كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرافعي ، عبد الكريم
- الكتاب
- فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)]
- المؤلف
- عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)
- الناشر
- دار الفكر [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أو مسنونتان فيه قولان (أحدهما) واجبتان وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لان النبي صلى الله عليه وسلم لما صلاهما تلا قوله تعالى (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلي) * فافهم أن الآية أمر بهذه الصلاة والامر للوجوب
(وأصحهما) مسنونتان وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله لقوله " صلى الله عليه وسلم في حديث الاعرابي لا إلا أن تطوع " واحتج الشيخ أبو علي لهذا القول بشيئين (أحدهما) أنها لو وجبت للزم شئ بتركها كالرمي ولا يلزم (والثانى) انها لو وجبت لاختص فعلها بمكة ولا يختص بل يجوز في بلده وأى موضع شاء ولك
ان تقول (أما) الاول فيشكل بالاركان فانها واجبة ولا تجبر بشئ وقد تعد هذه الصلاة منها على ما سيأتي ثم الجبر بالدم انما يكون عند فوات المجبور وهذه الصلاة لا تفوت إلا بان يموت وحينئذ لا يمتنع جبرها بالدم قاله الامام وغيره (وأما) الثاني فلم لا يجوز أن تكون واجبات الحج وأعماله منقسمة الي ما يختص بمكة والى ما لا يختص ألا ترى أن الاحرام أحد الواجبات ولا اختصاص له
بمكة * والمستحب أن يقرأ في الاولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفى الثانية قل هو الله أحد كذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يصليهما خلف المقام فان لم يفعل ففى الحجر فان لم يفعل ففى المسجد فان لم يفعل ففى أي موضع شاء من الحرم وغيره ويجهر بالقراءة فيهما ليلا ويسر
نهارا * وإذا لم تحكم بوجوبهما فلو صلى فريضة بعد الطواف حسبت عن ركعتي الطواف اعتبارا بتحية المسجد * حكي ذلك عن نصه في القديم والامام حكاه عن الصيدلاني نفسه واستبعدوه وتختص هذه الصلاة من بين سائر الصلوات بشئ وهو جريان النيابة فيها إذ يؤديها عنه المستأجر (وقوله) في الكتاب ركعتان عقيب الطواف مشروعتان أراد به التعرض لما يشترك فيه القولان وهو أصل الشرعية ثم بين الاختلاف في الوجوب (وقوله) وليستا من الاركان أراد به أن الاعتداد بالطواف
لا يتوقف عليهما أو شيئا هذا شأنه * وقد ذكره الامام أيضا لكن في طرق الائمة ما ينازع فيه لانهم ذكروا القولين في طواف الفرض ثم قالوا ان كان الطواف تطوعا ففيه طريقان (أحدهما) القطع بعدم الوجوب وبه قال أبو زيد لان أصل الطواف ليس بواجب فكيف يكون تابعه واجبا (والثانى) وبه قال ابن الحداد طرد القولين ولا يبعد اشتراك الفرض والنفل في الشرائط كاشتراط صلاة الفرض والتطوع في الطهارة وستر العورة وغيرهما وكذا اشتراكهما في الاركان كالركوع والسجود وغيرهما ومعلوم ان هذا التوجيه ذهاب الي كونهما ركنا أو شرطا في الصلاة وعلى التقديرين
فالاعتداد يتوقف عليهما (وقوله) وفى وجوبهما قولان يجوز اعلامه بالواو لانه ان أراد مطلق الطواف ففى النفل منه طريقة قاطعة بنفى الوجوب كما عرفتها وان أراد الفرض منه ففيه طريقة قاطعة بالوجوب حكاها الشيخ إبو على (وقوله) وليس لتركهما جبران لانه لا يفوت معناه ما مرمن انه يحتمل تأخيرهما ويجوز فعلهما في أي موضع شاء ولكن حكي صاحب التتمة عن نص الشافعي رضى الله عنه أنه إذا أخر يستحب له اراقة دم (وقوله) إذ الموالاة ليست بشرط في إجزاء الطواف فيه
أو لا تعرض لمسألة مقصودة وهى أن الطائف ينبغى أن يوالى بين أشواط الطواف وأبعاضه فلو خالف وفرق هل يجوز البناء علي ما أتى به فيه قولان (أصحهما) الجواز وهما كالقولين في جواز تفريق الوضوء لان كل واحد منها عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها بخلاف الصلاة والقولان في التفريق الكثير بلا عذر فاما إذا فرق يسيرا أو كثيرا بالعذر فالحكم على ما بينا في الوضوء * قال الامام والتفريق الكثير هو الذى يغلب على الظن تركه الطواف (اما) بالاضراب عنه أو لظنه أنه أنهاه نهايته * ولو أقيمت المكتوبة في أثناء الطواف فتخليلها بينها تفريق بالعذر * وقع الطواف المفروض بصلاة الجنازة والرواتب مكروه إذ لا يحسن ترك فرض العين بالتطوع أو فرض الكفاية * *
إذا وقفت على المسألة (فقوله) انه لا يفوت إذا الموالاة ليست بشرط في أجزاء الطواف ليس تسليما لكون الركعتين من أجزاء الطواف فان ذلك يناقض قوله من قبل انهما ليستا من الاركان ولكن المعنى ان الموالاة إذا لم تشترط في أجزائه فاولي أن لا تشترط بينه وبين ما هو من توابعه وهذا شرح واجبات الطواف وفى وجوب النية فيه خلاف نذكره من بعد * قال (أما سنن الطواف فهي خمس (الاولي) أن يطوف ماشيا لا راكبا وانما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليظهر فيستفتي) *
القسم الثاني من وظائف الطواف السنن (فمنها) أن يطواف ماشيا ولا يركب الا بعذر مرض ونحوه كيلا يؤذى الناس ولا يلوث المسجد " وقد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاكثر ماشيا وانما ركب في حجة الوداع ليراه الناس فيستفتي المفتون " فان كان الطائف مترشحا للفتوى فله أن يتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيركب ولو ركب من غير عذر أجزأه ولا كراهة هكذا قاله الاصحاب * وقال الامام وفي القلب من ادخال البهيمة المسجد ولا يؤمن تلويثها بشئ فان أمكن الاستيثاق فذاك وإلا
فادخال البهائم المسجد مكروه * ويجوز أن يعلم قوله أن يطوف ماشيا بالميم والحاء لان عندهما ليس ذلك من السنن بل يجب ان يطوف ماشيا إن لم يكن له عذر فان ركب فعليه دم وبالالف لانه يروى عن أحمد مثله * قال (الثانية تقبيل الحجر الاسود ومس الركن اليماني باليد فان منعت الزحمة من التقبيل اقتصر علي المس والاشارة ويستحب ذلك في آخر كل شواط وفى الاوتار آكد) *
ومن السنن أن يستلم الحجر بيده في ابتداء الطواف لما روى عن جابر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " بدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه من البكاء " ويقبله لما روى عن عمر رضي
الله عنه انه قال وهو يطوف بالركن " انما أنت حجر ولولا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك ثم تقدم فقبله " ويضع جبهته عليه لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما " انه كان يقبل الحجر الاسود ويسجد عليه بجبهته " فان منعته الزحمة من التقبيل اقتصر علي الاستسلام فان لم يمكن
اقتصر على الاشارة باليد ولا يشير بالفم إلى التقبيل ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد وروى عن أحمد انه يقبله وعند أبى حنيفة رحمه الله لا يستلمه ولا يقبله * لنا ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم " كان يستلم الركن اليماني والاسود في كل طوفة ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر " قال الائمة ولعل الفرق ما تقدم أن اليمانيين علي قواعد ابراهيم عليه السلام دون الشاميين * ثم حكى الامام انه يتخير حين يستلم
الركن اليماني بين أن يقبل يده ثم يمس الركن كالذى ينقل خدمة إليه وبين أن يمسه ثم يقبل اليد كالذى ينقل يمنا إلى نفسه قال وهكذا يتخير بين الوجهين إذا منعته الزحمة من تقبيل الحجر ولم يورد المعظم في الصورتين سوى الوجه الثاني * وقال مالك رحمه الله لا يقبل يده فيهما ولكنه بعد الاستلام يضع يده على فيه * ولو لم يستلم الركن باليد ولكنه وضع خشبة عليه ثم قبل طرفها جاز أيضا روى عن أبى الطفيل قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على بعير ويستلم الركن بمحجن ويقبل المحجن " ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة وهو في الاوتار آكد لانها أفضل (وقوله) في الكتاب اقتصر على المس أو الاشارة ليس تخييرا بينهما ولكنه يمسه وان لم يمكنه اقتصر على الاشارة كما مر *
قال (الثالثة الدعاء وهو أن يقول عند ابتداء الطواف (بسم الله وبالله والله أكبر اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد عليه وعلي آله السلام) * يستحب للطائف أن يقول في ابتداء طوافه بسم الله وبالله والله أكبر اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم روى ذلك عن عبد الله بن السائب رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول بين الركنين اليمانيين (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) * وأورد الشيخ أبو محمد انه يستحب له إذا انتهى إلى
محاذاة الباب وعلى يمينه مقام ابراهيم عليه السلام أن يقول (اللهم ان هذا البيت بيتك والحرم حرمك والامن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار) ويشير إلى مقام ابراهيم عليه السلام وإذا انتهي إلى الركن العراقى أن يقول اللهم اني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الاخلاق وسوء المنظر في الاهل والمال والولد * وإذا انتهي إلى ما تحت الميزاب من الحجر ان يقول اللهم أظللني في ظلك يوم لا ظل الا ظلك واسقني بكأس محمد شرابا هنيا لا اظماء بعده أبدا يا ذا الجلال
والاكرام * وإذا صار بين الركن الشامي واليماني أن يقول اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور * وإذا صار بين الركنين اليمانيين أن يقول ما سبق وذكر غيره أنه يقول عند الفراغ من ركعتي الطواف خلف المقام اللهم هذا بلدك ومسجدك الحرام وبيتك الحرام أنا عبدك وابن عبدك وابن امتك اتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر إلى انك أنت الغفور الرحيم اللهم انك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت اليك طالبا رحمتك مبتغيا مرضاتك وأنت مننت على بذلك فاغفر لى وارحمني انك على كل شئ قدير *
وعند محاذاة الميزاب اللهم انى أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب * ويدعو في طوافه بما شاء ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف بل هي أفضل من الدعاء الذى لم يؤثر والدعاء المسنون أفضل منها تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم * ونقل في العدة وجها آخر انها أفضل منه أيضا * قال (الرابعة الرمل في الاشواط الثلاثة الاول والهينة في الاربعة الاخيرة وذلك في طواف القدوم فقط على قول وفى طواف بعده سعي فقط علي قول وان ترك الرمل أولا لم يقضه آخرا إذا تفوت به السكينة ولو تعذر الرمل مع القرب للزحمة فالبعد أولى ولو تعذر لزحمة النساء فالسكينة أولى وليقل في الرمل اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا) * الاصل في الرمل الاضطباع وما روى عن ابن عباس رض الله عنهما قال " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لعمرة الزيارة قالت قريش ان أصحاب محمد قد أوهنتهم حمى يثرب فامرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرمل والاضطباع ليرى المشركين قوتهم ففعلوا) ثم
ان ذلك بقى سنة متبعة وان زال السبب روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال " فيم الرمل وقد نفى الله الشرك وأهله وأعز الاسلام الا انى لا أحب أن أدع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " والرمل هو الاسراع في المشي مع تقارب الخطى دون الوثوب والعد ويقال انه الخبب وغلط الائمة من ظن كونه دون الخبب * إذا تمهد ذلك فنورد مسائل الفصل وما ينضم إليها في صور (احداها) حيث يسن الرمل فانما يسن في الاشواط الثلاثة الاولى (فاما) الاربعة
الاخيرة فالسنة فيها الهينة روى عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتي الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشي اربعا " أو هل يستوعب الثلاثة الاولى بالرمل فيه قولان حكاهما الامام
(أصحهما) وهو المشهور نعم لما روى " أنه صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا " (والثانى) لا بل يترك الرمل في كل طوفة بين الركنين اليمانيين لما روى " أن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم كانوا يتئدون بينهما وذلك انه صلي الله عليه وسلم كان قد شرط عليهم عام الصد أن ينجلوا عن بطحاء مكة إذا عاد لقضاء العمرة " فلما عاد وفواورقو اقعيقعان وهو جبل في مقابلة الحجر والميزاب وكانوا يظهرون القوة والجلادة حيث تقع أبصارهم عليهم وإذا صاروا بين الركنين اليمانيين كان البيت حائلا بينهم وبين أبصار الكفار (الثانية) لا خلاف في ان الرمل لا يسن في كل طواف وفيم يسن فيه قولان (أحدهما) قال في التهذيب وهو الاصح الجديد يسن في طواف القدوم والابتداء
لانه أول العهد بالبيت فيليق به الشناط والاهتزاز (والثانى) انما يسن في طواف يستعقب السعي لانتهائه الي تواصل الحركات بين الجبلين وهذا أظهر عند الاكثرين ولم يتعرضوا لتاريخ القولين
ويشهد للاول ما روي " انه صلى الله عليه وسلم لم يرمل في طوافه بعد ما أفاض " وللثاني " انه صلى الله عليه وسلم رمل في طواف عمره * كلها وفى بعض أنواع الطواف في الحج " والذى يشتركان فيه استعقاب السعي فعلى القولين لا رمل في طواف الوداع لانه ليس للقدوم ولا يستعقب السعي ويرمل من قدم مكة معتمرا لوقوع طوافه عن القدوم واستعقابه السعي ويرمل أيضا الآفاقي الحاج ان دخل مكة بعد الوقوف وان دخلها قبل الوقوف فهل يرمل في طواف القدوم ينظر ان كان لا يسعي عقبيه ويؤخره إلى إثر
طواف الافاضة فعلى القول الاول يرمل وعلى الثاني لا وانما يرمل في طواف الافاضة وإن كان يسعي عقيبه فيرمل فيه على القولين وإذا رمل فيه وسعي بعده فلا يرمل في طواف الافاضة ان لم يرد السعي عقيبه وان أراده فكذلك في أصح القولين * وإذا طاف للقدوم وسعي بعده ولم يرمل فهل يقضيه في طواف الافاضة فيه وجهان ويقال قولان (أظهرهما) لا كما لو ترك الرمل في الثلاثة الاولى لا يقضيه
في الاربعة الاخيرة * وان طاف ورمل ولم يسع فجواب الاكثرين انه يرمل في طواف الافاضة ههنا لبقاء السعي عليه وكون هيئة الرمل مع الاضطباع مرعية فيه والسعي تبع للطواف فلا يزيد في الهيئة على الاصل * وهذا الجواب في غالب الظن منهم مبني على القول الثاني والا فلا اعتبار باستعقاب السعي وهل يرمل المكى المنشئ حجه من مكة في طوافه (ان قلنا) بالقول الاول فلا
إذ ليس له طواف قدوم ودخول (وان قلنا) بالثاني فنعم لاستعقابه السعي * (الثالثة) لو ترك الرمل في الاشواط الاول لم يقضه في الاخيرة لان الهينة والسكينة مسنونة فيها استنان الرمل في الاول فلو قضاه لفوت سنة حاضرة وهذا كما لو ترك الجهر في الركعتين الاولتين لا يقضيه في الاخرتين ويخالف ما لو ترك سورة الجمعة في الركعة الاولى يقرأها مع المنافقين في الثانية لان الجمع ممكن هناك *
(الرابعة القرب من البيت مستحب للطائف تبركا به ولا نظر إلى كثرة الخطي لو تباعد فلو تعذر الرمل مع القرب لزحمة الناس فينظر ان كان يجد فرجة لو توقف توقف ليجدها فيرمل فيها وإن كان لا يرجو ذلك وهو المراد مما أطلقه في الكتاب فالبعد عن البيت والمحافظة علي الرمل أولي لان القرب فضيلة تتعلق بموضع العبادة والرمل فضيلة تتعلق بنفس العبادة والفضيلة المتعلقة بنفس
العبادة أولى بالرعاية.
ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد بها في المسجد وان كان في حاشية المطاف نساء ولم يأمن مصادمتهن لو تباعد فالقرب من البيت والسكينة أولى من البعد والرمل تحرزا عن مصادمتهن وملامستهن (وقوله) في الكتاب ولو تعذر لزحمة النساء إلى آخره المراد منه هذه الصورة على ما دل عليه عبارة الوسيط والمعنى فان تعذر البعد لزحمة النساء ويجوز أن يحمل على ما إذا كان بالقرب أيضا
نساء وتعذر الرمل في جميع المطاف لخوف مصادمتهن فان الاولى والحالة هذه ترك الرمل (الخامسة) ليكن من دعائه في الرمل اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ومتي تعذر الرمل علي الطائف فينبغي أن يتحرك في مشيه ويرى من نفسه انه لو أمكنه الرمل لرمل * وان طاف راكبا أو محمولا ففيه قولان (أصحهما) أنه يرمل به الحامل ويحرك هو الدابة (ومنهم) من خص القولين بالبالغ المحمول وقطع في الصبي المحمول بانه يرمل به حامله والله أعلم * قال (الخامسة الاضطباع في كل طواف فيه رمل وهو أن يجعل وسط ازاره في ابطه اليمنى ويجعل طرفيه علي عاتقة الايسر ثم يديمه إلى آخر الطواف في قول وإلى آخر السعي في قول)
الاضطباع في كل طواف فيه رمل وهو افتعال من الضبع وهو العضد ومعناه أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الايمن وطرفيه علي عاتقه الايسر ويبقى منكبه الايمن مكشوفا كدأب أهل الشطارة وكل طواف لا يسن فيه الرمل لا يسن فيه الاضطباع وما يسن فيه الرمل يسن فيه الاضطباع لكن الرمل مخصوص بالاشواط الثلاثة الاول والاضطباع يعم جميعها ويسن في السعي بين الجبلين بعدها أيضا على المشهور ويخرج من منقول المسعودي وغيره وجه انه لا يسن ويروى ذلك عن أحمد رحمه الله * وهل يسن في ركعتي الطواف فيه وجهان (أحدهما) نعم كما في سائر أعمال الطواف (وأصحهما) لا لكراهية الاضطباع في الصلاة والخلاف فيها متولد من اختلاف الاصحاب في لفظ الشافعي رضى الله عنه في المختصر وهو انه قال ويضطبع حتي يكمل سعيه (فمنهم) من نقله هكذا (ومنهم) من نقل حتى يكمل سبعة وهذا الاختلاف عند بعض الشارحين متولد من اختلاف النسخ وعند بعضهم من اختلاف القراءة لتقاربهما في الخط فمن نقل سعيه حكم بادامة الاضطباع في الصلاة والسعى ومن قال سبعة قال لا يضطبع بعد الاشواط السبعة وظاهر المذهب ويحكى عن نصه انه إذا فرغ من
الاشواط ترك الاضطباع حتى يصلى الركعتين فإذا فرغ منها أعاد الاضطياع وخرج للسعي وهذا يحوج الي تأويل لفظ المختصر على التقديرين فتأويله على التقدير الاول انه يضطبع مرة بعد أخرى وعلى التقدير الثاني انه يديم اضطباعه الاول إلى تمام الاشواط ثم اللفظ ساكت عن انه يعيده أولا يعيده * وليس في حق النساء رمل ولا اضطباع حتى لا ينكشفن ولا تبدو عضاهن وحكي القاضي ابن كج رحمة الله عليه وجهين في أن الصبى هل يضطبع لانه ليس فيه نصرة ولا جلادة كالنسوة والظاهر انه يضطبع (وقوله) في الكتاب أن يجعل وسط ازاره ذكر الرداء في هذا الموضع اليق وكذلك قاله الشافعي رضي الله عنه وعامة الاصحاب رحمهم الله (وقوله) إلى آخر الطواف في قول والى آخر السعي في قول اطلاق القولين فيه غريب والذين رووا الخلاف فيه رووهما وجهين إلا ان حجة الاسلام رحمه الله نظر إلى استناد الخلاف إلى ما قدمنا من قول الشافعي رضى الله عنه * ثم عبارة الكتاب في القول الثاني تقتضي استحباب الاضطباع في ركعتي الطواف أيضا وفيه ما ذكرناه * قال (فرع لو طاف المحرم بالصبى الذى أحرم عنه أجزأه عن الصبي الا إذا لم يكن قد طاف عن نفسه فان الحامل اولى به فينصرف إليه ولا يكفيهما طواف واحد بخلاف ما إذا حمل صبيين وطاف بهما فانه يكفى للصبيين طواف واحد كراكبين على دابة) *
هذا الفرع لا اختصاص له بالصبي وان صوره فيه ولو اختص به لكان موضعه الفصل الاخير من الباب المعقود في حكم الصبى ثم هو ناظر إلى مسالة نذكرها اولا وهي ان الطواف هل يجب فيه النية وفيه وجهان (احدهما) تجب لانه عبادة برأسه (واصحهما) لا تجب لانه في الحج والعمرة احد العمال فيكفى فيه نية النسك في الابتداء وعلى هذا فهل يشترط ان لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه فيه وجهان (اظهرهما) نعم وهما كالوجهين فيما إذا قصد في اثناء وضوءه لغسل باقى الاعضاء تبردا ونحوه * إذا عرفت ذلك فلو ان الرجل حمل محرما من صبى أو مريض أو غيرهما وطاف به نظر ان كان الحامل حلالا أو كان قد طاف عن نفسه حسب الطواف للمحمول بشرطه وان كان محرما ولم يطف عن نفسه نظر ان قصد الطواف عن المحمول ففيه ثلاثة اوجه (اظهرها) انه يقع للمحمول دون الحامل وينزل الحامل منزلة الدابة وهذا يخرج علي قولنا انه يشترط ان لا يصرف
طوافه إلى غرض آخر (والثانى) انه يقع عن الحامل دون المحمول وهذا يخرج على قولنا انه لا يشترط ذلك فان الطواف حينئذ يكون محسوبا له وإذا حسب له لم ينصرف الي غيره بخلاف ماذا حمل محرمين وطاف بهما وهو حلال أو محرم وقد طاف حيث يجزيهما جميعا فان الطواف ثم غير محسوب للحامل والمحمولان كراكبى دابة واحدة وربما يوجه هذا الوجه بالتشبيه بما إذا أحرم عن غيره وعليه فرضه (والثالث) انه يحسب لهما جميعا لان أحدهما قد دار والآخر دير به * وان قصد الطواف عن نفسه وقع عنه وهل يحسب عن المحمول قال الامام لا وحكى وفاق الاصحاب فيه وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطواف لنفسه وللمحمول وصاحب التهذيب حكي في حصوله للمحمول مع الحصول للحامل وجهين لانه دار به ولو طاف به ولم يقصد واحدا من الاقسام الثلاثة فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما (وقوله) في الكتاب لو طاف المحرم بالصبي الذى أحرم عنه قد ذكرنا ان المسالة غير مخصوصة بما إذا كان المحمول صبيا والاولى أن يقرأ قوله أحرم به على المجهول إذ لا فرق بين أن
يكون الحامل وليه الذى أحرم به أو غيره ثم لفظ الكتاب يقتضى عدم اجزائه للصبى فيما إذا لم يطف الحامل مطلقا لانه أطلق الاستثناء لكن فيه التفصيل والخلاف الذى كتبته والظاهر فيما إذا قصد كون الطواف للمحمول إجزاؤه للمحمول على ما تقرر فإذا لفظ الكتاب محمول على ما إذا لم يقصد ذلك وفى الوسيط ما يشير إليه (وقوله) ولا يكفيهما طواف واحد معلم بالواو لما مر من الوجه الثالث وبالحاء لان صاحب التتمة حكي عن أبى حنيفة رحمه الله مثله * قال (الفصل الخامس في السعي) (ومن فرغ من الطواف استلم الحجر وخرج من باب الصفا ورقى على الصفا مقدار قامة حتى يقع بصره علي الكعبة ويدعو ثم يمشي إلى المروة ويرقى فيها ويدعو ويسرع في المشى إذا بقى بينه وبين الميل الاخضر المعلق بفناء المسجد نحو ستة أذرع الي ان يحاذي الميلين الاخضرين ثم يعود إلى الهينة) * إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحجر الاسود ويستلمه ليكون آخر عهده بالاستلام كما افتتح طوافه به ثم يخرج من باب الصفا وهو في محاذاة الضلع بين الركنين اليمانيين ليسعى بين الصفا والمروة ويبدأ بالصفا لان النبي صلي الله عليه وسلم " بدأ به وقال ابدأوا بما بدأ الله به " ويرقى علي الصفا بقدر قامة رجل حتي يتراءى له البيت ويقع بصره عليه فإذا رقي عليه استقبل
البيت وهلل وكبر وقال الله اكبر الله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو علي كل قدير لا اله الا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده لا اله الا الله ولا نعبد الا اياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * ثم يدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا ثم يعود الي الذكر المذكور ثانيا ثم يدعو ثم يعود إليه ثالثا ولا يدعو وينزل من الصفا ويمشي الي المروة ويرقي عليها أيضا بقدر قامة رجل ويأتى بالذكر والدعاء كما فعل على الصفا * ثم ان المسافة بين الجبلين يقطع بعضها مشيا وبعضها عدوا * وبين الشافعي رضى الله عنه ذلك فقال ينزل من الصفا ويمشي على سجية مشيه حتى يبقى بينه وبين الميل الاخضر المعلق بفناء المسجد وركنه قدر ستة أذرع فحينئذ
يسرع في المشي ويسعي سعيا شديدا وكان ذلك الميل موضوعا على متن الطريق في الموضع الذى منه يبتدأ السعي اعلاما وكان السيل يهدمه فرفعوه إلى أعلا ركن المسجد ولذلك سمي معلقا فوقع متاخرا عن مبتدأ السعي بستة أذرع لانه لم يكن موضع اليق منه على الاعلى ويديم السعي حتى يتوسط بين الميلين الاخضرين اللذين أحدهما يتصل بفناء السمجد عن يسار الساعي والثاني متصل بدار العباس فإذا حاذاهما عاد إلى سجية المشى حتى ينتهي إلى المروة * قال القاضي الرويانى وغيره هذه الاسامي كانت في زمان الشافعي رضى الله عنه وليس هناك اليوم دار تعرف بدار العباس ولا ميل أخضر وتغيرت الاسامي * وإذا عاد من المروة إلى الصفا سعي في موضع سعيه اولا ومشى في موضع مشيه وليقل في سعيه (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الاعز الاكرم) وليكن من دعائه علي الجبلين ما يؤثر عن ابن عمر رضي الله عنهما (اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطواعية رسولك اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين اللهم آتنى من خير ما تؤتى عبادك الصالحين اللهم اجعلني من الائمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لى خطيئتي يوم الدين وجميع ما ذكرناه من وظائف السعي قولا وفعلا مشهور في الاخبار *
قال (والترقى والدعاء وسرعة المشى سنن ولكن وقوع السعي بعد طواف ما شرط فلا يصح الابتداء به فان سعى بعد طواف القدوم لا يستحب الاعادة بعده ولا يشترط الطهارة وشروط الصلاة بخلاف الطواف) * لما تكلم في وظائف السعي مخلوطة واجباتها بسننها أراد الآن أن يميز بينهما فمن السنن الرقى على الصفا والمروة والواجب هو السعي بينهما وقد يتأتي ذلك من غير رقى بان يلصق العقب باصل ما يسير منه ويلصق رؤوس أصابع رجليه بما يسير إليه من الجبلين * وعن أبى حفص بن الوكيل انه يجب الرقى عليهما بقدر قامة رجل * لنا اشتهار السعي من غير رقي عن عثمان وغيره من الصحابة رضى الله عنهم من غير انكار (ومنها) الذكر والدعاء فليس في تركهما الا ترك فضيلة وثواب (ومنها) سرعة المشي في الموضع المذكور والهينة في الباقي كالرمل والهينة في الطواف بالبيت (ومنها) الموالاة