كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الله عنه جواز الاستنجاء بالمقابس ونقل انه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين والاصح تنزيلهما على حالين ان بقيت فيه صلابة اما لضعف تأثير النار فيه أو لقوة في جوهره كالغضا فيجوز الاستنجاء به وهو المراد بالمقابس وان كان يتناثر عند الاعتماد فلا يجوز وهو المراد بالحممة وكذلك نقل اختلاف النص في
التراب وأثبت بعضهم فيه قولين وان كان يتناثر والاصح انه حيث جوز اراد المدر المتماسك وحيث منع أراد المتناثر لانه يلتصق بالنجاسة ولا يتأتي التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها وانتشرت ثم لو استنجي بما لا يقلع لم يسقط الفرض به وان أنقى ويتعين بعده الازالة بالماء ان نقل النجاسة من موضع إلى موضع وان لم ينقل جاز الاقتصار على الحجر وخرجوا علي الشرط الاول والثاني امتناع الاستنجاء بالحجر الرطب ونحوه لان البلل الذى عليه ينجس باصابة النجاسة اياه ويعود شئ منه إلى محل النجو فيحصل عليه نجاسة أجنبية ويكون كاستعمال الخجر النجس ولان الشئ الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلوث والانتشار وحكي القاضى بن كج وغيره وجها
آخر أنه يجوز الاستنجاء بالشئ الرطب ولمن نصره أن يقول لا نسلم ان البلل الذى عليه ينجس باصابة النجاسة اياه وانما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذى يغسل به النجاسات وأما قوله انه لا يزيل النجاسة ممنوع نعم لو كان عليه شئ محسوس من الماء فربما كان كذلك أما مجرد البلل فلا: والثالث أن لا يكون محترما فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها والعظم معدود من المطعومات
لان النبي صلى الله عليه وآله نهي عن الاستنجاء بالعظم وقال انه زاد اخوانكم من الجن وليس له حكم طعامنا من تحريم الربا فيه وغيره وعند مالك لا منع من الاستنجاء بالعظم الطاهر والخبر حجة عليه ومن الاشياء المحترمة ما كتب عليه شئ من العلم كالحديث والفقه وفي جزء الحيوان المتصل به كاليد والعقب من المستنجي وغيره كذنب الحمار وجهان أصحهما أنه لا يجوز الاستنجاء به لحرمته ومنهم من فرق بين أن يستنجي بيد نفسه أو يد غيره فقال لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه
ويجوز أن يستنجى بيد غيره كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه وعكس امام الحرمين ذلك فقال له أن يستنجي بيد نفسه دون يد غيره لانه لا حرج على المرء في تعاطى النجاسات ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان ففى جملة الحيوان أولى وصورته أن يستنجى بعصفورة حية وما في معناها ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم الذهب والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخشنة من الذهب والجواهر النفيسة كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الديباج ثم إذا
استنجي بشئ محترم من مطعوم وغيره عصي وهل يجزئه ذلك عن الفرض فيه وجهان أحدهما نعم لان المقصود قلع النجاسة وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين وأظهرهما أنه لا يجزئه لان الاقتصار على الاحجار من قبيل الرخص والرخص لا تناط بالمعاصي وعلى هذا فله أن يقتصر على الاحجار كما لو لم يستعمل شيئا الا إذا نقل النجاسة عن موضعها كما في الاملس ويلتحق بهذا الشرط القول في الجلد: والطاهر منه ضربان غير المدبوغ وهو جلد المأكول المذكي والمدبوغ من المأكول
وغيره أما غير المدبوغ ففى جواز الاستنجاء به قولان أحدهما الجواز كالثياب وسائر الاعيان وان كان فيه حرمة فليست هي بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة وأصحهما المنع لا مرين أحدهما أن فيه دسومة تمنع التنشيف والثاني أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل علي الرؤس والا كارع فصار كسائر المطعومات ومنهم من قال لا يجوز بلا خلاف واليه مال الشيخ أبو حامد وكثيرون وحملوا ما نقل من تجويز الاستنجاء علي ما بعد الدباغ: وأما الضرب الثاني وهو
المدبوغ ففيه قولان أيضا اصحهما الجواز لان الدباغ يزيل ما فيه من الدسومة ويقلبه عن طبع اللحوم الي طبع الثياب والثاني لا يجوز لانه من جنس ما يؤكل ويجوز أكله إذا دبغ وان كان جلد ميتة على اختلاف فيه قد قدمناه ومنهم من قال يجوز ههنا بلا خلاف وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدباغ وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة وهى اجراء القولين في الصورتين واعتبرنا مطلق الجلد انتظم ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب المنع مطلقا والتجويز مطلقا والفرق بين المدبوغ وغيره وهو الاصح في المذهب وان جعل صاحب الكتاب الثاني أصح وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة بل ان تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وجف وان لم ينجس كالحجر
الثاني والثالث إذا لم يبق على الموضع شئ جاز استعماله في الحال وفيه وجه أنه لا يجوز كالتراب المستعمل ولو كان كذلك لما جاز أيضا بعد غسله ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل * قال (الفصل الرابع في كيفية الاستنجاء * فيستنجى بثلاثة أحجار والعدد واجب (ح م ز) فان لم يحصل الانقاء استعمل رابعة فان حصل أوتر بخامسة ويمر كل حجر على جميع الموضع على أحسن الوجهين وقيل ان واحدة للصفحة اليمني وواحدة وواحدة للصفحة اليسرى وواحدة للوسط وينبغى أن يضع الحجر على موضع طاهر حتى لا يلقى جزءا من النجاسة ثم يدير ليختطف النجاسة ولا يمر فينقلها فان أمر ولم ينقل كفى على أصح الوجهين ويستنجي بيده اليسرى (والاستنجاء واجب اما بالماء أو الحجر) والافضل أن يجمع بين الماء والحجر) * في الفصل مسائل احداها إذا كان يستنجى بالجامد وجب أن يستوفى ثلاث مسحات اما باحرف حجر واحد وما ما بين القوسين ساقط من بعض النسخ
في معناه أو بأحجار لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسح ثلاث مسحات وعن سلمان رضى الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار وظاهر الامر للوجوب فيجب رعاية العدد * وعند أبي حنيفة الاستنجاء مستحب من أصله والعدد فيه غير مستحب وانما الاعتبار للانقاء: وقال مالك إذا حصل الانقاء
بما دون الثلاث كفى ولا صحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد الله الحناطي وغيره ويحتج له بما روي
أنه صلى الله عليه وسلم قال من استجمر فليوتر ومن لا فلا حرج ومن اوجب العدد حمله على ما بعد الثلاث جمعا بين الاخبار وحينئذ لا حرج في ترك الايتار ثم قوله وليستنج بثلاثة أحجار ليس لتخصيص الحكم بها لان غير الحجر بالشرائط المذكورة مشارك للحجر في تحصيل مقصود
الاستنجاء وقد روى انه صلى الله عليه وسلم قال وليستنج بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم هذا يشعر بان الحكم غير مخصوص بالحجر والا فلا فرق بين الرجيع والعظم وسائر ما ليس بحجر ولعل ذكر الاحجار جري لغلبتها والقدرة عليها في عامة الاماكن ثم إذا استنجي بثلاثة أحجار ونحوها واستوفى العدد لكنه لم ينق وجب عليه أن يزيد حتي ينقي فانه المقصود الاصلى من شرع الاستنجاء فلو حصل الانقاء بالرابعة استحب ان يوتر بخامسة لما روى انه صلى
الله عليه وسلم قال إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك ان قوله فيستنجى بثلاثة احجار مسوق على موافقة الخبر والا فالحكم غير مخصوص بالاحجار
وقوله استعمل رابعة أي وجوبا وقوله أو تر بخامسة أي استحبابا (المسألة الثانية) في كيفية الاستنجاء وجهان اظهرهما وبه قال ابن ابي هريرة وابو المروزي انه يمسح بكل حجر جميع المحل بان يضع واحدا على مقدم الصفحة اليمنى فيمسحها به الي مؤخرها ويديرها إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها الي مقدمها فيرجع الي الموضع الذى بدأ منه ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى ويفعل به مثل ذلك ويمسح بالثالث الصفتين والمسربة وتوجيه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم
وسلم قال وليستنج بثلاثة أحجار يقبل بواحدة ويدبر باخرى ويحلق بالثالث والثاني قاله أبو
اسحق ان حجرا للصفحة اليمنى وحجرا لليسرى وحجرا للوسط لما روى انه صلى الله عليه وآله
وسلم قال حجر للصفحة اليمني وحجر للصفحة اليسرى وحجر للوسط وحكي في التهذيب وجها ثالثا وهو انه يأخذ واحدا فيضعه على مقدم المسربة ويديره الي مؤخرها ويضع الثاني علي مؤخرها ويديره إلى مقدمها ويحلق بالثالث كأن المراد بالمسربة جميع الموضع وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الاول والثاني جميع الموضع كأنه صفحة واحدة ويدير الحجر الثالث على المنفد وبهذا يفارق هذا الوجه الاول فانه على ذلك الوجه يطيف الحجرين الاولين ويمسح بالثالث
جميع الموضع وهذا الخلاف في الاستحقاق أم في الاولوية والاستحباب فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد أن الوجهين موضوعان على التنافى فصاحب الوجه الاول لا يجيز الثاني لان تخصيص كل حجر بموضع مما يمنع رعاية العدد الواجب ولا يحصل في كل موضع الا مسحة واحدة وصاحب الوجه الثاني لا يجيز الاول للخبر المصرح بالتخصيص ويقول العدد معتبر بالاضافة الي جملة الموضع دون كل جزء منه وقال المعظم الخلاف في الاولوية والاستحباب لثبوت الروايتين جميعا وكل منهما
جائز وقوله في هذه المسألة ويمر كل حجر على جميع الموضع يعنى به المسح المشترك بين الامرار والادارة دون خصوص الامرار ألا تراه يقول بعد ذلك يدير الحجر ولا يمره (المسألة الثالثة) ينبغى أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النجاسة لانه لو وضع على النجاسة لبقى شيئا منها ونشرها وحينئذ يتعين الغسل بالماء ثم إذا انتهي إلى النجاسة أدار الحجر قليلا قليلا حتى يرفع كل جزء منه جزءا من النجاسة ولو أمره من غير ادارة لنقل النجاسة من الموضع إلى الموضع وتعين الماء ولو أمر ولم
ينقل هل يجزئه ذلك فيه وجهان أحدهما لا لان الجزء الثاني من المحل يلقى ما تنجس من الحجر والاستنجاء بالنجس لا يجوز وأظهرهما أنه يجزئه لان الاقتصار على الحجر رخصة وتكليف الادارة يضيق باب الرخصة وقد يعبر عن هذا الخلاف بان الادارة هل تجب أم لا: المسألة الرابعة الادب الاستنجاء باليسار دون اليمين لما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت يد رسول الله صلى
الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى فان كان يستنجي بالماء صبه بيمينه ومسح بيساره وان كان يستنجى بالجامد ففى الغائط يأخذ الحجر بيساره ويمسح به الموضع ولا يستعين باليمنى بخلاف ما في الماء وكذلك تفعل المرأة في الاستنجاء من البول وأما الرجل إذا كان يستنجي من البول فينظر ان استنجى بما لا يحتاج إلى ضبطه كالصخرة العظيمة والجدار أخذ ذكره باليسار ومسحه عليه وان كان يحتاج إلى ضبطه كالحجر
الصغير فيمسكه بين ابهامى الرجلين أو بين العقبين ويأخذ ذكره بيساره ويمسحه عليه فان احتاج إلى الاستعانة باليمين اخذ الحجر باليمين والذكر باليسار ويحرك اليسار دون اليمين فلو حركهما جميعا أو خص اليمين بالحركة كان مستنجيا باليمين ومنهم من قال الاولي ان يأخذ الحجر بيساره والذكر بيمينه ويمر الحجر على الذكر لان الاستنجاء يقع بالحجر فامساكه باليسار اولى والاول أظهر وأشهر لان مس الذكر باليمين مكروه: روى ابو قتادة انه صلي الله عليه وسلم قال
إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وذكر بعضهم انه لا طريق للاحتراز عن هذه الكراهية الا الامساك بين العقبين أو الابهامين اما إذا استعمل اليمين فيه كان مرتكبا للنبى كيف فعل (الخامسة) الافضل ان يجمع بين الماء والحجر أو ما في معناه قد أثنى الله تعالي على اهل قباء
بذلك وانزل فيه قوله تعالي فيه رجال يحبون ان يتطهروا الاية وفيه من طريق المعنى ان العين تزول بالحجر والاثر بالماء فلا يحتاج إلى مخامرة عين النجاسة وهى محبوبة فان اقتصر على
أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار
على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد إذا قلنا تنتقض الطهارة بالخارج منها وأما
واضح الحال فالرجل مخير ان شاء اقتصر علي الماء وان شاء استعمل الاحجار أو ما في معناها
وكذلك البكر لان البكارة تمنع من نزول الماء في الفرج واما الثيب فالغالب انها إذا بالت تعدى البول
الي فرجها الذى هو مدخل الذكر ومخرج الولد لان ثقبة البول فوقه فيسيل إليه فان تحققت ان
الامر كذلك لم يجزئها الا الماء وان لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر لان موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة وانتشار البول إلى غيره غير معلوم وحكي وجه أنه لا يجوز لها الاقتصار
علي الحجر بحال ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر وهو من المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار