سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 439-478

كتاب الفرائض

صفحات 439-478
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أن عبدَ الله بنَ عمر، حدَّثهم: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قَطَعَ يدَ رجُلٍ سرقَ تُرساً من صُفَّةِ النساء، ثمنُهُ ثلاثُة دراهِم 1. 4387 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ ومحمدُ بنُ أبي السَّريِّ العسقلانيُّ -وهذا لفظه، وهو أتمُّ- قالا: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن أيوبَ بنِ موسى، عن عطاء عن ابنِ عبَّاس، قال: قطع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يَدَ رَجُلٍ في مِجَنّ، قيمتُهُ دينار، أو عشرةُ دَرَاهِم 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن أبي شيبة 9/ 474، والبخاري في "تاريخه الكبير" 2/ 25 من طريق محمَّد بن إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس: لا يُقطع السارق في دون ثمن المجن، وثمن المجن عشرة دراهم.
وهذا إسناد متصل، رجاله من فوق محمَّد بن إسحاق ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وهو من قول ابن عباس.
وأخرجه البخاري في "تاريخه" 2/ 25، والنسائي (7396) من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، أن عطاء بن أبي رباح حدثه أن ابن عباس كان يقول: ثمنه يومئذ عشرة دراهم، فجعله ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب، عن عطاء.
وأخرجه الدارقطني (3424)، وابن عبد البر في "التمهيد" 14/ 380 من طريق عبد الله بن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس.
فلم يذكر في إسناده أيوب بن موسى ولا عمرو بن شعيب.
وأخرجه ابن أبي شيبة 9/ 474، والبخاري في "تاريخه الكبير" 2/ 25، والنسائي (7402)، والطحا وي 3/ 163، والد ار قطني (3421) و (3430) و (3431)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 8/ 259 من طرق عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وقد تابعه على هذا الوجه الوليد بن كثير عند الدارقطني (3422) لكن اختلف عليه في إسناده، فقد ذكره البخاري في "تاريخه" 2/ 25، وأخرجه الدارقطني (3427) عن الوليد بن كثير قال: حدثني من سمع عطاء عن ابن عباس، وأخرج الدارقطني (3423) عنه أنه قال: حدثني من سمع عطاء يقول فجعله من قول عطاء.
فلا يُعتد بهذه التابعة.
وتابعه كذلك على هذا الوجه حجاج بن أرطأة عند الدارقطني (3428) و (3429) وحجاج ضعيف ومدلس وقد عنعن.
وتابعه على هذا الوجه أيضاً ابنُ جريج عند عبد الرزاق (18949) وصرح بسماعه من عمرو بن شعيب، لكن البخاري والبيهقي ذكروا أنه لم يسمع منه فالتصريح بسماعه وهم من عبد الرزاق، والله أعلم.
وأخرجه النسائي (7398) من طريق محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، مرسلاً.
=

قال أبو داود: رواه محمدُ بنُ سلمةَ وسعدانُ بنُ يحيى، عن ابنِ إسحاقَ بإسناده.

12 -

باب ما لا قَطْعَ فيه

4388 - حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسلَمةَ، عن مالكِ بنِ أنس، عن يحيى بنِ سعيد عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّان، أن عبداً سَرقَ ودِيَّاً من حائطِ رجُلٍ فغرسَه في حائط سيِّدهِ، فخرج صاحبُ الوديِّ يلتمِسُ وديَّهُ فوجده فاستعدى على العبد مروان بن الحكم وهو أمير المدينة يومئذٍ، فسجن مروانُ العبدَ، وأراد قطعَ يده، فانطلق سيدُ العبد إلى رافع بنِ خَديج، فسأله عن ذلك، فأخبره أنه سَمِعَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "لا قَطعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ" فقال الرجلُ: إن مروان أخذَ غُلامِي وهو يريدُ قطعَ يدِه، وأنا أحبُّ أن تمشيَ معي إليه فتُخبِرَه بالذي سمعتَ مِن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فمشى معَه رافعُ بنُ خديجٍ حتى أتى مروان بن الحكم، فقال له رافعٌ: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "لا قطعَ في ثَمَرَ ولا كثَر" فأمر مروان بالعبدِ فأرسِل 1. = وخالفَ ابنَ إسحاق الحكمُ بنُ عُتيبة، عند البخاري في "تاريخه الكبير" 2/ 25، والنسائي (7392) و (7393)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (611) و (615) والبيهقي 8/ 257 فرواه عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح، عن أيمن الحبشي مرسلاً.
قال البخاري: هذا أصح بإرساله، وكذا قال البيهقي: إن رواية أيمن عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - منقطعة.
وانظر لزاماً كلام ابن التركماني على هذا الحديث في "الجوهر النقي" 8/ 256 - 257.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = روايات الحديث، وتؤيده رواية البيهقي 8/ 262 - 263 أن الغلام الذي سرق كان لعمه واسع بن حبان، فهو السيد الذي أُبهم اسمه في هذه الرواية.
يحيى بن سعيد: هو ابن قيس الأنصاري.
وهو في "موطأ مالك" 2/ 839. وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7407) من طريق يحيى بن سعيد القطان، و (7408) من طريق حماد بن زيد، و (7409) من طريق زهير بن معاوية، و (7410) من طريق شعبة بن الحجاج، و (7411) من طريق أبي معاوية، و (7412) و (7413) من طريق سفيان الثوري، ستتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (1515)، والنسائي (7415) من طريق الليث بن سعد، والنسائي (7414) من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن يحيى بن حَبان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن رافع بن خديج.
فذكر الواسطة بين محمَّد بن يحيى وبين رافع بن خديج، وهو واسع بن حَبَّان وهو إما صحابي أو تابعي ثقة.
وعليه يتصل الإسناد.
وتابع الليثَ والثوريَّ في هذه الرواية زهيرُ بن محمَّد عند الطيالسي (958). وهو في "مسند أحمد" (15804). وانظر ما بعده.
قال الخطابي: الوديّ: صغار النخل، واحدتها: وديّة، والكَثَر: جُمَّار النخل (يعني قلب النخل).
ثم قال الخطابي: ومعنى الثمر في هذا الحديث: ما كان معلقاً بالنخل قبل أن يُجَذَّ ويُحرز، وتأوله الشافعي قال: حوائط المدينة ليست بحرز، وأكثرها يُدخَل من جوانبها، ومن سرق من حائط شيئاً من ثمر معلق لم يقطع، فإذا آواه الجَرين قطع (الجرين هو البَيدر) ولم يفرق بين الفاكهة والطعام الرطب، وبين الدراهم والدنانير وسائر الأمتعة في السارق إذا سرق منها شيئاً من حرز أو غير حرز فبلغت قيمته ما يقطع فيه اليد فإنه مقطوع.
وقال مالك في الثمر مثل قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة بظاهر حديث رافع بن خديج فأسقط القطع عمن سرق ثمراً أو كثرا من حرز أو من غير حرز، وقاس عليهما سائر الفواه الرطبة واللحوم والجُبُون والألبان والأشربة وسائر ما كان في معناها.
=

قال أبو داود: الكَثَرُ: الجُمَّارُ.
4389 - حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، حدَّثنا حمادٌ، حدَّثنا يحيى، عن محمَّد بنِ يحيى بن حَبَّان، بهذا الحديثِ، قال: فجلَده مروانُ جلداتٍ وخلَّى سبيلَه 1. 4390 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ عجلانَ، عن عمرو ابنِ شُعيب، عن أبيه عن جده عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاص، عن رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: أنه سُئِلَ عن الثَّمر المُعلَّق فقال: "من أصابَ بفيه من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنَةً فلا شيءَ عليه، ومن خرجَ بشيءٍ منهُ فعليه غرامةُ مِثلَيهِ والعقُوبَةُ، ومن سرقَ منه شيئاً بعد أن يُؤوِيَهُ الجَرين فبلغ ثمنَ المجِنِّ، فعليه = وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 23/ 310: لأهل العلم في تأويل حديث هذا الباب قولان: أحدهما: أن المعنى المقصود إليه بهذا الحديث جنس الثمر والكثر من غير مراعاة حرز، فمن ذهب إلى هذا المذهب لم ير القطع على سارق سرق من الثمر كله وأجناس الفواكه والطعام الذي لا يبقى ولا يؤمن فساده كثيراً كانت السرقة من ذلك كله أو قليلاً من حرز كانت أو من غير حرز، قالوا: وهذا معنى حديث هذا الباب؛ لأنه لو أراد ما لم يكن محروزاً ما كان لذكر الثمر وتخصيصه فائدة.
هذا كله قول أبي حنيفة وأصحابه.
والقول الآخر: أن المعنى المقصود بهذا الحديث الحرز، وفيه بيان أن الحوائط ليست بحرز للثمار حتى يؤويها الجرين وما لم تكن في الجرين فليست محروزة.

القطعُ، ومن سرق دون ذلك، فعليه غرامةُ مِثلَيه والعقوبةُ".
وسُئل عن اللقطة، فقال: "ما كان منها في طريق المِيتَاء، والقرية الجامعة ... " وساق الحديث (1) (2). قال أبو داود: الجَرِين: الجَوْخانُ (3).

13 -

باب القطْع في الخِلْسةِ والخِيانَةِ

4391 - حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا ابنُ جُريج، قال: قال أبو الزبير:123

قال جابرُ بنُ عبدِ الله: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ليس على المُنتَهِبِ قطعٌ، ومن انتهبَ نُهبةً مشهورةً فليس منَّا" 1.

4392 - وبهذا الإسنادِ قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ليس على الخائِنِ قطعٌ" 1. 4393 - حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، أخبرنا عيسى بنُ يونُسَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن أبي الزبير عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، بمثله؛ زاد "ولا على المُختلِسِ قطعٌ" 2. = النهب: هو أخذ المال على وجه العلانية قهراً، والخيانة: الأخذ مما في يده على وجه الأمانة، والاختلاس: هو أخذ الشيء من ظاهر بسرعة ليلاً كان أو نهاراً، وفي "النهاية": ما يؤخذ سلباً ومكابرة.
قال أبو الطيب في "عون المعبود" 12/ 39: والحديث دليل على أنه لا يقطع المنتهب والخائن والمختلس، قال ابن الهمام من الحنفية في "شرح الهداية": وهو مذهبنا وعليه باقي الأئمة الثلاثة، وهو مذهب عمر وابن مسعود وعائشة، ومن العلماء من حكى الإجماع على هذه الجملة، لكن بمذهب إسحاق بن راهويه ورواية عن أحمد في جاحد العارية: أنه يقطع.

قال أبو داود: وهذان الحديثانِ لم يسمعهما ابنُ جُريجٍ من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بنِ حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابنُ جريج من ياسينَ الزياتِ.
قال أبو داود: وقد رواهُما المغيرةُ بنُ مُسلم، عن أبي الزبيرِ، عن جابر، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -.

14 -

باب مَن سرق من حِرْزٍ

4394 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارس، حدَّثنا عمرو بنُ حماد بن طلحةَ، حدَّثنا أسباط، عن سماكِ بنِ حَرْبٍ، عن حُميد بنِ أختِ صَفوان، عن صفوانَ ابنِ أُمية، قال: كنت نائماً في المسجِدِ علي خميصةٍ لي ثمن ثلاثين درهماً، فجاء رجلٌ فاختلسَها مني، فأُخذ الرجلُ، فأتي به النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فأمر بهِ = ويشهد له حديث عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجه (2592)، وإسناده صحيح.
وانظر سالفيه.
قال الخطابي: أجمع عامة أهل العلم على أن المختلس والخائن لا يقطعان، وذلك أن الله سبحانه إنما أوجب القطع على السارق، والسرقة إنما هي أخذ المال المحفوظ سراً عن صاحبه، والاختلاس غير محترز منه فيه.
وقد قيل: إن القطع إنما سقط عن الخائن؛ لأن صاحب المال قد أعان على نفسه في ذلك بائتمانه إياه، وكذلك المختلس.
وقد يحتمل أن يكون إنما سقط القطع عنه؛ لأن صاحبه قد يمكنه رفعه عن نفسه بمجاهدته وبالاستغاثة بالناس، فإذا قصر في ذلك ولم يفعل صار كأنه أتي من قِبَلِ نفسه.
وحكي عن إياس بن معاوية أنه قال: يقطع المختلس، ويحكى عن داود أنه كان يرى القطع على من أخذ مالاً لغيره، سواء أخذه من حرز أو من غير حرز، وهذا الحديث حجة عليه.
تنبيه: ما قاله أحمد فيما بلغ أبا داود يوافق ما نُقل عن غير واحد من عدم سماع ابن جريج من أبي الزبير، وقد أجبنا عنه عند الرواية السالفة برقم (4391).

ليُقطَعَ، قال: فأتيتُه، فقلتُ: أتقطعُه مِن أجلِ ثلاثينَ درهماً، أنا أبيعُه وأُنسِئُه ثمنَها؟ قال: "فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به" 1. قال أبو داود: ورواه زائدةُ، عن سماكٍ، عن جُعيدِ بنِ حُجَير، قال: نامَ صفوانُ.
ورواه مجاهدٌ وطاوسٌ، أنه كان نائماً فجاء سارِقٌ فسرقَ خميصةً من تحتِ رأسِه.

ورواه أبو سلمةَ بن عبدِ الرحمن، قال: فاستلَّه من تحتِ رأسِه، فاستيقظَ، فصاحَ به فأُخذَ.
ورواه الزُّهريُّ، عن صفوانَ بنِ عبد الله، قال: فنام في المسجدِ، وتوسَّد رداءَه فجاء سارِقٌ فأخَذَ رداءه، فأخِذَ السارقُ، فجاء به إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم -.

15 -

باب في القطع في العَاريّة إذا جُحِدَتْ

4395 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ ومخلد بنُ خالدٍ -المعنى- قالا: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ -قال مخلدٌ: عن معمر- عن أيوبَ، عن نافعِ عن ابنِ عمر: أن امرأةً مخزوميةً كانت تستعيرُ المَتَاعَ فتجحَدُهُ، فأمرَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- بها، فقُطِعت يدُها 1.

قال أبو داود: ورواه جُويريةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، أو عن صفية بنتِ أبي عُبيد، زاد فيه: وأن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قام خطيباً، فقال: "هل من امرأةٍ تائبةٍ إلى الله عزَّ وجلَّ ورسوله"، ثلاثَ مراتٍ، وتلكَ شاهدةٌ، فلم تقُم ولم تتكلَّم.
ورواه محمَّد بنُ عبد الرحمن بنِ عَنْجٍ 1 عن نافع، عن صفيةَ بنتِ أبي عُبيدٍ، قال فيه: فشهِدَ عليها.
= قال الخطابي: مذهب عامة أهل العلم أن المستعير إذا جحد العارية لم يقطع، لأن الله سبحانه إنما أوجب القطع على السارق، وهذا خائن ليس بسارق.
وفي قوله: "لا قطع على الخائن" دليل على سقوط القطع عنه، وذهب إسحاق ابن راهويه إلى إيجاب القطع عليه قولاً بظاهر الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم شيئاً يدفعه، يعي حديث المخزومية.
قلت [القائل الخطابي]: وهذا الحديث مختصر، وليس مستقصىً لفظُه وسياقُه، وإنما قُطعت المخزومية لأنها سرقت، وذلك بيِّن في حديث عائشة رحمها الله الذي رواه أبو داود في باب قبل هذا.
قلنا: يعني الحديث رقم (4373). وقال صاحب "المغني" 12/ 416: واختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع وهو قول إسحاق، لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده ... وعنه: لا قطع، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا قطع على الخائن" ولأن الواجب قطع السارق، والجاحد غير سارق، وإنما هو خائن فأشبه جاحد الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها لا لجحدها.

4396 - حدَّثنا محمَّد بن يحيى بنِ فارسٍ، حدَّثنا أبو صالح، عن الليثِ، حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان عُروة يحدَّثُ أن عائشةَ قالت: استعارتِ امرأةٌ، تعني حُليّاً على ألسنَةِ أناس يُعرَفُون ولا تُعرفُ هي، فباعته، فأُخذَت، فأُتي بها النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فأمر بقطع يَدِها، وهي التي شفعَ فيها أسامةُ بنُ زيد، وقال فيها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ما قال (1). 4397 - حدَّثنا عباسُ بنُ عبدِ العظيم ومحمد بن يحيى، قالا: حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريِّ، عن عُروة عن عائشةَ، قالت: كانت امرأةٌ مخزوميةٌ تستعيرُ المَتَاعَ وتجحَدُه، فأمر النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- بقطع يدِها.
وقصَ نحوَ حديثِ قتيبةَ بن سعيد، عن الليث، عن ابنِ شهاب، زاد: فقطعَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يدَها (2).

16 -

باب في المجنون يَسرقُ أو يُصيبُ حدَّاً

4398 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا حمادُ ابنُ سلمةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ12 = لأن ابن المهندس قد ضبطه في نسخته منا "تهذيب الكمال" بالعين المهملة، وكذلك ضبطها الفيروزآبادي في "القاموس" بالعين المهملة وبسكون النون أو فتحها.
على الوجهين.

عن عائشة: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظَ، وعن المُبتَلَى حتى يبرأ، وعن الصَّبىِّ حتى يَكْبَرَ" 1. 4399 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيَان عن ابنِ عباس، قال: أُتي عُمَرُ بمجنونةٍ قد زنت، فاستشارَ فيها أناساً، فأمر بها عُمَرُ أن تُرجَمَ، فمُرَّ بها على على بنِ أبي طالب، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مجنونةُ بني فلانٍ زنت، فأمر بها عُمَر أن تُرجَم، قال: فقال: ارجِعُوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أما علمتَ أن القلم قد رُفِعَ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ حتى يبرأ، وعن النَّائِم حتى يستيقِظ، وعن الصبىِّ حتى يَعقِلَ؟ قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تُرجمُ؟ قال: لا شيء، قال: فأَرسِلْها، قال: فأرسلها، قال: فجعل يُكبِّرُ 2.

4400 - حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا وكيعٌ عن الأعمشِ نحوَه، وقال أيضاً: حتى يعقِلَ، وقال: وعن المجنونِ حتى يُفِيقَ، قال: فجعَلَ عُمَرُ يُكبِّر 1. 4401 - حدَّثنا ابنُ السرحِ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ بنِ مِهرانَ، عن أبي ظَبيانَ = وأخرجه مرفوعاً ابن ماجه (2042) من طريق القاسم بن يزيد، والترمذي (1484)، والنسائي في "الكبرى" (7306) من طريق قتادة، عن الحسن البصري، كلاهما عن علي بن أبي طالب.
أما القاسم فمجهول ولم يدرك علياً فيما قاله المنذري في "اختصار السنن" وتبعه ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 209، وأما الحسن البصري فلم يسمع من علي بن أبي طالب وإن كان أدركه.
وسيأتي مرفوعاً أيضاً عند المصنف برقم (4401) من طريق جرير بن حازم عن الأعمش، و (4402) من طريق عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، عن علي، دون ذكر ابن عباس، وبرقم (4403) من طريق أبي الضحى مسلم بن صبيح عن علي.
وكل من هذه الطرق فيه ما فيه كما هو مبين في موضعه، لكن بمجموعها يتقوى الحديث مرفوعاً، والله تعالى أعلم.
وأخرجه موقوفاً على علي بن أبي طالب: النسائي في "الكبرى" (7305) من طريق أبي حَصين عثمان بن عاصم الأسدي، عن أبي ظبيان، عن علي بن أبي طالب، و (7307) من طريق يونس بن عُبيد، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب.
وهو في "مسند أحمد" (940) و (856) و (1183) و (1328). وقد صحح المرفوع ابن خزيمة (1003)، وابن حبان (143)، والحاكم 1/ 258 و 2/ 59 وسكت عنه الذهبي، ورجح الوقفَ النسائي بإثر الحديث (7307)، والدارقطني في "العلل" 3/ 192. ويشهد له حديث عائشة السالف قبله بإسناد صحيح.
وله شواهد أخرى ذكرها الإِمام الزيلعي في "نصب الراية" فراجعها هناك.

عن ابنِ عباس، قال: مُرَّ على عليِّ بن أبي طابٍ -بمعنى عثمانَ- قال: أوَمَا تذكُرُ أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المَغلُوبِ على عَقلِه 1، وعن النَّائم حتى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ"؟ قال: صدقتَ، قال: فخلَّى عنها 2. 4402 - حدَّثنا هنَّادُ بن السَّريِّ، عن أبي الأحوص.
وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ -المعنى- عن عطاء بن السائبِ عن أبي ظَبْيانَ -قال هنَّادٌ: الجَنْبيِّ- قال: أُتي عُمَرُ بامرأةٍ قد فَجَرَت، فأمَرَ برجمِها، فَمَرَّ عليٌّ، فأخذَها فخلَّى سبيلَها، فأُخبِرَ عُمر، فقال: ادعوا لي عليّاً، فجاء عليٌّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد علِمتَ أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "رُفعَ القلمُ عن ثلاثةِ: عن الصَّبيِّ حتى يبلُغَ وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتُوه حتى يبرأ"، لان هذه معتوهةُ

بني فلانٍ، لعلَّ الذي أتاها أتاها وهي في بلائِها، قال: فقال عُمر: لا أدري، فقال عليٌّ: وأنا لا أدري 1. 4403 - حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهيبٌ، عن خالدٍ، عن أبي الضُّحى عن علي، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ: عن النَّائم حتى يستيقظَ، وعن الصَّبىِّ حتى يَحتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ" 2.

قال أبو داود: رواه ابنُ جُريجٍ، عن القاسم بن يزيد، -عن عليٍّ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، زادَ فيه: والخَرِفِ (1).

17 -

باب في الغُلام يُصيبُ الحَدَّ

4404 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرِ، أخبرنا سفيانُ، أخبرنا عبدُ الملك بنُ عُمير حدَّثني عطيةُ القُرَظي، قال: كنتُ من سبي قُريظةَ، فكانوا ينظرون: فمن أنبتَ الشَّعرَ قُتِلَ، ومن لم يُنبِت لم يُقتل، فكنتُ فيمن لم يُنبِت 2.1 = ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 209. وسبقهما أبو زرعة الرازي إذ قال: حديثه عن علي مرسلٌ.
خالد: هو ابن مِهران الحذّاء، ووهيب: هو ابن خالد.
وأخرجه البيهقي 3/ 83 و 6/ 57 و 7/ 359 من طرق عن خالد الحذاء، به.
وانظر الأحاديث الأربعة السالفة قبله.

4405 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوانَة عن عبدِ الملكِ بنِ عُمير، بهذا الحديثِ، قال: فكشفُوا عانَتي فوجدُوها لم تُنبِت، فجهعلوني في السَّبي 1. = وقال الخطابي: اختلف أهل العلم في حد البلوغ الذي إذا بلغه الصبي أقيم عليه الحد، فقال الشافعي: إذا احتلم الغلام أو بلغ خمس عشرة سنة فإن حكمه حكم البالغين في إقامة الحد عليه، وكذلك الجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة أو حاضت.
وأما الإنبات، فإنه لا يكون حداً للبلوغ، وإنما يفصل به بين أهل الشرك فيقتل مقاتليهم، ويترك غير مقاتليهم بالإنبات.
وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل في بلوغ الغلام: خمس عشرة سنة مثل قول الشافعي.
وقال أحمد وإسحاق: الانبات بلوغ، يقام به الحد على من أنبت وحكي مثل ذلك عن مالك في الإنبات.
فأما السن فإنه قال: إذا احتلم الغلام أو بلغ من السنن ما لا يتجاوزه غلام إلا احتلم فحكمه حكم الرجال ولم يجعل الخمس عشرة سنة حداً في ذلك، وقال سفيان: سمعنا أن الحلم أدناه أربع عشرة وأقصاه ثمان عشرة سنة، فإذا جاءت الحدود أخذنا بأقصاها.
وذهب أبو حنيفة إلى أن حد البلوغ في استكمال ثماني عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك، وفي الجارية استكمال سبع عشرة سنة إلا أن تحيض قبل ذلك.
قلت [القائل الخطابي]: يشبه أن يكون المعنى عند من فرّق بين أهل الإِسلام وبين أهل الكفر حين جعل الإنبات في الكافر بلوغاً ولم يعتبره في المسلمين هو أن أهل الكفر لا يوقف على بلوغهم من جهة السن ولا يمكن الرجوع إلى قولهم؛ لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عن أنفسهم.
فأما المسلمون وأولادهم فيمكن الوقوف على مقادير أسنانهم؛ لأن أسنانهم محفوظة وأوقات المواليد فيهم مؤرخة.

4406 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، أخبرني نافعٌ عن ابن عمرَ: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - عُرِضَهُ يومَ أحد ابنَ أربعَ عشرةَ فلم يُجزه، وعُرِضَه يومَ الخندَقِ وهو ابنُ خمسَ عشرَةَ فأجازَه (1). 4407 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، قال: قال نافعٌ: حَدَّثتُ بهذا الحديثِ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، فقال: إنَّ هذا الحَدُّ بينَ الصغيرِ والكبِيرِ (2).

18 -

باب الرجل يَسرِقُ في الغزو، أيُقطَعُ؟

4408 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، أخبرني حيوةُ، عن عياش بن عباس القِتبانىِّ، عن شِيَيم بنِ بَيتانَ ويزيدَ بنِ صُبحٍ الأصبحىِّ عن جُنادَة بن أبي أُمية، قال: كنا مع بُسْرِ بنِ أبي أرطاةَ في البحرِ، فأتي بسارقٍ يقال له: مِصْدَرٌ، قد سرقَ بُخْتِيَّةً، فقال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "لا تُقطَعُ الأيدي في السَّفر" ولولا ذلك لقطعتُه 3.12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه الترمذي (1516) عن قتيبة بن سعيد، عن عبد الله بن لهيعة -ورواية قتيبة عنه قبل سوء حفظه- عن عياش بن عباس، عن شِيَيم بن بيتان وحده، به.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7430) من طريق بقية بن الوليد، قال: حدثني نافع بن يزيد.
قال: حدثني حيوة بن شُريح، عن عياش بن عباس، عن جنادة بن أبي أمية، قال: سمعت بسر بن أبي أرطأة قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - ... الحديث.
ثم قال: ليس هذا الحديث مما يحتج به.
قلنا: في إسناده عنده بقية بن الوليد، وهو ضعيف ومدلس تدليس التسوية، وقد أسقط من إسناده الواسطة بين عياش بن عباس وجنادة ابن أبي أمية.
وهو في "مسند أحمد" (17626) و (17627). البختية: قال في "القاموس" البُخت بالضم: الإبل الخراسانية كالبُختِيَّةِ، والجمع البَخَاتِيُّ، وهي الأنثى من الجمال طوال الأعناق، قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا إنما سرق البختية في البر، ورفعوه إليه في البحر، فقال عند ذلك هذا القول.
قال ابن قدامة في "المغني" 13/ 172: من أتى حداً من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل، فيقام عليه حدُّه، وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يقام الحد في كل موضع؛ لأن أمر الله تعالى بإقامته مطلق في كل مكان وزمان، إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإِمام أو أمير إقليم، فليس له إقامة الحد، ويؤخر حتى يأتي الإِمام؛ لأن إقامة الحدود إليه.
وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه، أخِّر، وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب، ولا إذا رجع، ولنا على وجوب أمر الله تعالى ورسوله به، وعلى تأخيره ما روى بسر بن أرطأة أنه أُتي برجل في الغزاة قد سرق بُختية ... ، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم، وروى سعيد في "سننه" [(2500)] بإسناده عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدنّ أمير جش ولا سرية رجلاً من المسلمين حداً وهو غازٍ حتى يقطع الدرب قافلاً لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار.
وعن أبي الدرداء مثل ذلك [سعيد بن منصور (2499)] وعن علقمة (2501) قال: كنا في جش في أرض =

19 -

باب في قَطْع النبَّاش

4409 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي عِمرانَ، عن المُشَعَّث ابنِ طَريفٍ، عن عبد الله بنِ الصَّامتِ = الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحُدَّه فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم، فيطمعوا فيكم.
وأتي سعْد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزناً أن تُطرد الجلُ بالقنا ... وأترك مشدوداً عَلَىَّ وثاقيا فقال لابنة خصفة امرأة سعد: أطلقيني، ولك الله عليّ إن سلَّمني اللهُ أن أرجع حتى أضع رجليَّ في القيد، فإن قتلتُ استرحتم مني، قال: فحلَّتْه حين التقى الناس وكانت بسعد جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصَعِدُوا به فوق العذَيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحاً، ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدوّ إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضَّبْر ضَبْر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هُزم العَدُوّ رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعداً بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى اللهُ المسلمين به ما أبلاهم، فخلّى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأُطَهَّر منها، فأما إذ بهرجتني (أي: أهدرتني بإسقاط الحدّ عني) فوالله لا أشربها أبداً، أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2502) عن أبي معاوية الضرير، حدَّثنا عمرو بن مهاجر، عن إبراهيم ابن محمَّد بن سعد، عن أبيه ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (17077) بمعناه عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، وهذا سند رجاله ثقات.
وهذا اتفاق لم يظهر خلافه.
فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه لعموم الآيات والأخبار، وإنما أُخِّرَ لعارض، كما يؤخَّر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض، أقيم الحدُّ، لوجود مقتضيه، وانتفاء معارضه، ولهذا قال عمر: حتى يقطع الدرب قافلاً.

عن أبي ذرِّ، قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يا أبا ذرٍّ" قلت: لبيك يا رسُولَ اللهِ وسعديكَ، فقال: "كيف أنتَ إذا أصابَ الناسَ موتٌ، يكون البيتُ فيه بالوصيفِ" يعني القبرَ، قلت: اللهُ ورسولُه أعلمُ، أو ما خارَ الله ورسولُه، قال: "عليك بالصَّبر" أو قال: "تصبِر" (1). قال أبو داود: قال حمادُ بنُ أبي سليمان: يُقطعُ النبّاشُ؛ لأنه دخل على الميتِ بيتَه.

20 -

باب في السارق يَسرقُ مراراً

4410 - حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عُبيد بن عَقِيل الهلاليُّ، حدَّثنا جدِّي، عن مُصْعَب بنِ ثابت بنِ عبدِ الله بنِ الزبير، عن محمَّد بنِ المنكدرِ عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: جِيءَ بسارِقٍ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: "اقتُلوه"، فقالوا: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، إنما سَرَقَ، فقال: "اقطعُوه" قال: فَقُطِعَ، ثم جيء به الثانيةَ، فقال: "اقتلُوه" فقالوا: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، إنما1

سَرَقَ، فقال: "اقطعُوه"، قال: فقُطِعَ، ثم جِيء به الثالثة، فقال: "اقتلُوه"، فقالوا: يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، إنما سَرَقَ، فقال: "اقطعُوه"، ثم أُتي به الرابعةَ، فقال: "اقتُلوه" فقالوا: يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، إنما سَرَقَ، قال: "اقطعوه"، فأتي به الخامسَةَ فقال: "اقتلُوه" قال جابرٌ: فانطلقنَا بِهِ فقتلناه ثم اجتررْناه فالقيناهُ في بِئرٍ، ورمينَا عليه الحِجَارة 1.

21 -

بابٌ في تعليق يد السارق في عُنُقِهِ

4411 - حدَّثنا قُتيبة بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عُمر بنُ عليٍّ، حدَّثنا الحجاجُ، عن مَكحولٍ، عن عبدِ الرحمن بن مُحيرِيز، قال: سألنا فَضَالةَ بنَ عُبيدٍ عن تعليقِ اليدِ في العُنق للسارق، أمن السُّنَّة هو؟ قال: أُتيَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بسارقٍ فقُطِعَت يَدُه، ثم أمر بها، فعُلِّقت في عُنُقه (1).

22 -

باب بيع المملوكِ إذا سَرَقَ

2 4412 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عُمر بنِ أبي سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا سَرَقَ المملُوكُ فبِعهُ ولو بِنَشٍّ" 3.1 = وقال الشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وأحمد بن حنبل: إذا سرق قطعت يده اليمنى، فإن سرق الثانية قطعت رجله اليسرى، فإن سرق الثالثة لم يقطع واستودع السجن.
وقد روي مثل ذلك عن علي رضي الله عنه.
قلنا: وهذا الأخير هو رأي الحنفية رأوه استحساناً.
انظر "البناية" للعيني 7/ 50.

قال أبو داود: النَّشُّ نصف أوقية، والأوقية أربعون درهماً، النصفُ أوقية من ذلك عشرون درهماً (1).

23 -

باب في الرَّجْم

4413 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بنِ ثابت المروزيُّ، حدثني عليُّ بنُ الحُسين، عن أبيه، عن يزيد النحويِّ، عن عِكرِمَة عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15] وذكر الرجُلَ بعد المرأةِ ثم جمعهُما فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] فنُسخَ ذلك بآيةِ الجلدِ فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] 2.1 = وأخرجه ابن ماجه (2589)، والنسائي في "الكبرى" (7431) من طريق أبي عوانة اليشكري، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (8439).

4414 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بنِ ثابت، حدَّثنا موسى -يعني ابن مسعودٍ- عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيح عن مُجاهدٍ، قال: السبيلُ: الحدُّ 1. = من طريق مجاهد بن جبر، كلهم عن ابن عباس.
وهذه الطرق وإن كانت لا تخلو من مقال يصح بها الأثر إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 204: قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم.
وكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك: أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه.
وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 263: لا يختلف العلماء في نسخ هذين الحكمن عن الزانيين، أعني الحبسَ والأذى، وإنما اختلفوا بماذا نُسخا؟ فقال قوم نُسخا بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ .... وقال قوم: نُسخ هذان الحُكمان بحديث عبادة بن الصامت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب جلد مئة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة" [قلنا: هو الحديث الآتي عند المصنف برقم (4415)] قالوا: فنسخت الآيةُ بهذا الحديث، وهؤلاء يُجيزون نسخ القرآن بالسنة، وهذا قول مطرح، لأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة لكان ينبغي أن يُشترط التواتر في ذلك الحديث، فأما أن يُنسخَ القرآنُ بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك، وهذا من أخبار الآحاد.
قال: وقد اختلف العلماء بماذا ثبت الرجم على قولين: أحدهما: أنه نزل به قرآن ثم نسخ لفظُه، وانعقد الإجماع على بقاء حكمه.
والثاني: أنه ثبت بالسنة.

قال سفيان: فآذوهما: البِكْران، فامسكوهن في البيوت: الثيبات 1. 4415 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سعيدِ بنِ أبي عروبة، عن قتادَة، عن الحسن، عن حِطّان بنِ عبد الله الرَّقاشي عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعل اللهُ لهنَّ سبيلاً: الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جلدُ مئةٍ ورميٌ بالحجارة، والبِكر بالبِكرِ جلدُ مئةٍ ونفيُ سنةٍ" 2. = وأخرجه الطبري 4/ 293، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 263 من طريق ورقاء بن عمر اليشكري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: السبيل: الجَلْد.
لكنه قال عند ابن الجوزي: فآذوهما، أي: سبّاً، ثم نسخها ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.

4416 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقية ومحمدُ بنُ الصَّبَّاح بنِ سفيانَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ = واختلف العلماء في تنزيل هذا الكلام ووجه ترتيبه على الآية: وهل هو ناسخ للآية: أو مبيِّن لها، فذهب بعضهم إلى النسخ، وهذا على قول من يرى نسخ الكتاب بالسنة.
وقال آخرون: بل هو مبين للحكم الموعود بيانه في الآية فكأنه قال: عقوبتهن الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً، فوقع الأمر بحبسهن إلى غاية، فلما انتهت مدة الحبس، وحان وقت مجيء السبيل، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: خذوا عني تفسير السبيل وبيانه ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه، وإنما هو بيان أمر كان ذكر السبيل منطوياً عليه، فأبان المبهم منه، وفصل المجمل من لفظه، فكان نسخ الكتاب بالكتاب لا بالسنة، وهذا أصوب القولين.
وفي قولة: "جلد مئة ورمي بالحجارة" حجة لقول من رأى الجمع بين الحد والرجم على الثيب المحصن إذا زنى.
وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله أنه قد استعمل ذلك في بعض الزناة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
وإلى هذا ذهب الحسن البصري، وبه قال إسحاق بن راهويه وهو قول داود وأهل الظاهر.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجم ولم يجلد.
وإليه ذهب عامة الفقهاء، ورأوا أن الجلد منسوخ بالرجم، وقد رجم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - ماعزاً ولم يجلده.
ورجم اليهوديين ولم يجلدهما.
واحتج الشافعي في ذلك بحديث أبي هريرة في الرجل الذي استفتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن ابنه الذي زنى بامرأة الرجل، فقال له: على ابنك جلد مئة وتغريب عام، وعلى المرأة الرجم.
واغدُ يا أنيس على المرأة، فإن اعترفت فارجمها.
فغدا عليها فاعترفت فرجمها.
قال: فهذا الحديث آخر الأمرين؛ لأن أبا هريرة قد رواه، وهو متأخر الإِسلام.
ولم يعرض للجلد بذكر.
وإنما هو الرجم فقط.
وكان فعله ناسخاً لقوله الأول.
قلنا: ونسب الترمذي في "سننه" بإثر الحديث (1499) القول بالجمع بين الجلد والرجم إلى أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعُود أيضاً.

عن الحسنِ، بإسناد يحيى ومعناهُ، قال: جلدُ مئةِ والرجْمُ 1. 4417 - حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، حدَّثنا الربيعُ بنُ روح بنِ خُلَيدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ خالد -يعني الوهبيَّ- حدَّثنا الفضلُ بنُ دَلهَمٍ، عن الحسنِ، عن سلمةَ بنِ المُحبِّق عن عُبادة بن الصَّامت، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بهذا الحديث، فقال ناسٌ لِسعَد بنِ عُبادةَ: يا أبا ثابتٍ، قد نزلتِ الحدودُ، لو أنَّكَ وجدت مع امرأتك رجلاً كيف كنت صانعاً؟ قال: كُنتُ ضاربَهُما بالسَّيف حتى يسكُتا، أفأنا أذهبُ فأجمعُ أربعةَ شهداءَ؟ فإلى ذلك قد قضى الحاجةَ، فانطلقُوا فاجتمعُوا عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسُولَ الله، ألم تر إلى أبي ثابتٍ قال كذا وكذا؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "كفى بالسَّيفِ شاهِداً" ثم قال: "لا، لا، أخافُ أن يتتايعَ فيها السَّكرانُ والغيرانُ" 2.

قال أبو داود: روى وكيعٌ أوَّلَ هذا الحديث عن الفضل بنِ دَلهم عن الحَسَنِ، عن قبيصةَ بنِ حُريث عن سلمةَ بنِ المُحبِّق عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، وإنما هذا إسنادُ حديثِ ابنِ المحبِّق: أن رجلاً وقَع على جاريةِ امرأته.
قال أبو داود: الفضلُ بنُ دلهم ليس بالحافظ، كان قصَّاباً بواسِطَ.
4418 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمَّد النُفيليُّ، حدَّثنا هُشيمٌ أخبرنا الزهريُّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بنِ عُتبةَ عن عبدِ الله بن عباس: أن عُمر بن الخطاب خَطَبَ، فقال: إن الله عزَّ وجلَّ بعثَ محمداً -صلَّى الله عليه وسلم- بالحقِّ، وأنزل عليه الكتابَ، فكان فيما أَنزَلَ عليه آيةَ الرجمِ، فقرأناها ووعَيناها، ورَجَمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ورجَمْنَا من بعده، وإني خشيتُ إن طالَ بالناسِ الزمان أن يقولَ قائلٌ: ما نجدُ آيةَ الرجمِ في كتابِ الله، فيَضِلُّوا بتركِ فريضة أنزلها اللهُ، فالرَّجمُ حقٌّ على من زنى من الرجالِ والنساءِ إذا كان مُحصَناً إذا قامتِ البينةُ أو كان حَملٌ أو اعترافٌ، وايمُ الله لولا أن يقول الناسُ: زاد عمر في كتاب الله عزَّ وجل لكتبتُها 1. = وأخرجه بنحوه مختصراً عبد الرزاق (17918) عن معمر، عن كثير بن زياد البصري، عن الحسن مرسلاً.
قوله: "يتتايع" قال في "النهاية": التتايُع: الوقوع في الشر من غير فكرة ولا رويَّة.
تنبيه: هذا الحديث أثبتناه من (ب) وهامش (هـ)، وأشار في هامش (هـ) إلى أنه في رواية ابن الأعرابي.
ثم قال بإثره: وقد رواه أبو بكر ابن داسه في كتاب "التفرد" [وهذا كتاب لأبي داود معروف].
وقد ذكر المزي في "التحفة" (5088) أنه في رواية ابن داسه أيضاً، يعني في "السنن".
مع أنه ليس في أصل (هـ) عندنا وهي برواية ابن داسه، فالله تعالى أعلم.
وإنما هو في روايته لكتاب "التفرد" كما ذكره في هامش (هـ).

24 -

باب رجم ماعز بن مالك

1 4419 - حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، حدَّثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، أخبرني يزيدُ بنُ نعيمِ بنِ هزَّال عن أبيه، قال: كان ماعزُ بنُ مالكِ يتيماً في حجر أبي، فأصابَ جاريةً من الحيِّ، فقال له أبي: ائت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فأخبره بما صنعت، لعله يستغفِرُ لك، وإنما يريدُ بذلك رجاء أن يكون له مخرَجاً، قال: فأتاه فقال: يا رسولَ الله، إني زنيتُ فأقِم عليَّ كتابَ الله، فأعرضَ عنه، فعاد فقالَ: يا رسولَ الله: إني زنيتُ فأقم علىَّ كتابَ الله، فأعرضَ عنه، فعادَ فقالَ: يا رسولَ الله، إني زنيتُ فأقِم علىَّ كتابَ الله 2 حتى قالها = وأخرجه البخاري (6829) و (6830) و (7323)، ومسلم (1691)، وابن ماجه (2553)، والترمذي (1494)، والنسائي في "الكبرى" (7118) و (7119 - 7122) من طرق عن ابن شهاب الزهري، به.
وجاء في رواية سفيان بن عيينة وهي رواية ابن ماجه والنسائي في الموضع الأول ذكر نص ما كان يقرأ وهو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" قال النسائي: لا أعلم أحداً ذكرها في هذا الحديث غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم، والله أعلم.
وأخرجه بنحوه النسائي في "الكبرى" (7113) و (7114) و (7116) و (7117) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطبنا عمر ... الحديث.
فجعله سعدُ بن إبراهيم من مسند عبد الرحمن بن عوف، ولا يضر مثل هذا الاختلاف؛ لأنه قد يكون ابن عباس سمعه من عبد الرحمن بن عوف، ثم أرسله ومراسيل الصحابة حجة.
وهو في "مسند أحمد" (352) و (391)، و"صحيح ابن حبان" (413) و (414) و (6239).

أربعَ مرارٍ، قال -صلَّى الله عليه وسلم-: "إنكَ قد قُلتَها أربع مرَّاتِ، فبِمن؟ " قال: بفلانه، فقال: "هل ضاجعتها؟ " قال: نعم، قال: "هل باشرتها؟ " قال: نعم، قال: "هل جامعتَها؟ " قال: نعم، قال: فأمَر بهِ أن يُرجَمَ، فأخرجَ به إلى الحَرَّة، فلما رُجِمَ، فوجد مسَّ الحجارة فجزِع فخرج يشتدُّ، فلقيه عبدُ الله بن أُنَيس، وقد عَجَزَ أصحابُه، فنزَعَ له بوظيفِ بعير فرماه به، فقتَله، ثم أتى النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك له، فقال: "هلا تركتموه، لعله أن يتُوب فيتوبَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليه" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال مالك والشافعي وأبو ثور: إذا أقر مرة واحدة رجم كما إذا أقر مرة واحدة بالقتل قُتِل، وبالسرقة قُطِعَ.
وروي ذلك عن الحسن البصري وحماد بن أبي سليمان.
وذهب هؤلاء إلى أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إنما ردّه مرة بعد أخرى للشبهة التي داخلته في أمره، ولذلك سأل هل به جِنَّةٌ أو خَبَل؟ وقال لهم: "استنكهوه" أي: لعله شرب ما أذهب عقله وجعل يستفسره الزنى، فقال: "لعلك قبَّلت؟ " "لعلك لمستَ؟ " إلى أن أقر بصريح الزنى، فزالت عند ذلك الشبهة فأمر برجمه، وإنما لزم الحكم عنده بقراره في الرابعة؛ لأن الكشف إنما وقع به، ولم يتعلق بما قبله.
واستدلوا في ذلك بقول الجُهنية: لعلك تريد أن تردّدني كما رددت ماعزاً؟ فعُلم أن الترديد لم يكن شرطاً في الحكم، وإنما كان من أجل الشبهة.
قالوا: وأما قوله: "قد قلتها أربع مرات" فقد يحتمل أن يكون معناه: أنك قلتها أربع مرات، فتبيَّنتُ عند إقرارك في الرابعة أنك صحيح العقل، ليست بك آفةٌ تمنع من قبول قولك، فيكون معنى التكرار راجعاً إلى هذا.
وفي قوله: "هلا تركتموه" دليل على أن الرجل إذا أقر بالزنى، ثم رجع عنه دُفع عنه الحدُّ سواء وقع به الحد أو لم يقع.
إلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح والزهري وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأصحابه، وكذلك قال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى وأبو ثور: لا يُقبل رجوعه ولا يُدفع عنه الحد، وكذلك قال أهل الظاهر.
وروي ذلك عن الحسن البصري وسعيد بن جبير.
وروي معنى ذلك عن جابر بن عبد الله.
وتأولوا قوله: "هلا تركتموه" أي: لينظر في أمره ويستثبت المعنى الذي هرب من أجله.
قالوا: ولو كان القتل عنه ساقطاً لصار مقتولاً خطأ، وكانت الدية على عواقلهم، فلما لم تلزمهم ديته دل على أن قتله كان واجبا.
قلت [القائل الخطابي]: وفي قوله: "هلا تركتموه" على معنى المذهب الأول دليل على أنه لا شيء على من رمى كافراً، فأسلم قبل أن يقع السهم، وكذلك المأذون له في قتل رجل قصاصاً فلما تنحى عنه عفا وليُّ الدم عنه.
وكذلك قال هؤلاء في شارب الخمر إذا قال: كذبتُ، فإنه يُكَفُّ عنه.
وكذلك السارق إذا قال: كذبتُ، لم تُقطع يده.
ولكن لا تسقط الغرامة عنه لأنها حق الآدمي.
وقال في "النهاية": وظيف البعير: خفُّه، وهو له كالحافر للفرس.

4420 - حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمر بنِ ميسرةَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زريع، عن محمَّد بن إسحاق، قال: ذكرتُ لعاصم بن عُمر بنِ قتادةَ قصةَ ماعز بنِ مالكٍ، فقال لي: حدَّثني حَسنُ بنُ محمَّد بنِ علي بن أبي طالبٍ، قال: حدَّثني ذلك مِن قولِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "فهلا تركتموه" مَن شئتُ 1 مِن رجالِ أسلَم مِمَّن لا أتَّهم، قال: ولم أعرِف الحديث، قال: فجئتُ جابِرَ بنَ عبدِ الله، فقلتُ: إن رجالاً من أسلم يُحدَّثون أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال لهم حين ذكروا له جَزَعَ ماعزٍ من الحجارةِ حينَ أصابته: "ألَّا تركتموه" وما أعرِفُ الحديثَ، قال: يا ابنَ أخي، أنا أعلمُ الناسِ بهذا الحديث، كنتُ فيمن رجم الرجلَ، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجَدَ مسَّ الحجارةِ صرخَ بنا: يا قومُ رُدُّوني إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فإنَّ قومي قتلُوني وغزُّوني مِن نفسي، وأخبروني أنَ رسولَ الله غيرُ قاتلي، فلم ننزِع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وأخبرناه، قال: "فهلَّا تركتمُوه وجئتموني به" ليستثبت رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - منه، فأما لتركِ حدٍّ فلا، قال: فعرفتُ وجهَ الحديث 2.

4421 - حدَّثنا أبو كامل، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالد -يعني الحذاء- عن عِكرمة عن ابنِ عباس: أن ماعزَ بنَ مالكٍ أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فأعادَ عليه مِراراً، فأعرض عنه، فسألَ قومه: "أمجنونٌ هو؟ " قالوا: ليس به بأسٌ، قال:، أفعلتَ بها؟ " قال: نعم، فأمر به أن يُرجَم، فانْطُلِقَ به فرُجِمَ، ولم يُصَلِّ عليه 1. 4422 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عوانةَ، عن سماك عن جابرِ بنِ سمرة، قال: رأيتُ ماعِزَ بنَ مالك حين جِيءَ به إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - رجلاً قصيراً أعضَلَ ليسَ عليه رداء، فشهد على نفسه أربعَ مرات أنه قد زنى، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "فلعلَّك قبَّلتَها 2؟ " قال: لا واللهِ إنَّه قد زَنَى الأَخِرُ؟ قال: فرجمه ثم خطب، فقال:،" ألا كُلَّما نفرنا في سبيلِ اللهِ خَلَفَ أحدُهم لهُ نَبِيبٌ كنبيبِ التَّيس يمنحُ إحداهنَّ الكُثبَة، أما إن الله عزَّ وجلَّ إن يُمكِّنِّي من أحدٍ منهم إلا نكَّلتُه عنهنَّ 3.

4423 - حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، عن محمد بنِ جعفرٍ، عن شُعبةَ، عن سماكٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ سَمُرة، بهذا الحديث، والأولُ أتمُّ، قال: فردَّه مرَّتين، قال سماكٌ: فحدَّثتُ به سعيدَ بن جُبير فقال: إنه ردَّه أربعَ مرات 1. 4424 - حدَّثنا عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عَقيل المصريُّ، حدَّثنا خالدٌ -يعني ابن عبدِ الرحمن- قال: = وأخرجه مسلم (1692) من طريق أبي عوانة اليشكري، به.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7145) من طريق زهير بن معاوية، عن سماك ابن حرب، عن جابر بن سمرة قال: أتى ماعز بن مالك الأسلمي رجل قصير في إزار ما عليه رداء وأنا انظر إليه، قال: ورسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- على وسادة عن يساره، قال: وبيني وبينه القوم، فكلَّمه وما أدري ما يُكلِّمه وأنا انظر، ثم قال: "اذهبوا به" فانطلق به، ثم قال: "ردُّوه" فرُدَّ فكلَّمهُ، ثم قال: "اذهبوا به فارجموه".
وهو في "مسند أحمد" (20803)، و"صحيح ابن حبان" (4436). ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (1694) وغيره.
وقوله: له نبيب.
النبيب: صوت التيس عند السفاد، والكثبة: القليل من اللبن، وقوله: نكلته معناه: ردعته بالعقوبة، ومنه النكول في اليمين، وهو أن يرتدع فلا يحلف، يقال: نكل ينكُل، ونكل يَنكِلُ لغتان.

قال شعبةُ: فسألتُ سِماكاً، عن الكُثْبةِ، فقال: اللبنُ القَليلُ 1. 4425 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبير عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لماعِزِ بنِ مالك: "أحقٌّ ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغكَ عنِّي؟ قال: "بلغني عنكَ أنَّك وقعت على جارِية بني فلان؟ " قال: نعم، فشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ، فأمرَ به فَرُجم 2. 4426 - حدَّثنا نصرُ بنُ علي، أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا إسرائيل، عن سماكِ بنِ حرب، عن سعيد بنِ جُبير عن ابنِ عباسٍ قال: جاء ماعزُ بن مالكٍ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فاعترفَ بالزنى مرتَين، فطرده، ثم جاء فاعترفَ بالزِّنى مرتين، فقال: "شهِدتَ على نفسِك أربع مرَّاتٍ، اذهبوا به، فارجُمُوه" 3.

4427 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جرير، حدَّثني يعلى، عن عِكرمة أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. وحدَّثنا زهيرُ بنُ حربٍ وعُقبة بنُ مُكرَمٍ، قالا: حدَّثنا وهبُ بنُ جرير، حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ يعلى بنَ حكيم يُحدِّث، عن عِكرِمة عن ابنِ عباس: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال لِماعزِ بنِ مالك: "لعلكَ قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت" قال: لا، قال: "أفنكتَها؟ " قال: نعم، قال: فعندَ ذلك أمر برجمه، ولم يذكر مُوسى: عن ابنِ عباسٍ، وهذا لفظ حديث وهبٍ 1. 4428 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، عن ابنِ جُرَيجٍ، أخبرني أبو الزُّبير، أن عبدَ الرحمن بنَ الصامتِ ابنَ عم أبي هريرة أخبره أنه سَمِعَ أبا هريرة يقول: جاء الأسلميُّ نبيَّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فشَهِدَ على نفسِه أنه أصَابَ امرأةً حراماً أربعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك يُعرِضُ عنه فأقبل في الخامسة، فقال: "أنكتها؟ " قال: نعم، قال: "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ " قال: نعم: قال: "كما يغيب المرودُ في المُكْحُلَةِ والرِّشاءُ في البئر؟ " قال: نعم، قال: "فهل تدري ما الزِّنى؟ " قال: نعم، أتيتُ منها حراماً ما يأتي الرجلُ من امرأته حلالاً، قال: "فما

تُرِيدُ بهذا القولِ؟، قال: أريدُ أن تُطهِّرني، فأمر به فَرُجِمَ، فسمع النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- رجُلين من أصحابه يقول أحدُهما لصاحبه: انظُر إلى هذا الذي ستر اللهُ عليه فلم تَدَعْه نفسُه حتى رُجِمَ رَجمَ الكلبِ، فسكتَ عنهما، ثم سارَ ساعةً حتى مرَّ بجيفةِ حِمَارٍ شائِلٍ برجله، فقال: "أينَ فلانٌ وفلانٌ؟ " فقالا: نحنُ ذانِ يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم، قال: "انزِلا فكُلا من جِيفةِ هذا الحمارِ" فقالا: يا نبي الله، من يأكُلُ من هذا؟ قال: "فما نلتما مِن عِرض أخيكما آنفاً أشدُّ من أكلٍ منه، والذي نفسي بيدِه إنه الآن لفي أنهارِ الجنة، يَنقمِسُ 1 فيها، 2.

جارٍ التحميل