة الصلاة ليست عذرا (م) في الكلام) * غرض هذا الفصل القول في اعذار الكلام فمنها سبق اللسان إلى الكلام عن غير قصد منه لا يقدح في الصلاة بحال لانا سنبين ان الناسي معذور فهذا أولي لان الناسي يتكلم قاصدا إليه وانما غفل عن الصلاة وهذا غير قاصد الي الكلام وكذلك لو غلبه الضحك أو السعال لم يضر وان بان منه حرفان ومنها النسيان فلا تبطل الصلاة بكلام الناسي للصلاة خلافا لابي حنيفة حيث قال كلام الناسي ككلام العامد وسلم أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها وعن احمد روايتان أحداهما مثل مذهبه والاشهر مثل مذهبنا لنا ما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال " صلي بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وسلم في ركعتين فقال ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة ام نسيت فقال كل ذلك لم يكن فقال قد كان بعض ذلك فاقبل على الناس فقال أصدق ذو اليدين فقيل نعم فاتم ما بقى من الصلاة وسجد للسهو " ووجه
الاستدلال انه تكلم معتقدا انه ليس في الصلاة ثم بني عليها وايضا القياس علي السلام ناسيا وعلي الاكل في الصوم ناسيا ومنها الجهل بتحريم الكلام علي المصلى لما روى عن معاوية بن الحكم قال " لما رجعت من الحبشة صليت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فعطس بعض القوم فقلت يرحمك الله فحدقنى الناس بابصارهم فقلت ما شأنكم تنظرون الي فضربوا بايديهم علي أفخاذهم يسكتونني فسكت فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معاوية ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " وهذا عذر في حق قريب العهد بالاسلام فان كان بعيد العهد به بطلت صلاته
لانه مقصر بترك التعلم ولو علم أن الكلام حرام في الصلاة ولكن لم يعلم أنه مبطل لها لم يكن ذلك عذرا كما لو علم أن شرب الخمر حرام ولم يعلم أنه يوجب الحد بخلاف ما لو لم يعلم التحريم والسبب فيه انه بعد ما عرف التحريم حقه الامتناع وقال في الوسيط عقيب هذه المسألة الجهل بكون التنحنح أو ما يجرى مجراه مبطلا فيه تردد يعنى وجهين والاصح انه عذر ويبعد أن يكون التصوير فيما إذا جهل كون التنحنح مبطلا بعد العلم بتحريمه فانا انما اكتفينا في المسألة السابقة بالعلم بالتحريم من حيث انه إذا علم التحريم فينبغي أن يمتنع عن الحرام ولا حاجة إلى العلم بكونه مبطلا وهذا موجود في التنحنح فلا يظهر بينهما فرق مع التسوية في الحرمة والقول بكونهما مبطلين ولكن الاقرب شيئان أحدهما ان يكون هذا التردد في الجاهل بكون التنحنح مبطلا بعد العلم بكون الكلام مبطلا أو حراما لا التنحنح وان بان منه حرفان لا يعد كلاما فلا يلزم من العلم بالمنع عن الكلام العلم بالمنع منه والتردد علي هذا التنزيل قريب من التردد فيما إذا علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم ان ما أتي به هل هو محرم ام لا والظاهر في الصورتين أنه معذور والثانى ان يكون التردد في حق بعيد العهد بالاسلام إذا جهل كون التنحنح مبطلا هل يعذر ام لا فعلي رأى لا كما إذا
جهل كون الكلام مبطلا وعلى رأى نعم لان ذلك مشهور لا يكاد يجهله مسلم وهذا مما يختص بمعرفته الفقيه والله اعلم ومنها الاكراه فلو اكره حتي تكلم هل تبطل صلاته فيه قولان كالقولين فيما لو اكره الصائم علي الاكل احدهما لا تبطل صلاته الحاقا للاكراه بالنسيان وفى الخبر " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " واصحهما ولم يذكر في التهذيب سواه انها تبطل لانه أمر نادر بخلاف النسيان وصار كما لو اكره علي أن يصلى بلا وضوء أو قاعدا تجب عليه الاعادة ولا يكون عذرا ثم جميع هذه الاعذار في الكلام اليسير فاما إذا كثر ففى صورة النسيان وجهان مشهوران (احدهما) انه لا يبطل الصلاة لانه لو أبطلها لابطلها القليل كما في حالة التعمد وبهذا قال أبو اسحق واظهرهما عند الجمهور انها تبطل وعليه يدل كلام الشافعي رضي الله عنه في المختصر وذكروا له معنيين احدهما ان الاحتراز عن الكثير سهل غالبا لان النسيان فيه يبعد ويندر وما يقع نادرا لا يعتد به والثانى انه يقطع نظم الصلاة وهيئتها والقليل يحتمل لقلته ورتبوا علي هذه المسألة بطلان الصوم بالاكل الكثير ناسيا ان قلنا لا تبطل الصلاة فالصوم أولي بان لا يبطل وان قلنا ببطلان الصلاة ففى الصوم وجهان مبنيان علي المعنبين ان قلنا بالمعني الاول يبطل وان قلنا بالثاني فلا إذ ليس في الصوم افعال منظومة حتى يفرض انقطاعها وانما هو انكفاف مجرد واجري صاحب المهذب وغيره هذا الخلاف في حالة الجهل ايضا وكذلك في سبق اللسان: وما الحد الفارق بين القليل والكثير حكى في البيان عن الشيخ ابي حامد ان الكلام اليسير حده الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها وعن ابن الصباغ ان اليسير هو القدر الذى تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذى اليدين وكل واحد منهما للتمثيل اصلح منه للتحديد والاظهر فيه وفى نظائره الرجوع الي العادة علي ما سيأنى إذا عرفت ذلك عرفت أن قوله ولا تبطل بسبق اللسان ولا بكلام الناسي الي آخره المراد منه الكلام اليسير وان كان اللفظ مطلقا الا أن يريد الجواب على الوجه المنسوب إلى ابى اسحق فحينئذ لا حاجة إلى التقييد ويحتاج إلى الاعلام بالواو والظاهر انه ما اراد الا اليسير وقوله ولا بكلام الناسي معلم بالحاء والالف لما قدمنا ولك ان تعلم قوله ولا بكلام الجاهل بالحاء ايضا لان
في كلام اصحابنا حكاية الخلاف عن أبي حنيفة في صورة الجهل ايضا (وقوله) بان كان قريب العهد بالاسلام في بعض النسخ ان كان قريب العهد وهو اولى لان الغرض تقييد الجاهل وانما يقال بان يكون كذا في موضع التفسير والبيان (وقوله) ومصلحة الصلاة ليست عذرا في الكلام الغرض منه بيان انه لا
فرق بين أن يتكلم لمصلحة الصلاة مثل أن يقول لامامه الساهي بالقيام اقعد أو بالقعود قم أو تكلم لا لمصلحتها وكونه لمصلحتها ليس من جملة الاعذار خلافا لمالك رضي الله عنه وهو رواية عن أحمد في حق الامام خاصة * لنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم " قال الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء " وهذا مطلق * واحتج الاصحاب أيضا بان المأموم إذا أراد تنبيه الامام على سهوه فالسنة له أن يسبح إن كان رجلا وأن تصفق إن كانت امرأة فلو جاز أن ينبهه بالكلام لما أمر بالعدول إلى التسبيح وغيره واعرف ههنا شيئين (احدهما) ان التسبيح والتصفيق لا اختصاص لهما بحالة تنبيه الامام بل متى ناب الرجل شئ في صلاته كما إذا رأى اعمي يقع في بئر واحتاج الي تنبيهه أو استأذنه انسان في الدخول أو أراد اعلام غيره امرا فالسنة له ان يسبح والمرأة تصفق في جميع ذلك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا ناب احدكم شئ في صلاته فليسبح فانما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " (والثاني) ان المراد من التصفيق ان تضرب بطن كفها الايمن على ظهر كفها الايسر وقيل ان تضرب اكثر اصابعها اليمني على ظهر اصابعها اليسرى وقيل هو ضرب اصبعين على ظهر الكف والمعاني متقاربة والاول اشهر ولا ينبغى ان تضرب بطن الكف علي بطن الكف فان ذلك لعب ولو فعلت ذلك على اللعب بطلت صلاتها وان كان
ذلك قليلا لان اللعب ينافى الصلاة فهذا شرح مسائل الكتاب وينخرط في سلك الاعذار سوى ما ذكره أمور (منها) ما يقع جوابا للرسول صلي الله عليه وسلم فإذا خاطب مصليا في عصره وجب عليه الجواب ولم تبطل بذلك صلاته (ومنها) لو أشرف انسان علي الهلاك فاراد انذاره وتنبيهه ولم يحصل ذلك الا بالكلام فلا بد له من ان يتكلم وهل تبطل صلاته فيه وجهان (أحدهما) وبه قال أبو إسحق واختاره جماعة من الاصحاب لا كاجابة النبي صلي الله عليه وسلم (واصحهما) عند الاكثرين نعم للنصوص المطلقة ويستثني جواب رسول الله صلي الله عليه وسلم لشرفه ولهذا أمر المصلي بان يقول سلام عليك ايها النبي ولا يجوز ان يقول ذلك لغيره (ومنها) ما حكى المحاملي وغيره انه لو قال آه من خوف النار لم تبطل صلاته والمشهور خلافه * قال (ولو قال ادخلوها بسلام على قصد القراءة لم يضر وان قصد التفهيم فان لم يقصد الا التفهيم بطلت وفي السكوت الطويل في اثناء الصلاة وجهان) الكلام الذى يقدح في الصلاة عند عدم الاعذار هو ما عدا القرآن والاذكار وما في معناها فاما القرآن فإذا أتي بشئ من نظمه قاصدا به القراءة لم يصر وان قصد مع القراءة شيئا آخر كتنبيه الامام أو غيره والفتح علي من ارتج عليه وتفهيم أمر من الامور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول ادخلوها بسلام آمنين أو يقول يا يحيى خذ الكتاب وما أشبه ذلك ولا فرق بين أن يكون منتهيا في قراءته إلى تلك الآية أو ينشئ قراءتها حينئذ وقال أبو حنيفة إذا قصد شيئا آخر سوى القراءة بطلت صلاته الا أن يريد تنبيه الامام أو المار بين يديه وكذا لو اتي بذكر وتسبيح في الصلاة وقصد به مع الذكر شيئا آخر ففيه هذا الخلاف وذلك مثل أن يحمد الله تعالي على عطاس
أو بشارة يبشر بها أو يخبر بما يسوءه فيقول انا لله وانا إليه راجعون لنا ما روى عن علي رضى الله عنه قال " كانت لي ساعة ادخل فيها علي رسول الله صلي الله عليه وسلم فان كان في الصلاة سبح وذلك أذنه وان كان في غير الصلاة أذن " ولانه قصد الافهام والاعلام بشئ مشروع في الصلاة فلا يضر كما لو قصد تنبيه الامام والمار بين يديه ونقل صاحب البيان وغيره وجها عن بعض أصحابنا ايضا انه إذا قصد مع التلاوة شيئا آخر بطلت صلاته فليكن قوله وان قصد التفهيم معلما بالحاء والواو كذلك وان لم يقصد الا الافهام والاعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة كما لو افهم
بعبارة أخرى ولو أتى بكلمات لا توجد في القرآن علي نظمها وتوجد مفرداتها مثل ان يقول يا ابراهيم سلام كن بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال واما الاذكار والتسبيحات والادعية بالعربية فلا تقدح أيضا سواء المسنون وغير المسنون منها نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله صلي الله عليه وسلم يجب الاحتراز منه فلا يجوز ان يقول للعاطس يرحمك الله وعن يونس بن عبد الاعلي عن الشافعي رضى الله عنه انه لا يضر ذلك وصحح القاضى الروياني هذا القول والمشهور الاول ويدل عليه ما قدمنا من حديث معاوية بن الحكم ولم ينقل خلاف في انه لا يجوز أن يسلم ولا ان يرد السلام لفظا ويرده بالاشارة بيده أو برأسه خلافا لابي حنيفة ولو قال يرحمه الله أو عليه السلام لم يضر هذا هو الكلام في احدى مسألتي الفصل وما يتعلق بها (والثانية) السكوت اليسير في الصلاة لا يضر بحال وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان احدهما انه يبطل الصلاة لانه كالاضراب عن وظائفها إذ اللائق بالمصلى الذكر والقراءة والدعاء ومن رآه في سكتة طويلة سبق الي اعتقادة انه ليس في الصلاة كما أذا رآه يتكلم واصحهما لا تبطل لان السكوت لا يخرم هيئة الصلاة وما يجب فيها من رعاية الخضوع والاستكانة وخص في التهذيب الوجهين بما إذا سكت لغير غرض فاما لو سكت طويلا لغرض بان نسي شيئا فتوقف لتذكره فلا تبطل صلاته لا محالة ولو سكت سكوتا طويلا ناسيا وقلنا ان عمده مبطل فطريقان أحدهما التخريج علي الخلاف المذكور في الكلام الكثير ناسيا والثانى انه لا يضر جزما تنزيلا له منزلة الكلام اليسير ولهذا عند التعمد جعل طويل السكوت كقليل الكلام وسومح بقليل السكوت قال في الوسيط وهذا أصح (واعلم) ان الاشارة المفهمة من الاخرس نازلة منزلة عبارة
الناطق في العقود هل تبطل الصلاة بها اجاب الامام الغزالي رحمه الله في الفتاوى بانها لا تبطل ورأيت بخط والدى رحمه الله حكاية وجه آخر أنها تبطل ككلام الناطق * قال (الشرط الخامس ترك الافعال الكثيرة والكثير ما يخيل للناظر الاعراض عن الصلاة كثلاث خطوات أو ثلاث ضربات متواليات ولا تبطل بما دونه ولا بمطالعة القرآن ولا بتحريك الاصابع في سبحة أو حكة علي الاظهر) *
ما ليس من أفعال الصلاة ضربان (أحدهما) ما هو من جنسها فان فعله ناسيا عذر ولم تبطل صلاته لما روى أنه صلى الله عليه وسلم " صلي الظهر خمسا فلما تبين له الحال سجد للسهو ولم يعد الصلاة " وان كان عامدا بطلت سواء كثر أو قل كركوع وسجود ونحوهما لانه تلاعب في الصلاة واعراض عن نظام اركانها * وقال أبو حنيفة لا تبطل صلاته بزيادة الركوع والسجود عمدا وانما تبطل بزيادة ركعة: والضرب الثاني ما ليس من جنس أفعال الصلاة وهو المقصود في الكتاب فلا خلاف انه يفرق فيه بين القليل والكثير لما روى انه صلي الله عليه وسلم " صلي وهو حامل أمامة بنت أبي
العاص فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها " وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال " اقتلوا
الاسودين في الصلاة الحية والعقرب " وروى انه صلي الله عليه وسلم " أخذ باذن ابن عباس
رضي الله عنهما وهو في الصلاة فاداره من يساره الي يمينه " ودخل أبو بكرة المسجد والنبي صلي الله
عليه وسلم في الركوع فركع خيفة أن يفوته الركوع ثم خطا خطوة ودخل الصف فلما فرغ قال
له النبي صلي الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يامره بالاعادة وروى انه صلى الله عليه وسلم سلم عليه نفر من الانصار فرد عليهم بالاشارة دلت هذه الاخبار ونحوها علي احتمال
الفعل القليل في الصلاة والي هذا أشار المصنف حيث قال في ترجمة الشرط ترك الافعال الكثيرة وفى الكلام لما استوى قليله وكثيره في الابطال اطلق فقال ترك الكلام والمعنى فيه انه يعسر علي الانسان أو يتعذر السكون علي هيئة واحدة في زمان بل لا يخلو عن حركة واضطراب ولا بد للمصلى من رعاية التعظيم والخشوع فعفي عن القدر الذى لا يحمل على الاستهابة بهيئة الخشوع
وأما في الكلام فالاحتراز عن قليله وكثيره هين * ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير للاصحاب فيه عبارتان غريبتان وعبارتان مشهورتان فاحدى الغريبتين أن القليل مالا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة فان وسع فهو كثير حكاها صاحب العدة والثانية ان كل عمل لا يحتاج فيه الي كلتا اليدين فهو قليل وما يحتاج فيه اليهما فهو كثير فالاول كرفع العمامة وحل اشرطة السراويل والثاني
كتكوير العمامة وعقد الازار والسراويل واما المشهورتان فاحداهما ما حكي عن القفال وغيره ان القليل هو القدر الذى لا يظن الناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة والكثير ما يظن ان فاعله ليس في الصلاة وهذا هو الذى ذكره في الكتاب فقال والكثير ما يخيل الي الناظر الاعراض عن الصلاة واعترضوا عليها بان هذا الظن والتخيل اما ان ينشا من انه غير محتمل في الصلاة شرعا أو من ان غالب
عادة المصلين الاحتراز عنه من غير ان ينظر إلى انه محتمل ام لا فان كان الاول فانما يحصل هذا الظن أو الخيال لمن عرف حد الكثير المبطل ونحن عنه نبحث فكأنا قلنا الكثير هو الذي يحكم ببطلان الصلاة به من عرف انه مبطل ومعلوم ان هذا لا يفيد شيئا وان كان الثاني فهو يشكل بما إذ رآه يحمل صبيا أو يقتل حية أو عقربا فانه محتمل مع ان الناظر إليه يتخيل انه ليس في الصلاة
لانه علي خلاف عادة المصلين غالبا والثانية ان الرجوع في الفرق بينهما الي العادة فلا يضر ما يعده الناس قليلا كالاشارة برد السلام وخلع النعل ولبس الثوب الخفيف ونزعه وما أشبه ذلك وهذه العبارة هي التى اختارها الاكثرون ومنهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه ولم يذكر صاحب التهذيب سواها واوردها الصيدلانى مع الاولي واشعر ايراده بترجيح هذه الثانية ايضا وعند هذا لا يخفى عليك ان قوله والكثير ما يخيل إلى الناظر وينبغى ان يعلم بالواو اشارة الي العبارات الاخر ثم اطبق اصحاب العبارتين المشهورتين على ان الفعلة الواحدة معدودة من القليل كالخطوة الواحدة والضربة الواحدة وقد نص عليه الشافعي رضي الله عنه وعلى ان الثلاث فصاعدا من الكثير وفي الفعلتين وجهان محكيان عن رواية القاضى ابى الطيب وغيره احدهما انهما من حد الكثير لمكان التكرار وكالثلاث واصحهما انهما من القليل لما روى انه صلي الله عليه وسلم " خلع نعليه في الصلاة " وهما فعلتان ورايت في كثير من نسخ الكتاب قوله ولا تبطل بما دونه معلما بالواو كأنهم اشاروا به إلى الوجه الاول لكن انما ينتظم ذلك لو رجعت الكناية في قوله بما دونه إلى الخطوات والضربات ورجوعها الي قوله والكثير أظهر من رجوعها الي الخطوات الا ترى انه ذكر الكناية ولم يؤنثها ثم اجمعوا على ان الكثير انما يبطل بشرط أن يوجد علي التوالي واليه أشار بقوله متوالية أما لو تفرق كما لو خطا خطوة ثم بعد زمان خطا خطوة أخرى وهكذا مرارا لم تبطل صلاته وكذلك لو خطا خطوتين ثم بعد زمان خطوتين أخريين إذا قلنا أن الفعلتين من حد القليل * واحتجوا عليه بحديث حمل أمامة فان النبي صلي الله عليه وسلم كان يحملها ويضعها ولم يضر ذلك لتفريق الافعال والتفريق بان يعد الثاني منقطعا عن الاول في العادة وقال في التهذيب فيما إذا ضرب ضربتين ثم بعد زمان ضربتين أخريين وحد التفريق عندي ان يكون بين الاوليين والاخريين قدر ركعة لحديث امامة ثم ما ذكره الائمة ان الفعلة الواحدة تعد من القليل ارادوا به نحو الطعنة والضربة والخطوة فاما إذا أفرطت كالوثبة
الفاحشة فانها تبطل الصلاة ذكره صاحب التهذيب وغيره وهو قضية العبارتين المشهورتين وكذلك قولهم الثلاث المتوالية من الكثير المبطل أرادوا الخطوة وما يشبهها واما الحركات الخفيفة كتحريك الاصابع في سبحة أو حكة أو عقد وحل ففيها وجهان أحدهما انها إذا كثرت وتوالت ابطلت لانها افعال متعددة فاشبهت الخطوات واظهرهما انها لا تؤثر لانها لا تخل بهيئة الخشوع فهي مع كثرة العدد بمثابة الفعل القليل وقد حكي عن نص الشافعي رضي الله عنه انه لو كان يعد الآى في صلاته عقدا باليد لم تبطل صلاته وان كان الاولى ان لا يفعله وبه قال أبو حنيفة وجميع ما ذكرناه فيما إذا تعمد الفعل الكثير فاما إذا اتى به ناسيا فقد حكى في النهاية فيه طريقين احدهما انه علي الوجهين في الكلام الكثير ناسيا والثانى ان اول حد الكثرة لا يؤثر كالكلام اليسير من الناسي
فان اول حد الكثرة هو الذى يبطل عند التعمد كالكلام اليسير عند التعمد وما جاوز اول حد الكثرة وانتهي الي السرف فهو علي الخلاف في الكلام الكثير ناسيا والذى حكاه الجمهور من هذا الخلاف انه لا فرق في الفعل الكثير بين العمد والسهو وهو الذى يوافق ظاهر قوله الشرط الخامس ترك الافعال الكثيرة وفرقوا بينه وبين الكلام بان الفعل أقوى من القول ولهذا ينفذ احبال الجنون دون اعتاقه قالوا ولا يعارض هذا بان القليل من الفعل محتمل والقليل من الكلام غير محتمل لان القليل من الفعل لا يتأتى الاحتراز عنه والكلام مما يتاتي الاحتراز عنه من النوعين والله اعلم.
واعلم انه يستثني عن ابطال العمل الكثير الصلاة حال شدة الخوف فيحتمل فيها الركض والعدو عند الحاجة وهل يحتمل عند عدم الحاجة فيه كلام مذكور في الكتاب في صلاة الخوف على ما سيأتي ان شاء الله تعالي: واما قوله ولا بمطالعة القرآن فاعلم انه لو قرأ القرآن من المصحف لم يضر بل يجب ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة علي ما سبق ولو قلب الاوراق احيانا لم يضر لانه عمل يسير * وعن ابي حنيفة انه لو قرأ القرآن من المصحف بطلت صلاته لان النظر عمل دائم وعندنا لو كان ينظر في غير القرآن ويردد في نفسه ما فيه لا تبطل صلاته ايضا لان النظر لا يشعر بالاعراض عن الصلاة وحديث النفس
معفو عنه وحكى القاضى ابن كج وجها ان حديث النفس إذا كثر ابطل الصلاة وقوله بعد مطالعة القرآن ولا بتحريك الاصابع في سبحة أو حكة علي الاظهر: الوجهان المخصوصان بالتحريك لا جريان لهما في مطالعة القرآن فلا يتوهم من العطف غير ذلك * قال (وإذا مر المار بين يديه فليدفعه فان أبي فليقاتله فانه شيطان هذا لفظ الخبر وهو تأكيد لكراهية المرور واستحباب الدفع فان لم ينصب المصلي بين يديه خشبة أو لم يستقبل جدار أو علامة لم يكن له الدفع علي أحد الوجهين لتقصيره ولا يكفيه أن يخط علي الارض بل لا بد من شئ مرتفع أو مصلي ظاهر وان لم يجد المار سبيلا سواه فلا يدفع بحال) * السبب الداعي للى ايراد هذا الفصل ههنا الاستدلال بالامر بالدفع علي الفعل القليل لا باس به في الصلاة ثم يتعلق به مسائل مقصودة فجرت العادة بذكرها في هذا الموضع والخبر المشار إليه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم (قال إذا مر المار بين يدى احدكم وهو في الصلاة فليدفعه فان أبى فليدفعه فان أبي فليقاتله فانه شيطان) وروى البخاري في الصحيح عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم (قال إذا صلي احدكم إلي شئ يستره من الناس فاراد أحد ان يجتاز بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانما هو شيطان) قيل معناه شيطان الانس وقيل معناه فان معه شيطانا فان الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدى المصلي وحده فإذا مر إنسي رافقه والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما ويدنو منها بحيث لا يزيد ما بينه
وبينها علي ثلاثة أذرع وان كان في الصحراء فينبغي ان يغرز عصا ونحوها أو يجمع شيئا من رحله ومتاعه وليكن قدر مؤخرة الرحل فان لم يجد شيئا شاخصا خط بين يديه خطا أو بسط مصلي لما روى عن أبى هريرة رضى الله عن أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فان لم يجد فلينصب عصا فان لم يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه " ثم إذا صلى إلى سترة كره لغيره ان يمر بينه وبين السترة وهل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه الذى ذكره في التهذيب انه لا يجوز المرور وصاحب الكتاب اراد بقوله وهو تأكيد لكراهية المرور التنزيه لانه صرح في الوسيط بان المرور ليس بمحذور وانما هو مكروه وكذلك ذكره امام الحرمين والاول اظهر لانه صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قال " لو يعلم المار بين يدى المصلي ماذا عليه من الاثم لكان أن يقف اربعين خير له من ان يمر بين يديه " والاثم
انما يلحق بالحرام وليكن قوله لكراهية المرور معلما بالواو لما ذكرناه وذكر القاضى الرويانى في الكافي أن للمصلي ان يدفعه وله ان يضربه علي ذلك وان أدى الي قتله وكل هذا لا يكون الا إذا حرم المرور ولو لم يجعل بين يديه سترة فهل له دفع المار فيه وجهان حكاهما صاحب النهاية وغيره أحدهما نعم لعموم الخبر المذكور في الكتاب وأصحهما وهو الذى أورده في التهذيب لا لتقصيره وتضييعه حظ نفسه ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلي الي السترة والمطلق محمول علي المقيد ولو وقف بعيدا من السترة فهو كما لو صلي لا إلى سترة ولو وجد الداخل فرجة في الصف الاول فله أن يمر بين يدى الصف الثاني ويقف فيها لتقصير اصحاب الصف الثاني باهمالها ذكره الشيخ أبو محمد واما قوله فلا يكفيه ان يخط علي الارض فاعلم أن امام الحرمين نقل ان الشافعي رضي الله عنه مال إلى الاكتفاء بالخط في القديم وروى في الجديد ذلك أيضا وحض عليه قال وما استقر عليه الامر ان الخط لا يكفى إذا الغرض الاعلام وذلك لا يحصل بالخط وهذا هو الذى ذكره في الكتاب وقال لا بد من شئ مرتفع أو مصلي ظاهر ليقف المار عليه فيعدل عن حريم صلاته وقد تعرض لما نقله عن الجديد متعرضون لكن لم يثبتوه قولا واتفقت كلمة الجمهور علي الاكتفاء بالخط كما إذا استقبل شيئا شاخصا فليكن قوله ولا يكفيه ان يخط معلما بالواو لذلك فان توهمت الجمع بين كلام الكتاب وما ذكره الاكثرون وقلت انهم وان ذكروا استحباب الخط لم يذكروا انه يمتنع به المرور ويثبت للمصلي ولاية الدفع فلعله وان كان مستحبا لا يفيد جواز الدفع وحينئذ لا يكون بين قوله ولا يكفيه ان يخط وبين ما ذكروه منافاة وبتقدير أن يكون هذان الحكمان متلازمين فانما ذكروا الاستحباب فيما إذا لم يجد شيئا شاخصا فليحمل ما ذكره امام الحرمين والمصنف علي ما إذا وجد فالجواب اما الاول فممتنع نقلا وحجاجا اما النقل فلان صاحب البيان حكي عن المسعودي امتناع المرور وولاية الدفع فيما إذا خط حسب ثبوتهما فيما إذا صلي الي سترة أو عصا واما الحجاج فمن وجهين (احدهما) انه صلي الله عليه وسلم قال في آخر خبر أبى هريره رضى الله عنه ثم لا يضره ما مر بين يديه أي من وراء العلامات المذكورة ومنها الخط والثاني ان المقصود من أمر المصلي بنصب السترة وغيرها ان يظهر حريم صلاته ليضطرب فيه في حركاته وانتقالاته ولا يزحمه
غيره ويشغله عن صلاته وأما الثاني فلو انهما أرادا حالة وجدان الشاخص لسويا بينه وبين بسط المصلي كما ان الذين قالوا باستحباب الخط عند فقدان الشاخص سووا بينه وبين بسط المصلي ذكره صاحب التهذيب وغيره * ولم يفعلا ذلك بل الحقا بسط المصلي بنصب الخشبة ويدل عليه ظاهر لفظ الكتاب في موضعين من الفصل وبالجملة فليس في لفظه ههنا ولا في الوسيط ما يشعر بهذا التأويل بل فيه ما يدل علي انه لا عبرة بالخط بحال وقوله فان لم ينصب المصلي بين يديه خشبة أو لم يستقبل جدارا أو علامة عني بالعلامة بسط المصلى وقضيه ما سبق نقله حمل أو في قوله أو علامة علي الترتيب وكذا في قوله أو مصلى ظاهر دون التخيبر والتسوية واما قوله وإذا لم يجد الماء سبيلا سواه فلا يدفع بحال فقد ذكر امام الحرمين ايضا وقال النهى عن المرور والدفع إذا وجد سواه سبيلا اما إذا لم يجد وازدحم الناس فلا نهي عن المرور ولا يسوع الدفع وهذا فيه اشكال لان البخاري روى في الصحيح عن ابي صالح السمان قال " رأيت أبا سعيد الخدرى رضي الله عنه في يوم جمعة يصلي الي سترة فاراد شاب ان يمر بين يديه فدفع أبو سعيد رضي الله عنه في صدره فنظر الشاب فلم يجد مساغا الا بين يديه فعاد ليجتاز ودفعه أبو سعيد أشد من الاولي فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذى قدمناه " وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع بما إذا وجد سواه سبيلا والله اعلم * قال (الشرط السادس ترك الاكل وقليله مبطل لانه اعراض وهل تبطل بوصول شئ الي جوفه كامتصاص سكرة من غيره مضغ فيه وجهان) * الا كل نوع من الافعال فافراده بالذكر يبين انه اراد بترك الافعال في الشرط الخامس ما عدا الاكل من الافعال والفرق بينه وبين سائر الافعال ان قليلها لا يبطل كما سبق وقليل الاكل يبطل لانه ينافى هيئة الخشوع ويشعر بالاعراض عن الصلاة فلو