كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كالحاجبين والاهداب أو من جانبين كالعذارين والشاربين فيجعل موضعها تبعا لما يحيط به ويعطي حكمه وفى كلام بعض الائمة حكاية وجه أنها إذا كشفت لا يجب غسل منابتها كاللحية فلك أن تعلم قوله ويجب ايصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة غالبا بالواو اشارة إلى هذا الوجه واقتصاره على ذكر المنابت ليس لان الشعور لا تغسل بل إذا وجب غسل المنابت وجب غسل الشعور بطريق الاولي ففى ذكر المنابت تنبيه عليها: والضرب الثاني ما لا يندر فيه الكثافة وهو شعر الذقن والعارضين والعارض ما ينحط عن القدر المحاذي للاذن فينظر فيه ان كان خفيفا وجب غسله مع البشرة تحته كالشعور الخفيفة غالبا وان كان كثيفا وجب غسل ظاهره ولم يجب غسل البشرة تحته لما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكان صلى الله عليه وسلم كث اللحية ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة والمعني فيه عسر ايصال الماء إلى المنابت مع الكثافة الغير النادرة وحكي فيه قول قديم أنه يجب غسل البشرة تحته لانها الوجه وهذا شعر نابت عليه ومنهم من يحكيه وجها وهو قول المزني رحمه الله وليكن قوله لم يجب ايصال الماء إلى منابتها معلما بالزاى والواو لهذا الخلاف
والمذهب الاول ويستثنى عن اللحية الكثيفة ما إذا خرجت للمرأة لحية كثيفة فيجب ايصال الماء الي منابتها لان أصل اللحية لها نادر فكيف بصفة الكثافة وكذلك لحية المشكل إذا لم يكن نبات اللحية مزيلا للاشكال وفيه خلاف يأتي ذكره فإذا اللحية في حقها من الضرب الاول وعنفقة الرجل من الضرب الاول أو من الضرب الثاني فيه: وجهان مبنيان علي المعنيين المذكورين في الحاجبين ونحوهما ان عللنا بالمعني الاول وهو ندرة الكثافة في تلك الشعور فالعنفقة ملحقة بها وان عللنا باحاطة البياض فلا: بل هي كاللحية والمعني الاول أظهر لانهم حكوا عن نص الشافعي رضى الله عنه التعليل بان هذه الشعور لا تستر ما تحتها غالبا ويدل عليه لحية المرأة والله أعلم: ثم ههنا سؤالان أحدهما ما الفرق بين الخفيف والكثيف والجواب.
عبارة أكثر الاصحاب أن الخفيف ما تترآى البشرة من خلاله في مجلس التخاطب والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية وهذا ما يشعر به لفظ الشافعي
رضى الله عنه وهو الذى حكاه المصنف وقال بعض الاصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه ورأيت الشيخ أبا محمد والمسعودي وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الاخرى ويقولون انهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذى ذكروه لان لهيئة النبات وكيفية الشعر في السبوطة والجعودة تأثيرا في الستر وفي وصول الماء إلى المنبت وقد يؤثر شعره في أحد الامرين دون الآخر وإذا ظهر الاختلاف فلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول الشارب معدود من الشعور الخفيفة وليس كونه مانعا من رؤية البشرة تحته بامر نادر: الثاني شعر الضرب الثاني لو كان بعضه خفيفا
وبعضه كثيفا ما حكمه.
الجواب فيه وجهان أصحهما أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفى المقتضي كل واحد منهما عليه والثاني للكل حكم الخفيف وهو الذى ذكره في التهذيب وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذراع إذا كثف ولك أن تمنع ما ذكره وتدعى أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها لانه قال أما شعر الذقن فان كثف الي آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها ويفرض ذلك على وجهين أحدهما أن تخف كلها ولا يخفى حكمه: والثاني أن يخف البعض ويكثف البعض وهو هذه المسألة: هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه: القسم الثاني الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولا وعرضا قولان أحدهما لا يجب غسله وبه قال أبو حنيفة والمزنى لان الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المسح عليه فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه وأصحهما يجب لانه من الوجه بحكم التبعية لما سبق من الخبر ولان الوجه ما تقع به المخاطبة والمواجهة ولانه متدل من محل الفرض فأشبه الجلدة المتدلية وهذا الخلاف يجرى أيضا في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعذار والسبال إذا طال ولا فرق:
وذكر بعضهم في السبال أنه يجب غسله قولا واحدا والظاهر الاول فان قلت قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت الافاضة فالناقلون يقولون تجب الافاضة في قول ولا تجب في قول وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل فاعلم أن لفظ الافاضة في اصطلاح الائمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لا مرار الماء علي الظاهر: ولفظ الغسل للامرار على الظاهر مع الادخال في الباطن ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري رضى الله عنه لما قال في هذه المسألة يجب الغسل في قول والافاضة في قول وقالوا الغسل غير واجب قولا واحدا وانما الخلاف في الافاضة وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولا واحدا كالشعور النابتة تحت الذقن لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه والافاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر ثم مع هذا كله فقد حكي وجه أنه يجب غسل الوجه الباطن من الطبقة العليا من المسترسل إذا أوجبنا غسل الوجه البادى منه وهو بعيد عند علماء المذهب * قال (الفرض الثالث غسل اليدين مع المرفقين فلو قطع يده من الساعد غسل الباقي وان قطع من العضد استحب غسل الباقي لتطويل الغرة وان كان من المفصل يجب غسل رأس العظم الباقي على أصح القولين لانه من المرفق ولو نبتت يد زائدة من ساعده وجب غسلها وان لم تتميز الزائدة عن الاصلية وجب غسلهما وان خرجت من العضد لا تغسل الا إذا حاذت محل الفرض فيغسل القدر المحاذي) * هذا نصه قال الله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) وقوله عز اسمه (من أنصاري إلى الله) وهو المراد ههنا لما روى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وروى أنه ادار الماء على مرفقيه ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به ثم اليدان كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب وكانت كاملة فذاك وان قطع بعضها فله ثلاثة أحوال أحدها أن يكون القطع مما تحت المرفق كالكوع والذراع فغسل الباقي واجب فالميسور لا يسقط بالمعسور والثانية أن يكون مما فوق المرفق فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العضد يستحب غسله لتطويل الغرة كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعني فان قيل غسل ذلك
الموضع مستحب تبعا فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجنون لما سقط قضاء الاصل سقط قضاء الرواتب التى هي أتباع: قلنا سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة والا فهو ممكن والتبع أولى بالمسامحة وسقوط الاصل ههنا ليس على سبيل الترخص بل هو متعذر في نفسه فحسن الاتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الامكان كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له امرار الموسى علي الرأس وقت الحلق: فان قيل تطويل الغرة انما يفر ض في الوجه والذى في اليد تطويل التحجيل فكيف قال يغسل الباقي لتطويل الغرة: قلنا تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة أشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق
بينهما ويطلق تطويل الغرة في اليد ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم من أراد منكم أن يطيل غرته فليفعل قال وانما يمكن الاطالة في اليد لان استيعاب الوجه
بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشئ لان للمعترض أن يقول الاطالة في الوجه أن يغسل إلى الليت وصفحة العنق وهو مستحب نص عليه الائمة: والثالثة أن يكون القطع من مفصل المرفق فهل يجب غسل رأس العظم الباقي فيه طريقان أحدهما القطع بالوجوب لانه من محل الفرض وقد بقى قاشبه الساعد إذا كان القطع من الكوع والثاني وهو الذى ذكره في الكتاب فيه قولان القديم ومنقول المزني انه لا يجب والاصح وهو منقول الربيع أنه يجب واختلفوا في مأخذ القولين: منهم من قال مأخذهما أن المرفق في اليد السليمة يغسل تبعا أم مقصودا فمن قائل تبعا وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شئ من الرأس تبعا وضرورة لاستيعاب الوجه
بالغسل: ومن قائل يغسل مقصودا كسائر أجزاء محل الفرض وكاطراف الوجه بالاضافة إلى وسطه.
ومنهم من قال بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق فمن قائل المرفق عبارة عن طرف عظم الساعد ولم يبق ومن قائل المرفق مجموع العظمين وقد بقى أحدهما فيغسل وهذا ما أشار إليه بقوله لانه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة أما إذا خلقت لشخص واحد من جانب واحد يدان فلا يخلو اما أن تتميز الزائد من محمل الفرض كالساعد والمرفق وجب غسلها مع الاصلية كالاصبع
الزائدة والسلعة النابتة ولا فرق بين أن يجوز طولها الاصلية أو لا يجاوز وان خرجت مما فوق محل الفرض فان لم تبلغ إلى محاذات محل الفرض لم يجب غسل شئ منها وان بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في الام انه يجب غسل القدر المحاذي دون ما فوقه لوقوع اسم اليد عليها وحصول ذلك القدر في محل الفرض بخلاف الجلدة المنكشطة من
العضد لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره لان اسم اليد لا يقع عليها وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه انه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره لان هذه الزائد ليست على محل الفرض فتجعل تبعا ولا هي أصلية حتي تكون مقصودة بالخطاب وحملوا نصه في الام على ما إذا التصق شئ منها بمحل الفرض أما إذا لم تتميز الزائدة عن الاصلية وجب غسلهما جميعا سواء خرجتا من المنكب أو من المرفق أو الكوع لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرورة أداء الواجب منهما وإذا خرجتا من المرفق أو الكوع غسلتا حتما ومن الامارات المميزة للزائدة عن الاصلية أن تكون احداها قصيرة فاحشة القصر والاخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة ومنها نقصان الاصابع ومنها فقد البطش وضعفه *
قال (الفرض الرابع مسح الرأس وأقله ما يسمي (ح) مسحا (م ز) ولو على شعرة واحدة (و) بشرط أن لا يخرج محل المسح عن حد الرأس ولا يستحب الغسل ولا يكره على الاظهر وفي البل دون المد وجهان) قال الله (وامسحوا برؤوسكم) وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم لان من أمر يده على هامة اليتيم صح أن يقال مسح برأسه ولان النبي صلى الله
عليه وسلم مسح في وضوءه بناصيته وعلى عمامته ولم يستوعب * وقال مالك يجب الاستيعاب وهو اختيار المزني واحدى الروايتين عن أحمد والثانية انه يجب مسح أكثر الرأس * وقال أبو حنيفة يتقدر بالربع ثم ان كان يمسح على بشرة الرأس فذاك ولا يضر كونها تحت الشعر وقال الروياني في البحر به لا يجوز لانتقال الفرض الي الشعر وان كان يمسح علي الشعر فكذلك يجوز وان اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها ولا تقدير وعن ابن القاص انه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر ازالتها في التحلل عن النسك وفي ايجاب الدم على المحرم وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات: في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعا والاول أظهر ثم شرط الشعر
الممسوح أن لا يخرج عن حد الرأس فلو كان مسترسلا خارجا عن حده وكان جعدا كانئا في حد الرأس لكنه بحيث لو مد لخرج عن حده لم يجز المسح عليه لان الماسح عليه غير ما سح على الرأس: واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجا عن حد الرأس وان كان في غاية القصر وكان المراد المد في جهة الرقبة والمنكبين وهى جهة النزول ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته: فيه وجهان أحدهما يشترط ذلك فلا يجوز المسح على ما جاور منبته وان كان في حد الرأس فانه كالغطاء لما تحته كالعمامة وأصحهما انه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه ولو غسل الرأس بدلا عن المسح ففى اجزائه وجهان أحدهما لا يجزيه لانه مأمور بالمسح والغسل ليس بمسح واصحهما انه يجزيه لان الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح فكان مجزيا بطريق الاولي وهذا قضية ما ذكره في الكتاب لانه نفى الاستحباب والكراهية عنه وهو مسعر بالاجزاء وهل يكره الغسل بدلا عن المسح وان أجزأ فيه وجهان احدهما نعم لانه سرف كغسل الخف بدلا عن مسحه وكالغسلة الرابعة واظهرهم لا يكره لان الاصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص فإذا عدل إلى الاصل لم يكن مكروها لكن لا يستحب ذلك لما اشار
إليه النبي صلى الله عليه وسلم في باب الرخص بقوله ان الله قد تصدق عليكم فاقبلوا صدقته وقوله لا سيتحب الغسل ولا يكره على الاظهر ربما اوهم عود الخلاف اليهما وليس كذلك وانما الخلاف في الكراهية وحدها ولو بل رأسه ولم يمد اليد أو غيرها مما يمسح به على الموضع فهل يجزيه ذلك فيه وجهان اصحهما نعم لان المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الا يصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجرى الماء على الاعضاء أو يخوض ببدنه في الماء والثاني وهو اختيار القفال لا يجزى لانه لا يسمى مسحا وهو مأمور بالمسح ولو قطر على رأسه قطرة ولم تجر هي على الموضع فعلى الخلاف فان جرت كفى وهذا يدل على أن المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا ان سلم ان الامساس والوضع ليس بمسح
قال الفرض الخامس غسل الرجلين مع الكعبين قال الله تعالى (وأرجلكم الي الكعبين) وحكم الرجل على انقسامها الي الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكعبان هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم وروي القاضي ابن كج وغيره عن بعض الاصحاب ان الكعب هو الذى فوق مشط القدم: وجه الاول ما روى النعمان بن بشير رضى الله عنه قال أمسنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باقامة الصفوف فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب أخيه وكعبه بكعبه والذى يتصور فيه التزاق القائمين في الصف ما ذكرنا دون ظهر القدم وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته ما إذا غسل الجنب جميع بدنه الا رجليه ثم أحدث والاصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حقه الحدث الاكبر والاصغر هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء فيه وجهان أحدهما لا يكفيه لان الطهارتين عبادتان مختلفتان فلا تتداخلان كالصلاتين ولانهما مختلفتا السبب والاثر والفعل وهذه الاختلافات تمنع التداخل وأصحهما أنه يكفيه الغسل لظاهر الاخبار نحو ما روى
أنه صلى الله عليه وسلم قال أما انا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ولم يفصل بين الحنابة المجردة والجنابة مع الحدث مع ان الغالب ان الجنابة لا تتجرد فعلي الاول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما: وعلى الثاني وهو الاصح هل من شرط الغسل ليكفى مراعاة الترتيب في أعضاء الوضوء فيه وجهان أحدهما نعم لان الترتيب خاصية الوضوء والتداخل انما يجرى فيما يشترك المتداخلان فيه من الافعال دون خواصهما فعلى هذا يكفى غسل البدن مرة واحدة ولكن يشترط أن تكون اعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطا آخر وهو ان يمسح الرأس لانه من خاصية الوضوء أيضا بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح والثاني وهو الاصح لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر ولا يبعد أن يدخل الاصغر في الاكبر فلا تبقى خاصيته الا ترى أن العمرة تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بالقران ولو انفردت لا تفوت: فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الاكبر فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعا بغسله أم يكفيه نية الاكبر فيه وجهان احدهما يحتاج إلى الجمع كالحج والعمرة يتداخلان
في الافعال دون النية وأصحهما لا حاجة إليه لان الطهارات موضوعة على التداخل فعلا ونية ألا ترى انه إذا اجتمعت الاحداث كفى فعل واحد ونية واحدة هذا كله إذا اتفق وقوع الاكبر والاصغر معا أو سبق الاصغر الاكبر: اما إذا سبق الاكبر الاصغر فطريقان أحدهما طرد الخلاف والثاني الاكتفاء بالغسل بلا خلاف لان الاكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن فلا يؤثر فيه الاصغر بعد ذلك والاصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الاكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره * إذا عرفت هذا الاصل فنعود إلى الصورة المذكورة ونقول ان قلنا يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء وتكون الرجل مغسولة مرتين وان قلنا يكفى الغسل ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء وجب غسل الرجلين مؤخرا عن سائر أعضاء الوضوء ويكون غسلهما واقعا عن الجهتين الجنابة والحدث جميعا وان قلنا يكفى الغسل من غير اشتراط الترتيب فعليه غسل الرجلين عن جهة الجنابة إما قبل سائر اعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها ويغسل سائر الاعضاء عن الحدث علي الترتيب وهذا هو الاصح واختيار ابن سريج وابن الحداد وعلي هذا الوجه يكون المأتي به وضوءا خاليا عن غسل الرجلين لان الرجلين قد اجتمع فيهما الحدثان ونحن علي هذا الوجه نحكم باضمحلال الاصغر في جنب الاكبر فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء
فهذه هي صورة الامتحان وينبغي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرجلين على ما ذكر في الرجلين ولزم أن نقول علي الوجه الصحيح هذا وضوء خال عن مسح الرأس والرجلين وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين فلهذا لا يتنجح المحصل بأمثال هذه الامتحانات (فائدة) عدوا غسل الرجلين احد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه بل الذي يلزمه احد امرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيبا والمراد عند الاطلاق ما إذا كان لا يمسح أو ان الاصل الغسل والمسح بدل * (الفرض السادس الترتيب (ح م ز) الا إذا اغتسل سقط الترتيب في أظهر الوجهين فانه يكفى للجنابة فللاصغر أولى والنسيان ليس بعذر في ترك الترتيب (ح) على الجديد وإذا خرج منه بلل واحتمل الجنابة والحدث فان شاء اغتسل ولم يغسل الثوب وان شاء توضأ وضوءا مرتبا وغسل الثوب) روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه
فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب وخلاف أبي حنيفة ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور احدها لو اغتسل المحدث بدلا عن الوضوء هل يجزيه ذلك: نظر ان أتي بالغسل بحيث يتأتي فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زمانا ففيه وجهان احدهما لا يجزيه لان الترتيب من واجبات الوضوء والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب وأصحهما يجزيه لمعنيين أحدهما ان الغسل أكمل من الوضوء فانه يكفى لرفع أعلى الحدثين فالاصغر أولى: كيف والاصل هو الغسل وانما حط تخفيفا: والثاني ان الترتيب حاصل في الحالة المفروضة فانه إذا لاقي الماء وجهه وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا الي آخر الاعضاء فعلى المعنى الاول وهو الذى ذكره في الكتاب ايثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب: وعلي الثاني الترتيب حامل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل كما لو اغتسل مراعيا للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف وان لم يتأت فيه تقدير الترتيب بأن انغمس وخرج علي الفور أو غسل الاسافل قبل الاعالى ففيه وجهان مبنيان علي الوجهين في الحالة الاولى: ان قلنا لا يجزي ثم فهنا أولى وان قلنا يجزى فيبنى على المعنيين ان قلنا الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه ههنا أيضا وان قلنا بالمعني الثاني فلا والمعنى الثاني أصح: فلا جرم الاصح في هذه الحالة انه لا يجزيه ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعا إذا قارنته النية والكلام فيما عداه وعنهم من قال في الحالة الاولى يجريه ما أتى به بلا خلاف والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوي رفع الحدث فان نوى رفع الجنابة ان قلنا لا يجزيه إذا نوى رفع الحدث فههنا أولى وان قلنا يجزيه فوجهان ههنا أحدهما لا يجزيه لانه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهرة غير مرتبة وأصحهما
الجواز والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيا واثباتا وهذا كله في المحدث المحض يغتسل: أما إذا أجنب وأحدث فالظاهر انه يكفيه الغسل كما تقدم والاصغر يتلاشى في جنب الا كبر وإذا عرفت ما ذكرناه ونظرت في لفظ الكتاب وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب وماذا اغتسل بحيث لا يتأتي فيه ذلك فان أرادهما جميعا فالخلاف شامل لكن الاظهر عند الجمهور أنه لا يجزيه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره.
وان أراد الحالة الاولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره: الثاني لو ترك الترتيب عامدا لم يجزه وضؤه لكن يعتد بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان باربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يجزه الوضوء كما لو نكس لان المعية تنافى الترتيب أيضا وفيه وجه أن الشرط عدم التنكيس ويجزيه الوضوء ههنا وان ترك الترتيب ناسيا فقولان الجديد انه كما لو ترك عامدا كما لو ترك سائر الاركان ناسيا وفي القديم
قول انه يعذر بالنسيان وذكر الائمة انه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسيا ووجه
الشبه أن قراءة الفاتحة وان كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالركوع والقيام ونحوهما وانما هي زينة وتتمة للقيام: كذلك الترتيب زيمة وهيئة في سائر الاركان: الثالث الوضوء نوعان احدهما وضوء من يتيقن ان حدثه الاصغر فيعتبر فيه الترتيب والثاني وضوء من يجوز أن يكون حدثه الاكبر ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون منيا واحتمل أن يكون مذيا ففيما يلزمه وجوه: احدها انه يجب عليه الوضوء لان غسل ما زاد على الاعضاء الاربعة مشكوك فيه والمستيقن هذا القدر وعلى هذا الوجه لو عدل الي الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلا عن الوضوء والثاني يجب عليه الوضوء وغسل وسائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل لان شغل ذمته باحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الاتيان بها ليخرج عن العهدة بيقين والثالث وهو الاصح انه يتخير بين أن يغتسل أخذا بأنه منى أو يتوضأ أخذا بانه مذى لان كل واحد منهما محتمل فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته لان لزوم الآخر مشكوك فيه والاصل العدم وهذا الوجه هو الذى ذكره في الكتاب وليكن قوله فان شاء وان شاء معلمين بالواو اشارة إلى ما روينا من الوجهين ثم علي هذا الوجه الاظهر وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البلل من ثوب وغيره لانه على التقدير الذى يجب الوضوء يكون ذلك الخارج نجسا
وفيه وجه انه لا يجب غسل الثوب وهو ضعيف ولا بد أن يكون الوضوء المأتي به مرتبا وفيه وجه انه لا يجب الترتيب لانه إذا شك في كونه منيا أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى فلا يجب بالشك كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى وانما يجب المشترك بينهما ويقال كان القفال يقول بهذا الوجه ثم رجع إلى الاول وهو المذهب لانه اما مني فموجبه الغسل أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه فإذا لم يرتب الوضوء ولا اغتسل فقد صلى مع أحد الحدثين يقينا ويجرى هذا الخلاف فيما إذا أولج خنثى مشكل في دبر رجل فهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان والا فمحدثان فالجنابة محتملة غير مستيقنة فإذا توضآ وجب عليهما المحافظة علي الترتيب في ظاهر المذهب وفي وجه لا يجب لان لزومك الترتيب مشكوك فيه وهذا الوجه هو الذى دعا إلى ايراد مسألة البلل ههنا وان لم يذكره في لفظ الكتاب والله أعلم *
القول (في سنن الوضوء وهي ثماني عشرة أن يستاك بقضبان الاشجار عرضا ويستحب ذلك عند كل صلاة وعند تغير النكهة ولا يكره الا بعد الزوال (ح م) للصائم) * عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال السواك مطهرة للفم مرضاة للرب إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقا ولا يكره الا بعد الزوال للصائم خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله وسنذكر تفصيل مذهبهم في الصوم ان شاء الله تعالى * لنا انه يزيل
أثر العبادة وهو خلوف الفم وانه مشهود له بالطيب قال صلى الله عليه وسلم لخوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وإذا كان كذلك فيكره ازالته كدم الشهيد وانما خص بما بعد الزوال لان تغيير الفم بسبب الصوم وحينئذ يطهر وفى غيره هذه الحالة يطرد الاستحباب لكنه أكد في مواضع منها عند الصلاة وان كان على
الطهارة سواء كان متغير الفم أو لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على امتى لا مرتهم بالسواك عند كل صلاة ومنها عند تغيير النكهة وذلك قد يكون للنوم فيستحب
عند الا ستيقاظ الاستياك: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ استاك وروى انه كان يشوص فاه بالسواك وقد يكون لطول السكوت وقد يكون لترك الاكل وقد يكون لاكل ما له رائحة كريهة فيستحب الاستياك عندها جميعا لانها أسباب تغير الفم فتشبه النوم: ومنها اصفرار الاسنان وقد يفرض ذلك من غير تغير النكهة: ومنها قراءة القرآن تعظيما وتطهيرا له: ومنها عند الوضوء
وان لم يصل في الحال: روى في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتى لا مرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل وضوء وقد حكينا فيما تقدم عن بعض الاصحاب أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله أيستاك بالواو اشارة إلى ذلك الوجه وقوله بقضبان الاشجار ليس علي سبيل الاشتراط لكنها أولى من غيرها والاولى منها الاراك والاحب أن يكون يابسا لين بالماء دون ما لم يلين فانه يقرح اللثة ودون الرطب فانه لا ينقى اللزوجة وأصل السنة تتأدى بكل خشن يصلح لازالة القلح كالخرقة الخشنة ونحوها نعم لو كان جزءا منه كاصبعه
الخشنة ففيه ثلاثة أوجه أظهرها لا يجزى لانه لا يسمى استياكا: والثاني يجزى لحصول مقصود الاستياك به: والثالث ان قدر على العود ونحوه فلا يجزى والا فيجزى لمكان العذر: وأما قوله عرضا فقد ذكر امام الحرمين أنه عد السواك علي طول الاسنان وعرضها فان اقتصر علي أحدى الجهتين فالعرض أولى لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال استاكوا عرضا وهكذا أورده المصنف في الوسيط وذكر آخرون منهم صاحب التتمة أن يستاك في عرض الا سنان لا في طولها ورووا في
الخبر أنه قال استاكوا عرضا لا طولا فعلى الاول قوله عرضا ليس لانه متعين في اقامة هذه السنة بل خصه بالذكر لانه أولي وعلي الثاني هو تعيين *
قال (وأن يقول بسم الله في الابتداء وأن يغسل يديه ثلاثا قبل ادخالهما في الاناء) ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه بسم الله علي سبيل التبرك والتيمن وذهب أحمد إلى أن
التسمية واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يسم الله عليه قلنا المعنى لا وضوء
كاملا كذلك روى في بعض الروايات ويدل عليه قوله صلي الله عليه وسلم من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لاعضاء وضوءه ولو كانت التسمية واجبة لما طهر شئ: ثم لو نسي التسمية في ابتداء وتذكرها في اثناء الوضوء اتى بها كما لو نسي التسمية في ابتداء الاكل يأتي بها إذا تذكر في الاثناء: ولو تركها في الابتداء عمدا فهل يشرع له التدارك في الاثناء هذا محتمل ولك أن تعلم قوله وان يقول بسم الله بالالف والواو فالالف لان احمد عدها من الواجبات والواو لان بعض الاصحاب لم يعدها من سنن الوضوء
وقال هي محبوبة في كل امر ذى بال فلا اختصاص لها بالوضوء: ومن سننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل غسل الوجه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في وضوءه ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم وغيره ولا بين ان يتردد في طهارة يديه أو يتيقنها ولا بين من يدخل يديه في الاناء في توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضى الا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الاناء: ثم من يدخل يديه في الاناء ولم يتيقن طهارة يديه بان قام من النوم واحتمل تنجس يديه في طوافهما وهو نائم يختص بشئ وهو انه يكره له ذلك قبل الغسل قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده وكذلك لو كان مستيقظا ولم يستيقن طهارة اليدين وإن تيقن طهارة يديه فهل يكره له الغمس قبل الغسل فيه وجهان اظهرهما لا بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره لان سبب المنع ثم الاحتياط للماء لاحتمال نجاسة اليد وهذا مفقود ههنا: والثاني يكره لان المتيقن والمتردد يستويان في اصل استحباب الغسل فكذلك في استحباب تقديم الغسل علي الغمس وليكن قوله وان يغسل يديه معلما بالالف والو أو ايضا اما الالف فلان عند احمد ان قام من نوم الليل يجب غسل اليدين قبل ادخالهما الاناء وان قام من نوم النهار لا يجب واما الواو فلان بعضهم لا يعده من سنن الوضوء علي ما سبق واما قوله ثلاثا فليس ذلك من خاصية هذه السنة بل التثليث مستحب في جميع افعال الوضوء كما سيأتي *
قال (وأن يتمضمض ثم يستنشق فيأخذ غرفة لفيه وغرفة لا نفه على أحد القولين وفي الثاني يأخذ غرفة لهما ثم يخلط على أحد الوجهين إذا كانت الغرفة واحدة ويقدم المضمضة في الوجه الثاني وأن يبالغ فيهما الا أن يكون صائما فيرفق) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمضمض ويستنشق في وضوئه فهما مستحبان فيه
خلافا لاحمد حيث قال بوجوبهما: لنا ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عشر من السنة وعد منها المضمضة والاستنشاق ثم أصل الاستحباب يتأدى بايصال الماء إلى الفم والانف سواء كان بغرفة واحدة أو أكثر لكن اختلفوا في الكيفية التى هي أفضل على طريقين أصحهما أن فيه قولين أصحهما أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق ويقال ان عثمان وعليا رضى الله عنهما كذلك روياه ولانه أقرب إلى النظافة: والثاني الجمع بينهما أفضل لما روى عن علي رضي الله عنه في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد ونقل مثله عن وصف عبد الله بن زيد والرواية عنه وعن عثمان وعلي رضى الله عنهم في الباب
مختلفة: والطريق الثاني أن الفصل أفضل بلا خلاف وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجواز فان قلنا بالفصل ففى كيفيته وجهان أصحهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثا وغرفة أخري يستنشق منها ثلاثا لان عليا رضى الله عنه كذلك رواه: والثاني أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاثا للاستنشاق لانه أقرب الي النظافة وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق وهذا التقديم مستحق علي أظهر الوجهين لانهما عضوان فيتعين الترتيب بينهما كما في سائر الاعضاء والثاني أنه مستحب لانهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار * وان قلنا بالجمع ففى كيفيته
وجهان أيضا أظهرهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يأخذ ثالثة فيعمل بها مثل ذلك كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد: والثاني أنه يأخذ غرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستنشق ثلاثا روى ذلك في بعض الروايات ايضا ثم على هذا الوجه وهو اتخاذ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق ام يقدم المضمضة فيه وجهان احدهما انه يخلط فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة لان اتحاد الغرفة يدل على انهما في حكم عضو واحد: والثاني يقدم المضمضة على الاستنشاق فان ذلك اقرب الي
النظافة * ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب من هذا الاختلافات أما قوله فيأخذ غرفة لفيه وغرفة لا نفه علي أحد القولين فهو قول الفصل بالكيفية المذكورة في الوجه الاول من الوجهين المذكورين على هذا القولين: وأما قوله وفي الثاني يأخذ غرفة لهما فهو قول الجمع بالكيفية المذكورة في الوجه الثاني علي هذا القول: وقوله ثم يخلط على أحد الوجهين إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيرا ومن سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق ففى المضمضة يبلغ الماء أقصي الحنك ووجهى الاسنان واللثات مع امرار الاصبع عليها وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم مع ادخال الاصبع وازالة ما فيه من الاذى لكن لو كان صائما لا يبالغ فيهما كيلا يصل الماء إلى الدماغ أو البطن وقد روي