فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 172-216
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 172-216
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مخصوصة بشعر المأكول وأيضا فلانه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان وانه نجس في أصح الوجهين وأما المستثنى منه فلانه يدخل فيه العضو المبان من الآدمى ومن السمك والجراد ومشيمة الآدمى وهذه الاشياء طاهرة على المذهب الصحيح وكذلك يدخل فيها شعر الآدمى لانه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى وإذا لم يتناوله الاستثناء بقى داخلا في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة بالتأويل ومما ينبغى أن يتنبه له معرفة أن تفصيل

الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبنى على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالموت فان قلنا لا ينجس بالموت فلا ينجس بالابانة أيضا بحال * قال: (وأما الاجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان فكل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه فهو طاهر من كل حيوان طاهر كالدمع واللعاب والعرق وما استحال في الباطن فأصله علي النجاسة كالدم والبول والعذرة الا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان وكذا في جزء الجراد والسمك وما ليس له نفس سائلة وجهان لشبهها بالنبات) المنفصل عن باطن الحيوان قسمان أحدهما ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن وانما يرشح رشحا والثاني ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج فالاول كاللعاب والدمع والعرق فحكمه حكم الحيوان المترشح منه

ان كان نجسا فهو نجس وان كان طاهرا فهو طاهر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلها ": حكم بطهارة السؤر وذلك يدل على طهارة اللعاب

وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معروريا لابي طلحة وركضه ولم يحترز عن العرق: والقسم الثاني كالدم والبول والعذرة وهذه الاشياء نجسة من الآدمى ومن سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول: أما في غير المأكول فبالاجماع: وأما في المأكول فبالقياس عليه قلت ويقبل في زكاة الحيوان منهما إذا كان اهلا للزكاة اه من هامش نسخة الاذرعي

لانها متغيرة مستحيلة: وذهب مالك وأحمد رحمهما الله إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه وبه قال أبو سعيد الاصطخرى من أصحابنا واختاره القاضى الرويانى وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلاتها ومعارضاتها وهل نحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول الله صلى الله عليه

وسلم فيه وجهان قال أبو جعفر الترمذي لا لان اباطيبة الحاجم شرب دمه لم ينكر عليه

وروى أن أم أيمن شربت بوله فقال إذا لا تلج النار بطنك ولم ينكر عليها ويروى شرب دمه

عن على وابن الزبير أيضا رضي الله عنهما وقال معظم الاصحاب حكمها حكمها من غيره قياسا وحملوا الاخبار على التداوى وقد روى أنه قال لا بي طيبة لا تعد الدم كله حرام وفي خرء السمك والجراد وبولهما وجهان أظهرهما النجاسة قياسا على غيرهما لوجود الاستحالة والتغير وبه قال أبو حنيفة وكذا في زرق الطيور الا الدحاجة والثاني الطهارة لجواز ابتلاع السموك حية وميتة واطباق الناس على أكل المملحة منها على ما في بطونها وكذلك في خرء ما ليس له نفس سائلة وجهان أظهرهما النجاسة: والثاني لا لان الرطوبة المنفصلة منه كالرطوبة المنفصلة من النبات لمشابهة صورته بعد الموت صورته في الحياة ولهذا لم يحكم بنجاسة بالموت على رأي ولهذا بنى بعضهم الخلاف في طهارة روثه على الخلاف في نجاسة بالموت * ونعود بعد هذا إلى ألفاظ الكتاب

أما قوله فكل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه فالمراد منه القسم الاول: وقوله وما استحال في الباطن فالمراد منه القسم الثاني: والتعرض للترشح في الاول انما وقع لان الغالب فيه الخروج علي هيئة الترشح لا أنه من خواصه أو أن الطهارة منوطة به ألا ترى أن الدم والصديد قد يترشحان من القروح والنفاطات وهما نجسان وقوله ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره ألا يكون مستحيلا أصلا لجواز أن يكون مستحيلا لا في مقرفان الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلا فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان وان كان يستحيل لا في المقر فالحكم منوط بنفى الاستحالة في المقر لا بمطلق نفى الاستحالة وحينئذ يكون قوله وما استحال في الباطن منصرفا إليه * والمعنى وما استحال في مقر في الباطن وقوله كالدم والبول والعذرة ينبغى أن يعلم البول والعذرة بالميم والالف والواو اشارة إلى ما حكينا من مذهب مالك واحمد والاصطخري بل لا بأس باعلام الدم ايضا بالواو لان في المتحلب من الكبد والطحال وجها أنه طاهر وكذلك في دم السمك والله أعلم *

قال (والالبان طاهرة من الآدمي (ح) ومن كل حيوان مأكول: والانفحة مع استحالتها في الباطن قيل بطهارتها لحاجه الجبن إليها) * اللبن من جملة المستحيلات في الباطن الا أن الله تعالى من علينا بألبان الحيوانات المأكولة فقال تعالى (وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها) الآية وجعل ذلك رفقا عظيما بالعباد * وأما غير المأكول فان كان نجسا فلا تخفى نجاسته منه وان كان طاهرا فهو إما آدمي أو غيره أما الآدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نشؤه على الشئ النجس ولانه لم ينقل أن النسوة أمرن في عصره بغسل الثياب والا بدان مما يصيبهن من اللبن وحكي وجه أنه نجس كسائر ما لا يؤكل وانما يربى الصبى به لضرورة: وأما غير الآدمي فالمذهب نجاسة لبنه على قياس المستحيلات وانما خالفنا في المأكول تبعا للحم وفي الادمي

لكرامته: وعن أبي سعيد الاصطخرى انه طاهر كالسؤر والعرق * وإذا عرفت ذلك فالمعتبر عنده في طهارة اللبن طهارة الحيوان لا كونه مأكولا.
فلا بأس لو أعلمت المأكول في قوله ومن كل حيوان مأكول بالواو.
لانه مذكور قيدا في الطهارة.
وكذلك قوله من الآدمى للوجه الذى رويناه * ومما يستثنى من المستحيلات الانفحة في أصح الوجهين: ولم يذكر كثيرون سوا أنها طاهرة لاطباق الناس على أكل الجبن من غير انكار والثاني أنها نجسة على قياس الاستحالة فان الانفحة لبن مستحيل في جوف السخلة وانما يجرى الوجهان بشرطين احدهما أن يؤخذ من السخلة المذبوحة فان ماتت فهي نجسة بلا خلاف والثاني الا تطعم الا اللبن والا فهي نجسة بلا خلاف * قال (والمنى طاهر من الآدمى (م) وفي سائر الحيوانات الطاهرة ثلاثة أوجه تخصص الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منها لانه يشبه بيض الطير المأكول وفي بزر القز وبيض ما لا يؤكل لحمه وجهان: أما دود القز فطاهر والمسك طاهر وفأرته كذلك على الاظهر) *

المني قسمان مني الآدمى ومنى غيره فاما منى الآدمى فهو طاهر لما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلى فيه وفي رواية وهو في الصلاة والاستدلال بها أقوى ولانه مبدأ خلق الآدمى فاشبه التراب فان قيل هذا منقوض بالعلقة والمضغة قلنا أصح

الوجهين فيهما الطهارة أيضا وحكي بعضهم عن صاحب التلخيص قولين في مني المرأة وحكي آخرون عنه أن منى المرأة نجس وفي منى الرجل قولان وهذا أقوى النقلين عنه ويوجه القول بنجاسة المنى

وهو مذهب أبى حنيفة ومالك بما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال يغسل الثوب من البول والمذى والمنى وبما روى أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها اغسليه رطبا وافركيه يابسا وإذا نصرنا ظاهر المذهب حملنا هما علي الاستحباب جمعا بين الاخبار * والمذهب الاول وهو طهارة المنى من الرجل والمرأة نعم قال الائمة ان قلنا رطوبة فرج المرأة نجسة نجس منيا بملاقاتها ومجاورتها وليس ذلك لنجاسة المنى في أصله بل هو كما لو بال الرجل ولم يغسل ذكره فان منيه ينجس

بملاقات المحل النجس * وأما مني غير الآدمى فينظر ان كان ذلك الغير نجسا فهو نجس: وان كان طاهرا ففيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه نجس لانه مستحيل في الباطن كالدم وانما حكم بطهارته من الآدمى تكريما له والثاني أنه طاهر لانه أصل حيوان طاهر فاشبه منى الآدمى: والثالث انه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن * وبيض الطائر المأكول طاهر كلبن الانعام: وفي بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان كما في منيه والاظهر النجاسة: ويجرى الوجهان في بزر القز فانه أصل الدود

كالبيض فانه أصل الطير وفيه معني آخر وهو أن الدود من جملة ما ليس له نفس سائلة وقد ذكرنا في روث ما ليس له نفس سائلة وجهين فان كان البزر روثا عاد فيه ذلك الخلاف وان لم يكن روثا بل كان بيضا له فإذا كان روثه على الخلاف فبيضه أولى أن يكون كذلك * وأما دود القز فلا

خلاف في طهارته كسائر الحيوانات * وليس المسك من جملة النجاسات وان قيل انه دم لانه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمله وكان أحب الطيب إليه * وفي فأرته وجهان: أحدهما النجاسة لانها جزء انفصل من حى وأظهرهما الطهارة لانه منفصل بالطبع كالجنين ولان المسك فيها طاهر ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسا وموضع الوجهين ما إذا انفصلت في حياة الظبية أما لو انفصلت منها بعد موتها فهى نجسة كالجنين واللبن وحكي وجه آخر انها طاهرة كالبيض المتصلب: وألفاظ الكتاب في هذه المسائل بينه: نعم قوله في مني غير الآدمى يخصص

الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منه لانه أشبه بيض الطير يقتضى ظاهره أن تكون الطهارة في البيض مخصوصة ببيض المأكول وفاقا وليس كذلك بل في بيض غير المأكول وجهان كما في منى غير المأكول فالمراد تشبيه مني المأكول ببيض المأكول لا ثبات الطهارة فيه من جهة أن كل واحد منهما أصل الحيوان المأكول لا لتخصيص الطهارة به ولا خلاف في طهارة بيض المأكول وصاحب الوجه الثالث يقول ينبغى أن يكون المنى كذلك وأما من غير المأكول فيبقي علي قياس المستحيلات *

(قال) (الفصل الثاني في الماء الراكد) (والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وان لم يتغير: والكثير لا ينجس الا إذا تغير ولو يسيرا وإن زال التغير بطول المكث عاد طهورا وان زال بطرح المسك والزعفران فلا: وان زال بطرح التراب فقولان للتردد في أنه مزيل أو سائر) الماء قسمان راكد وجار وبينهما بعض الاختلافات في كيفية قبول النجاسة وزوالها

فلا بد من التمييز بينهما: أما الراكد فينقسم إلى قليل وكثير وسيأتى معناهما: أما القليل فينجس بملاقاة النجاسة تغير بها أم لا روى أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ويروى نجسا والمعنى أنه يدفعه ولا يقبله فدل ان ما دون القلتين يقبله: وقد استوى حكم القليل والكثير عند التغير فيرجع الفرق إلى النجاسة من غير التغير ويدل عليه أنه يستحب غسل اليدين للمستيقظ من النوم قبل إدخالهما الاناء وفي الخبر تعليل

ذلك باحتمال النجاسة وهو قوله صلى الله عليه وسلم فانه لا يدرى أين باتت يده ولولا أن قيل النجاسة يؤثر في الماء القليل لما كان لهذا الاستحباب معني وقال مالك لا ينجس

القليل الا بالتغير كالكثير لقوله صلى الله عليه وسلم خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو ريحه واختاره القاضى الروياني في الحلية: والشافعي رضى الله عنه حمل هذا الخبر على الكثير لانه ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها كثيرا: وأما الكثير فينجس إذا تغير بالنجاسة لقوله صلى الله عليه وسلم خلق الماء طهورا الخبر نص على الطعم والريح وقاس الشافعي رضى الله عنه اللون عليهما: وان لم يتغير نظر ان كان ذلك لقلة النجاسة واستهلاكها فيه لم ينجس الماء لقوله صلى الله عليه وسلم لم يحمل خبثا وهل يستعمل جميع ذلك الماء أم يبقى قدر النجاسة: فيه الوجهان المذكوران من قبل: وان كان عدم التغير لموافقتها الماء في الاوصاف فيقدر بما يخالف على ما سبق: ثم لو طال مكث الماء وزوال تغيره بنفسه عاد طهورا لان الاصل

في الماء الطهورية وانما حكمنا بنجاسة الكثير منه لمكان التغير فإذا زال سبب النجاسة عمل المقتضى للطهارة عمله: وحكي في التتمة وجها عن الاصطخرى انه إذا زال التغير بنفسه لا يطهر وكما لم ينجس الا بوارد عليه لا يطهر الا بوارد عليه: ولو طرح فيه المسك فلم توجد رائحة النجاسة أو الزعفران فلم يوجد لونها أو الخل فلم يوجد طعمها فلا يعود طهورا لانا لا ندرى أن أوصاف النجاسة زالت أم غلب عليها المطروح فيه فسترها بل الظاهر الاستتار ألا ترى أن ذكاء رائحة المسك يغلب الروائح الكريهة بحيث لا يحس بها ثم إذا فترت رائحة المسك حصل الاحساس بها: وان طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورا فيه قولان أحدهما ويروى عن المزني نعم لان التراب لا يغلب عليه شئ من الاوصاف الثلاثة حتى يفرض ستره إياها فإذا لم يصادف

تغييرا أشعر ذلك بالزوال وأصحهما انه لا يعود طهورا لانه وان لم تغلب عليه هذه الاوصاف إلا أنه يكدر الماء والكدورة من اسباب الستر فلا يدرى معها ان التغير زائل أو مغلوب * ووجه بعضهم القول الاول بان التراب بوافق الماء في الطهارية فيتعاونان في دفع النجاسة ولهذا يجمع بينهما في ازالة النجاسة المغلظة * وهذا التوجيه يليق بمن يزعم اختصاص القولين بالتراب لكن الطريقة الصحيحة طرد القولين في الجص والنورة التي لم تطبخ وغير ذلك مما لا يكون الوصف المتغير من الماء غالبا عليه * هذا فقه الفصل * ثم نتكلم فيما يتعلق بألفاظ الكتاب من الفوائد أما قوله والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وان لم يتغير يدخل فيه النجاسة المجاورة والمخالطة ولا يدخل فيه

ما إذا تروح الماء بجيفة ملقاة على شط النهر لانه لا ملاقاة واعلم أنه ليس المراد تأثر الماء القليل بملاقات كل نجاسة فان من النجاسات ما لا يؤثر فيه كميته ما لا نفس له سائلة على الجديد كما سبق كالنجاسة التى لا يدركها الطرف وكما إذا ولغت الهرة بعد نجاسة فمها في ماء قليل وفيها خلاف سيأتي وانما الغرض بيان كيفية التأثر ان التغير غير معتبر فيه وأما ان النجاسة المؤثرة أية نجاسة فذلك شئ آخر * وأما قوله والكثير لا ينجس الا إذا تغير تغيرا يسيرا هكذا في أكثر النسخ ورأيت في بعضها طرح قوله تغيرا يسيرا لانه يوهم التقييد باليسير ومتى كان التغير اليسير قادحا فالفاحش أولي أن يكون قادحا فيستحيل التقيد ياليسير فان طرح فذاك * وقوله الا إذا تغير

يشمل اليسير والفاحش وان لم يطرح فالمراد الا إذا تغير وان كان تغيرا يسيرا لا كالتغير بالطاهرات فانه انما يسلب الطهورية إذا تفاحش: ثم ننبه لامور أحدها قوله والكثير لا ينجس الا إذا تغير لا يمكن العمل بظاهره لانه يقتضي أن لا ينجس إذا لم يتغير أصلا وليس كذلك لما ذكرنا أنه لو لم يتغير للموافقة في الاوصاف تعذر كونه مخالفا فان كان بحيث تغير لو كان مخالفا فالماء نجس وان لم يتغير: فإذا اللفظ محتاج إلى التأويل: الثاني قوله الا إذا تغير يعم التغير بالنجاسة المخالطة والمجاورة والنوعان يسلبان الطهارة على ظاهر المذهب وفي وجه التغير بالنجاسة المجاورة لا يسلب الطهارة كما أن التغير بالطاهر المجاور لا يسلب الطهورية فلو أعلم قوله الا إذا تغير بالواو اشارة إلى هذا الوجه لم يكن ممتنعا: الثالث قضية اللفظ أنه

لا ينجس الا إذا تغير كله أما إذا تغير بعضه فلا لان قوله إذا تغير صفة الكثير وذلك يتناول الكل الا ترى انه إذا تغير البعض يصح أن يقال ما تغير هذا الماء وانما تغير بعضه أو طرف منه ولكن ظاهر المذهب نجاسة الكل.
وان كان المتغير البعض وهو المذكور في المهذب وغيره وخرج وجه أنه لا ينجس الا لقدر المتغير وهذا يوافق ظاهر اللفظ وأما قوله وان زال بطرح التراب فقولان للتردد في انه مزيل أو ساتر ففيه استدراك لفظي وهو ان قوله وان زال فرض المسألة في الزوال مع الفرض في الزوال كيف ينتظم التردد في أن الحاصل زوال أم لا: وأشد من هذا قوله في الوسيط وان زال بطرح المسك والزعفران فلا لانه استتار لا زوال فطريق الجواب التأويل اما بحمل الزوال الاول علي فقد التغير وحمل الثاني على الحقيقة وأما باضمار بأن

يقال المعنى وان اعتقد الزوال أو ما أشبه ذلك وذكر بعضهم أن هذا الخلاف في مسألة التراب مفروض في تغير الرائحة أما لو تغير اللون لم يؤثر طرح التراب فيه بحال والاصول المعتمدة ساكتة عن هذا التفصيل * قال (والكثير قلتان (ح) لقوله عليه الصلاة والسلام إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا والاشبه أنهما ثلثمائة من تقريبا لا تحديدا) * روينا الخبر الوارد في اعتبار القلتين وفي بعض الروايات إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر ثم روى الشافعي رضى الله عنه عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فالقلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا واحتاط الشافعي رضى الله عنه فحسب الشئ نصفا لانه لو كان فوق النص لقال تسع ثلاث قرب الاشيئا وهذا عادة أهل اللسان: فإذا

جملة القلتين خمس قرب واختلفوا في تقدير ذلك بالوزن علي ثلاثة أوجه أحدها ذهب أبو عبد الله الزهري رحمة الله عليه إلى أن القلتين ثلثمائة من لان القلة ما يقله البعير ولا يقل الواحد من بعر ان العرب غالبا أكثر من وسق والوسق ستون صاعا وذلك مائة وستون منا فالقلتان ثلثمائة وعشرون يحط منها عشرون للظروف والحبال يبقى ثلثمائة وهذا اختيار القفال والاشبه عند صاحب الكتاب: والثاني ان القلتين ألف رطل لان القربة قد تسع مائة رطل فالاحتياط الاخذ بالاكثر ويحكي هذا عن أبي زيد: والثالث وهو المذهب أن القلتين خمسمائة رطل مائتان وخمسون منا بالبغدادي

لان القربة الواحدة لا تزيد على مائة رطل في الغالب ويحكي هذا عن نص الشافعي رضى الله عنه ثم ذلك معتبر بالتقريب أم بالتحديد فيه وجهان أصحهما وهو الذى ذكره في الكتاب أنه معتبر بالتقريب لان ابن جريج رد القلة إلى القرب تقريبا والشافعي رضى الله عنه حمل الشئ علي النصف احتياطا وتقريبا والقلال في الاصل تكون متفاوتة أيضا كما نعهده اليوم في الحباب والكيزان والثاني أنه معتبر بالتحديد كنصاب السرقة ونحو ذلك فان قلنا بهذا لم نسامح بنقصان شئ وان قلنا بالاول فنسامح بالقدر الذى لا يتبين بنقصانه تفاوت في التغير بالقدر المعين من الاشياء المغيرة وعند أبي حنيفة وأصحابه لااعتبار بالقلال وانما الكثير هو الذى إذا حرك

جانب منه لم يتحرك الثاني هذه رواية ولهم روايات سواها * قال (فروع خمسة الاول يدركه الطرف من النجاسة الاول ما لا يدركه الطرف من النجاسة اضطرب فيه نص الشافعي رضى الله عنه والاقرب ان ما انتهت قلته إلى حد لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما يتصل به فلا يدخل تحت التكليف التحفظ عنه وما يدركه عند مخالفة اللون فينبغي أن لا يعفى عنه لا في الثوب ولا في الماء) * النجاسة التى لا يدركها الطرف كنقطة الخمر والبول التى لا تبصر والذبابة تقع على النجاسة ثم تطير عنها هل تؤثر كالنجاسة المدركة أم يعفى عنها لفظه في المختصر بشعر بأنها لا تؤثر ونقل عن الام انه لا فرق بينها وبين النجاسة المدركة وعن الاملاء التسوية

بينهما في الثوب واختلف الاصحاب فيه على سبعة طرق: أحدها أن في تأثيرها في الماء والثوب قولين: والثاني أنها تؤثر فيهما بلا خلاف: والثالث لا تؤثر فيهما بلا خلاف: والرابع تؤثر في الماء وفي الثوب قولان: والخامس تؤثر في الثوب وفى الماء قولان: والسادس تؤثر في الماء دون الثوب بلا خلاف: والسبع تؤثر في الثوب دون الماء بلا خلاف: فهذا هو اضطراب النص ومقالات الاصحاب: وأما التوجيه فمن ألحق هذه النجاسة بما يدركه بما يدركه الطرف قال الظواهر المقتضية لاحتساب النجاسة عامة تتناول التى يدركها الطرف والتى لا يدركها ومن سامح بهذه النجاسة علل بتعذر الاحتراز فان الذباب يقع على النجاسات ثم يطير ويقع في الماء وعلى الثياب فأشبه دم البراغيث وسائر ما يتعذر الاحتراز عنه: ومن قال تؤثر في الماء دون الثوب فرق من وجهين أحدهما أن صون الماء بتغطية رأس الاناء ممكن بخلاف الثياب: والثاني أن الذبابة إذا ارتفعت عن النجاسة جف ما نجس منها بالهواء فلا يؤثر في الثوب ويؤثر في الماء فلو كان الثوب

رطبا كان كالماء: ومن قال يؤثر في الثوب دون الماء قال الماء أقوى على دفع النجاسات بدليل الماء الكثير: وأما ما ذكره حجة الاسلام رحمه الله من أنه ان انتهت القلة إلى حد لا يدرك مع مخالفة لونه للون ما يتصل به فهو معفو عنه في الماء وغيره والا فلا: فهذا تفصيل لا نراه لغيره ووجهه في غير الوجيز بأن قال إذا بلغت القلة الحد المذكور كانت هذه النجاسة كما تحملها الرباح من النجاسات مثل الذر وتبثها على المياه والثياب ومعلوم أن ذلك مما لا يبالى به فكذلك ههنا ولك أن تقول غير هذا التفصيل أجود منه لان الكلام فيما لا يدركه الطرف لقلته لا للموافقة في اللون وما لا يدرك لقلته لا يدرك اختلف اللون أو اتفق: فأحد القسمين وهو أن يكون بحيث يدرك عند اختلاف اللون خارج عن صورة المسألة وانما صورتها القسم الثاني ثم القول فيه بالعفو اختيار القول المنقول في عدم تأثير هذه النجاسة في الماء والثوب جميعا: وظاهر المذهب عند

المعظم خلافه: ثم في عبارة الكتاب بسط وتطويل ولا يخفى ايراد الغرض في أقصر منها لمن يبتغى الايجاز * قال (الثاني قلتان نجستان غير متغرتين إذا جمعتا ولا تغير عادتا طاهرتين فإذا فرقتا بقيتا على الطهارة ولم يضر التفريق بينهما الا إذا كانت النجاسة جامدة فبقيت في إحدى القلتين) * الماء القليل النجس إذا كوثر حتى بلغ قلتين هل يعود طهورا نظر: إن كوثر بغير الماء فلا بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بماء ورد وصار مستهلكا فيه ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وان لم يتغير وانما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء على ما قال صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وان كوثر بالماء نظر ان كان مستعملا ففى عود الطهورية وجهان: أحدهما لا يعود لا نسلاب قوة المستعمل والتحاقه بسائر المائعات: وأظهرها تعود لان الاصل فيه الطهورية والضعف الذى عرض له ليس بأكثر

من أن تعرض له النجاسة: ولو كوثر الماء النجس بماء نجس ولاتغير: عادت الطهورية ومأخذ هذا الخلاف كمأخذ الخلاف في أن المستعمل هل يعود بالكثرة طهورا: وان لم يكن مستعملا عادت الطهورية فان الاصل في الماء الطهورية والنجاسة عرضت لعلة القلة فإذا كثر عمل الاصل عمله ثم التفريق بعد عود الطهورية لا يضر كما لو كان الماء قلتين عند وقوع النجاسة فيه ولم يتغير ثم فرق: ولا فرق بين أن يقع التكميل بماء طاهر أو نجس في عود الطهورية: وصورة مسألة الكتاب ما إذا كان كل واحد من المكمل والمكمل نجسا: ثم لا يخفى أن عود الطهورية انما يكون بشرط عدم التغير في المجموع وهل يشترط أن لا يكون فيه نجاسة جامدة فيه خلاف التباعد: ولو كوثر الاءإ القليل بما يغلب عليه ويغمره ولكن لم يبلغ قلتين فهل تزول نجاسته فيه وجهان أظهرهما لا تزول:

وان قلنا بالزوال فهو طاهر غير طهور وذلك بشروط أحدها أن يكون التكميل بماء طاهر لا ينجس: والثاني أن يورد الطاهر على النجس: والثالث أن يكون المكمل أكثر من المكمل مما لا يكون فيه نجاسة وكل ذلك فيما إذا بلغ قلتين بخلافه: ويشترط أيضا أن لا يكون فيه نجاسة جامدة لا محالة: وقوله في الكتاب جمعتا عادتا طاهرتين في لفظ الجمع اشارة إلى ما ذكره الاصحاب أن المعتبر في المكاثرة الضم والجمع دون الخلط حتى لو كان أحد البعضين صافيا والآخر كدرا وانضما تزول النجاسة من غير توقف على الاختلاط المانع من التمييز وقوله عادتا معلم بالالف لما روى عن أحمد وعن أصحابه أنه لا تعود الطهارة: وليس المراد من قوله عادتا طاهرتين مجرد الطهارة بل مع الطهورية *

قال (الثالث نجاسة جامدة وقعت في ماء راكد كثير يجوز الاغتراف من جوانبها على القول القديم هو الاقيس ويجب التباعد عنها بقدر القلتين في القول الجديد) إذا وقع في الماء الكثير الراكد نجاسة جامدة كالميتة فهل يجوز الاغتراف مما حوالى النجاسة أم يجب التباعد عنها بقدر القلتين فيه قولان القديم وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء ولا حاجة إلى التباعد لانه طاهر كله فيستعمله المستعمل كيف شاء والدليل على أنه طاهر كله قوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين الخبر: والجديد أنه يبعد عن النجاسة بقدر قلتين ثم يغترف لان ما دون القلتين مما يجاور النجاسة لو كان وحده لكان مجتنبا فكذلك إذا كان معه غيره وأثر الكثيرة دفع النجاسة عما وراء ذلك

القدر قال من نصر المذهب ذلك القدر المجتنب لو كان وحده محكوم له بالنجاسة في حالة الانفراد فاما أن يكون محكوما له بالنجاسة ههنا أيضا أولا يكون ان يكن فقد تغير حكمه عما كان عليه وحده وان كان فلينجس ما يجاوره بمجاورته كما ينجس هو بمجاورة النجاسة وهكذا حتى تنتشر النجاسة الي الكل لا يقال هذا مائع وذلك جامد وحكم النجاسة المائعة أخف الا ترى ان النجاسة المائعة لو وقعت في ماء كثير وانغمرت فيه جاز استعمال الكل لانا نقول إذا كان حكم النجاسة المائعة ما ذكرتم فلنأخذ حكم الطهارة ههنا أيضا لا تصاله بالملا الكثير وحصوله فيه وإذا كان طاهرا وجب أن يجوز الاغتراف والاستعمال واعلم ان من أصحابنا العراقيين من حكى خلاف

التباعد وجهين ونقل القولين أثبت فان فرعنا على وجوب التباعد فلا يكفي ان يبعد في البحر بقدر شبر على أحد العمق في حساب القلتين بل يتباعد بقدر القلتين في ابعاد متماثلة طولا وعرضا وعمقا فان كان الماء في موضع لا يتاتي فيه ذلك كما لو وقف في موضع منبسطا من غير عمق يتباعد في الطول والعرض قدر ما يبلغ قلتين في ذلك العمق وقال الامام محمد بن يحي رضي الله عنه لا يغنى التباعد بقدر قلتين في هذه الصورة بل يبعد إلى حيث يعلم ان النجاسة لا تنتشر إليه كما يعتبره أبو حنيفة رحمة الله عليه في بعض الروايات في الماء الكثير ولو كان الماء قلتين بلا زيادة فعلى الجديد لا يجوز لاعتراف منه وعلى القديم يجوز ذلك في أصح الوجهين كما في الحالة الاولى والثاني لا لان المأخوذ بعض الباقي والباقي نجس بالانفصال فكذلك المأخوذ وينبني ان يبحث علي القولين في مسألة

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل