كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لانها ادركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض فلا يسقط بما يطرأ بعده كما لو هلك النصاب بعد الحول وامكن الادا لا تسقط الزكاة وعن مالك انه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت وبه قال ابو حنيفة قال الكرخي في مختصره وان كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت فلا قضاء عليها وخرج ابن سريح مثل ذلك علي اصل الشافعي رضي الله عنه وقال لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت اخذا مما لو سافر الرجل في اثناء الوقت يجوز له القصر وان مضى من الوقت ما يسع للصلاة الثانية واعلم ان في تلك المسألة ايضا تخريجا مما نحن فيه لانه لا يقصر وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعا في الكتاب في باب صلاة المسافرين نشرحه في موضعه ان شاء الله تعالى ثم علي ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة حتى لو طولت صلاتها فحاضت في اثنائها والماضي
من الوقت يسع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء ولو كان الرجل مسافرا فطرأ عليه جنون واغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين لزمه قضاؤها لانه لو قصر لامكنه أداؤها ولا يعتبر مع امكان فعل الصلاة زمان امكان الطهارة من الوقت لان الطهارة يمكن تقديمها على الوقت الا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة علي الوقت كالتيمم وطهارة المستحاضة وان كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة لم تلزم تلك الصلاة وقال ابويحيي البلخى من اصحابنا إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء اعتبار الاول الوقت بآخره حكاه ابو علي صاحب الافصاح فمن بعده عنه وخطأ فيما قال لانه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول وقبل امكان الاداء ويخالف آخر الوقت لانه أدرك جزءا من الوقت امكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت ثم ذكرنا في الحالة الاولى ان من الصلوات ما إذا ادرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التى
قبلها معها كالظهر يلزم بادراك آخر وقت العصر والمغرب يلزم بادراك آخر وقت العشاء واما ههنا فالعصر لا يلزم بادراك وقت الظهر ولا العشاء بادراك وقت المغرب خلافا لابي يحيى البلخى حيث قال إذا ادرك من وقت الظهر ثمان ركعات ثم طرأ العذر لزم الظهر والعصر كما لو ادرك ذلك من وقت العصر لزمه الصلاتان معا والفرق علي ظاهر المذهب ان الحكم لزوم الصلاتين إذا ادرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه ولان كل واحدة منهما مؤداة في وقت الاخرى ومعلوم ان وقت الظهر انما يكون وقتا للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر ألا ترى انه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر واما وقت العصر فليس وقتا للظهر علي سبيل تبعية الظهر للعصر ألا ترى انه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر علي العصر بل هو أولي على وجه ومتعين على وجه كما سيأتي في باب الجمع وكان وقت العصر وقتا للظهر من غير التوقف علي فعل العصر فلهذا المعنى افترق الطرفان: جئنا الي ما يتعلق بلفظ الكتاب اما قوله فإذا طرأ الحيض وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة ليس المراد منه مطلق الصلاة بل المراد اخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر ان وجد المعنى المجوز للعصر على ما بيناه قوله لزمتها
معلم بالخاء والميم لما قدمناه ولا حاجة الي اعلامه بالواو اشارة إلى تخريج ابن سريح لان قوله بعد ذلك وقيل لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان وهو ذلك التخريج: ثم اعلم ان الحكم بلزوم الصلاة إذا ادرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة ايضا ونظيره ما إذا أفاق مجنون في اثناء الوقت وعاد جنونه في الوقت أو بلغ ثم جن أو افاقت مجنونة ثم حاضت وقوله ولا يلزم بأقل من ذلك معلم بالواو للوجه المشهور عن البلخي وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الاصحاب ايضا وكذلك قوله فأما العصر فلا يلزم بادراك أول الظهر وليس لفظ الاول في قوله بادراك أول الظهر لتخصيص الحكم به فان العصر لا يلزم بادراك آخر وقت الظهر ايضا بل بادراك جميعه وانما جرى لفظ الاول في مقابلة الاخر في الحالة الاولى وقوله لان وقت الظهر لا يصلح للعصر الي آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الاول والاخر واراد بالمعذور ههنا الذى يجمع لسفر أو مطر بخلاف ما في أول الفصل فانه اراد بالمعذور ثم صاحب الضرورة علي ما سبق ايضاحه: واعلم ان الاخيرة من صلوات الجمع وان لم يلزم بادراك وقت الاولي لكن الاولى منهما قد يلزم بادراك وقت الاخيرة كما انها
تلزم بادراك آخر وقتها مثاله إذا افاق المغمي عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر والظهر جميعا لزمناه فان كان مقيما فالمعتبر قدر ثمان ركعات وان كان مسافرا يقصر كفى قدر اربع ركعات ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق * قال (الحالة الثالثة أن يعم العذر جميع الوقت فيسقط القضاء ولا تلحق الردة بالكفر بل يجب (م ح) القضاء على المرتد (م ح) والصبي يؤمر بالصلاة بعد سبع سنين ويضرب علي تركها بعد العشر وان لم يكن عليه قضاء والاغماء في معنى الجنون (ح) قل أو كثر وزوال العقل بسكر أو بسبب محرم لا يسقط القضاء ولو سكر ثم جن فلا يقضي ايام الجنون ولو ارتد ثم جن قضي أيام الجنون ولو ارتدت أو سكرت ثم حاضت لا يلزمها قضاء أيام الحيض لان سقوط القضاء عن المجنون رخصة وعن الحائض عزيمة) * قوله أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان أحدهما انه فسر العذر من قبل بما يسقط القضاء والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال أن يعم ما يسقط القضاء فيسقط القضاء
وغير هذا أجود منه وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء في مثل هذا المقام كثير فائدة: والثاني ان قوله جميع الوقت ليس المراد منه الاوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد ذكرنا انه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر ايضا مع انه عم العذر جميع وقت الظهر فإذا المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعا وغرض الفصل أن الاسباب المانعة من لزوم الصلاة وقد عددناها من قبل مسقطة للقضاء أما الحيض فانه يمنع وجوب الصلاة وجوازها ويسقط القضاء علي ما سبق في كتاب الحيض وأما الكفر فالكافر الاصلي مخاطب بالشرائع علي أشهر وجهى اصحابنا في الاصول لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالي (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) والمعنى فيه أن ايجاب القضاء ينفره عن الاسلام والردة لا تلحق بالكفر بل يجب علي المرتد قضاء صلوات ايام الردة خلافا لابي حنيفة حيث قال الردة تسقط قضاء صلوات ايام الردة والصلوات المتروكة قبلها ايضا * لنا انه التزم الفرائض بالاسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الادميين: فاما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)
فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعليا سوى الصبى فانه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين
سنين ويضرب علي تركها إذا بلغ عشرا لما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) قال الائمة فيجب على الاباء والامهات تعليم الاولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السبع والضرب علي تركها بعد العشر وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين أحدهما انه زمان احتمال البلوغ بالاحتلال فربما بلغ ولا يصدق والثاني انه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب واحتج بعض أصحابنا بهذا علي
انه لا يجوز أن يختن الصبى قبل العشر لان ألم الختان فوق ألم الضرب ويؤمر بالصوم أيضا ان أطاقه كما يؤمر بالصلاة وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل فان لم يكن له مال فعلى الاب وان لم يكن فعلى الام وهل يجوز أن تعطي الاجرة من مال الطفل علي تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من القرآن والادب فيه وجهان: وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضا للخبر والاصل ان من لا تجب عليه العبادة لا يجب عليه قضاؤها وانما خالفنا ذلك في حق النائم والناسى لما روى انه صلى الله
عليه وسلم قال (إذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) والاغماء في معنى الجنون يستوى قليله وكثيره في اسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة خلافا لابي حنيفة حيث قال لا تسقط الصلاة بالاغماء ما لم يزد علي يوم وليلة ولا حمد حيث قال انه لا يسقط القضاء قل أو كثر لنا القياس علي الجنون ولا يلحق بالجنون زوال العقل لسبب محرم كشرب مسكرا أو دواء مزيل للعقل بل يجب عليه القضاء لانه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا اشرب المسكر وهو عالم انه مسكر أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الاغماء ولو عرف ان جنسه مسكر لكن ظن ان ذلك القدر لا يسكر لفلته فليس ذلك بعذر ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه وان فعله عبثا قضى ثم في الفصل فرعان (أحدهما) لو ارتد ثم جن قضى أيام الجنون وما قبلها إذا أفاق واسلم تغليظا علي المرتد ولو سكر ثم جن قضى بعد الافاقة صلوات المدة التى ينتهي إليها السكر لا محالة وهل يقضى صلوات أيام الجنون فيه وجهان احدهما نعم لان السكران يغلظ عليه امر الصلاة كما يغلظ علي المرتد واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يقضي صلوات ايام الجنون والفرق ان من جن في ردته مرتد في جنونه حكما ومن جن في سكره ليس بسكران في
دوام جنونه قطعا (الثاني) لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرث ثم حاضت فلا تقضي أيام الحيض ولا فرق بين اتصالها بالردة واتصالها بالسكر بخلاف الجنون حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر والفرق ان سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتحقيقات بل هو عزيمة فانها مكلفة بترك الصلاة والمجنون ليس مخاطبا بترك الصلاة كما ليس مخاطبا بفعلها
وانما أسقط القضاء عنه تحفيفا فإذا كان مرتدا لم يستحق التخفيف ومما يوضح الفرق انها لو شربت دواء حتي حاضت لا يلزمها القضاء بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح لان سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمهة: فالحاصل ان من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء فإذا لم يؤمر كان تخفيفا ومن أمر بالترك فامتثل الامر لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء وهذا يشكل لفصل الصوم فان الحائض مامورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء الا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعا للنص: والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة والذى لا بأس بذكره قوله ولو ارتد ثم جن قضي أيام الجنون ينبغي أن يعلم قوله قضي بالحاء لان عند أبى حنيفة لا قضاء في الردة فكيف يؤمر في ايجاب قضاء أيام الجنون
قال الفصل الثالث في الاوقات المكروهة وهى خمسة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ووقت الطلوع إلى أن يرتفع قرص الشمس ووقت الاستواء إلى أن تزول الشمس ووقت اصفرار الشمس الي وقت تمام الغروب) * الاوقات المكروهة خمسة وقتان تعلق النهي فيهما بالفعل وهى بعد صلاة الصبح حتى تطلع
الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس روى ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ووجه تعلق النهى فيهما بالفعل ان صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح والعصر دون من لم يصلهما ومن
صلاهما فان عجلهما ف أول الوقت طال في حقه وقت الكراهية وان أخرهما قصر وثلاثة أوقات يتعلق النهي فيهما بالزمان وهى عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويستولى سلطانها بظهور شعاعها فان الشعاع يكون ضعيفا في الابتداء وعند استواء الشمس حتى تزول وعند اصفرار الشمس
حتى يتم غروبها لما روي انه صلي الله عليه وسلم (ان الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها: ونهي عن الصلاة في هذه الاوقات) وقوله ومعها قرن الشيطان قيل معناه قوم الشيطان وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الاوقات نهى عن الصلاة فيها لذلك وقيل معناه ان الشيطان يقرب رأسه من الشمس في هذه الاوقات ليكون الساجد للشمس ساجدا له ولك ان تعلم قول
المصنف الي أن يرتفع قرص الشمس بالوا ولان من الاصحاب من قال يخرج وقت الكراهية بطلوع القرصة بتمامها ولم يعتبر الارتفاع وايراده في الوسيط يشعر بترجيح هذا الوجه وظاهر المذهب الاول ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا ارتفعت فارقها) واعلم أن حالة الاصفرار داخلة في الوقت الثاني وهو ما بعد العصر حتى تغرب الشمس لكن في حق من صلي العصر وحالة الطلوع الي الارتفاع متصلة بما بعد الصبح في حق من صلي الصبح وذكر بعضهم في العبارة
على الوقت الاول من أوقات الراهية انه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح وعلي هذا فتنقص أوقات الكراهية عن الخمسة وربما انقسم الواحد منها إلى متعلق بالفعل والي متعلق بالزمان
قال (وذلك في كل صلاة لاسبب لها بخلاف الفائتة وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وتحية المسجد وركعتي الطواف وفى الاستسقاء تردد وركعتا الاحرام مكروهة لان سببها متأخر) * الاوقات المكروهة لا ينهي فيها عن الصلاة عن على الاطلاق بل عن بعض أنواعها وما ورد فيها من النهى المطلق محمول علي ذلك البعض فالغرض من هذا الفصل بيان ما ينهى عنه من الصلوات في هذه الاوقات وما لا ينهي عنه وقوله وذلك في كل صلاة لا سبب لها أي النهي والكراهة
وقول الاصحاب في هذا المقام صلاة لا سبب لها وصلاة لها سبب ما أرادوا به مطلق السبب إذ ما من صلاة الا ولها سبب ولكن أرادوا بقولهم صلاة لها سبب ان لها سببا متقدما على هذه الاوقات أو مقارنا لها وبقولهم صلاة لا سبب لها أي ليس لها سبب متقدم ولا مقارن فعبروا بالمطلق عن المقيد وقد يفسر قولهم لا سبب لها بأن الشارع لم يخصها بوضع وشرعية بل هي التى يأتي بها الانسان ابتداء وهى النوافل المطلقة وعلي هذا التفسير فكل ما لا سبب له مكروه لكن كل ماله سبب ليس بجائز ألا ترى أن ركعتي الاحرام لهما سبب بهذا التفسير وهما مكروهتان كما سنذكر ان شاء الله ولفظ الكتاب يوافق التفسير الاول لانه خص النهي والكراهة بما لا سبب له من الصلواب ثم انه عد أنواعا من الصلوات التي لها سبب فمنها الفائتة فلا تكره في هذه الاوقات لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (من نام عن صلاد أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها لا وقت لها غيره) ويستوى في الجواز قضاء الفرائض والسنن والنوافل التى اتخذها وردا له ومنها صلاة الجنازة
روى انه صلى الله عليه وسلم قال (يا علي لا تؤخر أربعا) وذكر منها الجنازة إذا حضرت: ومنها سجود التلاوة فلا يكره في هذه الاوقات لان سبب سجدة التلاوة قراءة القرآن وهي مقارنة لهذه الاوقات فلا يؤخر عن وقتها وفى معناه سجود الشكر فان سببه السرور الحادث فليس ذكرهما في هذا الموضع لكونهما من أنواع الصلاة لكن لانهما كالصلاة في الشرائط والاحكام ومنها تحية المسجد فان اتفق دخوله في هذه الاوقات لغرض في الدخول كاعتكاف ودرس علم وقراءة فيه لم تكره التحية لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ولان سبب التحية هو الدخول في المسجد وقد افترن بهذه الاوقات ولو دخلها في
هذه الاوقات ليصلي التحية لا لحاجة في الدخول فهل يكره فيه وجهان أحدهما لا لما سبق وأقيسهما نعم كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الاوقات ويدل عليه ما روى انه صلى الله عليه وسلم قال (لا يتحرى احدكم لصلاة قبل طلوع الشمس وغروبها) وومنهم من لا يفصل ويجعل في التحية وجهين على الاطلاق وينسب القول بالكراهية إلى عبد الله الزبيري رضى الله عنه وليكن قوله
وتحية المسجد معلما بالواو لما حكيناه ومنها ركعتا الطواف فلا يكرهان في هذه الاوقات لانهما يؤديان بعد الطواف بسببهما موجود في هذه الاوقات ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان عبر عنهما المنصف بالتردد أحدهما إنما يكره لان الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير فأشبهت صلاة الاستخراة وهذا هو الذى ذكره صاحب التهذيب وآخرون وأظهرهما انها لا تكره لان الحاجة الداعية ايها موجودة في الوقت ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضا ومن هذه الصلوات صلاة الخسوف فانها لو أخرت عن هذه الاوقات فربما انجلت الشمس وفاتت
الصلوات ومنها إذا تطهر في هذه الاوقات جاز له أن يصلي ركعتين لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال لبلال (حدثنى بارجي عمل عملته في الاسلام فانى سمعت دف نعليك بين يدى في الجنة قال ما عملت عملا أرجى عندي انى لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) وهل يلحق ركعتا الاحرام بهذه الصلوات فيه وجهان أحدهما نعم لحاجته الي الاحرام في هذه الاوقات بالحج أو العمرة واصحهما وهو المذكور في الكتاب لا: لان سببهما الاحرام وهو متأخر عنهما وقد يتفق بعدهما وقد يعوق دونه عائق ولك أن تعلم قوله وذلك في كل صلاة لا سبب لها بالحاء لانه يقتضى حصر النهى في الصلاة التى لا سبب لها في الاوقات الخمسة جميعا وعند ابي حنيفة الوقتان اللذان يتعلق النهى فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض ولا بأس بأن يصلي فيهما على الجنازة ويقضي فوائت الفرائض وبسجد للتلاوة والسهو ولكن لا يصلى المنذورة ولا ركعتي الطواف والتطوعات وأما في الاوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما الا عصر اليوم عند غروب الشمس فلو دخل في تطوع قال يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور به فلو مضي فيه اساء وأجزأه وان صلى فيها فرضا أو واجبا اعاد الا عصر يومه وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ولك ان تعلمه بالميم والالف ايضا لانه روى عن مالك انه يقضى الفرائض في الاوقات الخمسة ولا يصلي فيها النافلة سواء كان لها سبب أو لم يكن وبه قال احمد واستثنى علي مذهبه ركعتا
الطواف وصلاة الجماعة مع امام الحى وأبو حنيفة يكره اعادتها في الجماعة لنا ما تقدم وايضا ما روى انه صلي الله عليه وسلم (دخل بيت أم سلمة رضي الله عنها بعد صلاة العصر وصلي ركعتين فسألته عنهما فقال أتانى ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) وروى
انه صلي الله عليه وسلم (رأى قيس بن قهد يصلى ركعتين بعد الصبح فقال ما هاتان الركعتان فقال اني لم اكن صليت ركعتي الفجر فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم بنكر عليه) ويتبين مما نقلناه انه لو علم الفائتة وما بعدها بالحاء لجاز وقد ورد الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية وقيل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة وورد أيضا باستثناء مكة فلا تكره صلاة ولا طواف في وقت من الاوقات *
(فرع) لو تحرم بالصلاة في وقت الكراهية انغقدت علي أحد الوجهين كالصلاة في الحمام الصلاة المنهي عنها في الاوقات الخمسة على التفصيل الذى وضح لا ينهي عنها علي الاطلاق عندنا بل يستثنى عنها زمان ومكان أما الزمان فهو يوم الجمعة فيستثنى وقت الاستواء يوم الجمعة ولا تكره فيها التطوعات
خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد لنا ما روى انه صلى الله عليه وآله (نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس الا يوم الجمعة) وهل يستثنى باقى الاوقات الخمسة يوم الجمعة فيه وجهان أحدهما نعم كوقت الاستواء تخصيصا للجمعة وتفضيلا وقد روى (أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة) وأصحهما لا: لان
الرخصة وردت في وقت إذ استواء فيبقى الباقي على عموم النهي فان قلنا بالوجه الاول جاز النقل في وقت الاستواء وغيره لكل أحد فيه وجهان أحدهما نعم لمطلق قوله (الا يوم الجمعة) وايراد المصنف يقتضى ترجيح هذا الوجه لانه حكم بالاستثناء ثم روى عن بعضهم تخصيص الاستثناء بمن يغشاه
النعاس وبترجيحه قال صاحب التهذيب وغيره واحتجوا عليه أيضا بما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم (كره الصلاة نصف النهار الا يوم الجمعة وقال ان جهنم تسجر الا يوم الجمعة) والوجه الثاني انه لا يجوز التنفل لكل أحد لان المعني المرخص لا يشمل الكل وذكروا في الترخيص ومعنيين أحدهما ان الناس عند الاجتماع يوم الجمعة يشق عليهم مراعاة الشمس والتمييز بين حالة الاستواء وما قبلها
وما بعدها فخفف الامر عليهم بتعميم الترخيص والثانى أن الناس يبتكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون الي طرد النعاس بالتنفل كيلا يبطل وضوءهم فيفتقرون في اعادة الوضوء إلى تخطى رقاب الناس فعلي المعنيين جميعا المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفل فيه وأما الذى حضر الجمعة فقضية المعنى الاول تجويز التنفل له مطلقا وقضية المعني الثاني تخصيص
الجواز بالذى يبتكر إليها ثم يغلبه النعاس أما الذى لم يبتكر ولم يؤذه النعاس فلا يجوز له ذلك وقول صاحب الكتاب وقيل يختص بذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة يوافق المعنى الثاني من جهة اعتبار غشيان النعاس ولكن قضية تجويز التنفل بمن يغشاه النعاس وان لم يبتكر إليها وفى كلام غيره ما يقتضى اعتبار التبكير وكون غلبة النعاس لطول الانتظار واعلم ان قوله وقد ورد
الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية ظاهره يقتضى استثناء جميع الاوقات الخمسة كما حكيناه وجها عن بعض الاصحاب ولكن قوله وهل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس يبين انه اراد بالاول وقت الاستواء لا غير وفيه اشتهر الخبر وهو الاصح في المذهب وأما المكان فقد روى عن أبى ذر ان
رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) الا بمكة واختلف الاصحاب في هذا الاستثناء ومنهم من قال مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف فان له أن يطوف متى شاء وإذا
طاف بالبيت يصلى ركعتي الطواف لانها صلاة لها سبب والاصح وهو المذكور في الكتاب أن مكة تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة فضيلة الصلاة فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال
ويدل عليه ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (يا بنى عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن احد اطاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار) وليكن قوله فلا يكره فيها صلاة معلما بالواو للوجه الاول وبالحاء والميم لان عندهما لا فرق بين مكة وسائر البلاد ثم ليس المراد من مكة
نفس البلد بل جميع الحرم للاستواء في الفضيلة وفى وجه يحتص بالاستثناء المسجد الحرام وما عداه كسائر البلاد والمشهور الصحيح الاول ومتي ثبت النهى والكراهة فلو تحرم بالصلاة المنهية هل
ينعقد أم لا هذا هو الذى رسمه فرعا في الكتاب وفيه وجهان أحدهما نعم كالصلاة في الحمام لا خلاف في انعقاها مع ورود النهى واظهرهما لا كما لو صام يوم العيد لا يصح وعلي هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في الاوقات المنهية ان قلنا تصح الصلاة فيها يصح النذر وان قلنا لا تصح فلا يصح النذر كما لو نذر صوم يوم العيد فان صححنا النذر فالاولي أن يصلى في وقت آخر كمن
نذر أن يضحي شاة بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب وأما إذا نذر صلاة مطلقا فله أن يفعلها في الاوقات المكروهة فانها من الصلوات التى لها سبب كالفائتة ونختم الفصل بشيئين أحدهما ان قوله في أول الفصل في الاوقات المكروهة وهى خمسة يقتضى الحصر في الخمسة المذكورة وهو المشهور والحصر في الخمسة حكم باثبات الخمسة ونفى الزائد لكن في كلام الاصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا أحدهما