سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 385-424

كتاب المناسك

صفحات 385-424
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

2042 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قرأتُ على عبدِ الله بنِ نافع، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المقبري عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تجعلوا بيوتَكُم قُبوراً، ولا تجعلُوا قَبْرِي عِيداً؛ وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكُم تُبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ" 1. = مأخوذ عن النطق بسبب ذلك، ولهذا قال ابن حجر: الأحسن أن يؤول رد الروح بحضور الفكر، كما قالوه في خبر "يغان على قلبي".
ونقل علي القاري في "المرقاة" 2/ 6 عن القاضي قرله: لعل معناه أن روحه المقدسة في شأن ما في الحضرة الإلهية، فإذا بلغه سلام أحد من الأمة رد الله تعالى روحه المطهرة من تلك الحالة إلى رد من سلم عليه، وكذلك عادته في الدنيا يفيض على الأمة من سبحات الوحي الإلهي ما أفاضه الله تعالى عليه فهو صلوات الله عليه في الدنيا والبرزخ والآخرة في شأن أمته وقال ابن الملك: رد الروح كناية عن إعلام الله إياه بأن فلاناً صلَّى عليه.
وقد أجاب الحافظ السيوطي عن الإشكال بأجوبة أخرى في رسالته "إنباء الأذكياء بأخبار الأنبياء" المدرجة في "الحاوي للفتاوي" 2/ 327 - 337، فانظرها.

2043 - حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، حدَّثنا محمدُ بنُ معنٍ المدنيُّ، أخبرني داودُ ابنُ خالد، عن ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، عن ربيعةَ - يعني ابن الهُدَير - قال: = وعن الحسن بن علي بن أبي طالب عند أبي يعلى (6761). وسنده ضعيف أيضاً.
وعن ابن مسعود عند أحمد في "مسنده" (3666)، والنسائي في "الكبرى" (1206) و (9811)، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إن لله في الأرض ملائكة سيَّاحين، يبلِّغوني من أمتي السلام" وإسناده صحيح.
وعن أوس بن أوس السالف عند المصنف برقم (1047) بلفظ: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ... فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ" وهو صحيح لغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: معنى الحديث: لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور.
وقال المناوى: لا تجعلوها كالقبور في خلوها عن الذكر والعبادة، بل صلوا فيها، قال ابن الكمال: كنى بهذا النهي عن الأمر بأن يجعلوا لبيوتهم حظاً من الصلاة، ولا يخفى ما في هذه الكناية من الدقة والغرابة، فإن مبناها على كون الصلاة منهية عند المقابر على ما نص عليه في خبر "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها".
وقوله: ولا تجعلوا قبري عيداً.
معناه: النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد، إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم، وقيل: العيد: ما يعاد إليه، أي: لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي، فظاهره منهى عن المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه، ويؤيده قوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أي: لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغيتم بالصلاة علي.
ونقل صاحب "عون المعبود" عن المناوي قوله: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة، ويقولون: هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه منهي عنه شرعاً وعلى ولي الشرع ردعهم عن ذلك وإنكاره عليهم وإبطاله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً".

ما سمعتُ طلحةَ بنَ عُبيد الله يُحَدَّثُ عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حديثاً قَطُّ غيرَ حديثٍ واحِدٍ، قال: قلتُ: وما هو؟ قال: خرجنا مَعَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يُرِيدُ قُبورَ الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حَرَّةِ واقِمٍ، فلما تدلَّيْنا منها فإذا قبورٌ بمَحنيَّه، قال: قلنا: يا رسولَ الله، أقبورُ إخواننا هذه؟ قال: "قُبُورُ أصحابِنا" فلما جئنا قُبُورَ الشهداء قال: "هذه قبورُ إخواننا" 1. 2044 - حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ عن عبدِ الله بنِ عمر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أناخَ بالبطحاء التي بذي الحُليفة فصلَّى بها، فكان عبدُ الله بنُ عمر يَفْعَلُ ذلك 2.

2045 - حدَّثنا القعنبيُّ، قال: قال مالك: لا ينبغي لأحدٍ أن يُجاوزَ المعرَّسَ إذا قَفَلَ راجعاً إلى المدينة، حتى يُصَلِّيَ فيها ما بدا له، لأنه بلغني: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - عرَّس به 1. سمعت محمد بن إسحاق المديني قال: المُعَرَّس على ستة أميال من المدينة.
آخر كتاب المناسك = وأخرجه البخاري (484) مطولاً و (1533) و (1799) و (1767)، ومسلم بإثر (1345) من طريق نافع، به.
ولم يرد في بعض المواضع ذكر الصلاة.
وهو في "مسند أحمد" (4819). قال القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج، وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ولأنها بطحاء مباركة، قال: وقيل: إنما نزل به - صلَّى الله عليه وسلم - في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً، كما نهي عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة.

أول كتاب النكاح

1 -

باب التحريض على النكاح

2046 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إني لأمشي مَعَ عبد الله بنِ مسعود بمنى إذ لَقِيَه عثمان فاستخلاهُ، فلما رأى عبدُ الله أن ليست له حاجة قال لي: تعالَ يا علقمة، فجئتُ.
فقال له عثمانُ: ألا نُزَوِّجُكَ يا أبا عبدَ الرحمن جاريةً بكراً، لعلَّهُ يَرجع إليك مِن نَفْسِكَ ما كنتَ تعهدُ؟ فقال عبدُ الله: لَئِنْ قلت ذاك، لقد سَمِعْتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ منكم الباءَةَ، فليتزوَّجْ، فإنه أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ لِلفرجِ، ومن لم يستطِعْ منكم، فعليه بالصَّومِ، فإنه له وِجَاءٌ" 1.

2 -

باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين

2047 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى - يعني ابن سعيد - حدَثني عُبيدُ الله، حدَثني سعيدُ بنُ أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "تُنكحُ النساءُ لأربعٍ: لِمالِها، ولحسبها، ولجمالِها، ولدينها، فاظْفَز بذاتِ الذينِ تَرِبَتْ يداك" 1. = وهو في "مسند أحمد" (4023). قال ابن حبان بعد أن أورد الخبر: الأمر بالتزويج في هذا الخبر، وسببه استطاعة الباءة، وعلته غض البصر، وتحصين الفرج، والأمر الثاني: هو الصوم عند عدم السبب وهو الباءة، والعلة الأخرى هو قطع الشهوة.
وقال البغوي في "شرح السنة" 9/ 4: والباءة كناية عن النكاح، ويقال للجماع أيضاً: الباءة، وأصلها المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ومنه اشتق مباءة الغنم وهي الموضع التي تأوي إليه بالليل، سمي النكاح بها، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً.
والوِجاء: رضُّ الأنثيين، والخصاء: نزعهما، ومعناه أنه يقطع النكاح، فإن الموجوء لا يضرب.
وقال الحافظ في "الفتح " 9/ 110: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام: الأول التائق إليه، القادر على مؤنه، الخائف على نفسه، فهذا يندب له النكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في رواية (المغني" 9/ 341): أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفراييني من الشافعية، وصرح به في "صحيحه"، ونقله المصيصي في "شرح مختصر الجويني" وجهاً، وهو قول داود الظاهري وأتباعه ... وقال المازري: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حق من لا ينكف عن الزنى إلا به.
وقال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه.

3 -

باب في تزويج الأبكار

2048 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا أبو معاويةَ، أخبرنا الأعمشُ، عن سالم بنِ أبي الجَعد عن جابر بنِ عبد الله، قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أتزوجْتَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "أبِكراً أم ثيِّباَ؟ " 1 فقلتُ: ثيباً، قال: "أفلا بِكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك؟ " 2. = وأخرجه البخاري (5090)، ومسلم (1466)، وابن ماجه (1858)، والنسائي في "الكبرى" (5318) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (9521)، و"صحيح ابن حبان" (4036). قال الخطابي: فيه من الفقه مراعاة الكفاءة في المناكح، وأن الدين أولى ما اعتبر فيها، وقوله: "تربت يداك": كلمة معناها الحث والتحريض، وأصل ذلك في الدعاء على الإنسان، يقال: تَرِبَ الرجل، أي: افتقر، وأترب: إذا أثرى وأيسر، والعرب تُطلق ذلك في كلامها، ولا يقصد بها وقوع الأمر.
وقال الحافظ في "الفتح" 9/ 132: وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور ... وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي، فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حراماً، فَأَرُدَّ به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح، ويكون حقاً لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحداً فله فسخه، وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفءٍ.

2049 - قال أبو داود: كَتَبَ إليَّ حُسينُ بنُ حريث المروزيُّ، حدَّثنا الفضلُ ابنُ موسى، عن الحسين بنِ واقد، عن عُمارةَ بنِ أبي حفصة، عن عِكْرِمَة = وأخرجه مختصراً ومطولاً البخاري (2097)، ومسلم بإثر (1466) من طريق وهب بن كيسان، والبخاري (2309)، ومسلم بإثر (1466)، وابن ماجه (1860)، والنسائي في "الكبرى" (5309) و (5317) من طريق عطاء بن أبي رباح، والبخاري (2967) و (5079) و (5245) و (5247)، ومسلم بإثر (1466) من طريق الشعبي عامر بن شراحيل، والبخاري (4052) و (5367) و (6387)، ومسلم بإثر (1466)، والترمذي (1125)، والنسائي في "الكبرى" (5308) و (8888) من طريق عمرو بن دينار، والبخاري (5080)، ومسلم بإثر (1466) من طريق محارب بن دثار السدوسي، ومسلم بإثر (1466) من طريق أبي نضرة، ستتهم عن جابر بن عبد الله، به.
وفي رواية البخاري ومسلم زيادة: قال جابر: فقلت له: إن عبد الله هلك وترك بنات، وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن، فقال: "بارك الله لك، أو: خيراً".
وهو في "مسند أحمد" (14132)، و (14237)، و"صحيح ابن حبان" (2717) و (6517). وفي الحديث الحث على نكاح البكر، وفي "سنن ابن ماجه" (1861): "عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير" وفيه فضيلة لجابر لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهن على حظ نفسه، ويؤخذ منه أنه إذا تزاحمت مصلحتان قدم أهمهما، لأن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - صوب فعل جابر ودعا له لأجل ذلك.
ويؤخذ منه الدعاء لمن فعل خيراً وإن لم يتعلق بالداعي.
وفيه سؤال الإمام أصحابه عن أمورهم، وتفقد أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة ولو كان في باب النكاح وفيما يُستحيا من ذكره.
وفيه مشروعية خدمة المرأة زوجها ومن كان منه بسبيل من ولد وأخ وعائلة، وأنه لا حرج على الرجل في قصده ذلك من امرأته وإن كان ذلك لا يجب عيها، لكن يؤخذ منه أن العادة جارية بذلك، فلذلك لم ينكره النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. "فتح الباري" 9/ 123.

عن ابنِ عباسٍ قال: جاء رَجُل إلى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي لا تَمْنَعُ يَدَ لا مسٍ، قال: "غَرِّبْها" قال: أخافُ أن تَتْبَعَها نفسِي، قال: "فاستمْتِع بها" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = في "الموضوعات"، وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 32/ 116: ضعفه أحمد وغيره، فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم في "الناسخ والمنسوخ" (190): ليس يثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إنما يحدثه هارون بن رئاب عن عبد الله بن عُبيد (وتحرف في المطبوع إلى: عتبة) ويحدثه عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، كلاهما يرسله.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (5629) عن الحسين بن حريث، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي (5320) و (5630) من طريق النضر بن شميل، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (145)، والخطيب البغدادي في"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1903) من طريق أبي داود الطالسي، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير، عن ابن عباس.
وأخرجه النسائي (5321) من طريق يزيد بن هارون، والرامهرمزي (145)، والخطيب في"الجامع" (1903) من طريق عفان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، مرسلاً.
وأخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 12 عن سفيان بن عيينة، وعبد الرزاق (12365) عن معمر بن راشد، كلاهما عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير، مرسلاً.
قال يحيى القطان فيما نقله عنه الخطيب في "الجامع" (1903): وقال حماد ابن زيد: عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عُبيد، مرسل.
وأخرجه الخطيب (1903) من طريق يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثني ابن جريج، قال: حدثني عبد الله بن عبيد مرسلاً.
وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 183 - 184، والنسائي في "الكبرى" (5321) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن عبد الله ابن عُبيد بن عمير، عن ابن عباس.
وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف الحديث.
وقد روي من طريق آخر عن أبي الزبير، واختلف عنه، فرواه بعضهم عنه عن جابر، وبعضهم يرويه عنه عن هشام مولى رسول الله، وفي كل ذلك لم يُصرِّح أبو الزبير بسماعه، وهو مُدلِّس، انظر بيان طرقه في"التلخيص الحبير" 3/ 225. وعلى فرض صحة الحديث فليس المعنى على ظاهره، فقد قال الحافظ في "التلخيص" 3/ 226: قيل: والظاهر أنها لا تمتنع ممن يمد يدَه ليتلذذ بلمسها، ولو =

2050 - حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا مستلمُ بنُ سعيد ابن أُخت منصور بنِ زاذان، عن منصورٍ - يعني ابن زاذان - عن معاوية بنِ قرَّةَ عن مَعْقِلِ بنِ يسارٍ، قال: جاء رجل إلى النبيٌ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: إني أصبتُ امرأةً ذاتَ حَسَبٍ وجَمَالٍ، وأنها لا تَلِدُ، أفاتزوجُها؟ قال: " لا" ثم أتاهُ الثانيةَ فنهاه، ثم أتاه الثالثةَ، فقال: "تزوجوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإني مكاثِرٌ بِكُمُ الأمم" 1. = كان كنى به عن الجماع، لعد قاذفاً، أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة لا أن ذلك وقع منها.
وقال محمد بن اسماعيل الصنعاني في "سبل السلام": الأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد عن الفاحشة، ولو أراد أنها لا تمنع نفسها من الوقاع من الأجانب، لكان قاذفاً لها.
وقال ابن كثير: وقيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد أن هذا وقع منها، وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثاً، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها، أباح له البقاء معها، لأن محبتها له محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يُصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل.
وقوله: غربها: معناه: أبعدها، يريد الطلاق، وأصل الغرب: البعد.

4 -

باب في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:

3] 2051 - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمد التيمي، حدَّثنا يحيي، عن عُبيدالله بن الأخنسِ، عن عمرو بنِ شعيب، عن أبيه عن جده، ان مَرْثَدَ بن أبي مرثَدٍ الغَنَويَّ كان يحمِلُ الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيٌّ يقالُ لها عَنَاقُ، وكانت صديقَته، قال: جئتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فقلتُ: يا رسولَ الله أنْكِحُ عَنَاقَ؟ قال: فسكتَ عني، فَنزلَتْ ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علىَّ وقال: "لا تنكحها" 1. 2052 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ؟ وأبو معَمرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوارث، عن حبيبٍ، حدثني عمرو بنُ شعيب، عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يَنْكِحُ الزَّاني المجلودُ إلا مِثلَه" 2.

وقال أبو مَعْمَرِ: قال: حدَّثنا حبيبٌ المعلمُ، عن عمرو بنِ شعيب.

5 -

باب في الرجل يُعتِق أَمته ثم يتزوجها

2053 - حدَّثنا هنَّاد بنُ السَّري، حدَّثنا عَبثَر، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، عن أبي بُردة عن أبي موسى، قال: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَنْ أعتق جاريتَه وتزوَجها كان له أجْرَان" 1. 2054 - حدَّثنا عمرو بنُ عونٍ، أخبرنا أبو عَوانة، عن قَتادة وعبدِ العزيز بن صهيب = وأخرجه أحمد في "مسنده" (8300)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4548) و (4549)، وابن عدي في "الكامل" 2/ 817، والحاكم في "المستدرك" 166/ 2، من طرق عن عبد الوارث بن سعيد، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.
وأخرجه الطحاوي (4550)، والحاكم 2/ 193 من طريق يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، قال: قلت لعمرو بن شعيب: إن فلاناً يقول: إن الزاني لا ينكح إلا زانية مثله، قال: وما يُعَجِّبُك من ذلك؟ حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "الزاني لا ينكح إلا زانية مثله، والمجلود لا ينكح إلا مجلودة مثله".
واللفظ للطحاوي، ورواية الحاكم مثلها دون قوله: "الزاني لا ينكح إلا زانية مثله".

عن أنس: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - أعتق صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَهَا (1).

6 -

باب يَحرُم مِن الرضاعة ما يحرم من النسب

2055 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عُروة عن عائشة زَوْجِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "يَحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ مِن الوِلادَةِ" 2.1

2056 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا زهير، عن هشام بن عُروة، عن عُروة، عن زينب بنتِ أُم سلمة عن أم سلمة، أن أُم حَبيبةَ قالت: يا رسول الله؟ هل لك في أُختي؟ قال: "فأفعل ماذا؟ " قالت: فَتَنْكِحُها، قال: "أُختك؟ " قالت: نعم، قال: "أو تُحبِّين ذاك؟ " قالت: لستُ بمُخْليةٍ بِك، وأحَبُّ مَنْ شَرَكَنِي في خيرٍ أُختي، قال: "فإنها لا تَحِلُّ لي" قالت: فواللهِ لقد أُخبِرْتُ أنك تَخْطُبُ دُرَّة - أو ذرَّة -[شك زهير]، بنتَ أبي سَلَمَةَ، قال: "بنتُ أُم سلمة؟ " قالت: نعم، قال: "أما واللهِ لو لم تكن ربيبتي في حِجْري ما حلَّتْ لي، أنها ابنةُ أخي من الرَّضَاعَة، أرضعتني وأباها ثُويَبْةُ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ، ولا أخواتِكُنَّ" 1.

7 -

باب في لبن الفحل

2057 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ العَبديُّ، أخبرنا سفيان، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة عن عائشة، قالت: دَخَلَ عليَّ أفلحُ بن أبي القُعيْسِ، فاستترتُ منه، قال: تَسْتِتِرينَ مِنِّي وأنا عمُّك؟ قالت: قلت: مِنْ أينَ؟ قال: أرضعتْكِ امرأةُ أخي، قالت: إنما أرضعتْني المرأةُ ولم يُرضعني الرجلُ، فدخل عليَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فحدثتُه فقال: "إنَه عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عليكِ" (1).

8 -

باب في رضاعة الكبير

2058 - حدَّثنا حفصُ بنُ عمر، حدَّثنا شعبةُ (ح) وحدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن أشعث بنِ سليم، عن أبيه، عن مسروقٍ1

عن عائشة - المعنى واحد -: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - دخَلَ عليها وعندها رَجُلٌ - قال حفص: فشقَّ ذلك عليه، وتغيَّرَ وجهه، ثم اتفقا: - قالت: يا رسولَ الله إنه أخي مِن الرَّضاعة فقال: " انْظُرنَ مَنْ إخوانُكُنَّ، فإنما الرَّضاعَةِ مِنَ المَجَاعَةِ" 1.

2059 - حدَّثنا عبدُ السلام بنُ مُطهَّر، أن سليمانَ بنَ المغيرةِ حدثهم، عن أبي موسى، عن أبيه، عن ابنٍ لعبد الله بن مسعود عن ابن مسعودٍ قال: لا رَضاع إلا ما شَدَّ العظمَ، وأنبَت اللحمَ، فقال أبو موسى.
لا تسألونا وهذا الحَبْرُ فيكم 1. 2060 - حدَّثنا محمد بن سليمان الأنباريُّ، حدَّثنا وكيع، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه عن ابنِ مسعود، عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، بمعناه، وقال: أنْشَزَ العَظْمَ 2. = وقال الخطابي: معناه: أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة ما كان في الصغر، والرضيع طفل يقوته اللبن ويسد جوعه، وأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يسد جوعه اللبن، ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما في معناهما من الثفل فلا حرمة له.

9 -

باب من حرَّم به

2061 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا عَنبسَةُ، حدثني يُونس، عن ابنِ شهاب، حدثني عُروةُ بنُ الزبير عن عائشة زوج النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - وأُمِّ سلمة: أن أبا حُذيفة بنَ عُتْبةَ بنِ ربيعة بنِ عبد شمسٍ كان تبنَّى سالماً وأنكحه ابنةَ أخيه هندَ بنتَ الوليد ابنِ عُتبة بن رَبيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصارِ، كما تبنَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - زيداً - وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناسُ إليه ووُرِّث ميراثَه، حتى أنزلَ الله عز وجل في ذلك ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلي قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] فَرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلَم له أبٌ كان مولًى وأخاً في الدين - فجاءت سهلةُ بنتُ سهيل بنِ عمرو القُرشيّ ثم العامِريّ، وهي امرأةُ أبي حُذيفة، فقالت: يا رسولَ اللهَ، إنا كُنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوي معي ومَعَ أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضُلاً، وقد أنزلَ الله فيهم ما قد عَلِمتَ، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم -: "أرضعِيه" فأرضعته خمسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلة وَلَدِها مِن الرَّضاعة.
= وأخرجه أحمد في "مسنده" (4114)، والدارقطني في "السنن" 4/ 172 - 173، والبيهقي 7/ 461 من طريق سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد.
وانظر تتمة تخريجه في "مسند أحمد" (4114). وانظر ما قبله.
وقوله: أنشر العَظم، أي: رفعَه وأعلاه وأكبر حجمه، وهو من النَّشَز: المرتفع من الأرض.

فبذلك كانتْ عائشةُ تأمُرُ بناتِ أخواتِها وبناتِ إخوتها أن يُرْضِعْنَ مَنْ أحَبَّتْ عائشةُ أن يراها ويدخُلَ عليها، وإن كان كبيراً، خمسَ رضعاتٍ، ثم يدخل عليها.
وأبت أُمُّ سلمةَ وسائرُ أزواجِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - أن يُدْخِلْنَ عليهن بتلك الرَّضاعةِ أحداً من الناس حتى يُرْضَعَ في المهدِ، وقُلن لِعائشة: والله ما نَدْرِي لعلَّها كانَتْ رُخصةً مِن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - لِسالمٍ دونَ الناسِ 1.

10 -

باب هل يُحرِّم ما دون خمسِ رضعات

2062 - حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمةَ القعنبيُّ، عن مالك، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزمٍ، عن عَمرَةَ بنت عبدِ الرحمن = قلنا: وتخصيص هذا الحكم - وهو أن رضاع الكبير يُحرِّمُ - بسالم مولى أبي حذيفة هو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة، وجمهور التابعين، وجماعة فقهاء الأمصار، فهم الثوري ومالك وأصحابه، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد والطبري.
وحملت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حديث سالم مولى أبي حذيفة على العموم، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال وصنعت ذلك بسالم بن عبد الله بن عمر وأمرت أم كلثوم فأرضعته، وذهب إلى قولها عطاء والليث بن سعد لحديثها هذا وفتواها وعملها به، قال أبو بكر بن العربي: ولعمر الله إنه لقوي، ولو كان خاصاً بسالم، لقال لها: ولا يكون لأحد بعدك، كما قال لأبي بردة في الجذعة.
قال صاحب "الزاد" 5/ 593 بتحقيقنا بعد أن أورد حجج من قال بعموم هذا الحديث وخصوصه: حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا بمخصوص، ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشقُّ احتجابُها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال، فتخصص هذه الحال من عمومها وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق، ونقل ابن مفلح في "الفروع" 5/ 570 عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن رضاع الكبير مُحَرِّمٌ لحاجة، وانظر "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 34/ 60.

عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنْزَلَ اللهُ عز وجل مِن القرآن: (عشرُ رَضَعاتٍ يُحرِّمْنَ) ثم نُسخن بـ: (خمسٌ معلوماتٌ يُحرِّمنَ) فتوفي، النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وهُن مما يقرَأُ مِن القُرآنِ 1

2063 - حدَّثنا مُسَددُ بنُ مُسرهَدٍ، حدَّثنا اسماعيلُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عبدِ الله بن الزبير = وهي رواية عن أحمد، وقال به ابن حزم، وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه - إلا ابن حزم - إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات لقوله - صلَّى الله عليه وسلم -: " لا تحرم الرضعة والرضعتان"فإن مفهومه أن الثلاث تحرم، وأغرب القرطبي.
فقال: لم يقل به إلا داود.
ويخرج مما أخرجه البيهقي عند زيد بن ثابت بإسناد صحيح أنه يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث، وأن الأربع هي التي تحرم.
والثابت من الأحاديث حديث عائشة في الخمس، وأما حديث: "لا تحرم الرضعة والرضعتان" فلعله مثال لما دون الخمس، وإلا فالتحريم بالثلاث فما فوقها إنما يؤخذ من الحديث بالمفهوم، وقد عارضه مفهوم الحديث الآخر المخرج عند مسلم وهو الخمس، فمفهوم: "لا تحرم المصة ولا المصتان" أن الثلاث تحرم، ومفهوم خمس رضعات أن الذي دون الأربع لا يحرم فتعارضا، فيرجع إلى الترجيح بين المفهومين، وحديث الخمس جاء من طرق صحيحه، وحديث المصتان جاء أيضاً من طرق صحيحة، لكن قد قال بعضهم: إنه مضطرب لأنه اختلف فيه هل هو عن عائشة أو عن الزبير أو عن ابن الزبير أو عن أم الفضل، لكن لم يقدح الاضطراب عند مسلم فأخرجه من حديث أم الفضل زوج العباس: "أن رجلاً من بني عامر قال: يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: لا" وفي رواية له عنها: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة ولا المصتان" قال القرطبي: هو أنص ما في الباب، إلا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، وقوى مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم، ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأييد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر، أو يقال مائع يلج الباطن فيحرم فلا يشترط فيه العدد كالمني، والله أعلم.
وأيضا فقول عائشة: "عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فمات النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وهن مما يقرأ" لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآناً ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، والله أعلم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تُحرِّمُ المصَّةُ، ولا المصَّتانِ" (1).

11 -

باب في الرَّضخ عندَ الفِصَالِ

2064 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا أبو معاويةَ (ح) وحدَّثنا ابنُ العلاء، حدَّثنا ابنُ إدريس، عن هشام بنِ عروة، عن أبيه، عن حَجَّاج بنِ حَجَّاجٍ عن أبيه، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما يُذْهِبُ عَنِّي مَذِمَّة الرَّضَاع؟ قال: "الغُرَّة: العَبدُ أو الأمَةُ" 2.1

قال النُّفيليُّ: حجاجُ بنُ حجاج الأسلميُّ، وهذا لفظه.

12 -

باب ما يُكره أن يُجمَعَ بينهن من النساء

2065 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا داود بنُ أبي هِندٍ، عن عامرٍ عن أبي هُريرة، قال: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمَّتِهَا، ولا العَمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتِها، ولا الخالةُ على بنتِ أختها، ولا تُنكحُ الكُبرى على الصُّغرى، ولا الصُّغرى على الكبرى" 1. = ابن العلاء: هو محمد بن العلاء الهمداني، وأبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، وابن إدريس: هو عبد الله الأودي.
وأخرجه الترمذي (1187)، والنسائي في "الكبرى" (5458) و (5459) من طرق عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهو في "مسند أحمد" (15733)، و"صحيح ابن حبان" (4230) و (4231). وقوله: "مذمة الرضاع" قال في"النهاية": المذمة بالفتح مَفْعَلَةٌ من الذم، وبالكسر: من الذمة والذّمام، وقيل: هي بالكسر والفتح الحق والحرمة التي يذم مضيعها والمراد بمذمة الرضاع: الحق اللازم بسبب الرضناع، فكأنه سأل ما يُسقِطُ عني حق المرضعة حتى أكون قد أديته كاملاً، وكانوا يستحبون أن يُعطوا للمرضعة عند فصال الصبي شيئاً سوى أجرتها.

2066 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا عنبسةُ، أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، أخبرني قَبيصةُ بنُ ذُؤيبٍ أنه سَمِعَ أبا هريرة يقول: نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يُجْمَعَ بين المرأةِ وخالتِها، وبين المرأةِ وعَمَّتِها 1. = وأخرجه مختصراً مسلم (1408) (35) من طريق قبيصة بن ذؤيب، و (1408)، والنسائي في "الكبرى" (5396) و (5401) من طريق أبي سلمة، ومسلم (1408)، وابن ماجه (1929)، والترمذي (1154)، والنسائي في "الكبرى" (5402) من طريق محمد بن سيرين، ومسلم (1408)، والنسائي في "الكبرى" (5399) و (5400) من طريق عراك بن مالك، والبخاري (5109)، ومسلم (1408)، والنسائي (5397) و (5399) من طريق عبد الرحمن الأعرج، خمستهم عن أبي هريرة.
وهو في "مسند أحمد" (9500)، و "صحيح ابن حبان" (4117) و (4118). وانظر ما بعده.
قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يخاف من وقوع العداوة بينهن، لأن المشاركة في الحظ من الزوج تدفع المنافسة بينهن، فيكون منها قطيعة الرحم.

2067 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا خطّابُ بنُ القاسم، عن خُصَيفٍ، عن عِكرمة عن ابنِ عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: أنه كَرِهَ أن يجمع بين العمّةِ والخالَةِ، وبين الخالتين والعمَّتينِ 1. 2068 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ السَّرح المصريُّ، حدَّثنا ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، أخبرني عروةُ بنُ الزبير أنه سأل عائشةَ زوجَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - عن قولِ الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، قالت: يا ابن أُختي، هي اليتيمةُ تكونُ في حِجْر وَليها، فَتُشَارِكُه في ماله، فَيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيريدُ [وليُّها] أن يتزوجَها بغيرِ أن يُقسِطُ في صَدَاقِها = وقد ذكر الحنفية والحنابلة والمالكية في قضية الجمع بين المرأتين قاعدة كلية: هي أن كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر، لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى لأجل القرابة، لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة، لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر، ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في العقد لما ذكرنا، ولأن الأم إلى ابنتها أقرب من الأختين، فإذا لم يجمع بين الأختين، فالمرأة وبنتها أولى.
انظر "المغني" 9/ 523 - 524: و"بداية المجتهد" 6/ 452 - 453 و"رد المحتار" 4/ 116، وانظر "روضة الطالبين" 7/ 118 للإمام النووي.
وانظر ما قبله.

فَيُعطِيَها مثلَ ما يُعطيها غيرُه، فنهُوا أن يَنْكِحُوهُنَّ، إلا أن يُقسِطُوا لهن، ويبلُغوا بهن أعلى سُنَّتهنَّ مِن الصَّداقِ، وأُمِرُوا اْنْ يَنْكِحُوا ما طَابَ لهم مِن النساء سواهُنَّ.
قال عُروةُ: قالت عائشة: ثم إنَّ الناسَ استفتَوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بَعْدَ هذه الآية فيهن، فأنزلَ اللهُ عزَ وجلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] قالت عائشة: وقولُ الله عزَّ وجلَّ في الآية الآخرة: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هي رغبةُ أحدِكم عن يتيمته التي تكونُ في حِجْرِه حين تكون قليلةَ المال والجمالِ، فنُهوا أن ينكحوا ما رَغِبُوا في مالها وجمالها من يتامى النِّساءِ إلا بالقسطِ، من أجلِ رغبتهم عنهنِّ، قال يونس: وقال ربيعة في قولِ الله عزَّ وجلَّ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قال: يقول: اتركوهن إن خفتم فقد أحللتُ لكم أربعاً 1.

2069 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن أبي الوليد بن كثير، حدثني محمد بن عمرو بن حَلحَلة الدُّؤلي، أن ابن شهابٍ حدَّثه أن علي بنَ الحسين حدثه: أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد ابن معاوية - مَقْتَلَ الحسين بن علي رضي الله عنه - لقيه المِسْورُ بن مخْرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرُني بها؟ قال: فقلتُ له: لا، قال: هل أنت مُعطِيَّ سيفَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فإنِّي أخافُ أن يَغْلِبَكَ القومُ عليه؟ وايمُ اللهِ لَئِن أعطيتَنِيه لا يُخْلَصُ إليه أبداً حتى يُبْلَغَ إلى نفسي، إن علي بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه خطبَ بنتَ أبي جهل على فاطمة رضيَ الله عنها، فسمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وهو يَخْطُبُ الناسَ في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلِمٌ، فقال: "إن فاطمة مِنِّي وأنا أتخوَّفُ أن تُفْتَنَ في دِينها" قال: ثم ذكر صِهْرَاً له من بني عبدِ شمس، فأثنى عليه في مُصاهرته إياه فأحسن، قال: "حدَّثني فَصَدَقني، ووعَدَني فَوفَى لي، وإني لستُ أُحرِّم حلالاً ولا أُحِلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمعُ بنتُ رسول الله وبنتُ عدوِّ الله مكاناً واحداً أبداً" 1. = وأخرجه مختصراً البخاري (4573) و (4600) و (5098) و (5128) و (5131)، ومسلم (3018)، والنسائي في "الكبرى" (11059) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، به.
وهو في "صحيح ابن حبان" (4073).

2070 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيي بن فارس، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، وعن أيوب عن ابن أبي مليكة، بهذا الخبر، قال: فسكت عليٌّ عن ذلك النكاح 1. = وأخرجه بتمامه ومختصراً أيضأ البخاري (3729)، ومسلم (2449)، وابن ماجه (1999)، والنسائي في "الكبرى" (8468) من طريق شعيب بن أبي حمزة، ومسلم (2449) من طريق النعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري، به.
زادوا في آخره: فترك عليٌّ الخطبة.
وهو في "مسند أحمد" (18911)، و"صحيح ابن حبان" (6956). وانظر لاحقيه.
قال ابن القيم في "تهذيب السنن" 3/ 17: وفي هذا الحديث تحريم أذى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - بكل وجه من الوجوه وإن كان بفعل مباح، فإن تأذى به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لم يجز فعله لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 53] وفيه غيرة الرجل وغضبه لابنته وحرمته.
وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله: "بنت عدو الله" فدل على أن لهذا الوصف تأثيراً في المنع، وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة، وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب.
وفيه أوضح دليل على فضل فاطمة، وأنها سيدة نساء هذه الأمة، لكونها بضعة من النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. وفيه ثناء الرجل على زوج ابنته بجميل أوصافه ومحاسن أفعاله.
وفيه أن أذى أهل بيته - صلَّى الله عليه وسلم - وإرابتهم أذى له.

2071 - حدَّثنا أحمد بنُ يونس وقتيبةُ بن سعيد - المعنى، قال أحمد: حدَّثنا الليثُ، حدثني عبدُ الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي أن المسورَ بن مخرمة حدَّثه، أنه سمع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - على المنبر يقول: "إن بني هشام بن المغيرة استأذَنُوني أن يُنكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذَنُ، ثم لا آذَنُ [ثم لا آذَنُ] إلا أن يريد ابنُ أبي طالب أن يطلِّقَ ابنتي ويَنكِحَ ابنتَهم، فإنما ابنتي بَضْعة مني، يُرِيبُني ما أرابَها، ويُؤذيني ما آذاها".
والإخبار في حديثِ أحمدٌ 1. = عن المسور، يعني كالرواية السالفة عند المصنِّف قبله، وقد رواه عن الزهري من هذا الوجه جماعة، وجاء في "مصنف عبد الرزاق" (13269) عن معمر، عن الزهري، وعن أيوب، عن ابن أبي مليكة: أن علي بن أبي طالب خطب، وهذا يؤيد ما جاء في "تحفة الأشراف".
لكن روى هذا الحديث أحمدُ في "فضائل الصحابة" (1330) عن عبد الرزاق، فقال: عن معمر، عن الزهري، عن عروة، وعن أيوب، عن ابن أبي مليكة: أن علي بن أبي طالب.
فوافق ما جاء في أصولنا الخطية.
فالظاهر أن عبد الرزاق قد اضطرب في إسناده.
فمرة يرويه عن معمر، عن الزهري وعن معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، وتارة يرويه بزيادة عُروة في طريق الزهري.
بقي أن ينبه هنا على أن المزي جعل هذا الإسناد بطريقيه موصولاً، وإنما حمله على ذلك أنه نظر إلى الإسناد الذي قبله والإسناد الذي بعده عند المصنِّف، فحمل هذا الإسناد على الوصل، لكن صنيع المصنِّف يشير إلى أنه عن الزهري - أو عن الزهري عن عروة - وعن ابن أبي مليكة مرسلاً.
ويؤيده ما جاء في "مصنف عبد الرزاق" و"فضائل الصحابة" لأحمد بن حنبل، مبيناً فيه الإرسال كما سلف.
وانظر ما قبله وما بعده.

13 -

باب في نكاح المتعة

1 2072 - حدَّثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرهَدٍ، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن إسماعيلَ بنِ أُميةَ، عن الزهريِّ، قال: كنا عندَ عمر بنِ عبد العزيز، فتذاكرنا مُتْعَةَ النساء فقال له رَجُلٌ يقال له: ربيعُ بنُ سَبْرَةَ: أشهد على أبي أنه حَدَّث: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عنها في حَجَّة الوَداع 2. = وأخرجه الترمذي (4207) من طريق أيوب السختيانى، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير.
فجعله من مسند عبد الله بن الزبير.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
هكذا قال أيوب: عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير.
وقال غير واحدٍ: عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (8468) من طريق علي بن حسين، عن المسور ابن مخرمة.
وهو في "مسند أحمد" (18926)، و"صحيح ابن حبان" (6955). وانظر سابقيه.

2073 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيي بن فارسٍ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَغمَرٌ، عن الزهري، عن ربيع بنِ سَبرةَ عن أبيه: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاء 1. = وهو في "مسند أحمد"، و"صحيح ابن حبان" (4146). وانظر ما بعده.
قال الحافظ في "الفتح" 9/ 170: وأما حجة الوداع، فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه أنها في الفتح أصحُّ وأشهر.
وقال في "التلخيص" بعد أن روى هذا الحديث من طريق الربيع بن سبرة، قال: أشهد على أبي أنه حدث أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عنها في حجة الوداع: ويجاب عنه بجوابين: أحدهما: أن المراد بذكر ذلك في حجة الوداع إشاعة النهي والتحريم لكثرة من حضرها من الخلائق، والثاني: احتمال أن يكون انتقل ذهن أحد رواته من فتح مكة إلى حجة الوداع، لأن أكثر الرواة عن سبرة أن ذلك كان في الفتح.
تنبيه: قال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد" 5/ 111: وأما نكاحُ المتعة، فثبت عنه - صلَّى الله عليه وسلم - أنه أحلها عامَ الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عامَ الفتح، كما في "صحيح مسلم" (1406) (22)، واختلف: هل نهى عنها يومَ خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح وأن النهي يومَ خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية، وإنما قال عليٌّ لابن عباس: إن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجاً عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين، وقيده بيوم خيبر.
وقد تقدم بيان المسألة في غزاة الفتح في الجزء الثالث من "زاد المعاد" بتحقيقنا 3/ 459 - 464 فارجع إليه.

14 -

باب في الشِّغار

2074 - حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ (ح) وحدَّثنا مُسَدَدُ بن مُسَرْهَدٍ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، كلاهما عن نافعٍ عن ابنِ عمر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عن الشِّغار.
زاد مُسَدَّدٌ في حديثه: قلتُ لنافع: ما الشِّغَارُ؟ قال: يَنْكِحُ ابنَةَ الرَّجُلِ ويُنْكِحُه ابنَته، بغيرِ صَدَاقٍ، ويَنكِحُ أختَ الرجلِ ويُنْكِحُه أختَه بغيرِ صَدَاقٍ 1. = قال الخطابي: تحريم نكاح المتعة، كالإجماع بين المسلمين، وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام ثم حرمه في حجة الوداع (الصواب في غزاة الفتح) وذلك في آخر أيام رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأئمة إلا شيئاً ذهب إليه بعض الروافض.
وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العُزبة وقلة اليسار والجِدة، ثم توقف عنه، وأمسك عن الفتوى به ... قال الخطابي: وإنما سلك ابن عباس فيه مذهب القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام، وهو قياس غير صحيح، لأن الضرورة في هذا الباب لا تتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام الأنفس، وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة، ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما فلى حكم الضرورة كالآخر.

2075 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارس، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن ابنِ إسحاقَ، حدَثني عبدُ الرحمن بن هُزمز الأعرجُ أن العباسَ ابنَ عبدِ الله بن العباس، أنكح عبدَ الرحمن بنَ الحكم ابنَته، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنته، وكانا جَعلا صَدَاقاً.
فكتَبُ معاويةُ إلى مروانَ يأمره بالتفريقِ بينَهما، وقال في كتابه: هذا الشِّغَار الذي نهى عنه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. = هو من شغر البلد: إذا خلا لخلوه من الصداق، وكان الشغار من نكاح الجاهلية وأجمع العلماء على أنه منهي عنه، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا، فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية عنه: قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة وحكي عن عطاء والزهري والليث وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير، وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام كالبنات.
وصورته: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، وبضع كل واحدة صداق للأخرى، فيقول: قبلت.

15 -

باب في التحليل

2076 - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، حدَّثنا زهير، حدثني إسماعيلُ، عن عامرٍ، عن الحارثِ عن علي - قال إسماعيل: وأُراه قد رفعَه إلى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لُعِنَ المُحِلُّ والمُحَلَّلُ لَه" 1.

2077 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، عن خالدٍ، عن حُصَين، عن عامرٍ، عن الحارثِ الأعورِ عن رجل مِن أصحابِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: فرأينا أنه عليٌّ، عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، بمعناه (1).

16 -

باب في نكاح العبد بغير إذن سيده

2078 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل وعثمانُ بنُ أبي شيبة - وهذا لفظُ إسناده - وكلاهما، عن وكيع، حدَّثنا الحسنُ بنُ صالح، عن عبدِ الله بنِ محمد بن عقيل عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم -: "أيما عَبدٍ تزوَّجَ بغير إذن مَواليه فَهُوَ عاهِرٌ" 2.1 = قال ابن الهمام من الحنفية: وعلى المختار للفتوى لو زوجت المطلقة ثلاثاً نفسها بغير كفء، ودخل بها لا تحل للأول، قالوا: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة، فإن المحلل في الغالب أن يكون غير كفء.
وقال القاضي فيما نقله عنه القاري في "المرقاة" 3/ 487: المحلل الذي تزوج مطلقة الغير ثلاثاً على قصد أن يطلقها بعد الوطء، ليحل للمطلق نكاحها، وكأنه يحللها على الزوج الأول بالنكاح والوطء، والمحلل له هو الزوج، وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة، وقِلَّة الحميَّه والدلالة على خِسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلل، فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير، فإنما يطؤها ليعرضها لوطء المحلل له، ولذلك مثله - صلَّى الله عليه وسلم - بالتيس المستعار.

2079 - حدَّثنا عقبةُ بنُ مُكرَمٍ، حدَّثنا أبو قتيبةَ، عن عبدِ الله بنِ عمر، عن نافع عن ابنِ عمر، عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "إذا نكحَ العبدُ بغيرِ إذن مولاه، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ" (1). قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف، وهو موقوف، وهو قولُ ابن عُمر.

17 -

باب في كراهيةِ أن يخطُب الرجل على خِطبة أخيه

2080 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمرو بنِ السَّرْح، حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سعيد بنِ المسيب1 = وأخرجه الترمذي (1137) و (1138) من طريقين عن عبد الله بن محمد، به.
وقال في الموضع الأول: حديث حسن، وفي الموضع الثانى: حديث حسن صحيح.
وهو في "مسند أحمد" (14212). وانظر ما بعده.

عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطبةِ أخيه" 1.

2081 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ نُمير، عن عُبيد الله، عن نافع عن ابنِ عمر، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يَخطُب أحَدُكُم على خِطبةِ أخيه، ولا يَبِعْ على بيعِ أخيه، إلا بإذنِهِ" (1).

18 -

باب الرجل ينظُر إلى المرأةِ وهو يريد تزويجها

2082 - حدَّثنا مُسَددٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داود بنِ حُصينٍ، عن واقدِ بنِ عبدِ الرحمن - يعني ابنَ سعد بن معاذٍ - عن جابر بنِ عبد الله، قال: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا خَطَبَ أحَدُكُم المرأةَ، فإن استطاعَ أن يَنْظُرَ إلى ما يَدْعُوهُ إلى نِكَاحها فَلْيفعَل".
فخطبتُ جاريةً فكنت أتخبَّأ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوَّجْتُها 2.1

جارٍ التحميل