فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعيصفحات 346-385
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 346-385
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرافعي ، عبد الكريم
الكتاب
فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
المؤلف
عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
الناشر
دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في مرات السعي وبين الطواف والسعى ولا يشترط الموالاة بين الطواف والسعى بل لو تخلل بينهما فصل طويل لم يقدح قاله القفال وغيره نعم لا يجوز أن يتخلل بينهما ركن بان يطوف للقدوم ثم يقف بعرفة ثم يسعى بل عليه اعادة السعي بعد طواف الافاضة وذكر في التتمة انه إذا طال الفصل بين مرات السعي أو بين الطواف والسعى ففى أجزاء السعي قولان وان لم يتخلل بينهما ركن والظاهر ما سبق (وأما) الواجبات فمنها وقوع السعي بعد الطواف فلو سعى قبل أن يطوف لم يحسب إذ لم ينقل عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعده السعي الا مرتبا على الطواف ترتيب السجود علي الركوع ولا يشترط وقوعه بعد طواف الركن بل لو سعى عقيب طواف القدوم أجزأه ولا يستحب ان يعيده بعد طواف الافاضة لان السعي ليس قربة في نفسه كالوقوف بخلاف الطواف فانه عبادة يتقرب بها وحدها * وعن الشيخ

أبى محمد انه يكره اعادته فضلا عن عدم الاستحباب (ومنها) الترتيب وهو لابتداء بالصفا لقوله صلى الله عليه وسلم " ابدأوا بما بدأ الله به " فان بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها الي الصفا * وعن أبي حنيفة أنه لا يجب الترتيب فيجوز الابتداء بالمروة (ومنها) العدد فلا بد من أن يسعي بين الجبلين سبعا ويحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرة والعود منها الي الصفا أخرى فيكون الابتداء بالصفا والختم بالمروة * وذهب أبو بكر الصيرفى إلى أن الذهاب والعود يحسب مرة واحدة لينتهي إلى ما منه بدأ كالطواف بالبيت وكما أن في مسح الرأس يذهب باليدين إلى القفا ويردهما ويكون ذلك مرة واحدة ويروى هذا عن أبى عبد الرحمن ابن بنت الشافعي رضى الله عنه وابن الوكيل * لنا اطباق الحجيج على ما ذكرنا من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا * ولو شك في العدد أخذ بالاقل وكذلك يفعل بالطواف ولو

طاف أو سعي وعنده انه أتم العدد وأخبره غيره عن بقاء شئ فالاحب أن يرجع إلى قوله لان الزيادة لا تبطلها ولو جرى على ما هو جازم به جاز ولا يشترط فيه الطهارة وستر العورة وسائر شروط الصلاة كما في الوقوف وغيره من أعمال الحج بخلاف الطواف فانه صلاة بالخبر * ويجوز أن يسعي راكبا كما يجوز أن يطوف راكبا والاحب الترجل والنساء لا يسعين السعي الشديد كما لا يرملن * (وقوله) في الكتاب ولكن وقوع السعي بعد طواف ما شرط لفظ شامل لانواع الطواف غير انه لا يتصور وقوع السعي بعد طواف الوداع فان طواف الوداع هو الواقع بعد أعمال المناسك فإذا بقى السعي عليه لم يكن الماتى به طواف الوداع (واعلم) أن السعي ركن في الحج والعمرة لا يحصل التحلل دونه ولا يجبر بالدم وبه قال مالك * وعند أبى حنيفة رحمه الله ينجبر * وعن أحمد روايتان (أصحهما) مثل مذهبنا

قال (الفصل السادس في الوقوف بعرفة) (والمستحب أن يخطب الامام في اليوم السابع من ذى الحجة بمكة بعد الظهر خطبة واحدة ويامرهم بالغدو إلى منى ويخبرهم بمناسكهم ويخرج اليوم الثامن ويبيت ليلة عرفة بمنى وإذا طلعت الشمس سار إلى الموقف ووقف ثم يخطب بعد الزوال بعرفة خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم الي الثانية ويبدأ المؤذن بالآذان حتي يكون فراغ الامام مع فراغ المؤذن ثم يصلي الظهر والعصر جميعا) *

نفتتح الفصل بذكر شيئين (أحدهما) أن الامام ان لم يحضر بنفسه فالمستحب أن لا يخلى الحجيج عن منصوب يكون أميرا عليهم ليقفوا دون رأيه ويطيعوه فيما ينوبهم وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه اميرا علي الحجيج في السنة التاسعة من الهجرة (والثاني) أن الحجيج ان ساروا من الميقات إلى الموقف قبل ان يدخلوا مكة كما يفعلونه اليوم فاتتهم خطبة اليوم السابع والترتيب

الذي ذكره في الفصل مصور في حق من يدخل مكة قبل الوقوف * إذا عرفت ذلك فنقول من كان من الداخلين قبل الوقوف مفردا بالحج أو قارنا بين لنسكين أقام بعد طواف القدوم إلى أن يخرج إلى عرفة ومن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته ثم يحرم بالحج من مكة ويخرج علي ما مر في صورة التمتع وكذلك يفعل المقيمون بمكة ويستحب للامام أو لمنصوبه أن يخطب بمكة في اليوم السابع من ذى الحجة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة يامر الامام الناس فيها بالغدو إلي

منى ويخيرهم بما بين أيديهم من المناسك * وعن أحمد انه لا يخطب اليوم السابع * لنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم " خطب الناس قبل يوم التروية بيوم واحد وأخبرهم بمناسكهم " وينبغي أن يأمر في خطبته المتمتعين بان يطوفوا قبل الخروج للوداع فلو وافق اليوم السابع يوم الجمعة خطب للجمعة وصلاها ثم خطب هذه الخطبة فان السنة فيها التأخير عن الصلاة ثم يخرج بهم اليوم الثامن وهو يوم التروية الي مني ومتى يخرج المشهور انه يخرج بهم بعد صلاة الصبح بحيث يوافون الظهر بمني * وحكى

القاضي ابن كج أن أبا اسحق ذكر قولا انهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون وإذا خرجوا الي منى باتوا بها ليلة عرفة وصلوا مع الامام بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح يوم عرفة علي المشهور وعلى ما ذكره أبو اسحق يصلون بها ما سوى الظهر والمبيت ليلة عرفة بمنا هيئة وليس بنسك يجبر بالدم والغرض منه الاستراحة للسير من الغد إلى عرفة من غير تعب وما ذكرناه من الخروج بعد صلاة الصبح أو التروية فذلك في غير يوم الجمعة فاما إذا كان يوم التروية يوم الجمعة فالمستحب الخروج قبل طلوع الفجر لان الخروج الي السفر يوم الجمعة إلى حيت لا تصلى الجمعة حرام أو مكروه علي ما مر في موضعه وهم لا يصلون الجمعة بمني وكذا لا يصلونها بعرفة لو كان يوم عرفة يوم الجمعة لان الجمعة انما تقام في دار الاقامة * قال الشافعي رضى الله عنه فان بنى بها قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة والناس معهم ثم إذا طلعت الشمس يوم عرفة على شبر ساروا إلى عرفات فإذا انتهوا الي نمرة ضربت قبة للامام بها روى أن النبي صلى الله عليه وسلم " مكث حتي طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها " فإذا زالت الشمس خطب الامام خطبتين يبين لهم في الاولى ما بين ايديهم من

المناسك ويحرضهم علي اكثار الدعاء والتهليل بالموقف فإذا فرغ منها جلس بقدر سورة الاخلاص ثم يقوم إلى الخطبة الثانية والمؤذن يأخذ في الاذان ويخفف الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الاقامة علي ما رواه الامام وغيره ومن الاذان على ما رواه صاحب التهذيب وغيره قال هؤلاء ثم ينزل فيقيم المؤذن ويصلى بالناس الظهر ثم يقيمون فيصلى بهم العصر على سبيل الجمع هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع * وعند أبي حنيفة رحمه الله لا اقامة للعصر ويجعل الاذان قبل الخطبة الاولى كما في الجمعة وإذا كان الامام مسافرا فالسنة له القصر والمكيون

والمقيمون حواليها لا يقصرون خلافا للمالك * وليقل الامام إذا سلم أتموا يا أهل مكة فانا قوم سفر كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم والقول في أن الجمع يختص بالمسافرين من الحجيج أو لا يختص قدمناه في كتاب الصلاة (فان قلت) نمرة التى ذكرتم النزول بها هل هي من حد عرفة أم لا وهل الخطبتان والصلاتان بها أم بموضع اخر (قلنا) أما الاول فان صاحب الشامل وطائفة قالوا بان نمرة موضع من عرفات لكن الاكثرين نفوا كونها من عرفات (ومنهم) أبو القاسم الكرخي والقاضي الرويانى وصاحب التهذيب وقالوا انها موضع قريب من عرفة (وأما) الثاني فايراد

موردين يشعر بان الخطبتين والصلاتين بها لكن رواية الجمهور انهم ينزلون بها حتى تزول الشمس فإذا زالت ذهب الامام بهم إلى مسجد ابراهيم عليه السلام وخطب وصلي فيه ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى الموقف وهل المسجد من عرفة سنذكره من بعد وإذا لم تعد البقعه من عرفة فحيث أطلقنا انهم يجمعون بين الصلاتين بعرفة عنينا به الموضع القريب منها (واعلم) انه يسن في الحج أربع خطب (احداها) بمكة في السمجد الحرام اليوم السابع من ذي الحجة (والثانية) بعرفة وقد ذكرناهما والثالثة) يوم النحر (والرابعة) يوم النفر الاول ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك

وأحكامها إلى الخطبة الاخرى وكلها أفراد وبعد الصلاة إلا يوم عرفة فانه يخطب خطبتين قبل الصلاة (وقوله) في الكتاب ويبيت ليلة عرفة بمنى ثم يخطب بعد الزوال بعرفة معناه انه يغدو منها إلى عرفات ويخطب ولفظ الكتاب يقتضى كون الموضع الذى يخطب فيه من عرفة وفيه ما قد عرفته (وقوله) خطبة خفيفة انما ذكر ذلك لا المستحب فيها الخفة أيضا وان لم تبلغ خفتها خفة الثانية لما روى أن سالم بن عبد الله قال للحجاج " وان كنت تريد أن تصيب السنة فاقتصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر رضى الله عنهما صدق " وقوله ويجلس أي بعدها (وقوله) ثم يقوم إلى الثانية ويبدأ المؤذن بالاذان (واعلم) قوله ويبدأ بالحاء لما ذكرنا أن عنده يقدم الاذان * قال (ثم يقبلون على الدعاء إلى وقت الغروب ويفيضون بعد الغروب الي مزدلفة يصلون بها المغرب والعشاء) *

السنة للحجيج بعد الصلاتين أن يقفوا عند الصخرات ويستقبلوا القبلة لان النبي صلى الله عليه وسلم " وقف واستقبل القبلة وجعل بطن ناقته إلى الصخرات " وهل الوقوف راكبا أفضل فيه قولان (أحدهما) لا بل سواء قاله في الام (وأظهرهما) وبه قال أحمد ان الوقوف راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم " وليكون اقوى على الدعاء قاله في الاملاء والقديم ويذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس

ويكثرون من التهليل روى انه صلى الله عليه وسلم قال " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له " * واضيف إليه له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير اللهم اجعل في قلبى نورا وفى سمعي نورا وفي بصرى نورا اللهم اشرح لى صدري ويسر لى أمرى فإذا غربت الشمس دفعوا من عرفات منصرفين إلى مزدلفة ويؤخرون المغرب إلى ان يصلوها مع العشاء بمزدلفة وليكن عليهم في الدفع السكينة والوقار لكيلا يتأذى البعض بمصادمة البعض فان وجد بعضهم فرجة أسرع

روى انه صلى الله عليه وسلم " كان يسير حين دفع في حجة الوداع العنق " فإذا وجد فرجة نص فإذا حصلوا بمزدلفة جمع الامام بهم بين المغرب والعشاء وحكم الاذان الاقامة لهما قد مر في موضعه * ولو انفرد بعضهم بالجمع بعرفة أو بمزدلفة أو صلى احدي الصلاتين مع الامام والاخرى وحدة جاز ويجوز أن يصلى المغرب بعرفة أو في الطريق * وقال أبو حنيفة لا يجوز ويجب الجمع بمزدلفة وذكر الشافعي رضى الله عنه انهم لا يتنفلون بين الصلاتين إذا جمعوا ولا على أثرها أما بينهما فلرعاية الموالاة وأما على إثرهما فقد قال القاضي ابن كج في الشرح لا يتنفل الامام لانه متبوع فلو اشتغل بالنوافل لاقتدى به الناس وانقطعوا عن المناسك فليشتغل بجمع الحصا وغيره من المناسك.
(وأما) المأموم ففيه وجهان (احدهما) لا يتنفل أيضا كالامام (والثانى) ان الامر واسع له لانه ليس بمتبوع وهذا في النوافل المطلقة دون الرواتب والله أعلم * ثم اكثر الاصحاب أطلقوا القول بانه يؤخرها إلي أن يأتي المزدلفة ومنهم من قال ذلك ما لم يخش فوات وقت اختيار العشاء فان خاف لمكثهم في الطريق بصد أو غيره لم يؤخر وجمع بالناس في الطريق والمستحب أن ينصرفوا من عرفة إلى المزدلفة في طريق المازمين وهو الطريق بين الجبلين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم (واعلم) أن من مكة إلى مني فرسخان

ومن منى إلى عرفات فرسخان ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلي كل واحدة منهما فرسخ ولا يقفون بها في مسيرهم من مني الي عرفات (وقوله) في الكتاب ثم يقبلون على الدعاء إلى وقت الغروب ليس لاخراج وقت الغروب عن الحد بل يدعون عنده أيضا * قال (والواجب من ذلك ما ينطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو في النوم (و) وإن سارت به دابته * ولا يكفي حضور المغمي عليه * ووقت الوقوف من زوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم العبد ولو أنشأ الاحرام ليلة العيد جاز (و) لان الحج عرفة ووقته باق وقيل لا يجوز إلا بالنهار ولو فارق عرفة نهارا ولم يكن حاضرا عند الغروب ولا عاد بالليل تداركا ففى وجوب الدم قولان.
حاصلهما أن الجمع بين الليل والنهار هل هو واجب ولو وقفوا اليوم العاشر غلطا في الهلال فلا قضاء ولو وقفوا اليوم الثامن فوجهان لان هذا الغلط نادر) * الغرض الآن الكلام في كيفية الوقوف ومكانه وزمانه (أما) الكيفية فالمعتبر الحضور بشرط أن يكون أهلا للعبادة وفيه صور (الاولى) لا فرق بين أن يحضرها ويقف وبين أن يمر بها لقوله صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج " وذكر القاضى ابن كج رحمه الله أن ابن القطان رحمه الله جعل الاكتفاء بالمرور المجرد على وجهين (الثانية) لا فرق بين أن يحضر وهو يعلم انها عرفة وبين أن لا يعلم وعن ابن الوكيل انه إذا لم يعلم لم يجزه (الثالثة) لو احضرها نائما أو دخلها قبل وقت الوقوف ونام حتى خرج الوقت أجزأه كما لو بقى نائما طول نهاره أجزأه الصوم علي المذهب وفيه وجه انه لا يجزئه كما لو وقف مغمى عليه قال في التتمة والخلاف في هذه الصورة والتى قبلها مبنى علي أن كل ركن من أركان الحج هل يجب افراده بنيته لانفصال بعضها عن بعض أم يكفيها النية السابقة ولو فرض في أشواط الطواف أو بعضها النوم على هيئة لا تنقض الوضوء فقد قال الامام هذا يقرب

من الخلاف في صرف الطواف إلي غير جهة النسك ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه (الرابعة) لو حضر وهو مغمي عليه لم يجزه لفوات أهلية العبادة ولهذا لا يحزئه الصوم إذا كان مغمي عليه طول نهاره وفيه وجه انه يجزئه اكتفاء بالحضور والسكران كالمغمى عليه ولو حضر وهو مجنون لم يجزه قاله في التتمة لكن يقع نفلا كحج الصبى الذي لا تمييز له ومنهم من طرد في الجنون الوجه المنقول في الاغماء (الخامسة) لو حضر بعرفة في طلب غريم أو دابة نادة كفاه قال الامام ولم يذكروا ههنا الخلاف الذى سبق في صرف الطواف عن النسك إلى جهة أخرى ولعل الفرق ان الطواف قربة برأسها بخلاف الوقوف قال ولا يمتنع طرد الخلاف فيه (وأما) المكان ففى أي موضع وقف من عرفة أجزأه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " كل عرفة موقف " وبين الشافعي رضي الله عنه حد عرفة فقال هي ما جاوز وادى عرنة الي الجبال القابلة مما يلى بساتين بني عامر وليس وادى عرنة من عرفة وهو على منقطع عرفة مما يلى مني وصوب مكة روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " عرفة كلها موقف " وارتفعوا عن وادى عرنة ومسجد ابراهيم عليه

السلام صدره من عرنة وآخره من عرفات ويميز بينهما بصخرات كبار فرشت هناك فمن وقف في صدره فليس واقفا بعرفة * قال في التهذيب وثم يقف الامام للخطبة والصلاة وجبل الرحمة في وسط عرصة عرفات وموقف رسول الله صلي الله عليه وسلم عنده معروف (وأما) الزمان ففيه مسألتان (إحداهما) وقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد الي طلوع الفجر يوم النحر وقال أحمد يدخل وقته بطلوع الفجر يوم عرفة لما روى ن عروة بن مضرس الطائى رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من صلى معنا هذه الصلاة يعني الصبح يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه " لنا اتفاق المسلمين من عصر رسول الله عليه وسلم على الوقوف بعد الزوال ولو جاز قبله لما اتفقوا على تركه وبهذا يستدل على أن المراد من الخبر ما بعد الزوال * إذا تقرر ذلك فلو اقتصر على الوقوف ليلا كان مدركا للحج علي المذهب المشهور * ونقل الامام رحمه الله عن بعض التصانيف فيه قولين واستبعده * وعن شيخه أن الخلاف فيه مخصوص بما إذا أنشأ الاحرام ليلة النحر فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه كما ذكر في الوسيط (أصحها) أن المقتصر على الوقوف ليلا مدرك سواء أنشأ الاحرام قبل ليلة العيد أو فيها وكلاهما جائز (والثانى) انه ليس بمدرك على التقديرين (والثالث) أنه مدرك بشرط تقديم الاحرام عليها ولو اقتصر على الوقوف نهارا وأفاض قبل الغروب كان مدركا وان لم يجمع بين الليل والنهار

في الوقوف وقال مالك لا يكون مدركا * لنا خبر عروة الطائي وأيضا فانه لو اقتصر على الوقوف ليلا كان مدركا فكذلك ههنا وهل يؤمر باراقة دم نظر ان عاد قبل الغروب وكان حاضرا بها حين غربت الشمس فلا وان لم يعد حتى طلع الفجر فنعم وهل هو واجب أو مستحب أشار في المختصر والام إلى وجوبه ونص في الاملاء على الاستحباب * وللاصحاب ثلاثة طرق رواها القاضي ابن كج (أصحها) أن المسألة على قولين (أحدهما) وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله وجوب الدم لانه ترك نسكا وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " من ترك نسكا فعليه دم " (والثانى) أنه مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عروة " فقد تم حجه " ولانه أدرك من الوقوف ما أجزأه فلم يجب الدم كما لو وقف ليلا وهذا أصح القولين قاله المحاملى والرويانى رحمهما الله وغيرهما وفى التهذيب انه القول القديم فان ثبتت المقدمتان فالمسألة مما يفتى فيها علي القول القديم لكن أبو القاسم الكرخي رحمه الله ذكر ان الوجوب هو القديم والله أعلم (والطريق الثاني) عن أبي اسحق انه إن افاض مع الامام فهو معذور لانه تابع وان انفرد بالافاضة ففيه قولان (والثالث) نفى الوجوب والجزم بالاستحباب مطلقا وإذا قلنا بالوجوب فلو عاد ليلا فوجهان (اظهرهما) انه لا شئ عليه كما لو عاد قبل الغروب وصبر حتى غربت الشمس (والثانى) يجب ويحكى هذا عن أبى حنيفة وأحمد رحمهما الله لان النسك هو الجمع بين آخر النهار وأول الليل بعرفة (المسألة الثانية) إذا غلط الحجيج فوقفوا غير يوم عرفة فاما أن يغلطوا بالتأخير أو بالتقديم (الحالة الاولي) أن يغلطوا بالتأخير بان وقفوا اليوم التاسع بعد كمال ذى القعدة ثلاثين ثم بان لهم أن الهلال كان قد أهل ليلة الثلاثين وان وقوفهم

وقع في اليوم العاشر فيصح الحج ولا يلزمهم القضاء لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " حجكم يوم تحجون " وروى أيضا أنه قال " يوم عرفة اليوم الذى تعرف فيه الناس " ولانهم لو تكلفوا القضاء لم يأمنوا مثله في القضاء ولان في الزام القضاء مشقة عظيمة لما فيه من احباط قطع المسافات الطويلة وانفاق الاموال الكثيرة وهذا إذا كان في الحجيج كثرة على المعتاد فان قلوا على خلاف العادة أو لحقت شرذمة يوم النحر فظنت أنه يوم عرفة وان الناس قد أفاضوا فوجهان (أحدهما) أنه لا قضاء عليهم أيضا لانهم لا يأمنون مثله في القضاء (وأصحهما) يجب إذ ليس فيه مشقة عامة وإذا لم يجب القضاء فلا فرق بين أن يتبين الحال بعد يوم الوقوف أو في ذلك اليوم وهم وقوف بعد الزوال وإن تبين قبل الزوال فوقفوا بعده فقد قال في التهذيب (المذهب) أنه لا يجزئهم لانهم وقفوا على يقين الفوات وهذا غير مسلم لان عامة الاصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة لا يتمكنون من حضور الموقف بالليل يقفون من الغد ويحتسب لهم كما لو قامت البينة

بعد الغروب اليوم الثلاثين من رمضان علي رؤية الهلال ليلة الثلاثين نص علي انهم يصلون من الغد للعيد فإذا لم تحكم بالفوات لقيام الشهادة ليلة العاشر لزم مثله في اليوم العاشر ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال ذى الحجة وردت شهادتهم لزمهم الوقوف اليوم التاسع عندهم وان كان الناس يقفون في اليوم بعده كمن شهد برؤية هلال رمضان فردت شهادته يلزمه الصوم * ولو وقفو اليوم الحادى عشر لم يصح حجهم بحال (الحالة الثانية) أن يغلطوا بالتقديم ويقفوا اليوم الثامن فينظر إن تبين لهم الحال قبل فوات وقت الوقوف لزمهم الوقوف في وقته وان تبين بعده فوجهان (أحدهما) أنه لا قضاء كما في الغلط في التأخير (وأصحهما) عند الاكثرين وجوب القضاء وفرقوا من وجهين (أحدهما) أن تأخير العبادة عن الوقت أقرب الي الاحتساب من تقديمها على الوقت (والثاني) أن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه فانه إنما يقع الغلط في الحساب أو الخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال والغلط بالتأخير قد يكون للتغيم المانع من رؤية الهلال ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه ولو غلطوا في المكان فوقفوا بغير عرفة لم يصح حجهم بحال * ونتكلم بعد هذا في لفظ الكتاب خاصة (قوله) والواجب من ذلك ما ينطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة فيه تعرض للفعلين الاولين كبقية الوقوف ومكانه (وقوله) ولو في النوم معلم بالواو وكذا قوله وان سارت به دابته (وقوله) ولا يكفى حضور المغمي عليه لما مر (وقوله) من الزوال معلم بالالف لما حكيناه عن احمد وبالواو لان القاضي ابن كج روى عن أبى الحسين وجها أنه لو وقف في أول الزوال وانصرف لم يجزه بل يجب أن يكون الوقوف بعد مضي زمان إمكان صلاة الظهر من أول الزوال (وقوله) ولو أنشا إحرامه ليلة العيد جاز * المسالة مكررة قد ذكرها مرة في فصل الميقات الزماني واقتصر ههنا علي ذكر الوجه الاصح وهو الجواز (وقوله) وقيل لا يجوز الا بالنهار يعنى الوقوف وكأنه فرع جواز انشاء الاحرام ليلة العيد على امتداد وقت الوقوف الي طلوع الفجر ثم ذكر الوجه البعيد وهو أنه لا يمتد وليست الليلة وقتا له ولو حمل قوله وقيل لا يجوز على انه لا يجوز انشاء الاحرام فيها لكان تعسفا لانه قال الا بالنهار والاحرام لا تعلق له بالنهار وأيضا فان ذلك الوجه قد صار مذكورا في فصل المواقيت فالحمل على فائدة جديدة أولى (وقوله) ولا عاد بالليل تداركا فيه تقييد للقولين بما إذا لم يعد بالليل اشارة إلى أنه لو عاد لم يجب الدم جزما وهو الوجه الاصح ويجوز أن يعلم بالواو للوجه الثاني وبالحاء والالف أيضا لما سبق ويجوز اعلام قوله قولان بالواو للطريقين المانعين من اطلاق الخلاف (وقوله)

حاصلهما أن الجمع بين الليل والنهار هل هو واجب أراد به ما ذكره الامام أن القولين في جوب الدم يلزم منهما حصول قولين في وجوب الجمع بين الليل والنهار في الوقوف لان ما يجب جبره من أعمال الحج لا بد وأن يكون واجبا لكن في كلام الاصحاب ما ينازع فيه لان منهم من وجه قول عدم وجوب الدم بأن الجمع ليس بواجب فلا يجب بتركه الدم فقدر عدم وجوب الجمع متفق عليه * قال (الفصل السابع في أسباب التحلل) (فإذا جمع الحجيج بين المغرب والعشاء بمزدلفة باتوا بها ثم ارتحلوا عند الفجر فإذا انتهوا إلى المشعر الحرام وقفوا ودعوا وهذه سنة ثم يتجاوزونه إلى وادى محسر فيسرعون بالمشي فإذا وافوا منى بعد طلوع الشمس رموا سبع حصيات إلى الجمرة الثالثة وكبروا مع كل حصاة بدلا عن التلبية ثم يحلقون وينحرون ويعودون إلى مكة لطواف الركن ثم يعود إلى منى للرمي في أيام التشريق) * الحجيج يفيضون بعد غروب الشمس يوم عرفة إلى مزدلفة فإذا انتهوا إليها جمعوا بين الصلاتين وباتوا بها وليس هذا المبيت بركن خلافا لابي عبد الرحمن ابن بنت الشافعي رضي الله عنه وأبى بكر بن خزيمة من أصحابنا رحمهم الله لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال " من ترك المبيت بمزدلفة فلا حج له " لنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " الحج عرفة فمن أدركها فقد أدرك الحج " ثم هو نسك مجبور بالدم في الجملة وتفصيلة أنه ان دفع منها ليلا نظر ان كان بعد انتصاف

الليل فلا شي عليه معذورا كان أو غير معذور " لان سودة وأم سلمة أفاضتا في النصف الاخير باذن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يأمرهما بدم ولا النفر الذين نفروا معهما " وعن أبى حنيفة ان غير المعذور يلزمه الدم ان لم يعد ولم يقف بعد طلوع الفجر وان دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شئ عليه أيضا كما لو دفع من عرفة قبل الغروب وعاد وان لم يعد أو ترك المبيت أصلا أراق دما وهل هو واجب أو مستحب فيه طرق (أظهرها) انه على قولين كما ذكرنا في الافاضة من عرفة قبل غروب الشمس * وعن احمد روايتان كالقولين وعن مالك هو واجب * وقال أبو حنيفة رحمه الله لا اعتبار

بالمبيت وانما الاعتبار بالوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر فإذا تركه لزمه دم (والطريق الثاني) القطع بالاستحباب (والثالث) القطع بالايجاب وحمل نصه على الاستحباب على ما إذا وقع بعد انتصاف الليل * يحكى هذا عن القاضى أبى حامد * والاولى تقديم النساء والضعفة بعد انتصاف الليل الي مني روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال " كنت فيمن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضعفة أهله إلى منى من المزدلفة " وغير الضعفة يلبثون حتى يصلوا الصبح بها ويغسلون بالصلاة والتغليس ههنا أشد استحبابا وينبغي ان ياخذوا من المزدلفة الحصى للرمي لان بها جيلا في أحجاره رخاوة وليكونوا متاهبين للرمي فان السنة ان لا يشتغلوا عنه بشئ إذا انتهوا إلى منى ولو أخذوا من موضع اخر جاز لكن يكره أخذه من المسجد لانه فرشه ومن الحش لنجاسته ومن المرمى لما قيل " ان من يقبل حجه يرفع حجره وما يبقى فهو مردود " وكم ياخذون منها قال في المفتاح سبعين حصاة ليرمي يوم النحر وايام التشريق على ما سنفصله وهذا ظاهر لفظ المختصر ومقال الاكثرون سبع حصيات ليرمي يوم النحر وحكوه عن نصه في موضع آخر وجعلوه بيانا لما أطلقه في المختصر وعلى هذا فيأخذ لرمي أيام التشريق من وادى محسر أو غيره وجمع بعضهم بينهما فقالوا يستحب الاخذ من المزدلفة لجميع الرمى لكنه لرمي ايام النحر أحب * ثم الجمهور قالوا يتزود الحصا ليلا قبل ان يصلى الصبح وفى التهذيب أخر اخذها عن الصلاة ثم

يدفعون إلى مني فإذا انتهوا إلى المشعر الحرام وقفوا على قزح وهو جبل من المشعر الحرام ويقال هو المشعر والمشعر من المزدلفة فان المزدلفة ما بين ما زمى عرفة ووادى محسر ويذكرون الله تعالى ويدعون إلى الاسفار قال الله تعالي " فاذكروا الله عند المشعر الحرام " والاحب أن يكونوا مستقبلي القبلة ولو وقفوا في موضع آخر من المزدلفة تأدى أصل السنة لكنه عند المشعر أفضل ولا يجبر فوات هذه السنة بالدم كسائر الهيآت فإذا أسفروا ساروا وعليهم السكينة ومن وجد فرجة أسرع كما في الدفع من عرفة فإذا انتهوا إلى وادى محسر فالمستحب للراكبين ان يحركوا دوابهم وللماشين ان يسرعوا قدر رمية بحجر " يروى ذلك عن جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم * وقد قيل ان النصارى كانت تقف ثم فأمرنا بمخالفتهم ثم يسيرون علي السكينة فيوافون منى بعد طلوع الشمس فيرمون سبع حصيات إلى جمرة العقبة وهي في حضيض الجبل مترقبة عن الجادة على يمين السائر إلى مكة ولا ينزل الراكبون حتى يرموا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة ان يكبروا مع كل حصاة ويقطعوا التلبية إذا ابتدؤا بالرمي * روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " قطع التلبية عند أول حصاة رماها " والمعني فيه ان التلبية شعار الاحرام والرمى أخذ في التحلل وعن

القفال انهم إذا رحلوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في ممرهم فإذا انتهوا إلى الجمرة وافتتحوا الرمى محضو التكبير * قال الامام ولم ار هذا لغيره ثم إذا رموا جمرة العقيبة نحروا ان كان معهم هدى فذلك سنة ثم بعد ذبح الهدى يحلقون أو يقصرون وإذا فرغوا منه عادوا الي مكة وطافوا طواف الركن ويسعون بعده ان لم يطوفوا للقدوم أو لم يسعوا بعده ثم يعودون إلى منى للمبيت بها والرمي أيام التشريق وليعودوا إليها قبل ان يصلوا الظهر وهذه ترجمة جميلة لهذه الوظائف ومسائلها على التفصيل بين يديك * (وقوله) في الكتاب وهذه سنة معلم بالميم ان ثبت ما رواه بعض أصحابنا عن مالك ان الوقوف بالمشعر الحرام واجب * (وقوله) فيسرعون بالمشي يجوز ان يعلم بالواو لاني رأيت في بعض الشروح ان الراكب يحرك دابته أما الماشي فلا يعدو ولا يرمل * (وقوله) إلى

الجمرة الثالثة المراد منها جمرة العقبة وانما تسمي الثالثة لان السائرين من منى إلى مكة يتعدون جمرتين قبلها ثم ينتهون إليها فهي الثالثة بالاضافة إلى منى وقد ذكرنا انها منحرفة عن متن الطريق والجمرتان قبلها عل متنه (وقوله) ثم يحلقون وينحرون قدم ذكر الحلق لكن المستحب ان يكون النحر مقدما على الحلق كما سيأتي ان شاء الله تعالى * قال (وللحج تحللان يحصل أحدهما بطواف الزيارة والآخر بالرمي وأيهما قدم أو أخر فلا بأس ويحل بين التحللين اللبس والقلم ولا يحل الجماع وفى التطيب والنكاح واللمس وقتل الصيد قولان وان جعلنا الحلق نسكا صارت الاسباب ثلاثة فلا يحصل أحد التحللين الا باثنين أي اثنين كانا ويدخل وقت التحلل بانتصاف (ح م) ليلة النحر ووقت فضيلته طلوع الفجر يوم النحر وفى كون الحلق نسكا قولان ولا خلاف انه مستحب ويلزمه بالنذر فان جعل نسكا جازت (م ح) البداءة في أسباب التحلل وفسدت العمرة بالجماع قبل الحلق لان التحلل لم يتم دونه وإذا تركه لم ينجبر بالدم لان تداركه ممكن وان لم يكن على رأسه شعر فيستحب (ح) امرار الموسى على الرأس ولا يتم هذا النسك باقل من حلق ثلاث (م ح) شعرات من الرأس ويقوم التقصير والنتف والاحراق مقام الحلق الا إذا نذر الحلق ولا حلق علي المرأة ويستحب لها التقصير) *

لو ذهبت أراعى في الفصل ترتيب الكتاب لم نظفر بالكشف الذي ننعته فاحتمل التقديم والتأخير واعرف ثلاثة أصول (أحدها) أن قول الشافعي رضي الله عنه اختلف في ان الحلق في وقته هل هو نسك أم لا فأحد القولين أنه ليس بنسك وانما هو استباحة محظور لان كل ما لو فعله قبل وقته لزمته الفدية فإذا فعله في وقته كان استباحة كالطيب واللبس وهذا لانه يريد أن يتحلل فيتناول بعض ما حظر عليه كما يتطيب (وأصحهما) وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله انه نسك مثاب عليه لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " إذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شئ إلا النساء "

علق الحل بالحلق كما علقه بالرمي وأيضا فان الحلق أفضل من التقصير لما سيأتي والتفصيل انما يقع في العبادات دون المباحات والقولان جاريان في العمرة ووقته في العمرة يدخل بالفراغ من السعي فعلى القول الاصح هو من أعمال النسكين وليس هو بمثابة الرمى والمبيت بل هو معدود من الاركان ولهذا لا يجبر بالدم ولا تقام الفدية مقامه حتى لو كانت برأسه علة لا يتأتي معها التعرض للشعر

فانه يصبر الي الامكان ولا يفتدي ويخالف ما إذا لم يكن علي راسه شعر لا يؤمر بالحلق بعد النبات لان النسك حلق شعر يشتمل الاحرام عليه فإذا لم يكن شعر لم يؤمر بهذا النسك * ولو جامع المعتمر بعد السعي وقبل الحلق فسدت عمرته لوقوع جماعه قبل التحلل والنساء لا يؤمرن بالحلق لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " ليس على النساء حلق وانما يقصرن " * والمستحب لهن في التقصير أن يأخذن من طرف شعورهن بقدر أنملة من جميع الجوانب وللرجال أيضا إقامة التقصير مقام الحلق لما روى عن جابر رضي الله

عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصرو " والافضل لهم الحلق لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال " رحم الله المحلقين قيل والمقصرين يا رسول الله قال رحم الله المحلقين قيل والمقصرين قال رحم الله المحلقين قيل والمقصرين قال والمقصرين " وكل واحد من الحلق والتقصير يختص بشعر الرأس ولا يحصل النسك بحلق شعر آخر أو تقصيره وان استوى الكل في وجوب الفدية إذا أخذ قبل الوقت لان الامر ورد في شعر الرأس وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الايمن ثم بالايسر وأن

يكون مستقبل القبلة وأن يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره والافضل ان حلق أن يحلق جيمع رأسه وان قصر فان يقصر الجميع وأقل ما يجزئ حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها وفيها تكمل الفدية في الحلق المحظور * ولنا في تكميل الفدية في الشعرة الواحدة رأى بعيد وهو عائد في حصول النسك بحلقها ولو حلق ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعره شيئا وعاد ثانيا فاخذ منها شيئا وعاد ثالثا وأخذ فان كملنا الفدية لو كان محظورا قلنا بحصول النسك به * ولا فرق إذا قصر بين أن يكون المأخوذ مما يحاذي الرأس أو من المسترسل وفي وجه لا يغني الاخذ من المسترسل اعتبارا بالمسح * وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أقل من حلق ربع الرأس * وقال مالك لا بد من حلق الاكثر ولا يتعين للحلق والتقصير آلة بل حكم النتف والاحراق والازالة بالموسي والنورة والقص واحد * ومن لا شعر علي رأسه يستحب له امرار الموسى على الرأس تشبها بالحالقين * قال الشافعي رضى الله عنه ولو أخذ من شاربه أو شعر لحيته شيئا كان أحب إلى

لئلا يخلو من أخذ الشعر * وعند أبي حنيفة رحمه الله يجب امرار الموسي على الرأس * لنا أن العبادة إذا تعلقت يجزء من البدن سقطت بفواته كغسل الاعضاء في الوضوء * وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم يلتزم الحلق أما إذا التزمه فنذر الحلق في وقته تعين ولم يقم التقصير مقامه ولا النتف ولا الاحراق وفى استئصال الشعر بالمقص وامرار الموسي من غير استئصال تردد للامام والظاهر المنع لفوات اسم الحلق * ولو نذر استيعاب الرأس بالحلق ففيه تردد عن القفال ولها اخوات تذكر في النذور ولو لبد رأسه في الاحرام فهل هو كالنذر لان ذلك لا يفعله الا العازم على الحلق فيه قولان (الجديد) لا وهما كالقولين في أن التقليد والاشعار هل ينزل منزلة قوله جعلتها ضحية والله أعلم * (والاصل الثاني) ان أعمال الحج يوم النحر إلى ان يعود الي مني أربعة علي ما أسلفنا ذكرها رمى جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف وهذا الطواف يسمى طواف الركن لانه لابد منه في حصول الحج ويسمى طواف الافاضة للاتيان به عقيب الافاضة من مني وطواف الزيارة لانهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال وربما سمي طواف الصدر أيضا (والاشهر) أن طواف الصدر هو طواف الوداع والترتيب في الاعمال

الاربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب (أما) انه مسنون فلان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعلها " (وأما) انه ليس بواجب فلما روى عن عبد الله بن عمرر رضى الله عنهما قال " وقف رسول الله صلي الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال يا رسول الله انى حلقت قبل أن ارمى قال ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل ان أرمى فقال ارم ولا حرج وأتاه آخر وقال انى ذبحت قبل أن ارمي فقال ارم ولا حرج فما سئل عن شئ قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج فلو ترك المبيت بمزدلفة وأفاض إلى مكة وطاف قبل ان يرمى ويحلق أو ذبح قبل أن يرمي ويحلق أو ذبح قبل ان يرمي فلا بأس ولا فدية ولو حلق قبل ان يرمى وقبل ان

يطوف فان جعلنا الحلق نسكا فلا بأس وان جعلناه استباحة محظور فعليه الفدية لوقوع الحلق قبل التحلل * وروى القاضي ابن كج ان ابا اسحاق وابن القطان رحمهم الله الزماه الفدية وان جعلنا الحلق نسكا والحديث حجة عليهما ومؤيد للقول الاصح وهو ان الحلق نسك * وعن مالك وابي حنيفة واحمد رحمهم الله ان الترتيب بينهما واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل يذكرونه (واعلم) أن ما قدمناه من قطع الحاج التلبية إذا اخذ في الرمى مصور فيما إذا جرى على الترتيب المسنون فان بدأ بالطواف أو بالحلق ان جوزناه فيقطع التلبية حينئذ نطرا إلى انه اخذ في اسباب التحللى وكذلك نقول المعتمر يقطع التلبية إذا افتتح الطواف (والاصل الثالث) ان المستحب ان يرمى بعد طلوع الشمس ثم يأتي بباقى الاعمال فيقع الطواف في ضحوة النهار ويدخل وقتها جميعا بانتصاف ليلة النحر وبه قال احمد * وعن ابي حنيفة ومالك ان شيئا منها لا يجوز قبل طلوع الفجر * لنا ما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " امرام سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت ثم فاضت وكان ذلك يومها من رسول الله صلي الله عليه وسلم " ومتى يخرج وقتها؟ (اما) الرمي فيمتد وقته الي غروب الشمس يوم النحر وهل يمتد تلك الليلة فيه وجهان (اصحهما) لا (واما) الذبح فالهدى لا يختص بزمان ولكن يختص بالحرم بخلاف الضحايا تختص بالعيد وأيام التشريق ولا تختص بالحرم (واما) الحلق والطواف فلا يتأقت آخرهما لكن لا ينبغي ان يخرج من مكة حتى يطوف فان طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة

وان خرج ولم يطف اصلا لم تحل له النساء وان طال الزمان * وقضية قولهم لا ينأفت الطواف من الطرف الآخر ان لا يصير قضاء لكن في التتمة انه إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء * وعن ابي حنيفة رحمه الله آخر وقت الطواف آخر اليوم الثاني من ايام التشريق * إذا عرفت هذه الاصول فنقول للحج تحللان وللعمرة تحلل واحد قال الائمة رضى الله عنهم وذلك لان الحج يطول زمانه وتكثر اعماله بخلاف العمرة فابيح بعض محظوراته دفعة واحده وبعضها اخرى وهذا كالحيض والجنابة لما طال زمان الحيض جعل لارتفاع محظوراته محلان انقطاع الدم والاغتسال والجنابة لما قصر زمانها جعل لارتفاع محظوراتها محل واحد * ثم الكلام في فصلين (احدهما) فيما يحصل به التحلل (أما) الحج فأسباب تحلله غير خارجة عن الاعمال الاربعة والذبح غير معدود منها لانه لا يتوقف التحلل عليه * بقى الرمي والحلق والطواف فان لم تجعل الحلق نسكا فللتحلل

سببان الرمى والطواف فإذا أتى باحدهما يحصل التحلل الاول وإذا أتى بالثاني حصل التأني ولابد من السعي بين الطواف ان لم يسع من قبل لكنهم لم يفردوه وعدوه مع الطواف سببا واحدا وان جعلنا الحلق نسكا فالثلاثة أسباب التحلل فإذا أتى باثنين منها إما الرمى والحلق أو الرمي والطواف أو الحلق والطواف حصل التحلل الاول وإذا أتى بالثالث حصل الثاني قال الامام وشيخه وكأنا نبغي التنصيف لكن ليس للثلاثة نصف صحيح فنزلنا الامر على اثنين كما صنعنا في تمليك العبد طلقتين ونظائره * هذا ما أورده عامة الاصحاب واتفقوا عليه ووراءه وجوه مهجورة (أحدها) عن أبي سعيد الاصطخرى ان دخول وقت الرمي بمثابة نفس الرمي في افادة التحلل (والثاني) عن أبي قاسم الداركي انا إن جعلنا الحلق نسكا حصل التحللان معا بالحلق والطواف وبالرمي والطواف ولا يحصل بالحلق والرمي الا أحدهما والفرق ان الطواف ركن فما انضم إليه يقوى به بخلاف الرمي والحلق وهذا نزاع فيما سبق ان الحلق ركن على هذا القول (والثالث) عن أبى اسحق عن بعض الاصحاب انا وان جعلنا الحلق نسكا فان أحد التحللين يحصل بالرمي وحده وبالطواف وحده * ومن فاته الرمي ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الاتيان ببدله فيه أوجه (أشبهها) نعم تنزيلا للبدل منزلة المبدل (والثالث) ان افتدي بالدم توقف وان افتدى بالصوم فلا لطول زمانه * (واما) العمرة فتحللها بالطواف والسعى لا غير ان لم نجعل الحلق نسكا وبهما مع الحلق ان جعلناه نسكا ولست أدرى لم عدوا السعي من أسباب التحلل في العمرة دون الحج ولم لم يعدوا أفعل الحج كلها أسباب التحلل كما فعلوا في العمرة ولو اصطلحوا عليه لقالوا التحلل الاول يحصل بها سوى الواحد الاخير والثانى بذلك الاخير * ويمكن تفسير أسباب التحلل في العمرة باركانها الفعلية وأيضا بالافعال التي يتوقف عليها تحللها ولا يمكن التفسير في الحج

بواحد منهما (أما) الاول فلاخراجهم الوقوف عنها.
(وأما) الثاني فلادخالهم الرمى فيها مع أن التحلل لا يتوقف عليه ولا علي بدله علي رأى وعلى كل حال فاطلاق اسم السبب على كل واحد من أسباب التحلل ليس على معنى استقلاله بل هو كقولنا اليمين والحنث سببا الكفارة والنصاب والحول سببا الزكاة * (والفصل الثاني) فيما يحل بالتحلل الاول ولا خلاف في أن الوطئ لا يحل ما لم يوجد التحللان لكن المستحب لا يطأ حتي يرمي في أيام التشريق ويحل اللبس والقلم وستر الرأس والحلق إذا لم

نجعله نسكا بالتحلل الاول روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شئ الا النساء " وفى عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج كالقبلة والملامة وقتل الصيد قولان (أحدها) أنها تحل (أما) في غير الصيد فلانهما محظوران للاحرام لا يفسدانه فأشبها الحلق والقلم (وأما) في الصيد فلانه لم يستنن في الخبر المذكور الا النساء.
(والثاني) لا يحل (اما) في غير الصيد فلتعلقها بالنساء وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم قال " الا النساء " * (وأما) في الصيد فلقوله تعالى.
(لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) . والاحرام باق ثم اتفقوا في مسألة الصيد على أن قول الحل أصح واختلفوا في النكاح والمباشرة فذكر صاحب التهذيب وطائفة أن الاصح فيها الحل وقال آخرون بل الاصح المنع ومنهم المسعودي وصاحب التهذيب وهؤلاء اكثر عددا وقولهم أوفق لظاهر النص في المختصر * وفى التطيب طريقان (أشهرهما) أنه على القولين وهذا ما اورده في الكتاب (والثانى) القطع بالحل وسواء أثبتنا الخلاف أو لم ثبته فالمذهب أنه يحل بل يستحب أنه يتطيب لحله بين التحللين قالت عائشة رضى الله عنها " طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت " هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار * (وأما) لفظ الكتاب فقوله يحصل أحدهما بطواف الزيارة والآخر بالرمي جواب علي قولنا ان

فصول الكتاب · 3 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي · 657 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصيام
كتاب السلم
جارٍ التحميل