مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويهصفحات 206-229
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 206-229
عن هذه الطبعة
عَلَم
إسحاق الكوسجعنوان
الكتاب
مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
المؤلف
إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (المتوفى: 251هـ)
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1425هـ - 2002م
عدد الأجزاء
9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]قام بإعداده للشاملة: أحمد عبد الله - عفا الله عنه -أخي الكريم: إذا أعجبك ترتيب الكتاب فلا تنسى أن تدعو الله بأن يسترني في الدنيا والآخرة

صفحة إحدى وسبعين ومائة إلى نهاية المدبر والمكاتب، والعتق صفحة ثمان ومائتين، وقد اخترت ترتيب هذه النسخة.
وصف النسخة الثانية النسخة الثانية هي العمرية التي انضمت أخيراً إلى المكتبة الظاهرية وبدأت هذه النسخة بعبارة: "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حدثنا إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المرزوي قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه: إذا أحدث قبل أن يسلم؟ قال يعيد الصلاة ما لم يسلم، فإن انقضاء الصلاة التسليم، فإن لم يسلم رجع فقعد، ثم سلم ما دام قريباً، فإذا تباعد ذلك أعاد.
وتشمل هذه النسخة على الأبواب والعناوين التالية:- العناوين ... الصفاحات بدأ بمسائل من باب الطهارة دون أن يعنون لها ... 2 باب التيمم ... 9 باب الصلاة ... 13 باب الجمعة ... 46 آخر الجزء الأول، وأول الثاني بسم الله الرحمن الرحيم باب الزكاة ... 50 باب المكاتب يزكي ما أخذه منه سيده ... 56

باب في زكاة مضارب يزكي غلته ... 57 باب من ابتاع قبل الفطر يطعم سيده عنه ... 59 باب في تعجيل الزكاة ... 60 كتاب الصيام ... 63 باب الحيض ... 67 بدأ في النصف الأخير من الصفحة في الكلام على غسل الميت، ولم يعنون له.
... 74 بدأ في كتاب الجهاد، ولم يعنون له ... 77 بدأ في الكلام على النكاح، ولم يبوب له ... 81 آخر الجزء الثاني، وأول الثالث ... 89 باب الرضاع ... 92 باب الظهار ... 94 باب الوصايا ... 133 باب الهبة ... 133 آخر الجزء الثالث، وأول الرابع ... 137 بقية باب الهبة ... 137 باب المكاتب ... 143 باب الأيمان ... 155 باب المناسك ... 163

آخر الجزء الرابع، وأول الخامس ... 184 باب الحدود ... 192 باب القسامة ... 215 باب البيوع ... 236 آخر الجزء الخامس، وأول السادس ... 246 آخر الجزء السادس، وأول السابع ... 311 باب الصيد والذبائح ... 321 باب الأشربة ... 326 باب الشهادات ... 321 كتاب المواريث ... 326 مسائل شتى ... 336 وتحتوي هذه النسخة على تسع وسبعين ومائة ورقة ذات وجهين: أربعة وستون وثلاثممائة صفحة، في كل صفحة ما بين أربعة وثلاثين، واثنتين وعشرين سطراً، وفي كل سطر خمس عشرة كلمة تقريباً، وهي بخط عادي رديء متداخلة السطور والكلمات وهي منقوطة غالباً، ويختلف رسم بعض الكلمات عن القواعد الإملائية الحديثة فيكتب عثمان، وبئر، ولوى، وأعطى، وتطلى، وشراء هكذا: عثمن، وبير، ولوا، وأعطا، وتطلا، وشرى.
ويوجد بها نقص في عدة مواضع فنقص مقدار ورقة من كتاب

الجهاد كما نقص في كتاب الصيد والذبائح، وفي كتاب العتق.
وكتبت هذه النسخة بخط محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ابن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، وكان الفراغ منها يوم السبت شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة بصالحية دمشق.
وجاء في آخر هذه النسخة ما نصه: "وكتبه لنفسه أفقر عبده إلى ربه عز وجل محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، ثم ساق نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: "وكان الفراغ منه يوم السبت شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة بمحلة الصالحين، بمنزله بصالحية دمشق المحروسة، وغفر الله له، وللمسلمين أجمعين آمين.
وكتب بالهامش: آخر الأجزاء كلها.
وامتازت هذه النسخة بأنها صححت بعض الأخطاء اللغوية التي وقعت في النسخة الظاهرية، وزادت بعض المسائل، ووضحت بعض العبارات الغامضة، وأكملت بعض الخروم التي في الظاهرية.
وقد قابلت بين النسختين، وأخذت منها المسائل التي انفردت بها عن الظاهرية ووضعتها في القسم المحقق في الموضع الذي أصادف فيه المسألة الزائدة، وأشرت في الهامش إلى أن المسألة انفردت بها النسخة العمرية.
وهناك نسخة ثالثة مصورة من دار الكتب المصرية تشتمل على

تسعة وعشرين وأربعمائة ورقة ذات وجهين في كل صفحة واحد وعشرون سطراً، وعدد كلمات كل سطر بين سبع، وثمان كلمات، وهي منقولة عن النسخة الظاهرية كتبت عام 1362هـ الموافق 1943 بخط عبد اللطيف فخر الدين الناسخ بالدار.
ويقع القسم الذي قمت بتحقيقه في هذه النسخة من الصفحة الثانية من المجلد الثاني من كتاب الجهاد، إلى صفحة اثنتين وأربعين ومائة آخر كتاب العتق والدبر والمكاتب.
وقد جعلت النسخة الظاهرية الأصل، وذلك لامتيازها عن بقية النسخ بالأمور التالية: 1- قدم النسخة، حيث إنها كتبت في القرن الرابع كما سبق.
2- كون النسخة كاملة، لا ينقص منها شيء في الجزء الذي اخترته.
3- عدم وجود الطمس والبياض فيها.
4- وضوح النسخة، وجودة خطها بالنسبة إلى النسخة العمرية.

المبحث الثاني توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه

لقد كتب المؤلف كتابه عن الإمام أحمد وإسحاق، وقام بتدريسه بخراسان، وتتلمذ عليه، وأخذ هذه المسائل عنه كثير من الأئمة كالإمام الترمذي الذي سمع بعض هذه المسائل عن الحافظ إسحاق بن منصور المروزي مباشرة، كما صرح بذلك في شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي، وقد ضمن الترمذي كتابه كثيراً من هذه المسائل وجعله العمدة في ذكر مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه. قال الترمذي: وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو ما أنبأنا به إسحاق بن منصور الكوسج عن أحمد وإسحاق إلا ما في أبواب الحج، والديات، والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور، وأخبرني به محمد بن موسى الأصم عن إسحاق بن منصور عن أحمد وإسحاق1.
وبعد وفاة المؤلف كان الكتاب يروى من طريقين: من طريق الرواية عن تلاميذه، ومن طريق كتابه الذي كان قد فرغ من تأليفه، وتهذيبه في حياته، فنرى الخلال يروي هذه المسائل في الغالب عن طريق

محمد بن حازم، فإذا لم يذكر الراوي المسألة بتمامها، واحتاج إلى إكمالها أخذها من نسخة المؤلف وأشار إلى ذلك كما فعل في مسألة ترك التسمية على الذبيحة، فقال بعد أن روى المسألة من طريق الراوي، ثم أضاف رأي الإمام أحمد من كتاب المسائل لابن منصور وقال: قول أحمد لم يقرأه علينا الشيخ كتبناه من أصل كتابه1.
وقد اشتهرت هذه المسائل أنها من تأليف إسحاق بن منصور المروزي المعروف بالكوسج، فلم يترجم أحد له، إلا وقرنه بتأليفه كتاب المسائل عن الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ويتأيد نسبة الكتاب إلى مؤلفه ابن منصور بأمور منها: 1- عنوان الكتاب الثابت في الورقة الأولى من النسخة الظاهرية، وجاء فيه ما نصه: "كتاب المسائل عن إمامي أهل الحديث، وفقيهي أهل السنة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، رضي الله عنهما، ألفه ورواه عنهما إسحاق بن منصور المروزي الحافظ رحمه الله، وجزاه خيراً." 2- كتب الترجمة ذكرت أن إسحاق بن منصور المروزي قد سأل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه مسائل، وألف كتاباً باسم مسائل الإمام أحمد وإسحاق.

فقال الخطيب البغدادي: وكان إسحاق بن منصور عالماً فقيهاً، وهو الذي دون عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه المسائل في الفقه.1
وقال السمعاني: هو الذي يروي المسائل عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.2
ونقل المزي كلام الخطيب البغدادي السابق.3
وقال الذهبي: وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل الذي يستهزئ به المبتدعة، والمتجرئون.4
وقال ابن حجر: تتلمذ لأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين وله عنهم مسائل.5
3- كتب تراجم أصحاب الإمام أحمد وذكرت هذه المسائل ونسبتها إلى إسحاق بن منصور المروزي.
قال أبو يعلى الفراء: وكان إسحاق عالماً فقيهاً، وهو الذي دون عن إمامنا المسائل في الفقه، وأورد أمثلة بذكر بعض المسائل ساقها بالسند

التالي إلى إسحاق بن منصور: أبنأنا رزق الله عن أبي الفتح بن أبي الفوارس قال أبو بكر بن مسلم حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج1.
وقال ابن مفلح المقدسى: هو الذي دون عن إمامنا المسائل في الفقه وكان عالما فقيهاً، ونحو قول ابن مفلح قال العليمي في كتابه المنهج الأحمد2.
4- كتب الفهارس والمخطوطات ذكرت كتاب المسائل ونسبتها إلى إسحاق بن منصور المروزي، وأنه رواه عن الإمام أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، ذكر ذلك كل من بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، وفؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي3.
5- وقد تظافرت كتب المذهب من نقل المسائل برواية إسحاق بن منصور المروزي والاحتجاج بها، مثل الفروع لابن مفلح، والمحرر، والروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى الفراء، والقواعد لابن رجب، والمغني لابن قدامة والمبدع لابن مفلح، والإنصاف للمرداوي، وقد تطابق

كثير من نصوص هذه الكتب بما في مسائل ابن منصور.
وهم يشيرون إليه بلفظ: "قال أحمد في رواية ابن منصور"، أو قال: "في راوية ابن منصور"، أو: "ابن منصور الكوسج"، أو قال: "في رواية الكوسج"، وقد نقلت أثناء تحقيق الكتاب جملة من نقولاتهم.
كما أن كتب الخلاف نقلت من هذه المسائل إما بالنص، أو بالمعنى، وقد ضمن ابن المنذر مؤلفاته مثل الأوسط، والإشراف هذه المسائل واعتمد عليها في معرفة مذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من الأئمة المذكورة أقوالهم في الكتاب.
ونادراً ما يشير إلى الروايات الأخرى، وغالباً يذكر المسالة بنصها وكذلك فعل ابن نصر المروزي في كتابه اختلاف العلماء، فكثيراً ما نجد مسائل منقولة من هذه المسائل.
ثم توالت النقول عن هذه المسائل إما عن طريق كتب الخلاف كالأوسط والإشراف لابن المنذر كما فعل النووي في المجموع.
وإما بالرجوع إلى كتاب المسائل كما فعل أغلب من ألف في المذهب، وإما بالرجوع إلى الكتب التي نقلت عن هذه المسائل، وإلى كتاب المسائل، كما ظهر لي ذلك لدى تتبعي لكتاب المغني لابن قدامة.
6- وكان لإشاعة رجوع الإمام أحمد عن هذه المسائل أثر في شهرتها، فقد شاع في الآفاق رجوع الإمام أحمد عن هذه المسائل حتى بلغ ذلك إسحاق بن منصور بخراسان، روى الخطيب باسناده عن أحمد بن

الربيع بن دينار- وهو من أصدقاء أحمد بن حنبل- قال: قال أحمد: بلغني أن الكوسج يروي عني مسائل بخراسان، أشهدوا أني رجعت عن ذلك كله1.
وقال أبو نعيم: قلت لصالح بن أحمد بن حنبل: عندنا شيخ يروي حكاية عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال: قد رجعت عما رواه إسحاق الكوسج عني، وذكرت له هذه الحكاية، فقال صالح: إني قلت لأبي: بلغني أن إسحاق بن منصور روى بخراسان هذه المسائل التي سألك عنها، ويأخذ عليها الدراهم فغضب أبي من ذلك، واغتم مما أعلمته فقال: تسألوني عن المسائل، ثم تحدثون بها، وتأخذون عليها؟ وأنكر إنكاراً شديداً، قال صالح: فقلت له: إن أبا نعيم الفضل بن دكين كان يأخذ على الحديث، فقال: لو علمت هذا ما رويت عنه شيئاً، قال صالح: ثم أن إسحاق بن منصور قدم بعد ذلك بغداد فصار إلى أبي فأعلمته أنه على الباب فأذن له، ولم يتكلم معه بشيء من ذلك2.
وقال أبو الوليد حسان بن محمد: سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن بعض تلك المسائل التي علقها عنه، قال فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب،

وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها فأقر له بها ثانياً، وأعجب بذلك من شأنه1.
وبعد إقرار الإمام أحمد بهذه المسائل للمرة الثانية صارت هذه المسائل أصلاً، ومعتمداً عليه في معرفة مذهب الإمام أحمد وإسحاق ابن راهوية قال الحسن بن حامد البغدادي إمام الحنابلة في زمانه: "وقد رأيت بعض من يزعم أنه منتسب إلى الفقه يلين القول في كتاب إسحاق بن منصور، ويقول أنه يقال: إن أبا عبد الله رجع عنه، وهذا قول من لا ثقة له بالمذهب إذ لا أعلم أن أحداً من أصحابنا قال بما ذكره، ولا أشار إليه".
وكتاب ابن منصور أصل بداية حاله، تطابق نهاية شأنه، إذ هو في بدايته سؤلات محفوظة، ونهايته: أنه عرض على أبي عبد الله فاضطرب، لأنه لم يكن يقدر أنه لما سأله عنه مدون، فما أنكر عليه من ذلك حرفاً، ولا رد عليه من جواباته جواباً بل أقر على ما نقله، أو وصف ما رسمه، واشتهر في حياة أبي عبد الله ذلك بين أصحابه، فاتخذه الناس أصلاً إلى آخر أوانه.2

المبحث الثالث منهج ابن منصور في مسائله

لم يصدر إسحاق بن منصور كتابه بمقدمة يشير إلى منهجه في التأليف ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنهم في ذلك الزمن المتقدم لم يتعودوا أن يقدموا لمؤلفاتهم توطئه يبينون فيه عملهم في الكتاب.
وأثناء خدمتي للكتاب، وتتبعي لطريقة المؤلف، وعمله تبين لي أن المؤلف ينهج في كتابه النهج الآتي: 1- في الغالب الأعم يوجه السؤال إلى الإمام أحمد بلفظ "قلت لأحمد" أو "قلت" ويكتفي بمعرفة المسئول من السياق1.
أو يقول: سئل أحمد، أو سئل عن كذا دون ذكر المسئول2، أو يقول: قيل لأحمد3.
وأكثر المسائل سئل عنها بلفظ "قلت لأحمد" أو قلت فقط، والذي يظهر لي أنه فرق بين ما سأل الإمام أحمد بنفسه فعبر فيه بلفظ قلت، وبين ما سأله غيره، وسمع السؤال والإجابة عليه فعبر عنه بلفظ "سئل أحمد" أو "قيل للإمام أحمد".

2- وأحياناً يعرض عليه حديثاً نبوياً، ثم يعقبه باستفسار عن بعض الأحكام التي يستفاد من الحديث1.
3- كما يعرض عليه قول صحابي، أو تابعي للوقوف على رأي الإمامين فيه2.
4- وعرض على الإمامين آراء كثير من الفقهاء، وأغلب من عرض رأيهم: سفيان الثوري، والأوزاعي، والنخعي، والقاضي شريح، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وعطاء، والإمام مالك، والحسن البصري، وقتادة، وإياس بن معاوية، وابن شهاب الزهري، وقد أكثر من عرض مسائل عن الإمام الأوزاعي في كتاب الجهاد دون بقية الأبواب ولعل السبب في ذلك وجود كتاب للأوزاعي باسم سير الأوزاعي، وللأسف الكتاب لم يصل إلينا، والذي وصل إلينا، وبقى منه هو ما ضمنه أبو يوسف الأنصاري كتابه الرد على سير الأوزاعي وما جاء ضمن كتاب الأم للإمام الشافعي بعنوان سير الأوزاعي3.
وأما قول الإمام سفيان الثوري فيعرضه غالباً قبل نهاية كل باب وأحياناً يخالف هذا المنهج، فيأتي بقوله في بداية الباب، أو وسطه.

والسبب من إكثار عرض أقوال الثوري على الإمامين، أن الثوري كان من العلماء الذين جمع لهم الفقه، والحديث فكان من فقهاء المحدثين الذين اعتنى العلماء بجمع أقوالهم، وتدوينها، فنرى أن عبد الرزاق الصنعاني قد ضمن كتابه كثيراً من آرائه، وفتاويه الفقهية، وكذلك فعل ابن أبي شيبة في مصنفه، إلا أنه لم يكثر كما فعل عبد الرزاق، وصدر ابن نصر المروزي كتابه، وبداية كل مسألة فيه بآرائه، وأقواله كما اهتم بنقل أقواله ابن المنذر في كتابيه الأوسط والإشراف.
فكان للثوري مكانته العلمية المرموقة في ذلك الزمن، وكان يرأس مدرسة فقهاء أهل الحديث في زمانه، ولذا أكثر ابن منصور من عرض أقواله على الإمامين ليرى رأيهما فيه من حيث الموافقة والمخالفة.
5- وكان يعرض السؤال، وجواب الإمام أحمد وغيره من الأئمة على الإمام إسحاق بن راهويه.
والذي يظهر من أسلوب ابن منصور في الكتاب أنه كان قد سأل هذه المسائل الإمام أحمد، ودوّن إجاباته ثم ذهب إلى الإمام إسحاق، وعرض عليه تلك المسائل فما وافق فيه إسحاق أحمد كتب تحت المسألة "قال إسحاق كما قال" وإذا خالف إسحاق أحمد بين رأيه.
فلذا نراه يقدم أحمد ويذكر قوله بالتفصيل، بخلاف جواب إسحاق إذا كان موافقاً، وفعل ذلك ابن منصور ليعرف مذهبهما في المسألة وليثبت وجه الاتفاق، والاختلاف بينهما، باعتبارهما إمامي أهل السنة

وفقيهي أهل الحديث في زمانهما. 6- أتى بجواب الإمام إسحاق على أربعة نماذج: أ- موافقة الإمام إسحاق للإمام أحمد، فيذكر إسحاق بن منصور موافقته هذه بعبارة: قال إسحاق كما قال، أو كما قال أحمد. ب- موافقته على قول الإمام أحمد، وتعقيبه عليه، بما يبين المسألة ويوضحها، والاستدلال لها. جـ- موافقته لقول من عرض رأيه على الإمام أحمد كسفيان الثوري أو الأوزاعي، ويسوقه بعبارة قال إسحاق كما قال سفيان وقد يعقب عليه بما يوضحه ويبينه. د- مخالفته لقول الإمام أحمد، فيذكر رأيه، وغالباً يستدل على رأيه، أو بيان وجه مخالفته. 7- يذكر أحياناً قول الإمام أحمد ولا يتبعه بقول الإمام إسحاق وأحياناً يذكر قول الإمام إسحاق، ولا يذكر قول الإمام أحمد وغالباً ما يكون ذلك في نهاية الباب، أو الكتاب1.
8- يوضح المعنى المراد من قول الإمامين أحمد وإسحاق2.
9- يحاور الإمام أحمد، ويكرر عليه السؤال، ويعترض على جوابه

بجزئيات قد يتغير من أجلها الحكم الذي قاله الإمام أحمد1.
10- كتب روايته عن الإمامين بأسلوب موجز لم يلجأ فيه إلى التطويل، فوردت عباراته على شكل أسئلة، وأجاب عنها الإمامان أحمد وإسحاق، وكانت إجاباتهم مختصرة دقيقة. 11- يشير إلى الدليل بأوجز عبارة. فقد سأل الإمام أحمد عن المتاع يصيبه العدو، ثم يفيئه الله على المسلمين، فأجاب الإمام أحمد: أنه يرد على صاحبه ما لم يقسم، قال إسحاق بن منصور: احتج -الإمام أحمد- على قوله بحديث العضباء حيث أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة، والحديث طويل اقتصر منه بشهرته لديهم، وموضع الشاهد منه.2
وأحياناً يذكر اسم راوي الحديث، أو إلى رجل من الإسناد أو يشير إلى كلمة من متن الحديث، أو معنى فيه.
هذا من ناحية طريقته، وأسلوبه في إلقاء الأسئلة، وترتيب الكتاب، أما طريقته في اختيار الأسئلة ففي الغالب الأعم وردت أسئلته في أمور خلافية بين الفقهاء، إما لاختلاف الآثار الواردة فيها، وإما لورود حديثين في المسألة، ويختلف درجتهما من الصحة فيريد ابن منصور أن يقف على

رأي الإمامين أحمد وإسحاق، وبأيهما يأخذان. وإما أن يجتهد بعض الصحابة في بعض المسائل اجتهاداً يتعارض مع ما يبدو من ظاهر بعض النصوص فيسأل الإمامين عن رأيهما في هذا الاجتهاد1.
وإما أن يكون الأئمة اختلفوا في آية أهي منسوخة، أم غير منسوخة؟ فقد سأل ابن منصور الإمام أحمد: أيقتل الأسير، أو يفادى أحب إليك؟ وهنا خلاف بين الأئمة مرجعه اختلافهم في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ 2. هل هي منسوخة أو هي محكمة يعمل بها؟ 3 وقد يقع السؤال في حديث عام، وله صور شتى تشملها بعمومها ويسأل عن جزئية من العموم هل يشملها العموم في النهي أو أن هناك

دليلاً خاصاً يخرجها من دليل العموم. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال والذراري والنساء، وغير المقاتلين. فسأل ابن منصور عن حكم شن الغارة على المشركين ليلاً وقد يصاب الذراري، والأطفال، ومن لا يجوز قتلهم، فأجاب الإمامان: أن هذا لا يدخل في عموم لفظ النهي إذا لم يقصدوا قتلهم، وأن العموم هنا مخصوص بحديث الصعب بن جثامة.1
وبعد: كان هذا سرداً موجزاً لأسلوب الحافظ إسحاق بن منصور المروزي تبين لي ذلك أثناء تتبعي طريقته في إلقائه لأسئلته، وترتيب كتابه ومراجعتي لكتب الفقه والآثار في كل مسئلة قمت بتحقيقها.

المبحث الرابع أهم مميزات كتاب المسائل برواية إسحاق بن منصور المرزوي عن بقية كتب المسائل

دون كثير من أصحاب الإمام أحمد عنه مسائل وهم متفاوتون فيما بينهم في القلة والكثرة والترتيب، والتبويب، وقد امتاز كل واحد منهم عن غيره ببعض الميزات، وإن كانت كلها كتباً قيمة خرجت من مشكاة واحدة، ومتممة بعضها لبعض، وأضافت إلى مكتبة الفقه الإسلامي مسائل تهم المسلمين في حياتهم اليومية.
وقد امتاز كتاب مسائل الحافظ إسحاق بن منصور المروزي عن غيره من كتب المسائل بميزات أهمها: 1 - كثرة المسائل التي نقلها عن الإمامين، وتطرقها إلى جزئيات كثيرة، لم يتطرق إليها غيرها.
2 - نقله فقه الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهوية في هذه المسائل ومقارنته بفقه الإمام أحمد، ومعرفة سر اقتران قول الإمامين أحمد وإسحاق في كتب الخلافيات، حيث إنها نقلت ذلك من مسائل ابن منصور مباشرة أو من الكتب التي نقلت أقوالهما كسنن الترمذي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والكوسج سأله مسألة لأحمد وإسحاق، وكذلك حرب الكرماني… ولهذا يجمع الترمذي قول أحمد

وإسحاق؛ فإنه روى قولهما من مسائل الكوسج1.
3 - عرضه كثيراً من أقوال الصحابة والتابعين على الإمامين، وتدوين رأي الإمامين في هذه الأقوال من حيث العمل بهذه الأقوال أو العمل بغيرها من النصوص مع بيان السبب. 4 - معرفة رأي الإمامين في أقوال الفقهاء السابقين، فقد عرض كثيراً من آراء الثوري، والنخعي، والأوزاعي، وشريح القاضي، وأخذ رأي الإمام أحمد وإسحاق في أقوالهم، ولهذا يعد كتابه من كتب الفقه المقارن، قارن بين كثير من آراء الفقهاء السابقين لعصره2.
5 - كتب هذه المسائل عن الإمام أحمد ثم عرضها عليه مرة ثانية فأقر له بها، وأعجب بذلك من شأنه، كما عرض عبد الله بن الإمام أحمد بعض مسائل ابن منصور على أبيه3 مما أضاف إلى هذه المسائل مزيداً من التوثيق والتنقيح، فصارت عمدة في المذهب4.
6 - نقل بعض مؤلفي المسائل عن الإمام أحمد من مسائل ابن منصور وتضمينهم له مع مسائلهم المدونة عن الإمام، كما فعل عبد الله

ابن الإمام أحمد رحمهم الله1.
7 - اهتمام الكتب التي نقلت مذاهب العلماء بهذا الكتاب، فقد نقل ابن المنذر أغلب نصوص الكتاب في مؤلفه الأوسط والإشراف واعتمد عليه في معرفة مذهب الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة المذكورة آراؤهم في الكتاب، وكذلك فعل الترمذي في سننه وابن نصر المرزوي في كتابه اختلاف العلماء.
8 - انتشار مذهب الإمام أحمد وإسحاق في كتب الخلاف عند المذاهب الأخرى عن طريق هذه المسائل، وذلك لاعتمادهم على كتب ابن المنذر في ذكر أقوال العلماء، وسنن الترمذي.

المجلد الثاني

فصول الكتاب · 7 فصل · 4914 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه · 4914 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة والصلاة
كتاب الزكاة
كتاب الحيض
كتاب الطلاق
كتاب المناسك
كتاب الكفارات
جارٍ التحميل