فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 424-463
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 424-463
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ضربان مضمون بالقيمة ومضمون بعوض في عقد معاوضة (الضرب الاول) المضمون بالقيمة وهذا الضمان يسمى ضمان اليد فيصح بيعه قبل القبض أيضا لتمام الملك فيه فانه لو تلف تلف على ملكه ويدخل فيه ما صار مضمونا بالقيمة بعقد مفسوخ وغيره حتى لو باع عبدا فوجد المشتري به عيبا وفسخ البيع كان للبائع بيع العبد وإن لم يسترده قال في التتمة الا إذا لم يرد الثمن فان للمشتري حبسه إلى استرجاع الثمن * ولو فسخ السلم لانقطاع المسلم فيه فللمسلم بيع راس المال قبل استرداده وكذا للبائع بيع المبيع إذا فسخ بافلاس المشتري ولم يسترده بعد * ويجوز بيع المال في يد المستعير والمستام وفي يد المشتري والمنهب في الشراء والهبة الفاسدين وكذا

بيع المغصوب من الغاصب (الضرب الثاني) المضمون بعوض في عقد معاوضة فلا يصح بيعه قبل القبض لتوهم الانفساخ بتلفه وذلك كالمبيع والاجرة والعوض المصالح عليه عن المال * وفي بيع المراة الصداق قبل القبض قولان مبنيان على أن الصداق مضمون في يد الزوج ضمان اليد أو ضمان العقد وموضع بيانهما كتاب الصداق (والاصح) أنه مضمون ضمان العقد والقولان جاريان في بيع الزوج بدل الخلع قبل القبض وبيع العافي عن القود المال المعقود عليه قبل القبض لمثل هذا المأخذ والله أعلم * ووراء ما ذكرنا صورة اخرى إذا تأملتها لم يخف عليك أن كل واحدة منها من أي ضرب هي (فمنها) حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعي رضى الله عنه أن الارزاق التي يخرجها السلطان

للناس يجوز بيعها قبل القبض (فمن) الاصحاب من قال هذا إذا افرزه السلطان فتكون يد السلطان في الحفظ يد المفرز له ويكفي ذلك لصحة البيع (ومنهم) من لم يكتف بذلك وحمل النص على ما إذا وكل وكيلا بقبضه فقبضه الوكيل ثم باعه الموكل والا فهو بيع شئ غير مملوك وهذا ما أورده القفال في الشرح (ومنها) بيع أحد الغانمين نصيبه على الاشاعة قبل القبض صحيح إذا كان معلوما كما إذا كانوا خمسة فالخمس لاهل الخمس والباقي على خمسة أسهم فيكون نصيب الواحد أربعة من خمسة وعشرين وهذا إذا حكمنا بثبوت الملك في الغنيمة وفيما تملك به الغنيمة خلاف يذكر في موضعه (ومنها) إذا رجع فيما وهب لولده له بيعه قبل استرداده وقال القاضي ابن كج ليس

له ذلك (ومنها) الشفيع إذا تملك الشقص قال في التهذيب له بيعه قبل القبض وقال في التتمة ليس له ذلك لان الاخذ بالشفعة معاوضة وللموقوف عليه أن يبيع الثمرة الخارجة من الشجرة الموقوفة قبل أن يأخذها (ومنها) إذا استأجر صباغا ليصبغ له ثوبا وسلمه إليه فليس للمالك بيعه ما لم يصبغه لان له أن يحبسه إلى أن يعمل ما يستحق به العوض وإذا صبغه فله بيعه قبل الاسترداد إن وفي الاجرة والا فلا لانه يستحق حبسه إلى استيفاء الاجرة ولو استأجر قصار القصارة ثوب وسلمه إليه فلا يجوز بيعه ما لم يقصره وإذا قصره فيبني على ان القصارة عين فتكون كمسالة الصبغ أو أثر فله البيع إذ ليس للقصار الحبس وعلى هذا قياس صوغ الذهب ورياضة الدابة ونسج الغزل (ومنها) إذا قاسم شريكه فبيع مسالة بيع ما وهبه لولده قبل استرداده ليست في النسخة التى بايدينا ولكنها موجودة بنسخة أخرى نقلناها برمتها اه مصححه

ما صار له قبل القبض من الشريك يبني على أن القسمة بيع أو افراز (ومنها) إذا اثبت صيدا بالرمي أو وقع في شبكته فله بيعه وان لم يأخذه ذكره صاحب التلخيص في هذا الموضع قال القفال وليس هو مما نحن فيه فانه إذا أثبته كان في قبضته حكما * (فرع) تصرف المشتري في زوائد المبيع قبل القبض مثل الولد والثمرة بيي على أنه تعود إلى البائع لو عرض انفساخ أولا تعود إن عادت لم يتصرف فيها كما في الاصل والا تصرف * ولو كانت الجارية حاملا عند البيع وولدت قبل القض ان قلنا الحمل يقابله قسط من الثمن لم يتصرف فيه والا فهو كالولد الحادث بعد البيع *

قال (والمبيع سواء كان منقولا أو عقارا) (ح) فيمتنع (م) بيعه قبل القبض وان كان دينا كالمسلم فيه فكمثل (م) وكل دين ثبت لا بطريق المعاوضة بل بقرض أو باتلاف فيجوز الاستبدال عنه ولكن بشرط قبض البدل في المجلس على الاصح ولا يجوز بيع الدين من غير من عليه الدين على الاصح والاظهر منع الحوالة بالمسلم فيه وعليه لان في الحوالة معنى الاعتياض ويجوز (و) أن يستبدل عن النقد بالنقد وان كان ثمنا (و) للحديث هذا إذا لم يكن معينا فان عين تعين (ح) وامتنع (ح) الاستبدال عنه وانفسخ العقد بتلفه (ح) * قوله والمبيع سواء كان منقولا أو عقارا فيمتنع بيعه قبل القبض كانه قصد به التعرض لمذهب أبي حنيفة رحمه

الله في العقار والتدرج به إلى ذكر ما إذا كان المبيع دينا والا فقد سبق ما يعرف منه امتناع بيع المبيع قبل القبض وشرح الفصل يحوج إلى تقديم وتأخير في مسائله فلا نبال بذلك (واعلم) ان من مسائل القسم الاول وهو أن يكون المستحق عينا في يد الغير ما إذا باع متاعا بدراهم أو دنانير معينة فليس للبائع التصرف فيهما قبل القبض وذلك لان الدراهم والدنانير متعينان بالتعيين كالمبيع فلا يجوز للمشتري ابدالها بمثلها ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع ولو وجد البائع بها عيبا لم يستبدلها بل يرضى بها أو يفسخ العقد وبهذا قال أحمد وقال أبو حنيفة لاتتعين ويجوز ابدالها بمثلها وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد وإذا وجد بها عيبا فله الاستبدال * لنا القياس على طرف البيع وايضا فان الدراهم والدنانير تعينان في الغصب والوديعة

فكذلك ها هنا.
ولو أبدلها بمثلها أو * بغير جنسها برضى البائع فهو كبيع المبيع من البائع (القسم الثاني) الدين في ذمة الغير وهو على ثلاثة اضرب لانه إما ان يكون مثمنا أو ثمنا أو لامثمنا ولاثمنا وقبل الشروع في هذه الاضرب نذكر اصلا وهو ان الثمن ماذا والمثمن ماذا وجملة ما قيل فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن الثمن ما الصق به الباء لان هذه الباء تسمى باء التثمين ويحكى هذا عن القفال (والثاني) ان الثمن هو النقد لان أهل العرف لا يطلقون اسم الثمن على غيره والمثمن ما يقابل ذلك على اختلاف الوجهين (والثالث) وهو الاصح ان الثمن هو النقد والمثمن ما يقابله فان لم يكن في العقد نقد أو كان العوضان نقدين فالثمن ما الصق به الباء والمثمن ما يقابله * ولو باع احد النقدين بالاخر فعلى الوجه الثاني لا مثمن فيه ولو باع

عرضا بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه وانما هو مقابضة ولو قال بعتك هذه الدراهم بهذا العبد فعلى الوجه الاول العبد ثمن والمثمن الدراهم وعلى الثاني والثالث في صحة العقد وجهان كالسلم في الدراهم والدنانير لانه جعل الثمن مثمنا فان صححنا فالعبد مثمن * ولو قال بعتك هذا الثوب بعبد ووصفه صح العقد فان قلنا الثمن ما الصق به الباء فالعبد ثمن ولا يجب تسليم الثوب في المجلس وان لم نقل بذلك ففي وجوب تسليم الثوب وجهان في وجه لا يجب إذ لم يجر بينهما لفظ السلم وفي وجه يجب اعتبارا بالمعنى * إذا عرفت هذه المقدمة (فالضرب الاول) المثمن وهو المسلم فيه فلا يجوز الاستبدال عنه ولابيعه من غيره روى عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال

" من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " وأيضا فان المبيع مع تعينه لا يجوز بيعه قبل القبض فالمسلم فيه مع كونه مرسلا في الذمة أولى وهل للحوالة مدخل في المسلم فيه (إما) به بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض أو اتلاف (وإما) عليه بان يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو اتلاف على المسلم إليه فيه ثلاثة أوجه (أصحها) لا لما فيه من تبديل المسلم فيه بغيره (والثاني) نعم تخريجا على أن الحوالة استيفاء وايفاء لا اعتياض (والثالث) لا تجوز الحوالة عليه لانها بيع سلم بدين وتجوز الحوالة به على القرض ونحوه لان الواجب على المسلم إليه توفير الحق على المسلم وقد فعل هكذا حكى

الوجه الثالث امام الحرمين وهو حاصل ما رواه القاضي ابن كج عن أبى علي الطبري وأبي الحسين بعد رواية الوجه الثاني عن ابن الوكيل وعكس صاحب الكتاب رحمه الله الوجه الثالث في الوسيط وقال تجوز الحوالة عليه ولا تجوز به ولا اخاله ثابتا * (الضرب الثاني) الثمن فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها قولان (القديم) أنه لا يجوز لمطلق النهي عن بيع ما لم يقبض وايضا فانه عوض في معاوضة فاشبه المسلم فيه (والجديد) الجواز لما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال " كنت أبيع الابل بالبقيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال لا بأس به بالقيمة

ويروى أنه قال لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شئ " وعن القاضي أبى حامد وأبى الحسين رحمهما الله القطع بالقول الثاني * وإذا باع شيئا بغير الدراهم والدنانير في الذمة فجواز الاستبدال عنه يبنى على أن الثمن ما ألصق به باء التثمين أو غيره (إن قلنا) انه هو فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين وادعى في التهذيب أنه المذهب (وان لم نقل) بذلك فلا يجوز لان ما ثبت في الذمة مثمنا لا يجوز أن يستبدل عنه والاجرة كالثمن

والصداق وبدل الخلع كذلك ان قلنا إنهما مضمونان ضمان عقد والا فهما كبدل الاتلاف (التفريع) ان منعنا الاستبدال عن الدراهم فذاك في استبدال العروض عنها فاما استبدال نوع عنها عن نوع أو استبدال الدنانير عن الدراهم ففيه وجهان عن صاحب التقريب لاستوائهما في مقصود الرواج وان جوزنا الاستبدال عنها وهو الصحيح فلا فرق بين بدل وبدل ثم ينظر ان استبدل عنها ما يوافقها في علة الربا كما إذا استبدل عن الدراهم الدنانير فيشترط قبض البدل في المجلس وكذا إذا استبدل عن الحنطة المبيع بها شعيرا ان جوزنا ذلك ففي اشتراط تعين البدل عند العقد وجهان (أحدهما) يشترط والا فهو بيع دين بدين (وأصحهما) أنه لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا في المجلس * وان استبدل عنها

ما لا يوافقها في علة الربا كما إذا استبدل عن الدراهم طعاما أو ثيابا نظر ان عين البدل جاز وهل يشترط قبضه في المجلس فيه وجهان (أحدهما) نعم وهو اختيار الشيخ أبي حامد ويحكى عن أبي اسحق لان أحد العوضين دين فيشترط قبض الثاني كرأس مال السلم (وأصحهما) عند الامام وصاحب التهذيب أنه لا يشترط كما لو باع ثوبا بدرهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس ويحكي هذا عن ابن سريج * وان لم يعين البدل ولكن كان موصوفا في الذمة فعلى ما سبق من الوجهين (ان جوزنا) فلا بد من التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان * (الضرب الثالث) ما ليس بثمن ولا مثمن كدين القرض والاتلاف فيجوز الاستبدال عنه بلا

خلاف كما لو كان في يده عين مال بغصب أو عارية يجوز بيعه منه ويفارق المسلم فيه فانه غير مستقر لجواز أن يطرأ ما يقتضي انفساخ السلم وهذا مستقر * ثم الكلام في اعتبار التعيين والقبض على ما سبق * وفي الشامل ان القرض إنما يستبدل عنه إذا استهلكه اما إذا بقى في يده فلا لانا إن قلنا ان القرض يملك بالقبض فبدله غير مستقر في الذمة لان للمقرض ان يرجع في عينه وان قلنا يملك بالتصرف فالمستقرض متسلط عليه وذلك يوجب ضعف ملك المقرض فلا يجوز الاعتياض عنه والله أعلم * ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ويجوز العكس وكان من عليه المؤجل قد عجله (واعلم) أن الاستبدال بيع ممن عليه الدين وقد تبين حكمه فاما بيعه من غير من عليه كما إذا كان علي إنسان

مائة فاشترى من آخر عبدا بتلك المائة فقولان (أحدهما) أنه يجوز كبيعه ممن عليه (وأصحهما) المنع لعدم القدرة على التسليم وعلى الاول يشترط أن يقبض مشترى الدين الدين ممن عليه وان يقبض بائع الدين العوض في المجلس حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد * ولو كان له دين على إنسان ولاخر مثله على ذلك الانسان فباع أحدهما ماله عليه بما لصاحبه وقبل الاخر لم يصح إن اتفق الجنس أو اختلف (لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ) (وقوله) في

الكتاب وكل دين ثبت لا بطريق المعاوضة بل بقرض أو اتلاف لا شبهة أن دين الاتلاف ثبت لا بطريق المعاوضة (وأما) دين القرض فسيأتي في فصل القرض أنه ليس على سبيل المعاوضات أيضا (وقوله) ولكن يشترط قبض البدل في المجلس على الاصح أي من الوجهين وترجيح وجه الاشتراط خلاف ما ذكرنا عن اختيار الامام وصاحب التهذيب لكنه متأيد بظاهر نصه في

المختصر وبه قال جماعة من الاصحاب (وقوله) ويجوز أن يستبدل عن النقد النقد وإن كان ثمنا أي إستبدال أحد النقدين عن الاخر لا يختص بدين القرض والاتلاف بل يجرى في الثمن أيضا وليعلم قوله وإن كان ثمنا - بالواو - للقول الاخر وأراد بالحديث ما رويناه عن ابن عمر رضى الله عنهما * قال (اما صورة القبض فيحكم فيه بالعادة ففي العقار يكفي فيه التخلية وفى المنقول يكفى فيه النقل ولا يكفى التخلية (م ح) وقد قيل يحصل انتقال الضمان بالتخلية وما يشترى مكايلة فتمام القبض فيه بالنقل والكيل فإذا اشترى مكايلة فلا بد لكل بيع (و) من كيل جديد ليتم القبض للحديث) *

قد تم بيان الامر الاول وهو حكم القبض وثمرته وهذا أول الشروع في الامر الثاني وهو أن القبض بم يحصل والقول الجملى فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة ويختلف بحسب اختلاف المال وتفصيله أن المال إما أن يباع من غير اعتبار وتقدير فيه أو يباع معتبرا فيه تقدير (الحالة الاولى) أن لا يعتبر فيه تقدير اما لعدم إمكانه أو مع الامكان فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالدور والاراضي فقبضه بالتخلية بينه وبين المشترى وتمكينه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه ويشترط كونه فارغا عن أمتعة البائع فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها وكذا لو باع سفينة مشحونة بامتعة لكون البائع

مستعملا للمبيع منتفعا به * ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشترى وبين الدار حصل القبض فيما عدا ذلك البيت * وفى اشتراط حضور المتبايعين عند المبيع ثلاثة أوجه منقولة في التهذيب (أحدهما) يشترط فان حضرا عنده وقال للمشترى دونك هذا ولا مانع حصل القبض وإلا فلا (والثانى) أنه يشترط حضور المشترى عنده دون البائع ليأتي اثبات اليد عليه (والثالث) وهو الاظهر أنه لا يشترط حضور واحد منهما لان ذلك قد يشق فإذا خلى بينه وبين المبيع فقد أتى بما عليه فليتصرف وعلى هذا فهل يشترط أن يمضى زمان إمكان المضي إليه فيه وجهان (الاصح) الاشتراط وفى معنى العقار الشجر الثابت والثمر المبيعة على الشجرة قبل أوان الجذاذ * وان كان المبيع من جملة

المنقولات فالمذهب المشهور وبه قال أحمد أنه لا يكفي فيه التخلية بل لا بد من النقل والتحويل * وقال مالك وأبو حنيفة أنه يكفى التخلية كما في العقار وعن رواية حرملة قول مثله وفيه وجه آخر أن التخلية كافية لنقل الضمان إلى المشترى غير كافية للتسلط على التصرف لان البائع أتى بما عليه والمقصر المشترى حيث لم ينقل فليثبت ما هو حق البائع * وجه ظاهر المذهب ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " كنا نشترى الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه " وأيضا فان العادة في قبض المنقول النقل فعلى هذا يأمر العبد بالانتقال من موضعه

ويسوق الدابة أو يقودها * وإذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع أو في موضع يختص بالمشترى فالنقل من حيز إلى حيز كاف * وان كان في دار البائع أو في بقعة مخصوصة به فالنقل من زاوية إلى زاوية أو من بيت من الدار إلى بيت آخر بدون إذن البائع لا يكفى لجواز التصرف ولكن يكفى لدخوله في ضمانه وإن نقل باذنه حصل القبض وكأنه استعار ما نقل إليه المال * ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة فخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار وفى الامتعة وجهان (أصحهما أنه لا بد فيها من النقل كما لو بيعت وحدها (والثانى) أن القبض يحصل فيها أيضا تبعا وبهذا اجاب الماوردى وزاد فقال لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الارض التى

عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة * ولو لم يتفقا على القبض ولكن جاء البائع بالمبيع وامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه فان أصر امر الحاكم من يقبضه عنه كما لو كان غائبا * ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض وان وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئا أو قال لا اريده فوجهان (أحدهما) انه لا يحصل القبض كما لا يحصل به الايداع (وأصحهما) يحصل لوجوب التسليم كما لو وضع الغاصب المغصوب بين يدي المالك يبرأ عن الضمان فعلى هذا للمشتري التصرف فيه ولو تلف فهو من ضمانه لكن لو خرج مستحقا ولم يجر الا وضعه بين يديه فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان لان هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب * ولو وضع

المديون الدين بين يدي مستحق الدين ففي حصول التسليم خلاف مرتب على البيع وهذه الصورة أولى بعدم الحصول لعدم تعين الملك * وهل للمشتري الاستقلال بنقل المبيع ان كان قد وفى الثمن أو كان الثمن موجلا فنعم كما أن للمرأة قبض الصداق بدون اذن الزوج إذا سلمت نفسها والا فلا وعليه الرد لان البائع مستحق الحبس لاستيفاء الثمن ولا ينفذ تصرفه فيه لكن يدخل في ضمانه * (فرع) دفع ظرفا إلى البائع وقال اجعل المبيع فيه ففعل لا يحصل التسليم إذا لم يوجد من المشتري ما هو قبض والظرف غير مضمون عليه لانه استعمله في ملك المشتري باذنه وفي مثله في السلم يكون الظرف مضمونا على المسلم إليه لانه استعمله في ملك نفسه * ولو قال للبائع أعرني ظرفك واجعل

المبيع فيه ففعل لا يصير المشتري قابضا ايضا (الحالة الثانية) أن يباع الشئ مع اعتبار تقدير فيه كما إذا اشترى ثوبا أو ارضا مذارعة أو متاعا موازنة أو صبرة حنطة مكايلة أو معدودا بالعدد فلا يكفي للقبض ما مر في الحالة الاولى بل لا بد مع ذلك من الذرع أو الوزن أو الكيل أو العد وكذا لو اسلم في آصع أو امناء من طعام لا بد في قبضه من الكيل أو الوزن فلو قبض جزافا ما اشتراه مكايلة دخل المقبوض في ضمانه واما تصرفه فيه بالبيع ونحوه فان باع الكل لم يصح لانه قد يزيد على القدر المستحق * وإن باع ما يستيقن انه له فوجهان (عن أبي اسحق) انه يصح (وقال) ابن أبي هريرة وساعده الجمهور لا يصح لعدم القبض

المستحق بالعقد * وقبض ما اشتراه كيلا بالوزن ووزنا بالكيل كقبضه جزافا * ولو قال الدافع خذه فانه كذا فاخذه مصدقا له فالقبض فاسد ايضا حتى يجرى اكتيال صحيح فان زاد رد الزيادة وان نقص أخذ الباقي * ولو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر وزعم المدفوع إليه انه كان دون حقه أو قدره فالقول قوله قال الشيخ أبو حامد وغيره ومعنى التصديق المذكور في صورة المسألة أن يحمل خبره على الصدق ويأخذه بناء عليه فاما إذا أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه وفسر إمام الحرمين البيع مكايلة بأن يقول بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم وهو من صورها (ومنها) أن يقول بعتكها على أنها عشرة آصع (ومنها) أن يقول بعتك

عشرة آصع منها وهما يعلمان صيعانها أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك * وإذا اعتبر في المبيع كيل أو وزن فليس على البائع الرضا بكيل المشتري وعلى المشتري الرضا بكيل البائع بل يتفقان على كيال فان لم يتراضيا نصب الحاكم أمينا يتولاه ذكره في الحاوي * ولو كان لزيد طعام على رجل سلما ولاخر مثله على زيد فاراد زيد أن يوفى ما عليه مما له على الآخر فقال اذهب إلى فلان واقبض لنفسك مالى عليه فقبضه فهو فاسد وكذا لو قال احضر معي لا قبضه واكتاله لك وفعل لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ومسندا أنه " نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان يعني صاع البائع وصاع المشتري " وعلى هذا الخبر بناء مسائل الباب * وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الاخذ وهو تبرأ ذمة الدافع عن

حق زيد فيه وجهان (اصحهما) نعم وهما مبنيان على القولين فيما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري هل يعتق المكاتب (فان قلنا) لا يبرأ فعلى القابض رد المقبوض إلى الدافع * ولو قال زيد اذهب إليه واقبضه لي ثم اقبضه مني لنفسك بذلك الكيل أو قال احضر معي لاقبضه لنفسي ثم تأخذه أنت بذلك الكيل ففعل فقبضه لزيد في الصورة الاولى وقبض زيد لنفسه في الصورة الثانية صحيح وتبرأ ذمة الدافع عن حقه والقبض الاخر فاسد والمقبوض مضمون عليه وفي قبضه لنفسه في الصورة الاولى وجه آخر أنه صحيح وسنذكره في

نظائره ويؤيده أنه لو كان المبيع في يد المشتري عند البيع صح قبضه لنفسه على تفصيل سيأتي في الرهن فان حجة الاسلام ذكر طرفا منه هناك * ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه ثم كاله على مشتريه واقبضه فقد جرى الصاعان وصح القبضان ثم ان كان وقع في الكيل الثاني زيادة أو نقصان ينظر ان كان قدر ما يتفق بين الكيلين فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له وان كان كثيرا تبين ان في الكيل الاول غلطا أو تغليطا فيرد زيد الزيادة ويرجع بالنقصان * ولو ان زيد لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلمه كذلك إلى مشتريه فوجهان (أحدهما) انه لا يصح القبض الثاني حتى يخرجه ويبتدئ كيلا (وأظهرهما) عند الاكثرين ان استدامته في المكيال كابتداء الكيل وهذه الصورة كما تجري في ديني السلم تجري ايضا فيما إذا

كان أحدهما مستحقا بالسلم والآخر بقرض أو اتلا ف * ونختم شرح الفصل بكلامين في شرح لفظ الكتاب (أحدهما) قوله فتمام القبض فيه بالنقل والكيل لفظ التمام انما كان يحسن ان لو اقتصر على ذكر الكيل ليكون ذلك اشارة إلى النقل الكافي فما سبق غير كاف ها هنا بل لا بد من تتمة له وهو الكيل اما إذا وقع التعرض للامرين جميعا فلفظ التمام مستغني عنه (والثاني) قوله فلو اشترى مكايلة وباع مكايلة يمكن تنزيله على صورة لسلم ويمكن ان يكون شراء المعين وبيعه مرادا ولكن البيع حينئذ يقع بعد ما اكتاله لنفسه والا فهو باطل لكونه قبل القبض وظاهر قوله فلا بد من كيل جديد يوافق الوجه الذاهب إلى ان استدامته في المكيال غير كافية (وقوله) ولا تكفى التخلية يجوز اعلامه - بالحاء والميم

والواو - لما رواه حرملة (وقوله) يحصل انتقال الضمان بالتخلية بالالف * (فرع) مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع كمؤنة احضار المبيع الغائب ومؤنة وزن الثمن على المشتري لتوقف التسليم عليه ومؤنة نقد الثمن على البائع أو على المشتري حكى صاحب الحاوي فيه وجهين * قال (وليس لاحد (و) ان يقبض لنفسه من نفسه فيتولى الطرفين الا الوالد يقبض لولده من نفسه ولنفسه من ولده كما يفعل ذلك في طرفي البيع) * للمشتري ان يوكل بالقبض كما له ان يوكل بالعقد وكذا للبائع ان يوكل بالاقباض

ويعتبر في ذلك امران (أحدهما) ان لا يوكل المشتري من يده البائع كعبده ومستولدته ولا باس بتوكيل ابنه وأبيه ومكاتبه وفي توكيل عبده المأذون في التجارة وجهان (اصحهما) انه لا يجوز * ولو قال للبائع وكل من يقبض لى منك ففعل جاز ويكون وكيل المشتري وكذا لو وكل البائع بان يامر من يشتري منه للموكل (والثاني) الا يكون القابض والمقبض واحدا فلا يجوز ان يوكل البائع رجلا بالاقباض ويوكله المشتري بالقبض كما لا يجوز ان يوكله هذا بالبيع وذاك بالشراء ليتولي الطرفين * ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره فدفع إلى المستحق دراهم وقال اشتريها مثل ما تستحقه واقبضه لى ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء والقبض للموكل

ولم يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض وامتناع كونه وكيلا لغيره في حق نفسه هذا هو المشهور * وحكى المسعودي وجها انه يصح قبضه لنفسه وانما الممتنع ان يقبض من نفسه لغيره * ولو قال اشتر بهذه الدراهم لي واقبضه لنفسك ففعل صح الشراء ولم يصح قبضه لنفسه لان حق الاسنان لا يتمكن الغير من قبضه لنفسه ويكون المقبوض مضمونا عليه وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق الموكل فيه ما مر من الوجهين ولو قال اشتر لنفسك فالتوكيل فاسد إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه وتكون الدراهم امانة في يده لانه لم يقبضها ليمتلكها فان اشترى نظر ان اشترى في الذمة وقع عنه وادى الثمن من ماله وان اشترى بعينها فهو باطل وذكر ابن سريج وجها أنه صحيح * ولو أذن لمستحق

الحنطة أن يكتال من الصبرة حقه ففيه وجهان (أصحهما) أنه لا يجوز لان الكيل أحد ركني القبض وقد صار نائبا فيه من جهة البائع متأصلا لنفسه (والثاني) يجوز لان المقصود منه معرفة المقدار والمقبض هو البائع ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الاب لابنه الصغير من مال نفسه أو لنفسه من مال ابنه الصغير فانه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع وهل يحتاج إلى النقل والتحويل في المنقول روى

القاضي الماوردي فيه وجهين (والاظهر) اعتباره كما يعتبر الكيل إذا باع بالكيل (وقوله) في الكتاب وليس لاحد ان يقبض من نفسه لنفسه يجوز اعلامه بالواو لما رواه المسعودي ثم هذا اللفظ غير مجرى على اطلاقه لما ستعرفه فيما إذا كان المبيع في يد المشتري (وقوله) الا الوالد يقبض لولده من نفسه استثناء منقطع والا فهو غير داخل في قبض الانسان لنفسه من نفسه هذا تمام الكلام

في صورة القبض * وينبغي أن نتذكر الان ما مر ان اتلاف المشتري المبيع قبض وان لم توجد فيه هذه الصورة وقبض الجزء الشائع انما يحصل بتسليم الجميع ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده ولو طلب القسمة قبل القبض قال في التتمة يجاب إليه (أما) إذا جعلنا القسمة افرازا فظاهر (وأما) إذا جعلناها بيعا فان الرضى غير معتبر فيه لان الشريك يجبر عليه وإذا لم يعتبر الرضى جاز أن لا يعتبر القبض كما في الشفعة *

قال (وأما وجوب التسليم يعم الطرفين والبداءة بالبائع (ح م) في قول وبالمشتري في قول ويتساويان (م ح) في أعدل الاقوال فمن ابتدأ اجبر صاحبه فان سلم البائع طالب المشتري بالثمن من ساعته فان كان ماله غائبا اشهد على وقف ماله أي حجر عليه (و) فان وفى اطلق الوقف عنه وان لم يكن له مال فهو مفلس والبائع أحق (ح) بمتاعه هذا لفظ الشافعي رضي الله عنه وهذا حجر سببه مسيس الحاجة إليه خيفة فوات أمواله بتصرفه وذلك عند امتناع الفسخ بالفلس وقيل بانكار الحجر لكنه خلاف نص الشافعي رضي الله عنه) * الامر الثالث وجوب التسليم * لا شك أن على كل واحد من المتبايعين تسليم العوض الذي استحقه الاخر ليكن لو اختلفا فقال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن وقال المشتري لا أؤدى

الثمن حتى أقبض المبيع ففيه أربعة أقوال (أحدها) ان الحاكم يجبرهما على التسليم فيأمر كل واحد منهما باحضار ما عليه فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري لا يضره بايهما ابدا أو يأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك ووجهه ان كل واحد منهما يستحق قبض ما عند الاخر فلا سبيل إلى تكليف الابقاء فيؤمر بايفائه كما لو كان لكل واحد منهما وديعة عند الاخر وتنازعا

هكذا (والثاني) أنه لا يجبر واحدا منهما ولكن يمنعهما من التخاصم فإذا سلم احدهما ما عليه اجير الاخر * ووجهه ان على كل واحد إيفاء واستيفاء ولا سبيل إلى تكليف الايفاء قبل الاستيفاء (والثالث) وبه قال مالك وأبو حنيفة انه يجبر المشتري على تسليم الثمن أولا لان حقه متعين في المبيع وحق البائع غير متعين في الثمن فيؤمر بالتعيين (والرابع) وبه قال أحمد وهو الاصح يجبر البائع على تسليم المبيع أولا لانه

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل