كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الخامس ولوغ الكلب يغسل سبعا احداهن بالتراب وعرقه وسائر اجزائه كاللعاب وفي الحاق (م) الخنزير به قولان والاظهر أنه لا يقوم الصابون والاشنان (ز) مقام التراب ولا الغسلة الثامنة ولو كان التراب نجسا أو مزج بالخل فوجهان ولو ذر التراب على المحل لم يكف بل لا بد من ماء يعفر به فيوصله إليه) ولوغ الكلب ما ولغ فيه والولوغ المصدر وقاعده الفرع أنه يغسل من ولوغ الكلب سبعا احداهن بالتراب خلافا لابي حنيفة حيث قال حكمه حكم سائر النجاسات ولا حمد حيث قال في رواية يغسل ثمان مرات: لنا ما روى أبو هريرة رضي الله أن النبي صلي الله عليه قال إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعا أو لا هن أو احداهن بالتراب ثم فيه مسائل
أحداها عرقه وسائر اجزائه وفضلاته كاللعاب إذا تنجس الشئ بها وجب العدد والتعفير لان فمه أنظف من غيره كما سبق فإذا ورد التغليظ فيه ففى غيره أولى وفى وجه غير اللعاب كسائر النجاسات قياسا وعند مالك لا يغسل من غير الولوغ لان الكلب طاهر عنده والغسل من الولوغ تعبد: الثانية في الحاق الخنزير بالكلب في هذا التغليظ قولان الجديد أنه يلحق به لانه حيوان
نجس العين والسؤر كالكلب فهو أولى بالتغليظ لانه لا يجوز اقتناؤه بحال والقديم انه لا يلحق به لان القياس يقتضى الاقتصار على المرة الواحدة وانما ورد التغليظ في الكلاب فطما لهم عن عادة مخالطتها ومنهم من قطع بالحاق الخنزير بالكلب ولم يثبت القول القديم فلك أن تعلم قوله قولان بالواو ويشير إلى هذه الطريقة الثالثة هل يقوم الصابون والاشنان مقام التراب فيه ثلاثة
أقوال أظهرها لا: لظاهر الخبر ولانها طهارة متعلقة فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم والثاني نعم كالدباغ يقوم فيه غير الشب والقرظ مقامهما وكالاستنجاء يقوم فيه غير الحجارة مقامها.
الثالث أن وجد التراب لم يعدل إلى غيره وان لم يجده جاز اقامة غيره مقامه للضرورة ومنهم من قال
يجوز اقامة غير التراب مقامه فيما يفسد باستعمال التراب فيه كالثياب ولا يجوز فيما لا يفسد
كالاواني: الرابعة لو اقتصر على الماء وزاد في عدد الغسلات على السبع هل يطهر فيه وجهان أصحهما لا لظاهر الخبر ولانه غلظ أمر هذه النجاة بالجمع فيه بين جنسين فلا يجوز الاقتصار على أحدهما كزنا البكر لما غلظ أمره بالجمع بين الجلد والتغريب لا يقصر على أحدهما: والثاني نعم لان المقصود التطهير والماء أبلغ في التطهير من التراب ثم منهم من رتب هذا الخلاف على أن الصابون والاشنان ونحوهما هل تقوم مقام التراب أم لا ان قلنا لا فكذلك الغسلة الثامنة وان قلنا نعم فههنا وجهان لان ثم استعان بشئ آخر سوى الماء ومنهم من بناه على الخلاف فيما إذا غمس الاناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء كثير هل يطهر أم لا يعتد بذلك غسلة واحدة
ويجب غسله ستا احداهن بالتراب فان قلنا بالاول طهر بالغسلة الثامنة وان قلنا بالثاني فلا: وحكى القاضي الروياني في المسألة وجها ثالثا أن الغسلة الثامنة تقوم مقام التراب عند عدمه: ولا تقوم مقامه عند وجوده وهو نظير القول الثالث في المسألة السابقة: الخامسة لو كان التراب نجسا ففيه وجهان أحدهما يجزى كالدبغ بالشئ النجس فان المقصود الاستعانة على القلع بشئ آخر وأصحهما لا كما لو تيمم بالتراب النجس وهذه المسألة تناظر مسألة أخرى وهى أن الارض الترابية لو
تنجست باصابة الكلب اياها هل يحتاج في تطهيرها إلى التراب أم يكفي محض الماء ان قلنا يجوز التطهير بالتراب النجس فلا حاجة إلى تراب آخر وان قلنا لا يجوز فلابد من استعمال تراب آخر والا ظهر في هذه المسألة أنه لا حاجة إلى استعمال التراب لانه لا معنى للتعفير في التراب: السادسة لا يكفي ذر التراب على المحل وان غسله سبعا بل لابد من مائع يمزجه ليصل التراب بواسطته إلى جميع أجزاء المحل ثم ذلك المائع ان كان ماء حصل الغرض وان كان غيره كالخل
وماء الورد وغسله ستا بالماء فوجهان أحدهما يكفى لان المقصود من تلك الغسلة التراب وأصحهما لا لقوله صلى الله عليه وسلم فليغسله سبعا احداهن بالتراب المعنى فليغسله بالماء سبعا والا لجاز الغسل بغير الماء وبنى طبقة من الائمة ومنهم صاحب الكتاب الخلاف في المسائل والاربع الاخيرة علي النظر في أن التعفير لماذا روعى فمنهم من قال هو تعبد يتبع فيه ظاهر النقل وقيل سببه الاستظهار بغير الماء وقيل سببه الجمع بين نوعي الطهور فعلى الاول لا يغني استعمال
غير التراب ولا الغسلة الثامنة والتراب النجس والمزج بسائر المائعات لكن لاتجزى الغسلة الثامنة وعلى الثالث يمنع الكل الا المزج بسائر المائعات وقد يتوقف المتأمل في بعض هذه التفاريع وقوله في الاصل بل لابد من مائع يغيره ليوصله إليه يجوز أن يقرأ بالياء من التغير أي يغير التراب ذلك المائع فيوصل المائع التراب إليه ويمكن أن يجعل الفعل للمائع على معنى أنه يغير التراب عن هيئته فيهيأ للنفوذ والوصول إلى جميع الاجزاء وفي بعض النسخ يغبر به وكل جائز
قال (السادس سؤر الهرة طاهر فان أكلت فأرة ثم ولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين أن تلغ في الحال أو بعد غيبة محتملة للولوغ في الماء الكثير والاحسن تعميم العفو للحاجة) * سؤر الهرة طاهر لانها طاهرة العين وما هو طاهر العين فهو طاهر السؤر ولذلك لما تعجبوا من اصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الاناء للهرة قال انها ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم جعل طهارة العين علة طهارة السؤر فلو أكلت فأرة أو تنجس فمها بسبب آخر ثم ولغت في ماء قليل ونحن نتيقن نجاسة فمها بعد فهل ينجس: فيه وجهان أحدهما لا لكثرة اختلاطها وعسر الاحتراز ولانه صلى الله عليه وسلم كان يصغى لها الاناء ولا شك أنه تعترى النجاسة لفيها ولم يكن بقرب حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء كثير ترده الهرة وأصحهما نعم كسائر النجاسات والاحتراز وان عسر فانما يعسر عن مطلق الولوغ فأما عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم فممنوع
وتغطية رأس الاناء هينة واصغاء النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل انه كان عند العلم بالطهارة أو عدم العلم بالنجاسة وان لم يتيقن عند الولوغ ان فمها نجس بعد فان غابت واحتمل ولوغها في ماء كثير أو ماء جاز فهل ينجس وجهان أحدهما لا لانه ماء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك والثاني نعم استصحابا لنجاسة الفم إذ لم تتيقن طهارته والاول أظهر وصاحب الكتاب قد جمع بين الحمالتين وجعل المسألة على ثلاثة أوجه وهو حسن لكن اختار تعميم العفو وهو خلاف ما صححه معظم الاصحاب والله أعلم قال (السابع غسالة النجاسة ان تغيرت فهو نجس وان لم تتغير فحكمه حكم المحل بعد الغسل ان طهر فطاهر (ح) وفي القديم هي طاهرة بكل حال ما لم تتغير وقيل حكمه حكم المحل قبل الغسل وفائدته تظهر في رشاش الغسلة الثانية من ولوغ الكلب)
الماء المستعمل في ازالة النجاسة وهو الغسالة اما أن يتغير بعض أو صافه بالنجاسة فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم (الا ما غير طعمه أو ريحه) أو لا يتغير ففيه ثلاثة أقوال الجديدان حكمه حكم المحل بعد الغسل ان كان نجسا بعد فهو نجس والا فطاهر غير طهور لان البلل الباقي في المحل بعضه: والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة والنجاسة وانما حكمنا بسقوط الطهورية لما سبق في المستعمل في الحدث: والثاني وهو مخرج على الجديد انه نجس لانه ماء قليل أصابته نجاسة والعبارة عن هذا القول ان حكم الغسالة حكم المحل قبل استعمالها فيه كما في المستعمل في الحدث ومنه خرج: والثالث وهو القول القديم انه طاهر طهور بكل حال لما سبق في توجبه القديم في المستعمل في الحدث والعبارة عنه أن حكم الغسالة حكمها قبل الورود على المحل ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف بالوجوه لانها غير منصوصة ويخرج على هذا الخلاف غسالات الماء المستعمل في ازالة نجاسة
الكلب فلو تطاير منها شئ في المرة الاولى إلى ثوب أو غيره غسل ذلك الموضع على الاول ست مرات لانه حكم المحل المغسول بعد تلك الغسلة وعلى الثاني يغسل سبعا لانه حكم المحل قبل تلك الغسلة وعلى الثالث لا حاجة إلى غسله أصلا وعلى هذا لو تطاير من السابعة غسل على الثاني مرة ولا يغسل منها اصلا فقس المرة الثانية وما بعدها حتى تنتهي إلى المرة السابعة فيغسل منهما على القول الثاني مرة ولا يغسل منها أصلا على الاول ولثالث ومتى وجب الغسل عنها نظر هل سبق التعفير للمرة المصاب منها ام لا فان لم يسبق لزم رعايته وفي وجه لكل غسلة سبع حكم المحل لانها تزيل سبع النجاسة فيغسل منها مرة وهذا الوجه يتضمن التسوية بين الغسلة المشتملة على التعفير وبين سائر الغسلات وهو اسقاط لا ثر التعفير ولا يخفى عليك بعد هذا ان قوله حكمه حكم المحل قبل الغسل أي قبل ذلك لا قبل مطلق الغسل وان ذكر الغسلة الثانية جرى على سبيل المثال والكناية في قوله وتظهر فائدته يجوز أن يعود إلى القول الثالث ويجوز أن يعود إلى الخلاف واستخراج العبارات الثلاث والاول أحسن وأولى
فهذا شرح ما في الكتاب على النظم: وينبغى أن يتنبه فيه لمسائل أحداهان ما ذكره من الخلاف مخصوص بالماء القليل إذا غسل به النجاسة وان أطلق اللفظ والا فلا خلاف في أن الكثير لا ينجس الا بالتغير: الثانية اطلق الخلاف فيما إذا لم يتغير ولو لم يتغير ولكن ازداد وزنه عند الانفصال على ما كان فهو نجس بمثابة ما لو تغير في أصح الوجهين: الثالثة الخلاف المذكور في المستعمل في واجب الازالة أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان أظهرهما انه طاهر طهور بلا خلاف: والثاني انه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الاول: والثالث دون الثاني * قال (الباب الثالث في الاجتهاد * مهما اشتبه عليه أناء تيقن نجاسته بمشاهدة أو سماع عن عدل بأناء طاهر لم يحز (و) استعمال أحد الانائين الا باجتهاد (ز) وطلب علامة تغلب ظن الطهارة) إذا اشتبه عليه أناء طاهر بأناء نجس واحتاج إلى الطهارة فماذا يفعل: فيه ثلاثة أوجه أحدها يستعمل ما شاء من غير اجتهاد ونظر: لان الذى يقصده بالاستعمال غير معلوم النجاسة والاصل
فيه الطهارة: والثاني انه انما يأخذ أحدهما إذا ظن طهارته ولكن لا يشترط استناده إلى اجتهاد وأمارة بل له ان يأخذ بما سبق وهمه إليه وكفى ذلك مرجحا لاصل الطهارة: والثالثة وهو المذهب ولم يذكر في الكتاب سواه انه لا يجوز أخذ احدهما الا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب ظن طهارة المأخوذ ونجاسة المتروك لان أصل الطهارة عارضه يقين النجاسة وعرفنا أن ذلك الاصل صار متروكا اما في هذا أو في ذلك فيجب النظر في التعيين: وقال المزني يتيمم ولا يجتهد: وان كان الاشتباه في ثوبين صلى فيهما صلاتين وبه قال احمد: وقال أبو حنيفة يجتهد في الثياب ولا يجتهد في الاواني الا إذا كان عدد الطاهر أكثر:؟ ؟ قياس الاواني على الثياب وقد أعلموا لفظ الكتاب بالعلامات المشعرة بهذه الاختلافات فقوله لم يجز معلم بالواو ولفظ الانائين معلم بالحاء وقوله الا باجتهاد بالالف والزاى ولو كان سبب الاشتباه اخبار عدل اياه عن نجاسة أحدهما على الابهام وجب الاجتهاد كما لو عرفه بنفسه وكذلك لو أخبره عن نجاسة أحدهما بعينه ثم اشتبه عليه وسبيله سبيل الرواية فكل
من تقبل روايته من ذكر وأنثى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك بشرط العدالة وهل يقبل قول الصبى المميز وفيه وجهان ويشترط أن يعلم من حال المخبر أنه لا يخبر الا عن حقيقة لان المذاهب مختلفة في أسباب النجاسات فقد يظن ما ليس بمنجس منجسا ولعلك تقول لفظ الكتاب يقتضي أن يكون اخبار العدل مفيدا لليقين لانه قال تيقن نجاسته بمشاهدة أو سماع عن عدل وقول الواحد لا يفيد اليقين فاعلم أن الفقهاء كثيرا ما يعبرون بلفظ المعرفة واليقين عن الاعتقاد القوى علما كان أو ظنا مؤكدا ويجري ذلك في لسان أهل العرف وهذا على ذلك المذهب: ولك أن تستفيد من قوله لم يجز أخذ أحد الانائين الا بالاجتهاد فائدة وهي النظر فيما لو خرج أحد الانائين عن أن يستعمل اما بالانصباب أو بتقاطر شئ من الآخر فيه هل يحتاج إلى الاجتهاد في الثاني: الذى يقتضيه لفظ الكتاب أنه يحتاج إليه وهو الظاهر وفيه وجهان آخران أحدهما يتوضأ به من غير تحر: والثاني لا يتوضأ به أصلا بل يتيمم: وقوله الا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب
ظن الطهارة ليس فيه الا الايضاح ولو اقتصر على قوله لم يجز أخذ أحد الانائين الا بالاجتهاد أو قال الا بطلب علامة لحصل به الغرض * قال (وان غلب على ظنه نجاسة أحد الانائين بكونه من مياه مدمنى الخمر أو الكفار المتدينين باستعمال النجاسة فهو كاستيقان النجاسة على أحد القولين وعليه تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة ومع طين الشوارع وكل ما الغالب نجاسته) * الشئ الذى لا يتيقن نجاسته ولكن الغالب في مثله النجاسة يستصحب طهارته أم يؤخذ بنجاسته قولان أحدهما يستصحب طهارته تمسكا بالاصل المتيقن إلى أن يزول بيقين بعده كما في الاحداث: والثاني يؤخذ عملا بالظن المستفاد من الغلبة بخلاف الاحداث فان عروصها أكثر فخفف الامر فيها بطرح الظن كالشك ويشهد هذان القولان لقولي تعارض الاصل والظاهر وللمسألة نظائر كثيرة منها ثياب مدمنى الخمر وأوانهيم وثياب القصابين والصبيان الذين لا حتراز لهم عن النجاسات وطين الشوارع حيث لاتتيقن
نجاسته والمقابر المنبوشة حيث لا تتيقن النجاسة ومنها أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات كالمجوس يغتسلون ببول البقر ويتقربون بذلك ولا يلحق بهم الكفار الذين لا يتدينون باستعمالها كاليهود والنصارى: نعم المنهكمون منهم في الخمر والتلوث بالخنزير يجرى في ثيابهم وأوانيهم القولان لا محالة كمدمني الخمر من المسلمين وربما أطلقوا نقل القولين فيما إذا غلب على الظن النجاسة ولم يستيقن ولكن له شرط وهو أن تكون غلبة الظن مستندة إلى أن الغالب في مثله النجاسة أما لو كان سبب الظن غير ذلك لم يلزم طرد القولين حتى لو رأى ظبية تبول في ماء كثير وكان بعيدا عن الماء فانتهى إليه ووجده متغيرا وشك في أن تغيره بالبول أم بغيره فهو نجس نص عليه الشافعي رضى الله عنه وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ثم الظاهر من القولين استصحاب الاصل فانه أصدق وأضبط من الغالب الذى يختلف باختلاف الزمان والاحوال والنقل
يعضد ذلك مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم حمل امامة بنت أبي العاص في صلاته وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات إذا تقرر هذا الاصل فنقول: ان ألحقنا غلبة الظن باليقين فلو اشتبه عليه اناء طاهر باناء الغالب في مثله النجاسة كان كما لو اشتبه باناء مستيقن النجاسة فيحتاج إلى الاجتهاد كما سبق: وان لم نلحقها باليقين فلا حاجة إلى الاجتهاد ويستعمل أيها شاء وكليهما أيضا وقوله وعليه يخرج امتناع الصلاة في المقابر المنبوشة وفي بعض النسخ وعليه تمتنع الصلاة أي على قول الحاق الغلبة باليقين تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة وكذلك حكم التيمم بترابها وامتناع الصلاة مع طين الشوارع ونحوه ويجوز أن يرجع الكتابة في قوله وعليه يخرج الي الخلاف *
قال (ثم للاجتهاد شرائط الاول أن يكون للعلامة مجال في المجتهد فيه فيجوز (ز) الاجتهاد في الثياب والاواني ولا يجوز في تمييز المحرم والميتة عن المذكاة والا جنبية) * الشرائط جمع شريطة وحقها أن يقال الاولى والثانية فقوله الاول والثاني محمول على المعني: التقدير الشرط الاول والثاني إذا عرفت ذلك فمن شرائط الاجتهاد أن يكون للعلامة مجال في المجتهد فيه فيجوز في الثياب والاوانى إذا اشتبه بعضها ببعض لانها محال العلامات على ما سيأتي أما إذا كان الاشتباه فيما لا يتوقع ظهور الحال فيه بالعلامات لفقدها فلا يجوز الاجتهاد كما لو اختلط محرم له بنسب أو رضاع بأجنبية أو أجنبيات محصورات فلا يجوز نكاح واحدة بالاجتهاد
إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن الاجنبية ولو اشتبه عليه ميتة ومذكاة أو لبن بقرة بلبن اتان فوجهان أصحهما لا يجتهد أيضا إذ لا علامة: والثاني يجتهد إذ الميتة تطفوا الماء واعلم أنه لو منع مانع فقد الامارات في المحرم والاجنبية وادعى امكان الامتياز بالامور الخلقية والاخلاق وغيرها لم يبعد وكذلك في الصورة الثانية ثم انما ينتظم التعليل بفقد الامارات إذا اعتبرنا في الاجتهاد النظر في الامارات أما إذا قلنا يأخذ بما سبق وهمه إليه فليست العلة هذا وانما العلة فيه أن سبق الوهم انما يؤخذ به أعتمادا على ان الاصل في الماء الطهارة وههنا الاصل في الابضاع الحرمة وليست اللحوم على الاباحة أيضا ألا ترى أنه لو ذبح المشرف على الموت وشك في أن حركته عند الذبح كانت حركة المذبوح أو حياة مستقرة يغلب التحريم ولك أن تقول في توجيه المنع على قاعدة اعتبار
العلامات ان فقدت العلامات ههنا فقد تعذر الاجتهاد وان وجدت فالعلامات انما تعتمد عند تأييدها بالاصل لما سيأتي ولم توجد ههنا * قال (الثاني أن يتأيد الاجتهاد باستصحاب الحال فلا يجوز الاجتهاد عند اشتباه البول أو ماء الورد (ح) بالماء على أظهر الوجهين) * إذا اشتبه عليه ماء وبول أو ماء وماء ورد فهل يجتهد فيه فيه وجهان أحدهما نعم: اعتمادا على الامارات كما في الماء النجس: وأصحهما لا: لان الاجتهاد وهم أو رجم ظن لا يعتمد الا إذا اعتضد بأصل الطهارة والطهورية فعلى هذا يعرض ههنا في الصورة الاولى ويتيمم: وفي الثانية يتوضأ بهذا مرة وبهذا مرة وان قلنا بالاول فلا شك أن ههنا لا يكتفى بسبق الوهم بفقد الاصل فلا بد من
الامارات وبنى بعضهم الخلاف في الصورتين جميعا علي الخلاف في أناهل نكتفي في الاجتهاد بسبق الوهم أم يعتبر النظر في الامارات: ان قلنا بالاول فلا يجتهد وان قلنا بالثاني فيجتهد * قال (الثالث أن يعجز عن الوصول إلى اليقين فان كان على شط نهر امتنع الاجتهاد في الثياب والاواني على أحد الوجهين) * هل يجتهد مع امكان الطهارة فيه وجهان أحدهما لا لان الاجتهاد انما يصار إليه عند العجز عن درك اليقين ألا ترى أن في الحوادث لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص: وأظهرهما نعم لان تركه التطهير بالماء المقطوع بطهارته والعدول إلى المشكوك في طهارته جائز وهذا أصل يتخرج عليه مسائل: منها ما إذا كان على شط نهر أمكنه التطهر به والا عراض عن المائين المشتبهين جميعا
وأمكن غسل الثياب المشتبهة به وهذه الصورة هي المذكورة في الكتاب ومنها أن يكون عنده
قلتا ماء أحداهما نجسة من غير تغير ولو جمعها لبلغ المجموع قلتين ومنها أن يشتبه عليه ماء طهور ومستعمل ومنها أن يشتبه عليه ماء.
وماء ورد فيجرى الوجهان في جميع هذه الصور الا أن الظاهر في الصورة الا خيرة منع الاجتهاد لا من جهة هذا الاصل بل للمعنى الذى سبق * قال (الرابع أن تلوح علامة النجاسة كحركة الماء أو نقصانه أو انصبابه أو ابتلال طرف الاناء إذا كانت النجاسة بولوغ الكلب ويشترك في دركه الاعمي (و) والبصير فان لم تلح علامة صب الماء وتيمم فان تيمم قبل الصب وجب القضاء لان معه ماء طاهرا بيقين) ان قلنا يأخذه ويستعمله من غير اجتهاد أو قلنا ما سبق وهمه إلى طهارته أخذ به فلا يحتاج إلى العلامات وان اعتبرنا الامارات والعلامات وهو الصحيح وعليه بنى صاحب الكتاب الكلام فلا بد من أن تلوح علامة النجاسة ليمتاز عنده النجس عن الطاهر مثال ذلك أن يعرف
أن سبب النجاسة ولوغ الكلب ثم يرى نقصان ماء أحد الانائين أو حركته أو ابتلال طرف الاناء أو قرب أثر قدم الكلب من أحدهما فهذه الامور مشعرة بكونه نجسا وقد تدل حركة الماء وابتلال طرف الاناء علي النجاسة من غير ولوغ الكلب أيضا فان لم تلح له علامة وتحير تيمم لعجزه عن الوضوء ثم ان كان تيممه بعد صب الماء في الانائين فلا قضاء عليه ويعذر في صبه لدفع القضاء بخلاف ما إذا صب ما عنده من الماء الطاهر عبثا وتيمم حتى يقضى علي أحد الوجهين وفي معنى الصب ما لو جمع بينهما لتنجسا وان تيمم قبل ذلك قضى لان معه ماء طاهرا بيقين وهل يجتهد الاعمى في الاواني فيه قولان أحدهما لا كما لا يجتهد في القبلة بل يقلد فيهما وأصحهما نعم وهو الذى ذكره في الكتاب لانه يعرف باللمس اعوجاج الاناء واضطراب الغطاء وسائر العلامات فصار كالاجتهاد في الوقت فعلى الاول من شرائط الاجتهاد كونه بصيرا وعلي الثاني لا فرق: ثم ان عجز الاعمى ولم يغلب على ظنه شئ فوجهان أظهرها أن له أن يقلد بخلاف البصير
إذا تحير فيه هذا آخر الشروط وإذا تأملتها عرفت أن اشتراط الكل مختلف فيه أما الثاني والثالث فظاهر وأما الاول والرابع فهما مبنيان علي اعتبار العلامات ولعلك تقول الاجتهاد هو البحث والنظر وثمرته ظهور العلامات وثمرة الشئ تتأخر عنه والشرط يتقدم فكيف جعل ظهور العلامات شرطا فالجواب أن قوله ثم للاجتهاد شرائط أي للعمل بالاجتهاد أو لكونه مفيدا أو ما أشبه ذلك * قال (فرع لو ادى اجتهاده إلى اناء وصلى به الصبح ثم أدى عند الظهر اجتهاده إلى الثاني تيمم ولا يستعمل لان الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وخرج ابن سريج أنه يستعمل ونورده على جميع الموارد الاول: لان هذه قضية أخرى وعلى النص هل يقضي الصلاة الثانية لان معه ماء طاهرا بحكم الاجتهاد فيه وجهان) * إذا غلب علي ظنه طهارة أحد الانائين فالمستحب ان يريق الثاني لئلا يتغير اجتهاده فيشكل عليه الامر فلو لم يفعل وقد صلى الصبح مثلا بما ظن طهارته ثم تغير اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثاني فلا يخلو اما ألا يبقى من الاول شئ أو بقى فهما حالتان أحدهما ألا يبقى من الاول شئ وهذه الحالة هي التي تكلم فيها في الكتاب فنقول أولا لا يجب عليه اعادة الاجتهاد ههنا إذا حضرته الصلاة الثانية لكن لو أعاد وتغير اجتهاده فظن طهارة الثاني ففيه قولان أحدهما وهو المنصوص أنه لا يستعمله بل يتيمم لانه لو استعمله فاما أن يغسل ما اصابه الماء الاول من بدنه
وثيابه فيلزم نقض الاجتهاد أو لا يغسل ذلك فيكون مصليا مع تعين النجاسة والثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني ولا يتيمم لان هذه قضية مستأنفة فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي لكن لابد من ايراد الماء على جميع المواضع التى أصابها الماء الاول وغسلها لازالة النجاسة ثم يتوضأ بعد ذلك لان من علي بدنه نجاسة وأراد أن يتوضأ أو يغتسل لم تكف الغسلة الواحدة عنهما جميعا ثم علي النص هل تقضى الصلاة الثانية الموداة بالتيمم فيه وجهان أصحهما لا إذ ليس معه ماء طاهر بيقين والثاني نعم لان معه ماء طاهرا بحكم الاجتهاد وأما الصلاة الاولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج: الحالة الثانية أن يبقي من الاول شئ فان كانت البقية كافية لطهارته فالحكم على ما ذكرناه في الحالة الاولى لا في شيئين أحدهما انه يجب اعادة الاجتهاد للصلاة الثانية لان معه ماء مستيقن الطهارة والثاني ان الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها لان معه ماء طاهرا بيقين أما هذا أو ذاك هذا هو النص وفيه وجه أنه لا يجب لان ما معه من الماء ممنوع من استعماله شرعا فاشبه الذى حال بينه وبينه سبع وان لم تكن البقية كافية زاد النظر في أن ما لا يكفيه من الماء هل يجب استعماله أم لا ان قلنا لا فكما لو لم يبق شئ من الاول والافكما لو بقى ولو صب الماء الثاني في الحالة الاولى أو صبهما جميعا في الحالة الثانية ثم تيمم سقط القضاء بلا خلاف *
قال (الباب الرابع في الاواني وهى ثلاثة أقسام) (القسم الاول المتخذ من الجلود واستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهرا وطهارته بالذكاة فيما يؤكل لجمه (ح) أو بالدباغ في الجميع الا الكلب (ح) والخنزير) * جعل الاواني على ثلاثة أقسام لانها اما أن تتخذ من الجلود أو من العظام أو من غيرهما وعلى الاحوال فالاعيان المتخذ منها أما أن تكون نجسة فلا يجوز استعمالها في الشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال أو طاهرة فيجوز ويستثنى الذهب والفضة على ما سيأتي وهذه الجملة ظاهرة نعم الحاجة تمس إلى بيان الطاهر والنجس من الجلود والعظام وتمييز أحدهما عن الآخر وإلى حكم
المتخذ من الذهب والفضة فحصر كلام الاقسام الثلاثة في هذه الامور وانما يكون الجلد المتخذ منه الاناء طاهرا في حالتين أحدهما أن يكون جلد المأكول المذكي فهو على طهارته كاللحم وسائر الاجزاء وقد يؤكل الجلد على الرؤوس والمسموط ولا يلحق غير المأكول بالمأكول في ذلك بل جلد غير المأكول نجس وان ذكي كلحمه خلافا لابي حنيفة رحمه الله الثانية أن يكون مدبوغا فالدباغ يفيد طهارة الجلد من المأكول وغيره خلافا لا حمد لنا ما روى أنه عليه السلام مر بشاة ميتة لميمونة فقال هلا اتخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقيل انها ميتة فقال أيما أهاب دبغ فقد طهر ويستثنى جلد الحيوان النجس في الحياة وهو الكلب والخنزير وفروعهما خلافا لابي حنيفة
في الكلب لنا أن جلدها لم ينجس بالموت لما بينا أنهما نجسان في الحياة والدباغ انما يطهر جلدا نجس بالموت لان غاية الدباغ نزع الفضلات ودفع الاستحالات ومعلوم أن الحياة أبلغ في ذلك من الدباغ فإذا لم تفد الحياة الطهارة حتى كان نجسا قبل الموت فأولى أن لا يفيدها الدباغ: ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب أما قوله المتخذ من الجلد فاستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهرا فاعلم أن هذا كما هو شرط في المتخذ من الجلد فهو شرط في المتخذ من سائر الاعيان وان لم يذكره في سائر الاقسام: وقوله وطهارته بالذكاة ليس على معنى أن الذكاة تطهر فان التطهير يستدعي سبق النجاسة وهو طاهر في الحياة وانما المراد أن الجلد الذى يتخذ منه الاناء لا يكون طاهرا الا إذا وجد أحد المعنيين أما الذكاة في المأكول أو الدباغ: وقوله فيما يؤكل لحمه ينبغي أن يكون معلما بالحاء لان عنده لا حاجة إلى هذا القيد وموضع باقي العلامات ظاهر بعد ما نقلناه من الخلاف وقوله الا الكلب والخنزير يوجب حصر الاستثنأ فيهما وهو ظاهر المذهب بعد الحاق فروعهما
بهما ولنا قول أن الآدمى ينجس بالموت على تقدم ذكره فعلى ذلك القول هل يطهر جلده بالدباغ فيه وجهان أظهرهما نعم لعموم الخبر ولانه طاهر في الحياة فأشبه جلده سائر الجلود: والثاني وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يطهر لما فيه من الامتهان فعلى هذا يلحق جلد الآدمى بالمتثنى ولك أن تعلم قوله وبالدباغ مع الالف المشيرة إلى مذهب أحمد بالواو لا لمصير بعض الاصحاب الي المنع من الدباغ فليس فيهم من يقول به لكن لان صاحب التتمة حكي وجها عن رواية ابن القطان أن جلد الميتة لا ينجس وانما أمر بالدبغ لا زالة الزهومة فإذا كان طاهرا قبل الدباغ لم تكن طهارته بالدباغ * قال (وكيفية الدباغ نزع الفضلات بالاشياء الحريفة ولا يكفى الترتيب (ح) والتشميس (ح) ولا يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ على أقيس الوجهين ويجب افاضة الماء المطلق على الجلد المدبوغ على أظهر الوجهين) *
لك في قوله وكيفية الدباغ نزع الفضلات مباحثتان احداهما أن تقول ما الذى أراد بكيفية الدباغ أراد به حقيقته أم غير ذلك: وكيف يجوز ارادة الحقيقة وقد اشتهر في كلام الفقهاء ان مقصود الدباغ نزع الفضلات وعد ذلك كلاما صحيحا منتظما مقصود الشئ غير حقيقته: وان اراد غير ذلك فما هو: والجواب يجوز أن يكون المعنى والكيفية المعتبرة في الدباغ نزع الفضلات ويجوز أن يريد بكيفيته حقيقته لكن الدباغ يطلق بمعنيين يطلق بمعنى الفعل المخصوص في الجلد علي الهيأة التى يبتغي بها صلاح الجلد ويطلق بمعنى الفعل المصلح ولهذا يقال يحصل الدباغ بكذا ولا يحصل بكذا ومع وجود الدلك والاستعمال علي الهيئة التى يبتغي بها الصلاح فبالمعنى الاول ينتظم أن يقال مقصود الدباغ نزع الفضلات وبالمعني الثاني ينتظم أن يقال حقيقة الدباغ نزع الفضلات: الثانية أن يقول كيف اعتبر مجرد النزع والاصحاب يقولون يعتبر عند الشافعي رضى الله عنه في الدباغ ثلاثة أشياء نزع الفضول وتطييب الجلد وصيرورته بحيث لو نقع في الماء لم يعد الفساد والنتن
والجواب أنه لا فرق في المعنى فانه إذا نزعت الفضلات طاب الجلد وصار إلى الحالة المذكورة وإذا اعتبرنا أحد الامور المتلازمة فقد اعتبرناها جميعا وقوله بالاشياء الحريفة يجوز أن يكون معلما بالواو لشيئين أحدهما أن هذا اللفظ يعم الشب والقرظ الواردين في خبر الدباغ وغيرهما كالعفص وقشور الرمان: وحكي بعضهم وجها أنه يختص الدباغ بالشب والقرظ كما يختص تطهير ولوغ الكلب بالتراب على الاظهر والمذهب أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما مما يصلح للدباغ: والشب بالباء كذلك ذكره الازهرى وفي الصحاح أن الشب بالباء شئ يشبه الزاج والشث بالثاء نبت يدبغ به: الثاني أنه يعم الطاهر والنجس من آلات الدباغ سواء كان نجس العين كذرق الطائر أو غيره وفيه وجهان أحدهما لا يجوز الدباغ بالنجس لان النجس لا يصلح للتطهير وأظهرهما وهو ظاهر ما ذكره الجواز: لان الغرض اخراج الجلد عن التعرض للعفونة والاستحالة وهذا يحصل بالطاهر والنجس جميعا وهذا في طهارة العين ويجب غسله بعد ذلك لا محالة بخلاف المدبوغ بالشئ
الطاهر ففى وجوب غسله خلاف يأتي ذكره وإذا عرفت ذلك فاعلم أن النزع انما اعتبر ليصير الجلد نظيفا مصونا عن الاستحالات والتغيرات فيطهر كما كان في حال الحياة ويترتب عليه أن التجميد بالالقاء في التراب والشمس لا يكفى لان الفضلات لا تزول ألا ترى أنه إذا نقع في الماء عاد الفساد: وعن أبي حنيفة أنه يكفى ذلك وبه قال بعض الاصحاب لحصول الجفاف وطيب الرائحة: ثم في الفصل مسألتان أحداهما هل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ مع الادوية فيه وجهان أحدهما نعم لان معنى الازالة في الدباغ أغلب والماء متعين لا زالة النجاسات وأيضا فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال أليس في الشب والقرظ والماء ما يطهره وأظهرهما لا: لقوله صلى الله عليه وسلم سلم أيما أهاب دبغ فقد طهر والغالب في الدباغ الاحالة دون الازالة ومعناه أن الجلد بنزع الفضلات يستحيل إلى الطهارة كالخمر يستحيل خلا: الثانية إذا دبغ الجلد بشئ طاهر فهل يجب غسله بعد الدباغ فيه وجهان أظهرهما نعم لا زالة أجزاء الادوية فانها نجست بملاقات
الجلد وبقيت ملتصقة به: والثاني لا لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فقد طهر فان قلنا يجب فالجلد بعد الدباغ طاهر العين كالثوب النجس بخلاف ما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ ولم يستعمل فانه يكون نجس العين وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لا بد من استعمال الادوية ثانيا فيه وجهان: وإذا أوجنا الغسل بعد الدباغ لم يجز أن يكون الماء متغيرا بالادوية وإذا أوجبنا الاستعمال في أثناء الدباغ لم يضر كونه متغيرا بها بل لا بد منه فلهذا وصف الماء في المسألة الثانية بكونه مطلقا ولم يتعرض لذلك في الاولى * قال (ثم الجلد المدبوغ طاهر ظاهره وباطنه (وم) يجوز بيعه (وم) ويحل أكله على أقيس القولين) *
هل يطهر بالدباغ باطن الجلد كظاهره أم لا يطهر الا ظاهره: فيه قولان الجديد انه يطهر الباطن والظاهر حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الاشياء الرطبة واليابسة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال أيما أهاب دبغ فقد طهر ولقوله هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به أطلق ولم يفصل بين الانتفاع في الرطب واليابس ولان الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعا والقديم وهو مذهب مالك أنه لا يطهر باطنه حتى يصلى عليه ولا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل
في الاشياء الرطبة لقوله صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب ظاهره المنع مطلقا خالفنا في ظاهر الجلد جمعا بينه وبين الاخبار المجوزة للدباغ وأما الا كل منه فان كان
جلد مأكول فقولان الجديد الجواز لقوله صلى الله عليه وسلم دباغ الاديم ذكاته والقديم المنع
لقوله عليه السلام انما حرم من الميتة أكلها وان كان من غير مأكول فطريقان أحدهما طرد القولين وأظهرهما القطع بالمنع كما في الذكاة وقد أطلق في الكتاب ذكر القولين في الاكل فيجوز أن يريد من المأكول ويجوز أن يريد المأكول وغيره علي طريقة طرد القولين فيهما وبها قال القفال: ثم الخلاف في الاكل يجوز أن يجعل من فروع الخلاف في طهارة الباطن وهو قضية ايراده في الاصل ويجوز أن يجعل خلافا مستقلا ويوجه بما سبق وكذلك جعله بعضهم وجها لا قولا وكذلك حكاه في الوسيط * قال (القسم الثاني المتخذ من العظام * والعظم ينجس (ح) بالموت على ظاهر المذهب وقيل قولان كما في الشعر ولا ينجس (و) شعر الآدمى بالموت والابانة ولا شعر الحيوان المأكول بالجز قولا واحدا فان حكمنا أن الشعر لا ينجس بالموت فالاصح أن شعر الكلب والخنزير نجس لنجاسة المنبت) * الشعور هل تنجس بالموت والابانة فيه قولان أحدهما لا لانه لاتحلها الحياة بدليل أنها لا تحس ولا تألم وانما يتأثر بالموت ما تحله الحياة: وأظهرهما نعم لانه ان حلها الحياة كانت كسائر الاجزاء والا فهي حادثة من الجملة فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة كما تجعل تابعة لها في حكم الجنابة وغيره ويجرى القولان في الصوف والوبر والريش وأما العظام ففيها طريقان أظهرهما القطع بالنجاسة لانها تحس وتألم: والثاني طرد القولين كما فيها لان الظفر يقلم ولا يألم والظلف تبرد بالمبرد ولا يحس به الحيوان فان قلنا الشعر والعظم ينجسان بالموت والابانة وجعلنا حكمهما حكم سائر الاجزاء فيستثنى عنهما موضعان أحدهما شعر المأكول إذا أبين في حياته كما سبق: والثاني شعر الآدمى وفيه قولان أو وجهان مبنيان على نجاسته بالموت ان قلنا لا ينجس وهو الاصح فلا ينجس شعره بالموت والابانة وان قلنا ينجس ينجس شعره أيضا بالموت والابانة وعلى هذا القول إذا سقطت منه شعرة أو شعرتان وصلى فيها فلا بأس للقلة وتعذر الاحتراز فان كثرت
لم يحتمل كدم البراغيث وان قلنا ينجس شعره بالموت والابانة فهل يستثنى شعر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه وجهان: وجه الاستثناء أنه لما حلق شعره ناوله أبا طلحة رضي الله عنه ليفرقه على أصحابه ولم يمنعهم من استصحابه وإذا كان الصحيح في شعر غيره الطهارة فما ظنك بشعره صلى الله عليه وسلم: وجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فهل يطهر على هذا القول فيه قولان أظهرهما لا لان الشعور لا تتأثر بالدباغ بل هي قبله وبعده على هيئة واحدة بخلاف الجلد: والثاني أنها تطهر تبعا لطهارة الجلد كما نجست بالموت تبعا وإذا فرعنا على أن الشعور لا تنجس بالموت فهى ملحقة بالجمادات وجميعا طاهر الا شعر الكلب والخنزير ففيه وجهان أصحهما أنه نجس ويستثنى هو من الجمادات كما استثنى صاحبه من الحيوانات والثاني أنه طاهر كشعر غيره والو جهان يشملان حالتى الموت والحياة جميعا فهذا فقه هذه المسائل وحظ الباب منه أن العظم إذا كان طاهرا فاستعمال الاناء المتخذ منه جائز والا فلا: وانما يكون طاهرا إذا كان من المذكي المأكول أو فرعنا علي القول الضعيف أن العظام لا تنجس أصلا.
واعلم أن القطع في قوله ولا ينجس شعر الآدمى بالموت والابانة ولا شعر المأكول لحمه بالجز قولا واحدا لا يرجع إلى المسألتين وانما يرجع إلى المسألة
الا خيرة وفي شعر الآدمى هل ينجس بالموت والابانة ما سبق من الخلاف وشعر المأكول قد سبق في الكتاب في فصل النجاسات وانما أعاده ههنا ليتبين أنه ليس موضع القولين وقوله فان حكمنا بأن الشعر لا ينجس بالموت هكذا الصواب وربما نجد في بعض النسخ فان حكمنا بان شعر الآدمى لا ينجس بالموت وقوله فالاصح أن شعر الكلب والخنزير نجس ليس المعنى أنه نجس بالموت لانه نجس في الحياة والموت جميعا على الاصح وظاهر فيهما على الثاني وعلى التقديرين فلا يكون نجسا بالموت وانما المعنى التعرض لنفس النجاسة وقوله لنجاسة المنبت قد يعترض عليه بأن هذا التعليل يقتضي نجاسة الزرع النابت على السرقين وقد نصوا علي أنه ليس بنجس العين لكنه نجس بملاقات النجاسة فإذا غسل طهر وإذا تسنبل فالحبات الخارجة منه طاهرة ويجوز أو يجاب عنه بأنه أراد