كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في نصه في الظهار وقع علي سبيل الاتفاق (وأما) النص الثالث فقد قدمنا تأويله ولو نوى بالليل ثم شرب دواء فزال عقله نهارا فقد قال في التهذيب يرتب علي ذلك الاغماء (إن قلنا) لا يصح الصوم في الاغماء فههنا اولي (وان قلنا) يصح فوجهان (والاصبح) ان عليه القضاء لانه كان بصنعه ولو شرب المسكر ليلا وبقى سكره في جميع النهار فعليه القضاء وان بقى بعض النهار ثم صحا فهو كالاغماء في بعض النهار قاله في التتمة (وأما) لفظ الكتاب فمسألتا الجنون والنوم معلمتان بالواو لما حكينا من الوجهين (وقوله) في الاغماء اقوال يجوز اعلامه بالواو للطريقة النافية للخلاف وما اطلقه من الاقوال محمول على طريقة إثبات الاقوال الخمسة لكنه ذكر منها ثلاثة (احدها) المخرج الذى اختاره المزني وهو قوله كالنوم (والثانى) منصوصه في بعض كتبه وهو قوله كالجنون (والثالث) منصوصه في باب الظهار (وأما) القولان الباقيان فلم يذكرهما ولو حملنا ما اطلقه على الاقوال الثلاثة التى ذكرها وقدرنا حصره خلاف المسألة فيها لكان صاحب الكتاب منفردا بنقل هذه الطريقة (وقوله) كالنوم أو كالجنون التشبيه بهما مبنى علي ظاهر المذهب فيهما وجعله القول الثالث اصح الاقوال خلاف ما ذكره الجمهور وانما الاصح عندهم ما قدمنا ذكره وما أطلقه من عبارات الزوال والانغمار والاستتار فانما اخذه من الامام حيث جعل لاختلال العقل مراتب (احدها) الجنون وهو يسلب خواص الانسان ويكاد يلحقه بالبهائم
(والثانية) الاغماء وهو يغشى العقل ويغلب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار (والثالثة) النوم وهو مزيل للتمييز لكنه سهل الازالة والعقل معه كالشئ المستور الذى يسهل الكشف عنه قال ودونها مرتبة رابعة وهى الغفلة ولا اثر لها في الصوم وفاقا * قال ﴿الرابع الوقت القابل للصوم وهو جميع الايام إلا يوم العيدين (ح) وأيام التشريق (و) ولا يصح صوم المتمتع في أيام التشريق علي القول الجديد وصوم يوم الشك صحيح إن وافق نذرا أو قضاءا أو وردا وإن لم يكن له سبب فهو منهي عنه (م ح) وفى صحته وجهان كالصلاة في الاوقات المكروهة ويوم الشك ان يتحدث برؤية الهلال من لا يثبت الهلال بشهادته كالعبيد والفساق﴾ * أيام السنة تنقسم الي يوم الشك وغيره وغيره ينقسم إلى يومى العيد وأيام التشريق وغيرها (فأما) غيرها من الايام فهو قابل للصوم بلا استثناء (وأما) يوما العيد فلا يقبلانه خلافا لابي حنيفة رحمه الله لان عنده
لو نذر صومهما كان له أن يصوم فيهما * لنا انه روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم " نهى عن صوم يومين يوم الاضحى ويوم الفطر (وأما) أيام التشريق فهل يجوز للمتمتع العادم للهدى أن يصومها عن الثلاثة ايام اللازمة عليه في الحج فيه قولان (القديم) وبه قال مالك انه يجوز لما روى عن عائشة رضى الله عنها ان النبي صلي الله عليه وسلم " ارخص للمتمتع إذا لم يجد الهدى ولم يصم الثلاثة في العشر ان يصوم أيام التشريق " وإلي هذا ميل الشيخ أبي محمد (والجديد)
انه لا يجوز بل هما في عدم قبول الصوم كالعيدين لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا تصوموا في هذه الايام فانها أيام أكل وشرب وبعال " فان فرعنا على القديم فهل يجوز لغير المتمتع صومها فيه وجهان (قال) ابو اسحق نعم لان تجويز صومها للمتمتع انما كان لانه صوم له سبب فيجوز مثل هذا الصوم لكل أحد دون التطوعات المحضة وقال الاكثرون لا يجوز لان النهي عام والرخصة وردت في
في حق المتمتع خاصة وذكر الامام أن القاضي الحسين سلك مسلكا يفضي الي تنزيل يوم العيد منزلة يوم الشك قال وما تراه قاله عن عقد (وأما) يوم الشك فقد روى عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال " من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم " فلا يصح صومه عن رمضان خلافا لاحمد حيث قال في رواية " ان كانت السماء مصحية كره صومه والا وجب صومه عن رمضان " وفى رواية ان صام الامام صاموا والا
أفطروا وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا * لنا قوله صلي الله عليه وسلم " فان غم عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان " ويجوز صومه عن قضاء ونذر وكفارة وكذا
إذا وافق ورده في التطوع بلا كراهية روى عن أبى هريرة " ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تستقبلوا الشهر بيوم أو يومين الا ان يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم " وعن القاضي أبي الطيب انه يكره صومه عما عليه من فرض قال ابن الصباغ وهذا خلاف القياس لانه إذا لم يكره منه ماله سبب من التطوع فلان لا يكره فيه الفرض كان أولى ولا يجوز ان يصوم فيه التطوع الذى لا سبب له خلافا لابي حنيفة ومالك رحمهما الله
حيث قالا لا كراهية في ذلك) * لنا حديث عمار وأيضا فقد روى عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهي عن صيام ستة ايام احدها اليوم الذى يشك فيه " وهل يصح هذا الصوم فيه وجهان كالوجهين في الصلاة وفى الاوقات المكروهة (أصحهما) لا لانه منهي عنه كيوم العيد (والثانى) (نعم) لانه قابل للصوم في الجملة ولو نذر صومه فهو على هذين الوجهين (فان قلنا) يصح فليصم يوما آخر ولو صامه خرج عن نذره قاله في التهذيب ولا يحفى ان اليوم الموصوف بكونه يوم الشك هو الثلاثون من شعبان ومتي يتصف بهذه الصفة ان طبق الغيم ليلته فهو من شعبان وليس بيوم شك لقوله صلي الله عليه وسلم " فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين " ولا اثر لظننا الرؤية لولا السحاب لبعد الهلال عن الشمس وان كانت السماء مصحية وتراءى الناس الهلال
فلم يروه فليس بيوم شك بطريق الاولي إن لم يتحدث برؤية الهلال أحد وان وقع في السنة الناس انه رؤى ولم يقل عدل أنا رأيته أو قاله عدل وفرعنا على انه لا يثبت بقول واحد أو قاله عدد من النسوة أو العبيد أو الفساق وظن صدقهم فهو يوم شك وحكي الموفق ابن طاهر عن أبي محمد البافى انه إذا كانت السماء مصحية ولم ير الهلال فهو يوم شك وعن الاستاذ ابي طاهر ان يوم الشك ما تردد بين الجائزين من غير ترجيح فإذا شهد امرأة أو عبد أو صبي فقد ترجح احد الجانبين وخرج اليوم عن كونه يوم شك والمشهور ما تقدم ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن ان يرى الهلال من خلالها وان يخفى تحتها فقد قال الشيخ ابو محمد انه يوم الشك وقال غيره إنما يكون كذلك بشرط التحدث علي ما سبق وتوسط الامام بينهما فقال ان كان في بلد يستقل اهلها بطلب الهلال فلم يتحدثوا برؤيته فالوجه ان لا يجعل الغد يوم شك وإن كان في سفر ولم يبعد رؤية اهل القرى فيحتمل ان يجعل الغد يوم شك والله اعلم * إذا عرفت ذلك فارجع إلى لفظ الكتاب واعلم قوله الا يوم العيدين وأيام التشريق بالحاء والميم والالف (اما) بالحاء فلان عنده صومها صحيح عند النذر فتكون قابلة للصوم (واما) بالميم فلان عنده يجوز للمتمتع صوم أيام التشريق وهو رواية عن أحمد (وقوله) ولا يصح صوم المتمتع في ايام التشريق ان قرئ بالواو كان مقطوعا عما سبق واحوج إلى اعلام ما سبق بالواو للقول القديم فانها قابلة للصوم علي ذلك القول وإن قرئ فلا يصح بالفاء ترتيبا له علي ما سبق كان أحسن وأغني عن الاعلام بالواو ويجوز أن يعلم قوله علي الجديد بالواو لانه يقتضى اثبات خلاف في المسألة وقد ذكر المزني ان القول القديم في المسألة مرجوع عنه فلم يثبث بعض الاصحاب فيها خلافا (وقوله) فهو منهى معلم بالميم والحاء (وقوله) أن يتحدث برؤية الهلال يجوز اعلامه بالواو (اما) لما روينا عن الشيخ فانه لا يعتبر التحدث في تفسير يوم الشك أو عن الاستاذ فانه يجعل خبر العبيد ونحوهم مخرجا له عن كونه يوم شك *
قال ﴿القول في السنن وهي ثمانية تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب بتمر أو ماء والوصال منهى عنه وتأخير السحور مستحب وكذا اكثار الصدقات وكثرة تلاوة القرآن والاعتكاف لا سيما في العشر الاخير لطلب ليلة القدر وكف اللسان عن الهذيان وكذا كف النفس عن جميع الشهوات فهو سر الصوم وترك السواك بعد الزوال وتقديم غسل الجنابة علي الصبح﴾ * من سنن الصوم تعجيل الفطر قال صلي الله عليه وسلم " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " وانما يستحب التعجيل بعد تيقن غروب الشمس والسنة أن يفطر علي تمر فان لم يجد فعلى ماء روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من وجد التمر فليفطر عليه ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء فانه طهور " وذكر القاضى الرويانى انه يفطر علي التمر فان لم يجد فعلي حلاوة أخرى فان لم يجد فعلي
الماء وعن القاضي حسين ان الاولي في زماننا أن يفطر علي ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة (وقوله) في الكتاب علي تمر أو ماء ليس للتخيير بل الامر فيه على الترتيب كما بيناه (ومنها) التسحر فهو مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم " تسحروا فان في السحور بركة " ويستحب تأخيره ما لم يقع في مظنه الشك روى " أنه كان بين تسحر رسول الله صلي الله عليه وسلم مع زيد بن ثابت رضى الله عنه ودخوله في صلاة الصبح قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية " (ومنها) ترك الوصال فهو مكروه لغير النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم " نهى عن الوصال فقيل يارسول الله انك تواصل فقال إنى لست مثلكم اني اطعم واسقي " قال المسعودي أصح ما قيل في معناه انى اعطى قوة الطاعم والشارب والوصال أن يصوم يومين فصاعدا ولا يتناول بالليل شيئا وكراهية الوصال كراهية تحريم أو تنزيه حكى عن صاحب المهذب وغيره فيه وجهين (أحدهما) انها كراهية تحريم لظاهر النهي ومبالغة النبي صلى الله عليه وسلم في منع من واصل (والثانى) انها كراهية تنزيه لان النهي انما ورد مخافة الضعف وهو أمر غير متحقق وظاهر كلام الشافعي رضى الله عنه هو الاول فانه بعد ماروى خبر الوصال قال وفرق الله تعالي بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم فاشعر ذلك بكونه محظورا واطلق في التهذيب ان المواصل يعصي وذلك يشعر بالحظر أيضا (ومنها) الجود والافضال فهو مندوب إليه في
جميع الاوقات وفى شهر رمضان آكد استحبابا اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم فانه كان " اجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان " والمعني في تخصيص رمضان بزيادة الجود واكثار الصدقات تفريغ الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم (ومنها) كثرة تلاوة القرآن والمدارسة به وهو أن يقرأ على غيره ويقرأ عليه غيره " كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيتدارسان القرآن (ومنها) الاعتكاف لا سيما في العشر الاخير من رمضان لطلب ليلة القدر " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يواظب عليه " (ومنها) ان يصون الصائم لسانه عن الكذب والغيبة والمشاتمة ونحوها ويكف نفسه
عن الشهوات بكف الجوارح فهو سر الصوم والمقصود الاعظم منه روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فان امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل ان صائم " قال الائمة معناه فليقل في نفسه ولينزجر (ومنها) ترك السواك بعد
الزوال لما ذكرنا في سنن الوضوء وايضا فقد روى عن خباب رضى الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى فانه ليس من صائم تيبس شفتاه الا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة " وإذا استاك فلا فرق بين الرطب واليابس بشرط أن يحتزر عن ابتلاع شظية وتجرع رطوبة وقد
روى عن علي وابن عمر رضي الله عنهم " أنه لا بأس بالسواك الرطب " وقوله في الكتاب ترك السواك معلم بالميم والحاء لانهما لا يكرهانه بعد الزوال وبالالف لان المسعودي في آخرين حكوا عن احمد انه لا يكره بعد الزوال في النفل ليكون ابعد عن الرياء في الفرض وبالواو لان صاحب المعتمد حكى عن القاضى حسين مثل مذهب احمد (ومنها) يستحب تقديم غسل الجنابة عن الجماع والاحتلام علي الصبح ولو أخره عن
الطلوع لم يفسد صومه " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع أهله ثم يصوم " وما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " من أصبح جنبا فلا صوم له " محمول عند الائمة علي مااذا أصبح مجامعا واستدامه ولو طهرت الحائض ليلا ونوت الصوم ثم اغتسلت بعد طلوع الفجر صح صومها أيضا هذا شرح السنن الثمان التي ذكرها في الكتاب ولا يخفى أن منها ما يعم الصوم ومنها ما يخص صوم رمضان وللصوم وراءها سنن (منها) ان يقول عند الفطر ماروى عن
معاذ رضي الله قال " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا افطر قال اللهم لك صمت وعلي رزقك افطرت " (ومنها) ان يفطر الصائمين معه فان عجز عن عشائهم اعطاهم ما يفطرون به من شربة أو تمرة أو غيرهما (ومنها) الاحتراز عن الحجامة والقبلة والمعانقة والعلك وقد سبق ذكرها وكذا الاحتراز عن ذوق الشئ ومضغ الطعام للطفل وإن كان لا يفسد الصوم بذلك * قال ﴿القسم الثاني في مبيحات الافطار وموجباته (أما) المبيح فهو المرض والسفر الطويل وطارئ المرض في أثناء النهار مبيح وطارئ السفر لا يبيح وإذا زالا وهو غير مفطر لم يبح الافطار والمسافر إذا أصبح علي نية الصوم فله الافطار والصوم أحب من الفطر في السفر لتبرئة الذمة الا إذا كان يتضرر به﴾
كلام هذا القسم في مبيحات الافطار ثم في احكامه (أما) المبيح فالمرض والسفر مبيحان بالاجماع والنص قال الله تعالي (فمن كان منكم مريضا أو علي سفر) الآية وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " وشرط كون المرض مبيحا ان يجهده الصوم معه ويلحقه ضرر يشق احتماله علي ما عددتا وجوه المضار في التيمم ثم المرض إن كان مطبقا فله ترك النية بالليل وإن كان يحم وتنقطع نظر إن كان محموما وقت الشروع فله ترك النية والا فعليه أن ينوى من الليل ثم ان عاد واحتاج الي الافطار أفطر وشرط كون السفر مبيحا أن يكون طويلا مباحا كما سبق في القصر ثم في الفصل مسائل (احداها) لو اصبح صائما وهو صحيح فمرض في أثناء النهار كان له أن يفطر لوجود المعني المحوج الي الافطار من غير اختياره ولو اصبح صائما مقيما ثم سافر لم يجز له أن يفطر في ذلك اليوم خلافا لاحمد في رواية وللمزنى * لنا أن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا انشأها في الحضر ثم سافر غلب حكم الحضر كالصلاة * واحتج المزني بأن النبي
صلى الله عليه وسلم " صام في مخرجه الي مكة في رمضان حتي بلغ كراع الغميم ثم افطر " وبنى هذا الاحتجاج علي ظنه أن ذلك كان في يوم واحد قال الاصحاب وهو وهم فان بين المدينة وكراع الغميم مسيرة ثمانية ايام والمراد من الحديث انه صام اياما في سفره ثم افطر وقد قيل ان المزني تبين له ذلك ثم رجع عن هذا الاحتجاج وان لم يرجع عن مذهبه (وقوله) في الكتاب وطارئ السفر لا يبيح يجوز ان يعلم مع الالف والزاى بالواو لان الحناطى حكى طريقا ان المسألة علي وجهين وايضا فان الموفق ابن طاهر زعم ان ابن خيران اشار إليه وعلي المذهب الصحيح لو افطر بالجماع لزمه الكفارة خلافا لابي حنيفة ومالك ولاحمد في احدى الروايتين ولو نوى المقيم بالليل ثم سافر قبل طلوع الفجر فان فارق العمران قبل الطلوع فله ان يفطر وان فارقه بعد الطلوع فلا لان ابتداء صومه وقع في الحضر (الثانية) لو اصبح المسافر صائما ثم اقام في خلال النهار فهل له أن يفطر ظاهر المذهب وبه قال ابو اسحق انه ليس له ذلك كما لو افتتح الصلاة في السفر ثم نوى الاقامة في اثنائها أو سارت به السفينة فدخل البلد وهذا
هو الذى ذكره في الكتاب وعن ابن ابى هريرة ان له الفطر لان الفطر مباح له في اول النهار مع العلم بحال اليوم فكذلك في آخره كما لو استدام السفر ونقل عن الحاوى ان هذا هو المنصوص في حرمله ولو اصبح المريض صائما ثم برأ في خلال النهار فقد قطع كثيرون بأنه لا يجوز له الافطار وطرد صاحب المهذب حكاية الوجهين فيه و ? له الاولي (الثالثة) المسافر إذا اصبح علي نية الصوم ثم بداله جاز له ان يفطر لدوام العذر وقد روى ان النبي صلى الله عليه وسلم " افطر بعد العصر بكراع الغميم بقدح ماء لما قيل له ان الناس يشق عليهم الصيام " وابدى الشيخ ابو اسحق والامام في المسألة احتمالا ووجهاه بأنه شرع في فرض المقيمين فليلزمه كما لو شرع في الصلاة متما ثم اراد القصر وإذا قلنا بالمشهور فهل يكره له الافطار فيه وجهان عن القاضي الحسين (الرابعة) للمسافر أن يصوم وله ان يفطر لما روى عن
أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال " غزونا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم علي المفطر ولا المفطر علي الصائم " وروى " أنه صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الاسلمي رضي الله عنه ان شئت فصم وان شئت فافطر " وأيهما افضل ان كان لا يتضرر بالصوم فالصوم افضل وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد ذكرنا وجهه وما يحكي فيه من الخلاف في صلاة المسافرين وإن كان يتضرر بالصوم فالفطر أفضل له لما روى
عن جابر رضي الله عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان غزوة تبوك فمر برجل في ظل شجرة يرش الماء عليه فقال ما بال هذا قالوا صائم فقال صلي الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر " وذكر في التتمة أنه لو لم يتضرر في الحال لكنه كان يخاف الضعف لو صام وكان
السفر سفر حج أو غزو فالاولي ان يفطر أيضا لما روى " أنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالفطر عام الفتح وقال تقووا لعدوكم " (وقوله) إلا إذا كان يتضرر ضبط الامام التضرر بخوف المرض ولا شك ان خوف الهلاك في معناه (واعلم) ان اصل المسألة قد ذكره مرة في صلاة المسافرين لكن زاد ههنا شيئين (أحدهما) بيان علة افضلية الصوم (والثاني) استثناء حالة التضرر ولو لم يذكرها واقتصر على ما اورده في هذا الموضع لكفى (وقوله) في اول الفصل (اما) المبيح فهو المرض والسفر يشعر ظاهره بحصر المبيح فيهما لكن من غلبه العطش حتى خاف الهلاك فله الفطر وان كان مقيما صحيح البدن * قال ﴿اما موجبات الافطار فأربعة (الاول) القضاء وهو واجب علي كل تارك بردة (ح) أو سفر أو مرض أو اغماء أو حيض ولا يجب علي من ترك بجنون أو صبا أو كفر اصلى وما فات من بعض الشهر في ايام الجنون لا يقضى (ح) ولو افاق في اثناء النهار ففى قضاء ذلك اليوم وجهان ولا يجب التتابع في قضاء رمضان﴾ *
مقصود الفصل الكلام فيمن يلزمه قضاء صوم رمضان ولا شك أن من ترك النية الواجبة عمدا أو سهوا فعليه القضاء وكذلك كل من أفطر نعم لو كان افطاره بحيث يوجب الكفارة ففي القضاء خلاف سيأتي ذكره من بعد وما فات بسبب الكفر لا يجب قضاؤه على الكافر الاصلي قال الله تعالي (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) الآية ويجب على المرتد خلافا لابي حنيفة رحمه الله على ما مر في الصلاة والمسافر والمريض إذا أفطرا قضيا قال الله تعالي (فعدة من أيام أخر) وما فات بالاغماء يجب قضاؤه سواء استغرق جميع الشهر أو لم يستغرق لانه نوع مرض يغشى العقل بخلاف الجنون ولهذا يجوز الاغماء على الانبياء عليهم السلام ولا يجوز الجنون عليهم ويخالف الصلاة حيث يسقط الاغماء قضاءها لان الصلاة تتكرر والاغماء قد يمتد ويتكرر فوجوب القضاء يجر عسرا وحرجا ونقل صاحب التهذيب والتتمة عن ابن سريج ان الاغماء إذا استغرق اسقط القضاء ويجب على الحائض قضاء ايام الحيض كما مر في الحيض ولا يجب الصوم علي الصبى والمجنون ولا قضاء عليهما ولا فرق في اسقاط الجنون القضاء بين ان يستغرق النهار أو لا يستغرقه ولا بين أن يستغرق
الشهر أو لا يستغرقه وقال مالك الجنون لا يسقط القضاء كالاغماء وهو احدي الروايتين عن احمد فليكن قوله بجنون معلما بالميم والالف وبالحاء ايضا لان اللفظ يشمل ما إذا ترك بالجنون جميع ايام الشهر وما إذا ترك بعضها وعند ابي حنيفة رحمه الله إذا افاق المجنون في اثناء الشهر فعليه قضاء ما مضي من الشهر ويجوز ان يعلم بالواو ايضا لامور ثلاثة (احدها) ان فيما علق عن الشيخ أبي محمد رحمه الله حكاية قول مثل مذهب مالك (والثانى) ان المحاملى ذكر أن المزني نقل في المنثور عن الشافعي رضى الله عنه مثل قول ابي حنيفة (والثالث) ان المحاملى في آخرين حكوا عن ابن سريج مثل مذهب مالك وهذا ينافى ما نقل عنه في الاغماء ويشبه أن يكون أحدهما غلطا وهذا اقرب إليه لان كل من نقله ضعفه (وقوله) وما فات من بعض الشهر في ايام الجنون لا يقضي جار مجرى التوكيد والايضاح والا فقوله علي من ترك بجنون يتناوله باطلاقه ولو اعدت العلامات علي قوله لا يقضى لاصبت (اما) علامة ابي حنيفة فظاهرة (وأما) غيرها فلان من يأمر بالقضاء إذا استغرق الجنون الشهر اولي ان يأمر به عند عدم الاستغراق وما ذكرنا كله في الجنون الذى لم يتصل بسبب يقتضي القضاء فأما إذا ارتد ثم جن أو سكر ثم جن فقد روى الحناطى فيه وجهين في لزوم القضاء ولعل الظاهر الفرق بين اتصاله بالردة واتصاله بالسكر كما مر في الصلاة (وقوله) ولو افاق في اثناء النهار ففي قضاء ذلك اليوم وجهان هذه الصورة معادة في درج زوال سائر الاعذار في أثناء النهار حيث قال وفى وجوب قضاء هذا اليوم تردد وسنشرحه ولا يجب التتابع في قضاء رمضان لما روى ان النبي صلي الله
عليه وسلم " سئل عن قضاء رمضان فقال ان شاء فرقه وإن شاء تابعه " ويستحب ذلك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه " واعلم قوله ولا يجب بالميم لان الامام نقل عن مالك رحمهما الله إيجاب التتابع فيه وتابعه المصنف لكن الذى رواه الاكثرون عن مالك انه لا يجب التتابع فيه وإنما حكوا هذا المذهب عن داود وبعض اهل الظاهر وذكروا انهم وان أوجبوه لم يشرطوه للصحة * قال ﴿الثاني الامساك تشبيها بالصائمين وهو واجب علي كل متعد بالافطار في شهر رمضان غير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية كالمسافر (ح) والمريض (ح) بعد القدوم والبرء في بقية النهار ويجب على من أصبح يوم الشك مفطرا إذا بان انه من رمضان على الصحيح﴾ *
الامساك تشبيها بالصائمين من خواص رمضان كالكفارة فلا إمساك علي من تعدي بالافطار في نذر أو قضاء قال الامام والامر بالامساك مشبه بالتغليظ وطرف من العقوبة ومضادة القصد ثم الممسك متشبه وليس في عبادة بخلاف المحرم إذا افسد احرامه ويظهر أثره في ان المحرم بعد فساد احرامه لو ارتكب محظورا لزمته الفدية والممسك لو ارتكب محظورا لا يلزمه شئ سوى الاثم وفى الفصل صور (احداها) يجب الامساك علي كل من تعدى بالافطار في رمضان وكذا لو ارتد أو نوى الخروج من الصوم (ان قلنا) انه يبطل بنية الخروج ويجب ايضا علي من نسى النية من الليل وكان نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة فهو ضرب تقصير ويجوز ان يوجه الامر بالامساك بأن الاكل في نهار رمضان حرام علي غير المعذور فان فاته الصوم بتقصير أو غير تقصير لم يرتفع التحريم (الثانية) لو اقام المسافر أو برأ المريض اللذان يباح لهما الافطار في أثناء النهار فلهما ثلاث احوال (احداها) ان يصبحا صائمين وداما عليه إلى زوال العذر فقد ذكرنا المذهب الظاهر وخلاف ابن أبى هريرة فيه (والثانية) ان يزول عذرهما بعد ما افطرا فيستحب لهما الامساك لحرمة الوقت ولا يجب وبه قال مالك خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث اوجبه وبه قال احمد في اصح الروايتين * لنا ان زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر كما لو قصر المسافر ثم اقام والوقت باق وإذا أكلا فليخفياه كيلا يتعرضا للتهمة وعقوبة السلطان ولهما الجماع بعد زوال العذر إذا لم تكن المرأة صائمة بان كانت صغيرة أو طهرت من الحيض ذلك اليوم (والثالثة) ان يصبحا غير ناويين ويزول العذر قبل أن يأكلا فهل يلزمهما الامساك فيه وجهان (أحدهما)
نعم كما لو لم يصل المسافر حتي اقام لا يجوز له القصر (واصحهما) انه لا يلزمه لان من أصبح تاركا للنية فقد اصبح مفطرا وكان كما لو اكل والوجهان مفرعان علي ظاهر المذهب في الحالة الاولى فاما من جوز له الاكل ثم فههنا اولى ان يجوز (الصورة الثالثة) إذا اصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت انه من رمضان فلا يخفى انه يلزمه قضاؤه وهل يجب عليه إمساك بقية النهار فيه قولان (اصحهما) نعم لان الصوم واجب عليه الا انه كان لا يعرفه فإذا بان لزمه الامساك قال الامام رحمه الله وتخريجه علي القاعدة التي ذكرنا ان الامر بالامساك تغليظ وعقوبة انا قد ننزل المخطئ منزلة العامد لانتسابه الي ترك التحفظ الا ترى انا نحكم بحرمان القاتل خطأ عن الميراث (والثاني) قاله في البويطى لا لانه أفطر بعذر فلم يلزمه امساك بقية النهار كالمسافر إذا قدم بعد الافطار وفرض ابو سعد المتولي هذين القولين فيما إذا بان انه من رمضان قبل أن يأكل شيئا ثم رتب عليه مااذا بان بعد الاكل فقال ان لم نوجب الامساك ثم فههنا أولي والا فوجهان (أظهرهما) الوجوب أيضا ولنعد الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) في شهر رمضان ينبه علي ما قدمنا ان وجوب الامساك من خواص رمضان (وقوله) غير واجب علي ما ابيح له الفطر معلم بالحاء والالف ثم اللفظ متناول للحالة الثانية والثالثة من أحوال مسألة المسافر والمريض علي ما فصلنا فيجوز أن يعلم بالواو أيضا للخلاف في الحالة الثالثة وأيضا فانه حكي عن الحاوى وجها في أن المريض إذا أفطر ثم برأ هل يلزمه إمساك بقية النهار وذكر ان الوجوب طريقة أصحابنا البغداديين والمنع طريقة البصريين والفرق بين المريض والمسافر ان المريض إنما يفطر للعجز فإذا قدر وجب أن يمسك والمسافر يفطر رخصة وان أطاق الصوم (وقوله) اباحة حقيقية فيه اشارة الي الفرق بين صورة المريض والمسافر وصورة يوم الشك فان أصح القولين وجوب الامساك يوم الشك وذلك لان المسافر والمريض يباح لهما الاكل مع العلم بحال اليوم وكونه من رمضان حقيقة وفى يوم الشك انما ابيح الاكل لانه لم يتحقق كونه من رمضان فإذا تحققه لزمه الامساك (وقوله) بعد القدوم لا يخفى رجوعه الي المسافر وان تخلل بينهما ذكر المريض ثم هو في اكثر النسخ بعد القدوم وقبله وطرح بعضهم قبله لانه اوضح من أن يحتاج إلى
ذكره والممكن فيه أن يقال انما ذكره كي لا يتوهم ان المسافر إذا أكل وتقوى يلزمه الاقتصار عليه تقديرا للاكل بقدر الحاجة وثبت ان بعض المعتنين بهذا الكتاب جعل مكانه والبرء وهو حسن * قال ﴿وأما الصبا والجنون والكفر إذا زال لم يجب الامساك علي وجه ويجب في وجه وبحب على الكافر دونهما في وجه ويجب علي الصبي والكافر دون المجنون في وجه لانهما مأموران علي الجملة وفى وجوب قضاء هذا اليوم ايضا تردد﴾ * إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر في أثناء يوم من رمضان فهل يلزمهم امساك بقية اليوم فيه أربعة أوجه (اصحهما) لا لانهم لم يدركوا وقتا يسع الصوم ولا أمروا به والامساك تبع للصوم ولانهم أفطروا بعذر فاشبهوا المسافر والمريض (والثانى) نعم لانهم أدركوا وقت الامساك وان لم يدركوا وقت الصوم (والثالث) انه يجب على الكافر دون الصبى والمجنون فانهما معذوران ليس اليهما ازالة ما بهما والكافر مأمور بترك الكفر والاتيان بالصوم (والرابع) انه يجب علي الصبى والكافر دون المجنون (أما) الكافر فلما ذكر (وأما) الصبى فلانه متمكن من الاتيان بالصوم مأمور به أمر تدريب علي ما مر في الصلاة بخلاف المجنون وقوله في الكتاب لم يجب الامساك معلم بالحاء لان مذهب ابى حنيفة رحمه الله مثل الوجه الثاني وبالالف لانه أصح الروايتين عن احمد (وقوله) ويجب بالميم لان مذهب مالك كالوجه الاول وإذا فهمت هذه الوجوه عرفت ان الكافر اولاهم بالوجوب والمجنون اولاهم بالمنع والصبى
بينهما فلك أن ترتب فتقول في وجوب الامساك على الكافر وجهان (إن) أوجبنا ففى الصبي وجهان (ان) اوجبنا ففى المجنون وجهان ولك أن تعكس فتقول في وجوبه علي المجنون وجهان (إن) لم يجب ففى الصبى وجهان (وإن) لم يجب ففى الكافر وجهان ولهذا الترتيب نقل صاحب المعتمد طريقة قاطعة بالوجوب علي الكافر هذا بيان الخلاف في وجوب الامساك وهل عليهم قضاء اليوم الذى زال العذر في خلاله (أما) الصبى إذا بلغ في خلال النهار فينظر إن كان ناويا من الليل صائما فظاهر المذهب أنه لا قضاء عليه ويلزمه الاتمام ولو جامع بعد البلوغ فيه فعليه الكفارة وفيه وجه أنه يستحب الاتمام ويلزمه القضاء لانه لم ينو الفرض ويحكي هذا عن ابن سريج وإن أصبح مفطرا ففيه وجهان وقال في التهذيب قولان (أحدهما) أنه يلزمه القضاء كما إذا أدرك شيئا من الوقت يلزمه الصلاة (وأصحهما) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزم وقد ذكرنا الفرق بين الصوم والصلاة في كتاب الصلاة مع طرف من فقه المسألة
وهذا الخلاف مفرع علي ظاهر المذهب في أنه إذا بلغ صائما فلا قضاء عليه (فأما) من يوجب القضاء ثم فههنا أولي بأن يوجب (وأما) إذا افاق المجنون أو اسلم الكافر ففيهما طريقان (احدهما) طرد الخلاف وهذا أظهر عند الاكثرين والاظهر من الخلاف انه لا قضاء ويحكى ذلك في الكافر عن نصه في القديم والام والبويطى (والثانى) القطع بالمنع في حق المجنون لانه لم يكن مأمورا بالصوم في اول النهار وبالايجاب في حق الكافر لانه متعد بترك الصوم وهذا اصح عند صاحب التهذيب ويجوز ان يعلم قوله فيما سبق ولو افاق في اثناء النهار ففى وجوب قضاء هذا اليوم وجهان بالواو اشارة إلى الطريقة القاطعة بالمنع وكذلك قوله ههنا تردد لهذه الطريقة والطريقة الجازمة بالايجاب في الكافر فانه اجاب عن طريقة طرد الخلاف في الصور الا ان يفسر التردد الذى ابهمه يتردد الطريق في بعض الصور والقول أو الوجه في بعضها وهل للخلاف في القضاء تعلق بالخلاف في الامساك تشبها نقل الامام عن الصيدلانى
ان من يوجب التشبه يكتفى به ولا يوجب القضاء ومن يوجب القضاء لا يوجب التشبه وعن غيره من الاصحاب ان الامر بالقضاء فرع الامر بالامساك فمن التزم الامساك التزم القضاء ومن لا فلا وبنى صاحب التهذيب وغيره الخلاف في وجوب الامساك علي الخلاف في وجوب القضاء ان اوجبنا القضاء اوجبناه والا فلا فهذه ثلاثة طرق وهى على اختلافها متفقة علي تعلق احد الخلافين بالآخر والطريق الثاني والثالث يشكلان بالحائض والنفساء إذا طهرتا في خلال النهار فان القضاء واجب عليهما لا محالة لان مستغرق الحيض لا يسقط القضاء فمتقطعه اولي والامساك غير واجب عليهما (اما) بلا خلاف على ما رواه الامام (واما) علي الاظهر لان صاحب المعتمد حكي طرد الخلاف فيهما وإذا كان كذلك لم يستمر قولنا بأن القضاء فرع الامساك ولا بأن الامساك فرع القضاء والطريق الاول يشكل بصورة يوم الشك والمتعدي بالافطار فان القضاء لازم مع التشبه والله اعلم *
قال ﴿ومن نوى التطوع في رمضان لم ينعقد وان كان مسافرا لتعين الوقت﴾ * ايام رمضان متعينة لصوم رمضان فان كان الشخص معذورا بسفر أو مرض فاما ان يترخص بالفطر أو يصوم عن رمضان وليس له ان يصوم عن فرض آخر أو تطوع وبه قال مالك واحمد وقال أبو حنيفة للمسافر ان يصوم عن القضاء والكفارة ولو صام عن تطوع ففى رواية يقع تطوعا وفى وراية ينصرف الي الفرض وحكى الشيخ أبو محمد ترددا عن أصحابه في المريض الذى له الفطر إذا تحمل المشقة وصام عن غير رمضان واعلمت المسألة بالواو لان الامام حكى خلافا فيمن أصبح في يوم رمضان غيرنا وونوى التطوع قبل الزوال فمذهب الجماهير أنه لا يصح تطوعه بالصوم وعن أبي اسحق أنه يصح قال فعلى قياسه يجوز للمسافر التطوع به * قال ﴿الثالث الكفارة وهى واجبة علي كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به لاجل الصوم فلا تجب علي الناسي إذا جامع لانه لم يفطر علي الصحيح ولا علي من جامع في غير رمضان﴾ *
الاصل في كفارة الصوم ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت واهلكت قال ما شأنك قال واقعت امرأتي في رمضان قال تستطيع أن تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا قال اجلس فجلس فاتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق المكتل الضخم - فقال خذ هذا فتصدق به قال أعلي افقر منا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتي بدت نواجذه وقال أطعمه عيالك " والكلام في موجب الكفارة ثم في كيفيتها (أما) الاول فقد قال وهى واجبة علي من افسد صوم يوم من رمضان بجماع تام اثم به لاجل الصوم وفى الضابط قيود (منها) الافساد فمن جامع ناسيا لا يفسد صومه علي الصحيح كما قدمناه فلا كفارة عليه وإن قلنا
يفسد صومه وبه قال مالك وأحمد فهل تلزمه الكفارة فيه وجهان (احدهما) وبه قال احمد نعم لانتسابه إلى التقصير (وأظهرهما) وبه قال مالك لا لانها تتبع الاثم وإذا عرفت ذلك وسمت قوله فلاتجب بالالف وقوله لم يفطر به وبالميم وقوله علي الصحيح أي من الطريقين (ومنها) كون اليوم من رمضان فلا كفارة بافساد التطوع والنذر والقضاء والكفارة لان النص ورد في رمضان وهو مخصوص بفضائل لا يشركه غيره فيها * قال ﴿ولا علي المرأة لانها افطرت بوصول اول جزء من الحشفة إلي باطنها وفيه قول قديم ثم الصحيح ان الوجوب لا يلاقيها وقيل يلاقيها والزوج يتحمل ولا يتحمل الزانى ولا الزوج المجنون ولا المسافر إذا لا كفارة عليهما ولا على المعسرة فان واجبها الصوم فلا يقبل التحمل ولا كفرة علي من أفطر (ح م) بغير جماع من الاكل ومقدمات الجماع ويجب بالزنا وجماع الامة ووطئ التهيمة (ح و) والاتيان في غير المأتي (و) ﴾ * نوضح فقه الفصل ثم نبين أن مسائله بأى قيد تتعلق المسألة الاولى * المرأة الموطوءة ان كانت مفطرة بحيض وغيره أو كانت صائمة ولم يبطل صومها لكونها نائمة مثلا فلا كفارة عليها وإن مكنت طائعة حتي وطئها الزوج فقولان (احدهما) انه يلزمها الكفارة كما يلزم الرجل لان الكفارة عقوبة تتعلق بالوطئ فيستويان في لزومها كحد الزنا وهذا اصح الروايتين عن احمد وبه قال ابو حنيفة ويروى مثله عن مالك وابن المنذر وهو اختيار القاضى ابى الطيب (وأصحهما) انه يختص الزوج
بلزوم الكفارة واحتجوا له بأمور (أحدها) ان النبي صلي الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي الذى واقع إلا بكفارة واحدة مع مساس الحاجة إلى البيان (والثاني) حكى الكرابيسي انه قال صوم المرأة ناقص لانه بعرض ان يبطل بعروض الحيض وإذا كان كذلك لم يكن كامل الحرمة فلم تتعلق به الكفارة (والثالث) ما ذكره في الكتاب وسنتكلم فيه (التفريع) ان قلنا بالاول فلو لم تجب الكفارة علي الزوج لكونه مفطرا وجبت الكفارة عليها وكذا لو لم يبطل صومه بأن كان نائما فاستدخلت ذكره أو كان ناسيا وهى ذاكرة ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليسار والاعسار (وإن قلنا) بالقول الاصح فالكفارة التي يخرجها الزوج تختص به ولا يلاقيها أم تقع عنهما جميعا وهو يتحمل عنها فيه قولان مستخرجان من كلام الشافعي رضي الله عنه وقد يعبر عنهما بوجهين (احدهما) انها تختص به ولا يلاقيها لانه لو تعلق الواجب بها لامرت باخراجه (والثانى) انها يلاقيها وهو متحمل ووجهه صاحبا التهذيب والتتمة بالحاق الكفارة بثمن ماء الاغتسال كأنهما قدراه متفقا عليه لكن الحناطى حكى طريقا آخر قاطعا بأن ثمن ماء الاغتسال عليها لا عليه وأشار إلي ترجيحه ثم الاصح من هذين القولين عند صاحب الكتاب هو الاول وبه قال الحناطى وآخرون وذكر الامام أن ظاهر المذهب هو الثاني وقد يحتج له بقوله في المختصر والكفارة عليه واحدة عنه وعنها لكن من قال بالاول حمله علي انها تجزى عن الفعلين جميعا ولا يلزمها كفارة خاصة خلاف ماقاله أبو حنيفة ويتفرع علي هذين القولين صور (أحداها) إذا أفطرت بالزنا أو بالوطئ بالشبهة (فان قلنا) الوجوب لا يلاقيها فلا شئ عليها (وإن قلنا) بالثاني فعليها الكفارة لان رابطة التحمل الزوجية ونقل عن الحاوى ان القاضى ابا حامد قال تجب الكفارة عليها بكل حال (الثانية) لو كان الزوج مجنونا وقلنا بالاول فلا شئ عليها وان قلنا بالثاني فوجهان (اظهرهما) وهو المذكور في الكتاب انه يلزمها الكفارة لان التحمل لا يليق بحاله ولهذا لم تجب عليه الكفارة لنفسه (والثاني) انه يلزمه الكفارة لها لان ماله يصلح للتحمل وإن كان مراهقا فهو كالمجنون لان المذهب ان فعله لا يوجب الكفارة وخرج بعض الاصحاب من قولنا ان
عمد الصبى عمد انه يلزمه الكفارة فعلي هذا هو كالبالغ ولو كان الزوج ناسيا أو نائما فاستدخلت ذكره فالحكم كما ذكرنا في المجنون (الثالثة) لو كان الزوج مسافرا والمرأة حاضرة وافطر بالجماع على قصد الترخص فلا كفارة عليه وإن لم نقصد الترخص فوجهان في لزوم الكفارة (اصحهما) انها لا تلزم لان الافطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة وهذا حكم المريض الذى يباح له الفطر إذا اصبح صائما ثم جامع والصحيح إذا مرض في اثاء النهار ثم جامع فحيث قلنا بوجوب الكفارة فهو كغيره وحكم التحمل كما سبق وحيث قلنا لا كفارة فهو كالمجنون وذكر اصحابنا العراقيون فيما إذا قدم المسافر مفطرا فأخبرته بأنها مفطرة وكانت صائمة ان الكفارة عليها إذا قلنا ان الوجوب يلاقيها لانها غرته وهو معذور ويشبه أن يكون هذا جوابا على قولنا ان المجنون لا يتحمل وإلا فليس العذر ههنا أوضح من العذر في المجنون والله أعلم (الرابعة) إذا فرعنا علي القول الثاني وهو ان الوجوب يلاقيها وجب اعتبار حالهما ولا يخلو إما ان يتفق حال الزوج والمرأة أو يختلف فان اتفق حالهما نظر ان كانا من أهل الاعتاق والاطعام أجزأ المخرج عنهما وان كانا من أهل الصيام اما للاعسار بالعتق أو لكونهما مملوكلين فعلي كل واحد منهما صوم شهرين لان الصوم عبادة بدنية ولا مدخل للتحمل في عبادات الابدان وان اختلف حالهما لم يخل اما أن يكون الزوج أعلي حالا منها أو تكون هي أعلي حالا منه فان كان الزوج أعلى حالا نظر ان كان هو من أهل الاعتاق وهى من أهل الصيام والاطعام ففيه وجهان (أظهرهما) ولم يذكر العراقيون غيره انه يجزئ الاعتاق عنهما جميعا لان من فرضه الصيام أو الاطعام يجزئه التكفير بالعتق بطريق الاولي نعم لو كانت أمة فعليها الصوم
لان الاعتاق لا يجزئ عنها قال في المهذب الا إذا قلنا ان العبد يملك بالتمليك فتكون الامة كالحرة المعسرة (والثاني) لا يجزئ عنها لاختلاف جنس الواجب وعلي هذا فعليها الصيام في الصورة الاولى وعلي من الاطعام في الصورة الثانية فيه وجهان (اظهرهما) انه على الزوج فان عجز في الحال ثبت في ذمته إلى أن يقدر وذلك لان الكفارة علي القول الذى عليه نفرع معدودة من مؤنات الزوجة الازمة على الزوج (والثاني) ذكره في التهذيب انه عليها لان التحمل كالتداخل لا يجزئ عند اختلاف الجنس وان كان هو من أهل الصيام وهى من أهل الاطعام فالذي قاله الائمة انه يصوم عن نفسه ويطعم عنها لان الصوم لا يتحمل به وقضية قول من قال باجزاء الاعتاق عن الصيام في الصورة السابقة اجزاء الصيام عن الاطعام لان من فرضه الاطعام لو تحمل المشقة وصام أجزأه والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل وان كانت الزوجة أعلي حالا منه نظر ان كانت من أهل الاعتاق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وأعتق عنها إذا قدر وان كانت من أهل الصيام وهو من أهل الاطعام صامت عن نفسها وأطعم الزوج عن نفسه (المسألة) الثانية إذا أفسد صومه بغير الجماع كالاكل والشرب والاستمناء والمباشرات المفضية إلى الانزال فلا كفارة عليه لان النص ورد في الجماع وما عداه
ليس في معناه وهل يلزمه الفدية فيه خلاف سيأتي من بعد * وقال مالك تجب الكفارة بكل افساد يعصي به الا الردة والاستمناء والاستقاءة * وقال ابو حنيفة تجب الكفارة بتناول ما يقصد تناوله ولا تجب بابتلاع الحصاة والنواة ولا بمقدمات الجماع * وقال أحمد لا تجب بالاكل والشرب وتجب بالمباشرات المفسدة للصوم (الثالثة) تجب الكفارة بالزنا وجماع الامة وكذلك باتيان البهيمة والاتيان في غير المأتي ولا فرق بين أن ينزل أولا ينزل وذهب بعض الاصحاب الي بناء الكفارة فيها علي الحد إن أوجبنا الحد فيهما أو جبنا الكفارة والا فوجهان وعند ابي حنيفة رحمه الله اتيان البهيمة ان كان بلا انزال لم يتعلق به الافطار فضلا عن الكفارة وان كان مع الانزال افطر ولا كفارة وفى اللواط هل يتوقف الافطار علي الانزال فيه روايتان وإذا حصل الافطار ففى الكفارة روايتان والاظهر ان الافطار لا يتوقف على الانزال وان الكفارة تجب وعند احمد تجب الكفارة في اللواط وكذا في اتيان البهيمة علي أصح الروايتين (واعلم) ان المسائل الثلاث في الفصل متعلقة بالقيد الثالث في الضابط وهو كون الافساد بجماع تام فيدخل فيه صور المسألة الثالثة ويخرج صور الثانية وأما الاولي فقد قصد صاحب الكتاب بوصف الجماع بالتمام الاحتراز عنها لان المرأة إذا جومعت حصل فساد صومها قبل تمام حد الجماع بوصول اول الحشفة إلى باطنها فالجماع يطرأ على صوم فاسد وبهذا المعنى