كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من
اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلو من الا نفسه *
وكره عمر رضي الله عنه المشمس وقال انه يورث البرص فان قلنا بالكراهية ففى محلها اختلاف منشؤه اشارة النقل بعد النهى إلى سببه وهو خوف الوضح فقال قائلون من أصحابنا انما يكره إذا خيف منه هذا المحذور وانما يخاف عند اجتماع شرطين أحدهما أن يجرى التشميس في الاواني المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس لان الشمس إذا أثرت فيها استخرجت
منها زهومة تعلو الماء ومنها يتولد المحذور: والثاني أن يتفق في البلاد المفرضة الحرارة دون الباردة والمعتدلة فان تأثير الشمس فيها ضعيف: ولا فرق عند القائلين بهذه الطريقة بين أن يقع ذلك قصدا أو اتفاقا فان المحذور لا يختلف: وأيدوا طريقتهم بالمشمس في الحياض والبرك فانه غير مكروه بالاتفاق وانما كان ذلك لانه لا يخاف منه مكروه: وقال آخرون لا تتوقف الكراهية علي
خوف المحذور لا طلاق النهى والتعرض للمحذور اشارة إلى حكمته فلا يشترط حصولها في كل صورة وهؤلاء طردوا الكراهية في الاواني المنطبعة وغيرها كالخزفية وفى البلاد الحارة وغيرها واعتذروا عن ماء الحياض والبرك بتعذر الاحتراز: والطريقة الاولى أقرب إلى كلام الشافعي رضي الله عنه فانه قال ولا أكره المشمس الا من جهة الطب أي انما اكرهه شرعا حيث يقتضى الطب محذورا فيه.
واستثنى بعضهم من المنطبعات الذهب والفضة لصفاء جوهرهما وبعد انفصال محذور
عنهما وإذا عرفت ذلك نعد إلى الفاظ الكتاب: واعلم أن قوله ما تغير عن وصف خلقته تغيرا يسيرا لا يزايله اسم الماء المطلق ليس المراد من اليسير سوى انه بحيث لا يزايله اسم الماء المطلق وتعقيبه به مذكور تفسيرا لليسير وان لم يكن كذلك وجرينا على ظاهر اللفظ لزم اشتراط كون التغير يسيرا لبقاء الطهورية في جميع المسائل المعدودة وليس كذلك بل التغير بطول المكث وما لا يمكن صون الماء عنه وبالمجاور
لا يفترق حكمه بين اليسير والفاحش وقوله وكذا المتغير بطول المكث والتراب والزرنيخ عطفه على المتغير بالطين والطحلب أحسن منه على المتغير بما يجاوره والمتغير بما لا يمكن صون الماء عنه ليكون تعذر الصور نوعا يدخل تحته المتغير بطول المكث وما لا يخلو الماء عنه في المقر والممر فمنه الطين والطحلب ومنه التراب الذى يثور وينتصر فيه * وأما الماء الذى يطرح فيه قصدا فقد ذكره من بعد: والاختلافات التى ذكرناها في المشمس تقتضي أن يكون لفظ الكراهية في قوله وفي
المشمس كراهية معلما بالواو والحاء والميم والالف وهو علامة أحمد رضي الله عنه وأن يكون قوله من جهة الطب معلما بالواو اشارة إلى خلاف من اتبع ظاهر النهى ولم تقف الكراهية على موضع خوف الوضح ولا بأس إأن يعلم قوله في الاواني المنطبعة بذلك أيضا اشارة الي استثناء من استثنى التبزين * قال (القسم الثالث ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى الماء عنه حتي زايله اسم الماء المطلق فليس بطهور (ح) وان لم يستجد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير (ح) واجناسهما) * إذا بلغ تغير الماء حدا ينسلب به اسم الماء المطلق عنه خرج عن كونه طهورا ولا فرق بين أن يقع اسم الماء عليه مضافا إلى الخليط المغير كماء الزعفران والدقيق أو لا يقع ويحدث له أسم آخر كالصبغ والمرق والحبر خلافا لا بي حنيفة رضى الله عنه في الحالة الاولي: لنا وجهان احدهما القياس على ماء الباقلاء ونحوه والثاني أن النصوص الواردة في طهورية الماء متعرضة لاسم الماء عريا عن القيود
والاضافات والكلام فيما انسلب عنه اسم الماء عريا عن القيود والاضافات فلا يلحق بمورد النص لظهور الفرق في خاصيته الرقة وغيرها: فان قيل النصوص متناولة للماء وماء الزعفران ماء: قلنا لا نسلمه بل الماء المضاف على ضربين منه ما يصح اطلاق اسم الماء عليه كماء البحر وماء الكوز: ومنه ما لا يصح كماء الورد وماء الباقلى فلم قلتم بأن ماء الزعفران من قبيل الاول لا من قبيل الثاني بل هو من الثاني فان التغير الفاحش يصح قول القائل هذا ليس بماء وانما هو ماء الزعفران
ولهذا لو حلف ان لا يشرب ماء فشرب ماء الزعفران لا يحنث وكان اسم الماء عريا عن القيود والاضافات غير موضوع للحقيقة المشتركة بين الماء وماء الزعفران بل كمالا يتفاحش تغير صفاته الاصلية والله أعلم: وهل يعتبر تغير اللون والطعم والرائحة جميعا أم يكفى تغير واحد منها ذكر الموفق بن طاهر في شرح مختصر الجوينى أن صاحب جمع الجوامع حكي فيه قولين اختار ابن
سريج الثاني منهما وهو المشهور المتوجه: وحكي قولا آخر عن رواية الربيع أن التغير في اللون وحده وفى الطعم والرائحة معا يمنع الطهورية وفى احدهما لايمنع: وينبغي أن يتنبه من الفاظ الكتاب للاحتراز عن التغيرات التى لا تقدح: فقوله ما تفاحش تغيره يخرج عنه التغير اليسير وان كان
بخليط مستغني عنه: وقوله بمخالطة ما يستغني عنه يخرج عنه التغير بالمجاور وبما لا يمكن صون الماء عنه * قال (فرع ثلاثة) الاول المتغير بالتراب المطروح فيه قصدا فيه وجهان أظهرهما أنه طهور ويقرب منه الملح إذا طرح (و) في الماء فصدا لانه اجزاء سبخة من الارض بها يصير ماء البحر ما لحا
فيضاهى التراب: الثاني إذا تفتتت الاوراق في المياه وخالطتها ففيها ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين الربيعي والخريفى لتعذر الاحتراز عن الخريفي: الثالث لو صب مائع علي ماء قليل ولم يغيره فان كان بحيث لو خالف في اللون لتفاحش تغيره زالت الطهورية به وان كان أقل منه فهو طهور ويجوز استعمال الكل على الاظهر وقيل إذا بقى قدر ذلك المائع لم يجز استعماله) في المتغير بالتراب المطروح فيه قصدا وجهان: وقيل قولان: أحدهما أنه ليس بطهور لانه
تغير بمخالطة مستغنى عنه فاشبه التغير بالزعفران: والثاني وهو الاظهر انه على طهوريته لان التغير الحاصل بالتراب ليس إلا الكدورة وهى لا تسلب اسم الماء ولان التراب يوافق الماء في الطهورية ولان الشرع امر بالتعفير في ولوغ الكلب ولو سلب طرح التراب في الماء الطهورية لما امر به: واما المتغير بالملح المطروح فيه فينظر فيه ان كان الملح مائيا فوجهان أظهرهما انه طهور لانه منعقد من عين الماء كالجمد والثلج والثاني
لا وليس الملح عين الماء بل المياه نزلت عذبة من السماء ثم تختلط بها الاجزاء السبخات فتنعقد ملحا ولهذا لا يذوب في الشمس ولو كان منعقدا من الماء لذاب كالجمد: وان كان جبليا ترتب على المائي ان سبلنا الطهورية تمة فههنا أولي وإلا فوجهان أظهرهما السلب أيضا لانه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء ومن لم يسلب زعم انه في الاصل كان ماء أيضا ولهذا يذوب في الماء وإذا اطلقت الكلام في
الملح فقل في التغير به ثلاثة أوجه ثالثها الفرق بين الجبلى والمائي تشبيها للمائي بالجمد واستبعد الامام الغزالي ذلك وقال لو كان كالجمد لذاب في الشمس ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدا لان ماء البحر ملح وملوحته من اجزاء سبخة في الارض تنتشر فيه فالملح إذا من اجزاء الارض فان حصل التغير به من غير قصد كماء البحر فهو طهور كالمتغير بالتراب من غير قصد وان
كان بقصد فهو على الخلاف كالمتغير بالتراب المطروح فيه قصدا وهذا معنى قوله في الكتاب ويقرب منه الملح إلى قوله فيضا هي التراب: ولك أن تقول الملح اما ان يكون فيه ما ينعقد من محض الماء أو لا يكون ان كان فتشبيهه بالجمد قوى ولهذا لو تغير الماء العذب بذلك الماء الملح لم يؤثر فكذلك التغير بالمنعقد منه: والقول بانه لو كان كالجمد لذاب في الشمس ممنوع على هذا التقدير
بل من المنعقد الماء ما يذوب ومنه ما لا يذوب وان لم يكن فيه ما ينعقد من محض الماء بل كان كل ملح من اجزاء الارض فانما يتضح تشبيه الخالف فيه بالخلاف في التراب أن لو جرى ذلك الخلاف في جميع اجزاء الارض وليس كذلك بل نص الاصحاب على أنه لا يجرى في الجص والنورة وغيرهما واستبعدوا خلاف من خالف فيه: وإذا كان كذلك فما الفرق بين الجص والملح وكل واحد منهما ليس بتراب: وقوله وبها يصير ماء البحر مالحا ربما تجد في بعض النسخ ملحا: ولا شك في انه افصح في اللغة قال الله تعالى (وهذا ملح أجاج) وورد المالح في لفظ الشافعي رضى الله عنه واعترض عليه
معترضون وزعموا انه لا يصح في اللغة وأجاب الاصحاب عنه وصححوه هذا أحد الفروع * الثاني الاوراق إذا تناثرت في الماء وتروح الماء بها من غير أن يعرض لها عفونة واختلاط فهذا ماء متغير بشئ مجاور فيبقى على طهوريته على أظهر القولين كما سبق وان تعفنت واختلطت به ففيه ثلاثة اوجه أظهرها انه لا يسلب الطهورية كالمتغير بالطين والطحلب وسائر ما يعسر الاحتراز عنه: والثاني يسلب كسائر المتغيرات التى تلحق بالماء من خارج: والثالث وبه قال أبو زيد المروزى لا يسلب التغير بالخريفى لغلبة التناثر في الخريف بخلاف الربيعي: ولان الاوراق الخريفية قدامتصت الاشجار رطوبتها وقرب طبعها من طبع الخشب بخلاف الربيعية فان فيها رطوبة ولزوجة
تقتضي الامتزاج وهذه الوجوه فيما إذا تناثرت الماء بنفسها وهو مسألة الكتاب: فلو طرحت فيه قصدا فطريقان احدهما القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه والثانى طرد الوجوه الثلاثة والفارق على الوجه الثالث ههنا انما هو المعنى الثاني لا غير: الثالث إذا اختلط بالماء مائع.
يوافق الماء في الصفات كماء ورد منقطع الرائحة وماء الشجر والماء المستعمل ففيه وجهان احدهما انه ان كان الخليط أقل من الماء فهو طهور وان كان أكثر أو مثله فلا لانه تعذر اعتبار الاوصاف فيعدل إلى اعتبار الاجزاء ويجعل الحكم للغالب فإذا استويا اخذنا بالاحتياط والثاني وهو المذكور في الكتاب وهو الا ظهرانه ان كان الخليط قدرا لو خالف الماء في طعم أولون أو رائحة لتغير الماء فهو مسلوب الطهورية وان كان لا يؤثر مع المخالفة فلا لان التغير سالب للطهورية وهذا الخليط بسبب الموافقة في الاوصاف لا يغير فيعتبر تغيره لاستفادة ما طلبناه كما يفعل في معرفة الحكومات: ثم إذا اقتضى الحال بقاء الطهورية إما لقلة الخليط على الوجه الاول أو لتقاعده عن التغير على الثاني مع تقدير المخالفة فهل يستعمل جميعه أم يبقى قدر الخليط فيه ثلاثة أوجه أظهرها انه يستعمل الجميع لاستهلاك الخليط فيه وانطلاق اسم
الماء عليه: والثاني انه يبقى قدر الخليط وإلا كان مستعملا لغير الماء يقينا وصار كما لو حلف ان لا يأكل تمرة وخلطها بتمر كثير لا يحنث ما بقيت تمرة وان استوعب الكل حنث: واطبقوا على ضعف هذا الوجه: والثالث ان كان الماء وحده يكفى لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا: فان قلنا يجوز استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بما يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك: واعلم ان الخلاف في ان الجميع هل يستعمل جار فيما إذا استهلكت النجاسة المائعة في الماء الكثير وفيما إذا استهلك الخليط الطاهر في الماء لقلته مع مخالفة الاوصاف لاوصاف الماء ولو لم يتغير الماء الكثير لموافقة النجاسة له في الاوصاف فالاعتبار بتقدير المخالفة لا بالاجزاء بلا خلاف كذلك ذكروه لتغليظ امر النجاسة واعتبروا في النجاسة بالمخالف الذى هو أشد صفة احتياطا:
وفى الطاهرات بالوسط المعتدل فلا يعتبر في الطعم حدة الخل ولا في الرائحة ذكاء المسك: وقضية هذا الوجه ان ينطر إلى صفات الماء عذوبة وملوحة ورقة وصفاء فان لها أثرا ظاهرا في حصول التغير وعدمه ثم عد إلى الفاظ الكتاب واعلم ان قوله ان كان بحيث لو خالفه في اللون ليس لاعتبار اللون بعينه وانما ذكره مثالا وسائر الاوصاف في معناه وفيه ما قدمناه عن رواية الربيع رحمه الله: وقوله لتفاحش تغيره اشارة إلى انه لو كان التغير يسيرا لم يؤثر كما سبق: وقوله زالت الطهورية
ينبغي ان يعلم بالواو: وكذا قولة فهو طهور لان الحكم لا يتعلق بتقدير التغير وعدمه عند من يعتبر الاجزاء: وقوله في أول هذا الفرع إذا صب مائع على ماء قليل ينبغي ان يعرف ان الصب لا اثر له بل انصباب المائع عليه واختلاطه به كالصب وانما يفرق بين الوقوع فيه والطرح قصدا فيما يتعذر الاحتراز عنه وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء ولو حذف لفظ القليل لم يضر * قال:
الباب الثاني (في المياه النجسة) (وفيه فصول اربعة الاول في النجاسات والجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر وكل نبيذ (ح) مسكر والحيوانات كلها علي الطهارة الا الكلب والخنزير وفروعهما)
لما كان الاصل في الماء الطهوارة نجاسة عارضة تطرأ بملاقاة شئ نجس حسن القول في ان النجس ماذا أولا فعقد الفصل الاول في النجاسات وأداها في تقسيم اقتدى في معظمه بامام الحرمين رحمه الله وهو ان الاعيان تنقسم الي جماد وحيوان والاصل في الجميع الطهارة لانها مخلوقة لمنافع العباد وانما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة ولا يستثنى عن هذا الاصل من الجمادات إلا الخمر وما يسكر من الانبذة
اما الخمر فلوجهين (احدهما) انها محرمة التناول لا لاحترام وضرر ظاهر والناس مشغوفون بها فينبغي أن يكون محكوما بنجاستها تأكيدا للزجر الا ترى ان الشرح حكم بنجاسة الكلاب لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع: (الثاني) ان الله تعالى سماها رجسا والرجس والنجس عبارتان عن معنى واحد: واما الانبذة المسكرة فلانها ملحقة بها في التحريم فكذلك في النجاسة: وينبغى
أن يكون النبيذ معلما بعلامة أبي حنيفة رحمة الله عليه فان يقول بالطهارة حيث يقول بالحل: وبالواو أيضا لان يحيى اليمنى حكي في البيان وجها ضعيفا ان النبيذ طاهر لاختلاف الناس فيه بخلاف الخمر بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلما بالواو أيضا لامور ثلاثة احدها ان الشيخ أبا علي حكي خلافا في نجاسة المثلث المسكر الذى يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتحريم قطعا: والثاني انه حكي وجها في
طهارة الخمر المحترمة والثالث انهم ذكروا وجها في ان بواطن حبات العنقود مع استحالتها خمر الا يحكم بنجاستها تشبيها بما في باطن الحيوان وكل ذلك ينافى اطلاق القول بالنجاسة: واعلم انه لا يريد بالجماد في هذا التقسيم.
مطلق ما لاحياة فيه بل وما لم يكن حيوانا من قبل ولا جزءا من الحيوان ولا خارجا منه وإلا لدخل في الجمادات الميتات واجزاء الحيوانات وما ينفصل من باطن الحيوان وحينئذ لا ينتظم قصر الاستثناء على الخمر والنبيذ
وأما الحيوانات فهى طاهرة ويستثني منها ثلاثة: أحدها الكلب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور انها ليست بنجسة يعنى الهرة: ووجه الاستدلال منه مشهور ولان سؤره نجس بدليل ورود الامر با لاراقة في خبر الولوغ: ونجاسة السؤر تدل على نجاسة الفم وإذا كان فمه نجسا كانت سائر اعضائه نجسة لان فمه أطيب من غيره: ويقال انه أطيب الحيوان
نكهة لكثرة ما يلهث: والثاني الخنزير وهو أسوأ حالا من الكلب فهو أولى بان يكون نجسا والثالث المتولد من أحدهما نجس لتولده من أصحل نجس: وعن مالك ان الكلب والخنزير طاهران ويغسل من ولو غهما تعبدا: ولك أن تعلم قوله والحيوانات على الطهارة بالواو لان أبا العباس الجرجاني في آخرين نقلوا وجها أن الدود المتولد من نفس الميتة نجس العين كولد الكلب فعلي ذلك الوجه لا ينحصر الاستثناء فيما ذكره لكن هذا الوجه ساقط ولو صح ذلك للزم أن يحكم بنجاسة الحيوان من حكم بنجاسة العلقة والمضغة ومني غير المأكول * قال (والميتات كلها على النجاسة الا السمك والجراد وكذا الآدمى علي الصحيح وكذا دود الطعام فهو طاهر على الصحيح ولا يحرم أكله مع الطعام على الاصح وما ليس له نفس سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه على الجديد وقيل انها نجست (ح م) بالموت وهذا عفو لتعذر الاحتراز عنه وقيل انها لا تنجس بالموت إذا ليس فيها دم معفن فاشبهت النبات) الاصل في الميتات النجاسة قال الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) وتحريم ما ليس بمحترم ولا فيه ضرر كالسم
يدل على نجاسته ويستثنى منها انواع: أحدهما السمك والجرد قال صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان الخبر ولو كانا نجسين لكان محرمين الثاني الآدمى وفي نجاسته بالموت قولان أحدهما ينجس بالموت لانه حيوان طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجسا كغيره والثاني وهو الاصح لا ينجس لقوله تعالي (ولقد كرمنا بنى آدم) وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسة ولانه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات ولو كان كذلك لما امر بغسله كسائر الاعيان النجسة روى هذا الاستدلال عن
ابن سريج قال أبو اسحق عليه لو كان طاهرا لما أمر بغسله كسائر الاعيان الطاهرة أجابوا عنه بان غسل نجس العين غير معهود أما غسل الطاهر معهود في حق الجنب والمحدث علي أن الغرض منه تكريمه وازالة الاوساخ عنه: وقال أبو حنيفة ينجس بالموت ويطهر بالغسل وهو خلاف القولين جميعا: الثالث الحيوانات التى ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه اختلف فيه قول الشافعي رضي الله عنه على قولين: أحدهما نعم لا نها ميتة فتكون نجسة كسائر الميتات وإذا كانت نجسة نجس الماء بها كسائر النجاسات: والثاني وهو الاصح: لا: لقوله صلى الله
عليه وسلم " إذا سقط الذباب في اناء أحدكم فامقلوه فان في أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء وانه يقدم الداء " وقد يفضى المقل إلى الموت سيما إذا كان الطعام حارا فلو نجس الماء لما أمر به
وعن سلمان رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فهو الحلال أكله وشر به والوضوء منه) ولان الاحتراز عنها مما يعسر وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء وأما ما نشؤه فيه وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف: فان قلنا انها تنجس الماء فلا شك في نجاستها.
وان قلنا لا تنجس فهل هي نجسة في نفسها قال الا كثرون نعم كسائر الميتات وهو ظاهر المذهب: وقال القفال لا لان هذه الحيوانات لا تستحيل بالموت لان الاستحالة انما تأتي من قبل انحصار الدم واحتباسه بالموت في العروق واستحالته وتغيره: وهذه الحيوانات لا دم لها: وما فيها من الرطوبة كرطوبة النبات: وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت انه لم يرتب الخلاف في النجاسة على الجديد: فقال وقيل إنها نجست بالموت وعرفت أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة عن الميتات
وانما الاستثناء على قول القفال واما جعله القول بعدم نجاسة الماء قوله الجديد: فانما أخذه من امام الحرمين وروى القاضي أبو المحاسن الروياني خلاف ذلك فسمي هذا القول القديم: والا كثرون ارسلوا ذكر القولين من غير تعيين جديد وقديم: وأما ما ذكره في دود الطعام فايراده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة اشعارا بينا وليس كذلك: بل من قال بنجاسة ما ليس له نفس سائلة صرح بانه لا فرق بين ما يتولد من الطعام كدود الخل والتفاح وغيرهما وبين ما لا يتولد منه كالذباب والخنفساء وقالوا ينجس الكل بالموت لكن لا ينجس الطعام الذى يموت فيه كما ذكرنا في نجاسة ما نشؤه في الماء: ومن قال لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت فلا شك أنه يقول به في دود الطعام بطريق الاولى فإذا قوله وكذا دود الطعام طاهر علي الصحيح اختيار لطريقة القفال والمعنى علي الصحيح من القولين ذهابا الي أن القول بعدم نجاسة الماء بموت ما ليس له نفس سائلة فيه مبنى
على انه ليس بنجس وأما قوله ولا يحرم أكله مع الطعام على الاصح فاعلم أن التقييد بكونه مع الطعام غير محتاج إليه لثبوت أصل الخلاف: ويجوز أن يكون محتاجا إليه: لكن القول بالحل أصح أما الاول فلانه ذكر في النهاية أنه لو جمع جامع من دود الطعام شيئا وأعتمد أكله فهل يحل فيه: وجهان أحدهما نعم لانه كالجزء من الطعام طعما وطبعا وأصحهما التحريم فنقل الوجهين في أكله منفردا وقد أطلق في الوسيط الوجهين في الحل من غير تخصيص بالاكل مع الطعام أو منفردا: وأما الثاني فلان إفراده بالاكل مستغنى عنه وهو مستقذر مندرج تحت عموم تحريم الميتة: أما التمييز بينه وبين الطعام عند الاكل فعسير جاز أنه يعفى عنه وبهذا المعنى قلنا لا ينجس الطعام بلا خلاف: وان حكمنا بنجاسته: وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الاكل مبنى على الخلاف في الطهارة والنجاسة ان قلنا بالنجاسة يحرم: والا فيحل: وليس الامر فيه على هذا الاطلاق: بل الخلاف منتظم مع
حكمنا بالطهارة فوجه التحريم الا ستقذار وشمول استم الميتة وصار كما لا نفس له سائلة مما لا يكون نشؤه في الطعام فانه يحرم: وان حكم بطهارته: ووجه الحل انه كالجزء من الطعام طبعا وطعما واما إذا حكمنا بالنجاسة فوجه التحريم بين: ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز وعن الانفراد لا ينقدح شئ والله أعلم واعرف بعد هذا شيئين أحدهما قوله والميتات علي النجاسة لا يعنى الميتة بجميع اجزائها بل ما سوى الشعر وما في معناه وفيها من الخلاف والتفصيل ما ذكره في باب الاواني: والثاني ظاهر كلامه حصر المستثنى من الميتات في الانواع المذكورة وليس كذلك بل الجنين الذى يوجد ميتا عند ذبح الام حلال طاهر أيضا وكذا الصيد إذا مات بالضغط على أحد القولين *
قال (أما الاجزاء المنفصلة عن ظاهر الحيوان فكل ما أبين من حى فهو ميت الا الشعور المنتفع بها في المفارش والملابس فانها طاهرة بعد الجز للحاجة) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ما أبين من حي فهو ميت فالاصل فيما بان من الحى النجاسة ويستثنى منه شعر المأكول المجزور في حياته فهو طاهر للحاجة إليه في الملابس ولو قدر قصر الانتفاع علي ما يكون على المذكي لضاع معظم الشعور * وفي معنى الشعور الريش والصوف والوبر وقد قيل في قوله تعالي
(ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) ان المراد إلى حين فنائها هذا فيما بيان بطريق الجز: وفي النتف والتناثر وجهان والاصح الحاقها بالجز وعلى هذا فقوله في الكتاب فانها طاهرة بعد الجز ليس مذكورا ليكون قيدا في الطهارة وعلى الوجه الآخر يمكن جعله قيدا: واعلم أن ظاهر قوله فكل ما أبين من حي فهو ميت الا الشعور المنتفع بها لا يمكن العمل به لا في طرف المستثني ولا في طرف السمتثنى منه أما المستثنى فلانه يتناول جملة الشعور المجزوزة والطهارة