المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- إسحاق الكوسجعنوان
- الكتاب
- مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
- المؤلف
- إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (المتوفى: 251هـ)
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1425هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]قام بإعداده للشاملة: أحمد عبد الله - عفا الله عنه -أخي الكريم: إذا أعجبك ترتيب الكتاب فلا تنسى أن تدعو الله بأن يسترني في الدنيا والآخرة
المبحث الأول: في الحالة الدينية
عندما يريد الباحث دراسة شخصية من الشخصيات التي تركت طابعها المميز في مجتمعه وكان لها أثر عظيم في حياة مجتمعه والمجتمعات اللاحقة، فلابد من الإلمام بالبيئة التي عاش فيها والعوامل التي تأثر بها والظروف التي أحاطت به، وذلك لأنه ما من مولود إلا يولد على الفطرة1 ويتأثر بأبويه في تكوين شخصيته، ثم بالبيئة التي تحيط به، والإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس لحبّه المؤانسة، وإيثاره الاجتماع ولتلبية احتياجاته المختلفة، فيتأثر بهم2، فعلى حسب العوامل المختلفة الأثر تكون طبيعة النبوغ ونوعيته، ودرجته.
وعلى هذا، فإن للعصر تأثيراً قوياً في حياة الأشخاص وسيرتهم لذلك رأيت أن أقدم نبذة موجزة عن العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإسحاق بن منصور الكوسج، رحمهم الله، وهي الفترة ما بين (161-251هـ.)
والكلام عن هذا العصر سيكون من نواحيه الأربعة: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية باختصار.
فأقول وبالله التوفيق،،،
المبحث الأول الحالة الدينية
من المعلوم أن كمال المجتمع، وصلاحه، وسعادته في تمسكه بدينه، وعقيدته، وكلما ازداد في تمسكه والتزامه بدينه وعقيدته يزداد سعادة وكمالاً، ويبتعد عن مزالق الفتن، ويحظى بتوافر العز.
والقارئ لتاريخ الأمة الإسلامية يدرك ذلك تمام الإدراك فكلما كانت الأمة متمسكة بدينها، قائمة بأمر ربها عز وجل، سائرة على نهج رسولها صلى الله عليه وسلم كان لها العزة، والقوة، ونفوذ الكلمة بين الشعوب، والهيبة في قلوب الأعداء، والطامعين.
ولما دب فيهم ضعف الإيمان، وقلة اليقين، والانفلات من عرى الإسلام، والإخلاد إلى الراحة واللامبالاة، سيطر عليهم الأعداء، واحتلوا بلاد الإسلام، وعندما يعود المسلمون إلى دينهم يعود إليهم مجدهم التليد.
والأئمة الذين نحن بصدد الكلام عنهم كادوا ي دركوا القرون المفضلة، المشهود لها بأنها خير القرون، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله بإسناده عن عمران بن حصين رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم1 ثم الذين يلونهم.
- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثاً - ثم إن بعدكم قوماً يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن."1
وفي العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، كان الإسلام بتعاليمه القيمة ومبادئه السمحة، قد صهر الأمم الإسلامية على اختلاف ألوانها ولغاتها وأجناسها في بوتقة واحدة، وتقلصت الفروق، وحل محلها وحدة إسلامية، وارتبطت الحياة العامة سياسياً وإدارياً ومعاملة، وحكماً ارتباطاً وثيقاً بتعاليم الدين الحنيف بل كل مرافق الحياة.2
واشتهر كثير من الأئمة في هذا العصر ممن كانوا المثل الأعلى في الإيمان، يتبين فيهم القارئ لتراجمهم ورعهم، وتقواهم، وإيمانهم الصادق، وزهدهم عن الدنيا، وسعيهم الدائب لإعزاز الدين، ورقي المسلمين، وقد التقى الأئمة الثلاثة بكثير من هؤلاء الفضلاء، وأخذوا عنهم العلم، وتأثروا بمواقفهم وسلوكهم كما سيأتي إن شاء الله في مبحث شيوخ كل واحد
منهم.
وكان المسلمون على مختلف طبقاتهم متمسكين بدينهم متقيدين بأحكامه يبذلون النفس والنفيس في الدفاع عنه.
كما أن الخلفاء العباسيين كانوا مثالاً للشعب في ذلك وكانت نظرة الشعب إليهم على أنهم حماة للإسلام وأهله فنجد أبا جعفر المنصور قد أحاط الخلافة بالإجلال الديني، كما أن المهدي كان شديد الحرص على التمسك بالدين، وعدم الزيادة فيه والنقصان، يظهر ذلك من موقفه الذي رد به على رجل عندما دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فقيل له حدث أمير المؤمنين، فحدثه عن أبي هريرة مرفوعاً "لا سبق إلا في حافر أو نابل، وزاد فيه" أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف ردهم، فلما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذّاب، وإنما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت."1
وكان الرشيد كثير الغزو والحج، وكان يصلي في خلافته في كل
يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله هذا مع إجلاله للعلم وأهله، وتعظيمه لحرمات الإسلام، وبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه، وكان يبكي على نفسه، وعلى إسرافه، وذنوبه، سيما إذا وعظ.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه.1
وكان العلماء يقومون بواجبهم من النصح للخلفاء، وتحذيرهم من مغبة التهاون بمسؤولياتهم، وتذكيرهم بالأمانة التي أنيطت بعواتقهم لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة يوم القيامة، حدثنا ليث عن مجاهد ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ، قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا،2 فجعل هارون يبكي ويشهق ولما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر أعيان دولته أن يعزوه وله أخبار - إن صحت - في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.3
والمأمون كان من طلبة العلم، وبرع في الفقه، والعربية، وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة، وعلم الأوائل ومهر فيها،1 غير أنه أخذ عليه أمران:
الأول: إدخاله علوم الفلسفة، وتشجيعه على نشرها، وتعليمها بينما كان السلف الصالح في غنى عنها.
والثاني: البلاء الذي نتج عن هذه العلوم الدخيلة حيث جرّ إلى القول بخلق القرآن، واضطهد بسببه جمع من العلماء، وكان من أشدهم بلاء في ذلك إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله كما سيأتي إن شاء الله في مبحث محنته.
وكان في المجتمع طبقة من ضعفاء التدين، والمتشككين، ومن يقرأ كتاب الأغاني، ودواوين شعراء هذه الحقبة يخال أن الحياة كلها لهو ومجون وإباحة، وإذا قرأ طبقات المحدثين والكتب التي دونت سير العلماء، وحياتهم ومعيشتهم خال أن الحياة كلها دين وورع وتقوى.
والإنصاف أن الحياة كانت ذات صنوف وألوان، وأن كلتي السمتين كانتا موجودة2، إلا أن الطابع العام للدولة: التدين والتمسك بالإسلام.
وأما اللهو والمجون فكان سمة بعض المترفين، ومن يلوذ بهم من الشعراء وغيرهم، وتلك سنة الله في عباده لابد في كل مجتمع أيّاً كان ذلك المجتمع من وجود الصنفين من الناس، متبع لأمر الله، ومخالف للمنهج القويم، وضال للصراط المستقيم.
المبحث الثاني الحالة السياسية
تعتبر الفترة التي عاش فيها الأئمة الثلاثة من أزهى عصور الإسلام سياسياً، وحضارياً، وثقافياً، وقد تولى الحكم فيها ثمانية من خلفاء بني العباس، وهم مرتبون على حسب ترتيبهم التاريخي:
1- المهدي: هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المنصور الملقب بالمهدي ولد سنة سبع وعشرين ومائة وبويع بالخلافة بعد موت أبيه لستٍ مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة فكان حكمه إبان قوة الدولة العباسية.
وكانت خلافته مرفهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور فأطلق كثيراً من السجناء، وأمر ببناء الأحواض في طريق مكة ليكون الاستقاء سهلاً لرجال القوافل، وأقام البريد بين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومكة واليمن، وقام بتوسيع المسجد الحرام.
وكان خلافته عشر سنين وشهراً، وبعض شهر، وكان محمود العهد والسيرة محبباً إلى الرعية، حسن الخلق والخلق جواداً1
ولما أفضت إليه الخلافة كان من أحسن الناس سيرة، وأكثرهم غزواً وحجاً، وكان عهده عهد خيرٍ وازدهار، واستقرار على الرغم من كل الفتن التي تغلب عليها الرشيد بسياسته ودهائه كما قام بتحصين الحدود، وتعيين خيرة القادة عليها، ونتيجة لذلك تفوقت القوة الإسلامية، وانتصرت على البيزنطيين، ووصلت الدولة العباسية إلى قمة مجدها، وأوج عظمتها نفوذاً في السلطان ورقياً في العمران، وعروجاً في العلم، واستتباباً في الأمن، واتساعاً في الأرض، حتى أن الرشيد كان يستلقي على ظهره، وينظر إلى السحابة المارة ويقول: اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك.
توفي هارون الرشيد بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة وكانت مدة ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً وله ست وأربعون سنة1.
وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في زمن خلافة الرشيد يطلب العلم ويحصله ليله ونهاره كله في سبيله.2
4- الأمين: هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، بويع له في سنة
ثلاث وتسعين ومائة ومضى مدة خلافته في الدفاع عن الملك من أخيه المأمون فدارت رحى الحرب بينهما ولم تسكن حتى قتل الأمين سنة 198.
وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، قتل وله سبع وعشرون سنة.
وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب، واقتناء السودان والخصيان، وإعطاءه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنيين من سائر البلاد والاعتناء ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، فأنفق في ذلك أموالاً كثيرة جداً فكثر النكير عليه بسبب ذلك1.
5- المأمون: هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي تولى الخلافة بعد قتل أخيه الأمين سنة ثمان وتسعين ومائة، وظل بخرسان، ويدير أموره الفضل بن سهل الذي كان يرى لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون، وكان لهذا التدبير مضار شديدة واضطرابات كادت تقضي على ملك المأمون وتنبه المأمون لحالة البلاد فتولى زمام الأمور بنفسه، ورجع إلى بغداد حاضرة آبائه، ومن ذلك الوقت ابتدأ ملكه الحقيقي، وتجلت مزاياه العالية، ونهض بأعباء الدولة، وتصريف أمورها
وما أن استقرت الأمور حتى عادت الغزوات ضد الأعداء، وقد قاد بعضها المأمون بنفسه حتى مات غازياً بأرض الروم، ودفن بطرسوس.
أخذ عليه اتباعه القول بخلق القرآن ودعوته إلى ذلك، والمبالغة في حمل الناس على هذا الرأي الخاطئ.
وكان وفاته سنة ثماني عشرة ومائتين، وكانت ولايته عشرين سنة وأشهراً.1
6- المعتصم بالله: هو محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبو إسحاق ولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، كان شهماً وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وكان همّه الإنفاق في الحرب دون سواها، فملك من آلات الحرب، والدواب ما لم يتفق لغيره وكان أمياً لا يحسن الكتابة، وقيل كان يكتب كتابة ضعيفة، حمل الناس على القول بخلق القرآن، وعذب العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بالسياط كما سيأتي ذكره في المحنة إن شاء الله.
وكانت وفاته بسُرّ من رأى سنة سبع وعشرين ومائتين2.
7- الواثق بالله: هو هارون بن المعتصم، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، واستمرت في عهده محنة القول بخلق القرآن، وأهان العلماء، وقتل بيده أحمد بن نصر الخزاعي، ثم أمر بتتبع أصحابه، فأخذ من كبارهم نحو ثلاثين رجلاً، فأودعهم السجون، وعذبهم توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكانت ولايته خمس سنين وثمانية أشهر1.
8- المتوكل على الله: هو جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
ومن محاسنه: أنه أظهر السنة بعد البدعة، وضرب على أيدي المبتدعين وأخمد القول بخلق القرآن، وأخرج العلماء المسجونين، من بينهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وبقى خليفة للمسلمين إلى أن قتل سنة سبعة وأربعين ومائتين بأمر من ابنه المنتصر.2
واستمرت الدولة العباسية زهاء خمسة قرون قال الخيري: إن هذه
الدولة من كبار الدول، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تديناً، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة، ثم مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة.
وقال في موضع آخر: كانت دولة كثيرة المحاسن، جمة المكارم أسواق العلوم فيها قائمة، وبضائع الآداب فيها نافقة.
وشعائر الدين فيها معظّمة والخيرات فيها دارّة، والدنيا عامرة، والحرمات مرعية، والثغور محصنة.
وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها، فأنتشر الجبر، واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة.1
ويعتبر عصر الخلفاء الذين تقدمت الدارسة عنهم من أفضل عصور الخلافة العباسية وبعد هذا العصر بدأت الخلافة العباسية تميد بالخطوب والفتن وتنافس عليها الخصوم، والعناصر المختلفة، كما تنازع القادة فيما بينهم وكان هذا نذير الفناء والبلاء.
والأئمة الثلاثة أدركوا الدولة العباسية وهي في قمة مجدها، وعظمة قوتها، وحضارتها لا سيما أيام الرشيد، وولده المأمون كما أدركوها وهي تنحدر من هذه القمة إلى مهاوي الانقسام السياسي والعصبي، وكان من أثر السياسة التي سار عليها المعتصم في الاستعانة بالأتراك، وأزجل لهم
الهبات والعطايا دون غيرهم أن دب في نفوس العرب دبيب الغيرة والحسد لهؤلاء الأتراك، مما أدى إلى إقصاء قواد العرب والفرس تدريجياً، ووقوع المعتصم في أيدي قواده الأتراك.
كما كان لاعتماد المعتصم على الأتراك أثر سيئ في نفوس العرب فثاروا في بلاد الشام تحت زعامة أبي حرب المبرقع اليماني.
وكان هؤلاء حرباً عليه وعلى خلفائه من بعده، وتلا ذلك فساد واضطراب في بغداد حاضرة الدولة، والأقاليم التابعة لها ومضى القرن الأول العباسي والأندلس للأمويين، والمغرب الأقصى للأدارسة، وإفريقيا للأغالبة، وخراسان لآل طاهر بن الحسين، والفرس والترك وطوائف من العرب حرب للدولة يكيدون لها المكايد ويتربصون بها الدوائر.
وقد نأى الإمام أحمد عن الخلافة، واعتزلها، وامتنع عن أخذ الأعطيات وترك السياسة إلى العلم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يشايع الولاة، ولم يحرّض عليهم وعاش راغباً عن العطاء، ومع ذلك فقد قاوم مذاهبهم المنحرفة، مثل القول بخلق القرآن ووقف كالطود الشامخ في تلك الفتنة التي لم يثبت فيها إلا القلة بينما كان الإمام إسحاق بن راهوية الذي سكن خراسان كان على علاقة وثيقة مع واليها عبد الله بن طاهر، بل يعد من خواص جلسائه، وكان يرجع إليه، ويسأله، ويستفسر منه، فيوضح له.
قال الحسين بن محمد المرزوي: سمعت إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يناشد أبا عبد الله -أحمد- ويسأله الدخول على الخليفة ليأمره
وينهاه وقال له: إنه يقبل منك، هذا إسحاق بن راهوية يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه، فقال له أبو عبد الله: تحتج عليّ بإسحاق؟ فأنا غير راضٍ بفعاله، ماله -أي الخليفة- في رؤيتي خير، ولا لي في رؤيته خير1.
المبحث الثالث في الحالة الاجتماعية
اختلف حالة المجتمع الإسلامي في العهد العباسي عنه في العهد الأموي ففي العصر العباسي اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فقد كان من أجزائها المغرب -حيناً- ومصر والشام وجزيرة العرب، والعراق وفارس، وما وراء النهر، وكانت هذه الأمم تختلف فيما بينها كل الاختلاف، وكلها خضعت للجزء الإسلامي، وتكون منها جميعاً مملكة واحدة وانصهرت كلها في بوتقة واحدة، وربطها الإسلام برباطه الوثيق، واجتمعت تحت كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكانت العناصر التي يتألف منها المجتمع هم العرب وبخاصة المضريين واليمنيين،، ومن الفرس وبخاصة الخراسانيين الذين ساعدوا على قيام الدولة العباسية، والترك، وعلى الأخص أيام المعتصم والمغاربة والروم والهنود والزنوج1.
فكان مجتمعاً واحداً انعدمت فيه الفوارق بين العناصر المتعددة متبعين في ذلك تعاليم الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .2
فنعم المجامع بأسباب الرخاء والسعادة، كما كان الثراء والترف يشمل طبقة كبيرة من المجتمع، وكانت قصور الخلفاء، والأمراء وكبار رجال الدولة مضرب المثل في حسن رونقها وبهائها كما امتازت بضخامة بنائها واتساعها، وما يكتنفها من حدائق غناء وأشجار متكاثفة، كما ازدانت بالمناضد الثمينة والزهريات الخزفية، والتربيعات المرصّعة والمذهّبة.
كما تفننوا في أنواع الطعام، واللباس، وكان الطابع الفارسي بيناً فيها.
وكان الرقيق يكونون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع الإسلامي في العصر العباسي الأول إذ كان اتخاذ الرقيق منتشراً انتشاراً كبيراً.
ولم يخل المجتمع من الفقراء والمعوزين ممن عضّهم الفقر بنابه، ووجد كذلك كثير من متوسطي الحال، والذين لم يخفوا تذمرهم من غلاء الأسعار، كما أن تعدد الأجناس في المجتمع جعل الدولة عرضة للدعوات السرية، والفتن الداخلية، وساعد اتساع الدولة، وبعد المسافات بين الولايات على نجاح كثير من أصحاب الفتن في بث دعوتهم ونشر عقيدتهم.1
المبحث الرابع الحالة العلمية
بدأ العلم في الازدهار من عهد النبوة، حيث أخذ الصحابة يهتمون بالتعلّم والقراءة، امتثالاً لقول الله تعالى في أول آية نزلت من القرآن الكريم ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ .1
والنبي صلى الله عليه وسلم حث على التعلم في أحاديث كثيرة، وطلب من أسرى بدر أن يعلموا كل منهم عشرة من أبناء المسلمين مقابل الفداء على أنفسهم.
وكان ذلك هو الأساس المتين للنشاط العلمي فيما بعد مع ما امتاز به من صفاء، لصفاء مصدريه وعدم اختلاط الأفكار الأجنبية بمعانيهما.
وتوسعت الحركة العلمية في نواح مختلفة.
وفي العصر العباسي نمت تلك الحركة نموا عظيماً، وأخذ الخلفاء يشجعون هذه الحركة لدفعها إلى الإمام في شتى نواحيها، ويضفون عليها ظلال رعايتهم كما كانوا يبالغون في إكرام العلماء، والفقهاء، والمحدثين، والأدباء، ويجالسونهم، ويقربونهم إليهم، واقتدى بهم أعيان دولتهم، ووزراؤهم، فظهر في هذا العصر أئمة الفقه في الدين، ونوابغ اللغويين،
وجهابذة النحويين، ومهرة الكتاب وأعلام المؤلفين، وفحول الشعراء وصفوة المؤرخين، والأخباريين والأطباء والحكماء.1
وفي هذا العصر شرع العلماء في تدوين الحديث، والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ في المدينة بمشورة أبي جعفر المنصور والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف إسحاق في المغازي، وصنف أبو حنيفة في الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة، ثمّ ابن المبارك، وأبو يوسف القاضي، وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ، وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف غير مرتّبة.2
وفي هذا العصر غدا الناس جميعاً من الخليفة إلى أقل أفراد العامة شأناً غدوا طلاباً للعلم، وكان الناس يجوبون ثلاث قارات سعياً إلى موارد العلم والعرفان، ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهفين، ثم يصنفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه
المصنفات التي هي أشبه شيءٍ بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم إلينا.1
ورحل الرشيد بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على الإمام مالك رحمه الله.2
وكان المحدثون أنشط الناس للرحيل، وأصبرهم على العناء، ذلك أن الصحابة عند الفتح تفرقوا في الأمصار، فمنهم من سكن فارس، ومنهم من سكن العراق، ومن سكن مصر، ومن سكن الشام، ومن سكن المغرب، وكان كل هؤلاء يحملون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه عنهم التابعون ومن بعدهم، فكان في كل مصر طائفة من الحديث لا تعرف في الأمصار الأخرى، فَجَدَّ العلماء في الرحلة يأخذون الأحاديث عن أهلها، ويجمعون ما تفرق منها، وكان باعثهم الديني يذلل كل عقبة، ويسهل كل مشقة.3
وكانت المساجد تعد من أكبر معاهد الثقافة لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة، وقد تنوعت العلوم التي كانت تدرس في هذا العصر، وأصبح كثير من هذه المساجد مراكز للحركات العلمية ولما
نشطت حركة الترجمة والتأليف، وتقدمت صناعة الورق كثرت المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية.
وكان بيت الحكمة الذي يترجح أن الرشيد هو الذي وضع أساسه وعمل المأمون من بعده على إمداده بمختلف الكتب والمصنفات من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي.
وقد نشطت حركة الترجمة في عصر المأمون، وأحضر كثيراً من المترجمين والعلماء لترجمة كتب الأمم السالفة، وحضارتهم، وحكى حنين بن إسحاق -وهو أحد المترجمين- أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية مثلاً بمثل-1 فظهر المتكلمون، وقويت شوكة المعتزلة، ومال الخليفة المأمون إلى الأخذ بمذهبهم ومنه القول بخلق القرآن فقرّب أتباع هذا المذهب إليه، ومن ثم أصبحوا ذوي نفوذ كبير في قصر الخلافة، ومما زاد الطين بلّة دعوة المأمون إلى هذا القول الخاطئ وحمل الناس على القول به، وتعذيب من لم يوافقه رأيه.
الفصل الأول: ترجمة موجزة عن الإمام أحمد - رحمه الله -
المبحث الأول "مولده، اسمه، كنيته، لقبه"
مولده:
ولد أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مدينة بغداد عاصمة العالم الإسلامي آنذاك، ومدينة العلم والعلماء، وقدم أبواه إليها من مرو وأمه حامل به، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.1
اسمه، وكنيته، ولقبه
هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل بن قاسط ابن هنب بن أقصى الشيباني المروزي الذهلي البغدادي.2
قال ابن الجوزي بعد ذكر الروايات في نسبه:
قد بان بهذه الروايات أن أحمد رضي الله عنه من ولد شيبان بن ذهل بن ثعلبة، لا من ولد ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان، وقد غلط أقوام فجعلوه من ولد ذهل بن شيبان.1
المبحث الثاني أسرته
يرجع نسب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل إلى بني شيبان، وهي قبيلة من بني ربيعة عدنانية تلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في نزار بن معد بن عدنان.
وكانت منازل شيبان بالبصرة وباديتها، وقد كانت في الجاهلية قريبة المقام من العراق، فلما بنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه البصرة مطلة على الصحراء لينزل بها العرب يستنشقون فيها هواء الصحراء ولا يستوخمون بهواء الريف، نزلت شيبان بتلك المدينة الحضرية الصحراوية فسكنوها، وسكنوا باديتها.1
ولم يطل بهم المقام طويلاً، إذا انتقل جده إلى خراسان والياً على سرخس من قبل الدولة الأموية، ولما قامت الدعوة العباسية عاون دعاتها، وانضم إلى صفوفهم، حتى أوذي من أجل ذلك.2
أما أبوه محمد بن حنبل فقد كان قائداً وجندياً في جيش خراسان فقد وصفه ابن الجوزي عن الأصمعي بأنه كان قائداً.3
وأما والدته: فاسمها صفية بنت ميمونة، بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر كان أبوه نزل بهم وتزوج بها، وكان جدها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان، كانت تنزل عليه قبائل العرب فيستضيفهم.1
وحين بلغ الإمام أحمد من العمر ثلاث سنين توفى أبوه وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره ثلاثين سنة، فنشأ يتيماً تشرف عليه أمه، وتنفق عليه من مال ضئيل تركه له أبوه ببغداد مكون من عقار يسكنه وآخر يغله غلة ضئيلة.2
وكان للإمام أحمد رحمه الله عم اسمه إسحاق بن حنبل الشيباني وكان ملازماً في أكثر أوقاته مجلس أحمد ولعمه ابن اسمه حنبل بن إسحاق ابن حنبل الشيباني توفى عام 273 بواسط وكان عمه على صلة بالخلافة، ولم يكن أحمد يستحسن ذلك تورعاً، وابتعاداً عن الريب منذ صباه.3
المبحث الثالث طلبه للعلم
عاش الإمام أحمد رحمه الله طفولته في كنف أم ترأمه، وتدفعه إلى العلا، وتكنف مواهبه لتزكو، وتنمو ولئلا تنطفئ أو تخبو وكانت لوائح النجابة تظهر منه زمن الصبا، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيراً، وعلمه به متوافراً، وربما يريد البكور فتأخذ أمه ثيابه وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا وقد اختارت أسرته له منذ صباه أن يكون رجل دين، فوجهته إلى حفظ القرآن الكريم، فاستحفظه وأتقنه.
وكان في موضع إعجاب من الناس حوله، فقد ذكر ابن الجوزي عن أبي سراح بن خزيمة، وهو ممن كان مع أحمد في الكتاب - إن أبي جعل يعجب من أدب أحمد، وحسن طريقته، فقال لنا ذات يوم أنا أنفق على ولدي وآتيهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم انظر كيف يخرج؟ وجعل يعجب.1
وأظهر في هذه الفترة جودة الخط، وحسن التعبير، وكان محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، حتى أنه ليروى أن الرشيد كان بالرقة
مع جنده، فكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل ليكتب لهم جواب كتبهم فيبعثه، فكان يجئ إليهن مطأطئ الرأس فيكتب جواب كتبهن فربما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهن.1
لقد استرعت هذه الصفات نظر العلماء الذين اتصل بهم في ذلك العقد حتى قال فيه الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه.2
والتحق الإمام أحمد في مبدأ تعليمه بالكتاب، ولما بلغ من العمر أربع عشرة سنة التحق بالديوان، فقد قال رحمه الله: اختلفت إلى الكتاب، ثم اختلفت إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة.3
وكان يتردد في بداية دراسته إلى مجلس القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، ولكنه مال من بعد إلى المحدثين فكان أول طلبه للحديث وسماعه من مشايخه سنة سبع وثمانين ومائة وقد بلغ من العمر ست عشرة سنة.4
وقد لازم الإمام أحمد رحمه الله لمدة أربع سنوات إماماً من أئمة الحديث وعلم الآثار ببغداد ذلك الإمام هو هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي المتوفى سنة 183.
روى صالح وعبد الله عن أبيهما قوله "طلبت العلم وأنا ابن ست عشرة سنة وأول سماعي من هشيم سنة تسع وسبعين".1
ومع تخصيصه شيخه هشيم بفضل من الملازمة لم ينقطع عن غيره انقطاعاً تاماً، بل كان يختلط بغيره، ويروي عنهم، ويلقف الأحاديث حيثما وجد الرواي الثقة، فيروى أنه سمع من عمير بن عبد الله بن خالد سنة 182 قبل موت شيخه هشيم، وسمع في هذه الأثناء عبد الرحمن بن مهدي، وأبا بكر بن عياش رحمهم الله.2
المبحث الرابع رحلاته في طلب العلم
ما أن انتقل شيخه هشيم بن بشير الواسطي إلى رحمة ربه حتى بدأت رحلات الإمام أحمد رحمه الله العلمية.
ففي سنة ثلاث وثمانين ومائة رحل إلى الكوفة لطلب العلم وأخذ من وكيع بن الجراح، وأعجب به فقال: "ما رأت عيني مثل وكيع يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه، ويحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد"، كما أعجب به شيخه وكيع فقال: "ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى."1
كما سمع من حسين الجعفي، وجاء إليه ومعه كتاب شفاعة ليحدثه فقال له: يا أحمد لا تجعل فيما بيني وبينك منعماً، فليس تحمل علي بأحد إلا وأنت أكبر منه.2
ورحل إلى البصرة خمس مرات قال الإمام أحمد: دخلت البصرة خمس دخلات، دخلتها في أول رجب سنة ست وثمانين ومائة سمعت من المعتمر بن سليمان، ودخلت الثانية في سنة تسعين، دخلت الثالثة في سنة أربع وتسعين، وقد مات غندر، فأقمت على يحى بن سعيد ستة أشهر،
ودخلت سنة مائتين1.
ودخل عبادان سنة ست وثمانين في العشر الأواخر من رجب وسمع من علمائها، ودخل واسط، وسمه من يزيد بن هارون الواسطي وصلى الإمام خلفه فلما سلم يزيد من الصلاة التفت إلى أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في العارية؟ قال: مؤداة. فقال له يزيد: أخبرنا حجاج عن الحكم قال: ليست مضمونة فقال له أحمد: قد استعار النبيصلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدرعاً، فقال له: عارية مؤداة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "العارية مؤداة"، فسكت يزيد، وصار إلى قول أحمد بن حنبل.2
وخرج إلى طرسوس ماشياً3 كما رحل إلى الحجاز خمس مرات أولاها عام سبعة وثمانين ومائة، وسمع من سفيان بن عيينة وفي هذا العام أدى فريضة الحج، والتقى بالإمام الشافعي، وتوطدت علاقة الإخاء والمحبة بينهما.
قال الإمام أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلاً، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً، وضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى
2- الهادي: هو موسى بن محمد بن المهدي بن عبد الله المنصور ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة، وكان شهماً خبيراً بالملك كريماً، وشرع الهادي في تتبع الزنادقة، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك، وتوفى في ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
وكانت ولايته سنة وستة أشهر، وذكر بعضهم غير هذا وله أربع وعشرون سنة.1
3- الرشيد: هو هارون الرشيد بن المهدي محمد بن منصور بويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي.
وكانت سنّة يوم وُلّي اثنتين وعشرين سنة.
وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مراراً، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية وهذا الذي جعل أباه يعقد له البيعة بعد أخيه.
وفقت على الطريق.
قال ابن كثير: أول حجة حجها- الإمام أحمد - في سنة سبع وثمانين ومائة ثم سنة إحدى وتسعين، وفيها حج الوليد بن مسلم ثم سنة ست وتسعين وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين.1
وكان الإمام أحمد قد نوى الذهاب إلى عبد الرزاق الصنعاني باليمن برفقة صاحبيه في طلب العلم يحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية ومن حسن حظهم أن عبد الرزاق قدم للحج في ذلك العام فالتقوا به، وقدم يحيى بن معين الإمام أحمد إلى عبد الرزاق، وعرفه به قائلاً له: هذا أحمد ابن حنبل أخوك فقال عبد الرزاق: حياه الله وثبته فإنه يبلغني عنه كل جميل.2
لم يكتف الإمام أحمد بلقيا عبد الرزاق الصنعاني العاجلة، والسماع منه لموسم الحج، بل نفذ عزمه في الرحيل إليه، والسماع منه في عقر داره حيث يوجد كتبه، فبعد انقضاء موسم الحج، وانصراف الحجيج يمموا وجوههم شطر اليمن قاصدين صنعاء والسماع من محدّثها الجليل القدر
عبد الرزّاق، وقد نال الإمام أحمد كثيراً من المشقّة إذا انقطعت به النفقة في الطريق، فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً.1
ولندع المجال للإمام أحمد يحكي قصة لقياه بعبد الرزاق.
قال: لما قدمت صنعاء اليمن أنا ويحيى بن معين في وقت صلاة العصر فسألنا عن منزل عبد الرزاق فقيل لنا بقرية يقال لها الرمادة، فمضيت لشهوتي للقائه، وتخلف يحيى بن معين، فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقال تجاه داره: مه، لا تدق فإن الشيخ مهوب فجلست حتى إذا كان قبل صلاة المغرب خرج للصلاة، فوثبت إليه وفي يدي أحاديث قد انتقيتها فقلت له: سلام عليكم: تحدثني بهذه رحمك الله؟ فإنني رجل غريب فقال لي: ومن أنت وزبرني قلت: أنا أحمد بن حنبل قال: فتقاصر؟ وضمني إليه وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث فلم يزل يقرؤها حتى أشكل عليه الظلام فقال للبقال هلم بالمصباح حتى خرج وقت صلاة المغرب وكان يؤخرها.2
وبعد هذه الجلسة قدم صاحبا الإمام إلى الرمادة.
ومكث الإمام أحمد في اليمن قرابة السنتين، وكتب عن عبد الرزاق
حديث الزهري عن سالم عن عبد الله عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.1
كما التقى في مدة إقامته باليمن بإبراهبم بن عقيل، وكان عسراً لا يوصل إليه فأقام على بابه يوماً، أو يومين حتى وصل إليه فحدثه بحديثين وكان عنده أحاديث وهب عن جابر فلم يقدر على سماعها منه لعسره.2
وجملة القول في رحلاته ما ذكر العليمي فقال: سافر في طلب العلم أسفاراً كثيرة إلى البلاد: الكوفة، والبصرة والحجاز، ومكة، والمدينة واليمن والشام، والثغور والسواحل والفراتين وأرض فارس وبلد خراسان، والجبال والأطراف، وغير ذلك ثم رجع إلى بغداد وساد أهل عصره، ونصر الله به دينه، وصار أحد الأعلام، من أئمة الإسلام.3
المبحث الخامس شيوخه
لقد ارتحل الإمام أحمد رحمه الله كثيراً في طلب العلم، والتقى بعدد كبير من علماء عصره الذين يشار إليهم بالبنان، ويشد الرحال إليهم، ليتزود من علومهم، والكتابة عنهم، ولا شك أن للشيخ أثره الكبير في بناء شخصية الطالب، ونضوج عقله وميله للعلم الذي برع فيه شيخه، ويكون التأثير بحسب قوة شخصية الشيخ، وقدرته العلمية.
ولكثرة تجوال الإمام أحمد، وطلبه للعلم في سن مبكرة فقد كثر الشيوخ الذين أخذ عنهم مختلف العلوم.
قال الذهبي: عدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف، وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء منهم ستة وثمانين1.
وقد أورد ابن الجوزي في مناقبه أربعة عشر وأربعمائة شيخ وامرأة واحدة روى عنها هي أم عمر بنت حسان بن زيد الثقفي وقد ذكرهم ورتبهم على الحروف.
وذكر المزي في تهذيب الكمال سبعة وعشرين ومائة شيخ كما سرد جملة منهم خطيب البغدادي في تاريخ بغداد وقال: وخلق سواهم يطول
ذكرهم، ويشق إحصاء أسمائهم.1
وسأكتفي بذكر عدد منهم ممن تأثر بهم الإمام أحمد وأخذ العلم عنهم ورتبت هؤلاء الشيوخ على حسب سني وفاتهم:
1- القاضي أبو يوسف 113-182
وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي- صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيهاً علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة وتفقه بالحديث والرواية ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي، والرشيد ومات في خلافته ببغداد وهو على القضاء.2
وكان الإمام أحمد في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف وأخذ عنه فقه الرأي، ثم انصرف عنه لرغبته الشديدة في الأخذ عن رجال الحديث.3
2- هشيم بن بشير 104-183
هو ابن أبي حازم قاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد: مفسر من ثقات المحدثين، لازمه الإمام أحمد أربع سنين1 من سنة تسع وسبعين إلى أن توفي سنة ثلاث وثمانين قال الإمام أحمد: كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتباً صغاراً قال السائل: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر.2
روى حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: حفظت كل شيء سمعته من هشيم، وهشيم حيّ قبل موته3 ولم يقتصر استفادة الإمام أحمد على حفظ حديث هشيم بل تأثر واقتبس من انصرافه للعلم، وجهاده في سبيله، وتحمّل المشاق من أجله مع الورع والتقوى والضبط، والدقة في حمل الحديث ومعرفة رواته مما فاق فيه هشيم سواه من علماء بغداد.4
3- معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري
يلقب بالطفيل ثقة توفي سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة أخرج له أصحاب الكتب الستة.1
4- جرير بن عبد الحميد بن قرط- بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب توفي سنة ثمان وثمانين وله إحدى وسبعون سنة.2
5- محمد بن جعفر بن غندر أبو عبد الله البصري الهذلي بالولاء عالم بالحديث متعبد من أهل البصرة، كان يرمى بالغفلة عاش نحواً من سبعين عاماً، وكان أصح الناس كتابة للحديث توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة أخرج له أصحاب الكتب الستة.3
6- إسماعيل بن إبراهيم 110-193
ابن مقسم الأسدي، البصري أبو بشر من أكابر حفاظ الحديث كوفي الأصل، تاجر، كان حجة في الحديث ثقة، مأموناً وولي صدقات البصرة، ثم المظالم ببغداد في آخر خلافة هارون الرشيد وتوفي بها، وكان
يكره، أن يقال له" ابن عليه " وهي أمه أخرج له أصحاب الكتب الستة.1
7- وكيع بن الجراح 129-197
ابن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ كان محدث العراق في عصره قال الإمام أحمد: ما رأيت أوعى للعلم منه، ولا أحفظ، ولا رأيت معه كتاباً قط، ولا رقعة، وكان الإمام يذاكر وكيعاً بحديث الثوري ولشدة اهتمامه بشيخه يحفظ ما يتلقاه عنه.
قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بكلام.2
8- سفيان ين عيينة 107-198
هو ابن ميمون الهلالي الكوفي أبو محمد محدث الحرم المكي ولد بالكوفة، وسكن مكة، وتوفى بها، كان حافظاً ثقة واسع العلم كبير القدر.3
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية.1
9 - عبد الرحمن بن مهدي 135-198
ابن حسان العنبري البصري اللؤلؤي أبو سعيد من كبار حفاظ الحديث، حدث ببغداد، ومولده ووفاته في البصرة، وكان عبد الرحمن فقيهاً، بصيراً بالفتوى، عظيم الشأن، وكان يذهب في الفقه إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين.
وقد استفاد الإمام أحمد منه فقه أهل المدينة.2
10- يحيى بن سعيد 120-198
ابن فروخ القطان التميمي أبو سعيد من حفاظ الحديث ثقة حجة من أقران مالك وشعبة، من أهل البصرة، كان يفتي بقول أبي حنيفة رحمه الله أخرج له أصحاب الكتب الستة.3
11- يحيى بن آدم توفي203
ابن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ فاضل فقيه