كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حثالةٌ من الناس قد مَرِجَت عهودُهم وأماناتُهم، واختلفوا فكانوا هكذا" وشَبَّك بين أصابعه، فقالوا: كيف بنا يا رسول الله، قال: "تأخذون ما تعرفون، وتذرُون ما تُنكرون، وتُقبِلون على أمرِ خاصتكم، وتذرون أمر عامَّتكم" 1. قال أبو داود: هكذا رُويَ عن عبدِ الله بن عمرو عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- من غير وجه.
4343 - حدَّثنا هارون بن عبد الله، حدَّثنا الفضلُ بن دُكَينٍ، حدَّثنا يونُسُ ابن أبي إسحاقَ، عن هلال بن خَبَّاب أبي العلاء، حدَّثني عكرمة حدَّثني عبدُ الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحنُ حولَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - إذ ذَكَرَ الفتنة، فقال: "إذا رأيتُم الناسَ قد مَرِجَتْ عُهودُهم، وخَفَّت أماناتهم، فكانوا هكذا" وشَبَّك بين أصابعه، قال: فقمتُ إليه فقلت: كيف أفعلُ عند ذلك -جعلني الله فداك-؟ قال: "الزَم بيتك، واملِك عليكَ لسانكَ، وخذ بما تعرِفُ، ودَع ما تنكِرُ، وعليك بأمر خاصَّة نفسِكَ، ودع عنك أمرَ العامَّة 1. 4344 - حدَّثنا محمدُ بنُ عبادة الواسطيُّ، حدَّثنا يزيدُ بن هارون، أخبرنا إسرائيلُ، حدَّثنا محمدُ بنُ جُحادة، عن عطية العوفىِّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أفضَلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ -أو أمبرٍ جائرٍ-" 2.
4345 - حدَّثنا محمدُ بنُ العلاء، حدَّثنا أبو بكير، حدَّثنا مغيرةُ بنُ زياد المَوصِليُّ، عن عدي بن عديّ
عن العُرْسِ ابن عَمِيرَةَ الكِندي، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إذا عُمِلَت الخطيئةُ في الأرض كان من شَهدها فكَرهَها -وقال مرة: فأنكرها- كان كمن غابَ عنها، ومن غابَ عنها فَرضيها كان كمن شَهدها" 1. = وهو في "مسند أحمد" (11143) ومسند الحميدي (752) ومستدرك الحاكم 4/ 505 - 506 من طريق آخر، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ولكنه يصلح للمتابعة، فيتقوَّى به حديث عطية العوفي فهو حسن إن شاء الله.
وله شاهد من حديث طارق بن شهاب عند النسائي في "الكبرى" (7786). وإسناده صحيح، فإن طارق بن شهاب قد رأى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه، ومراسيل الصحابة حجة.
وآخر من حديث أبي أمامة الباهلي عند ابن ماجه (4012) وأحمد (22158) بإسناده حسن في الشواهد.
قال الخطابي: إنما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدو، وكان متردداً بين رجاء وخوف، لا يدري هل يَغْلِب أو يُغلَب؟ وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف، والله أعلم.
4346 - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، حدَّثنا أبو شهابٍ، عن مغيرةَ بنِ زياد عن عدي بن عدي، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، نحوه، قال: "من شَهِدَها فكَرِهَها كان كمن غابَ عنها" (1). 4347 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وحفص بن عُمرَ، قالا: حدَّثنا شُعبة -وهذا لفظه- عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البَختَرِيِّ أخبرني من سَمِعَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- يقول - وقال سليمان: حدَّثني رجلٌ من أصحاب النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لن يَهلِكَ الناسُ حتى يُعذِرُوا -أو يعذِرُوا- من أنفسهم" (2).
18 -
باب قيام الساعة
4348 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدَّثنا عبدُ الرّزاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أخبرني سالمُ بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان12
أن عبد الله بن عمر قال: صلَّى بنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - ذاتَ ليلة صلاةَ العِشَاءِ في آخر حياتِه، فلما سَلَّم قامَ فقال: "أرأيتُم لَيلَتكُم هذه، فإنَّ على رأس مئةِ سنةِ منها لا يَبقى ممن هو على ظهر الأرضِ أحدٌ" قال ابن عمر: فوَهَلَ الناسُ في مقالةِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - تلك فيما يَتحدَّثون عن هذه الأحاديث عن مئة سنةٍ، وإنما قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهرِ الأرض"، يريد: أن ينخرِمَ ذلك القرن 1.
4349 - حدَّثنا موسى بنُ سَهلٍ، حدَّثنا حجاجُ بن إبراهيِم، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، حدَّثني معاوية بن صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بن نُفيرٍ، عن أبيه
عن أبي ثَعلَبةَ الخُشَنىِّ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لن يُعجِزَ اللهُ هذه الأمَّة مِن نصف يوم" 1. = الزركشي في "شرح البردة"، والحافظ ابن كثير في "تاريخه"، وأول كتابه "جامع المسانيد"، والحافظ في "الفتح" في باب حديث الخضر مع موسى، ولم أظفر به فيه، ورواه ابن عساكر بنحوه] ولم يأت في خبر صحيح أن الخضر جاء إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ولا قاتل معه، وقد قال النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يوم بدر: "اللهم إن تهلِك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" فلو كان الخضر موجوداً لم يصح هذا النفي.
وقال أبو حيان الأندلسي في "تفسيره" 6/ 147: الجمهور على أنه مات، ونقل عن ابن أبي الفضل المرسي أن الخضر صاحب موسى مات، لأنه لو كان حياً للزمه المجيء إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - والإيمان به، واتباعه، وقد روي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي".
4350 - حدَّثنا عَمرو بنُ عثمان، حدَّثنا أبو المُغيرة، حدَّثني صفوانُ، عن شُرَيح بنِ عُبيد = إذا رأيت الأم مائدة رجل واحد وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطيية.
فوقفه.
وهذه قطعة من الحديث الذي بين أيدينا كما تدل عليه رواية الليث بن سعد: فقد أخرجه أحمد (17734)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده - زوائد الهيثمي" (790) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال وهو بالفسطاط في خلافة معاوية، وكان معاويةُ أغزى الناسَ القسطنطينية، فقال: والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته، فعند ذلك فتح القسطنطينية.
وأخرجه موقوفاً كذلك البخاري في "تاريخه الكبير" 2/ 250، وفي "تاريخه الأوسط" 1/ 97 عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني قال وهو بالقسطنطينية في خلافة معاوية، وكان معاوية أغزى الناسَ القسطنطينية: إن الله لا يعجز هذه الأمة من نصف يوم.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 22/ (572) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، به.
وقال: رفعه معاوية مرة، ولم يرفعه أخرى.
وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص سيأتي بعده.
وإسناده منقطع.
وعن المقدام بن معدي كرب عند ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2439)، والطبراني 20/ (620) وإسناده ضعيف.
قوله: "من نصف يوم" أي: من أيام الله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]، فنصفه خمس مئة سنة، والمراد: أنهم لا بد يدركون نصفه، والمقصود بقاؤهم هذا المقدار، وليس فيه نفي الزيادة على ذلك، وهم اليوم زادوا على ضعف ذلك.
وانظر لزاماً "فتح الباري" 11/ 350 - 352.
عن سعْد بن أبي وقاص، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إني لأرجو أن لا تَعجِزَ أمَّتي عند ربِّها أن يُؤخِّرَهم نصفَ يومِ" قيل لسعدٍ: وكم نصفُ ذلك اليوم؟ قال: خمسُ مئةِ سنة 1. آخر كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
1 -
باب الحكم فيمن ارتد
4351 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بن حنبلِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، أخبرنا أيوبُ، عن عِكرِمَةَ أن علياً أحرقَ ناساً ارتدُّوا عن الإِسلام، فبَلغَ ذلك ابنَ عباس، فقال: لم أكن لأُحْرِقَهُم بالنَّار، إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لا تُعذِّبوا بعذاب الله" وكنت قاتِلَهم بقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فإن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه"، فبلغَ ذلك عليّاً، فقال: وَيْحَ ابنِ عباسِ 1 2.
4352 - حدَّثنا عمرو بن عون، أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن عبدِ الله ابن مُرة، عن مسروق
عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم-: "الا يحِلُّ دمُ رجلُ مُسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسُولُ الله، إلا بإحدى ثلاث: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ والتَارِكُ لدينه المفَارِقُ للِجَماعَةِ" 1.
4353 - حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ الباهليُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفيعٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ = قال الخطابي: ويح ابن عباس: لفظه لفظ الدعاء عليه، ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في أبي بصير: "ويلُ أمِّه مِسْعَرَ حرب" وكقول عمر رضي الله عنه حين أعجبه قول الوادعي في تفضيل سُهمان الخيل على المقاريف: هَبَلت الوادعيَّ أمُّه، لقد أذكرت به، يريد ما أعلمه أو ما أصوب رأيه، وما أشبه ذلك من الكلام، وكقول الشاعر: هوت أمُّه ما يبعث الصبح غادياً ... وماذا يردُّ الليل حين يؤوب ويقال: ويح وويس: بمعنى واحد، وقيل: ويح كلمة رحمة، وروي ذلك عن الحسن.
وقال الخطابي: واختلف أهل العلم فيمن قتل رجلاً بالنار فأحرقه بها، هل يفعل به مثل ذلك أم لا؟ فقال غير واحد من أهل العلم: يحرق القاتل بالنار، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وروي معنى ذلك عن الشعبي وعمر بن عبد العزيز.
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يقتل بالسيف، وروي ذلك عن عطاء.
عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ دم امرئٍ مُسلِم يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأن محمداً رسولُ الله، إلا بإحدى ثلاثٍ 1: رجُلٌ زَنى بعدَ إحصانٍ فإنه يُرجَمُ، ورجلٌ خرَجَ محارباً لله ورسوله فإنَّه يُقتل أو يُصلَبُ أو يُنفَى من الأرضِ، أو يقتل نفساً فيُقتَلُ بِها" 2.
4354 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل ومُسَدَّدٌ، قالا: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ - قال مُسَدَّدٌ: حدَّثنا، وقال أحمد: عن 1 قُرَّةِ بنِ خالدٍ، حدَّثنا حُميدُ بنُ هلالٍ، حدَّثنا أبو بُردة، قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ومعي رجلان من الأشعريين أحدُهما عن يميني، والآخرُ عن يساري، فكلاهما سأل العملَ، والنبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- ساكت، فقال: "ما تقول يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-؟ " قلتُ: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسِهما، وما شعرتُ أنهما يطلبان العملَ، قال: وكأني أنظرُ إلى سواكه تحتَ شفتِه قَلَصَتْ، قال: "لن نستعمْلَ -أو لا نستعمِلُ- على عملنا من أرادَه، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبدَ الله بن قيس- " فبعثه على اليمنِ، ثم أتبعه مُعاذَ بنَ جبلٍ، قال: فلما قدِمَ عليه معاذٌ، قال: أنزل، وألقى له وسادَةً، وإذا رجلٌ عندَه مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً فأسلم، ثم راجع دينَه دينَ السَّوءِ قال: لا أجلسُ حتى يقتل، قضاءُ اللهِ ورسوله، قال: اجلِس، نعم، قال: لا أجلِسُ حتى يُقتلَ، قضاءُ الله ورسوله، ثلاثَ مرارِ، فأمر به فقُتِلَ، ثم تذاكرا قِيامَ الليلِ، فقال أحدُهما معاذُ بن جَبَلِ: أما أنا فأنامُ وأقومُ -أو أقومُ وأنامُ- وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه البخاري (6923) عن مُسدَد بن مُسرهَد، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري (4344) و (4345) من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: بعث النبي - صلَّى الله عليه وسلم - جدهُ أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن ... الحديث.
وقد سلف مختصراً برقم (3579). وانظر تمام تخريجه هناك.
وانظر ما سلف برقم (2930).
وانظر الروايات الثلاث الآتية بعده.
قال الخطابي: الظاهر من هذا الخبر أنه رأى قتله من غير استتابة، وذهب إلى هذا الرأي عبيد بن عمير وطاووس.
[قلنا: وهذا مذهب أهل الظاهر فيما نقله الصنعاني في "سبل السلام" 1/ 184].
وقد روي ذلك أيضاً عن الحسن البصري، وروي عن عطاء أنه قال: إن كان أصله مسلما فارتد، فإنه لا يُستتاب، وإن كان مشركاً فأسلم ثم ارتد فإنه يستتاب.
وقال أكثر أهل العلم: لا يُقتل حتى يستتاب إلا أنهم اختلفوا في مدة الاستتابة، فقال بعضهم يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق، وقال مالك بن أنس: أرى الثلاثة حسناً وإنه ليعجبني.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام.
وقال الشافعي في أحد قوليه: يستتاب فإن تاب وإلا قتل مكانه، قال: وهذا أقيس في النظر.
وعن الزهري: يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب وإلا ضربت عنقُه.
قلت [القائل الخطابي]: وروى أبو داود هذه القصة من طريق الحماني، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي موسى، فقال فيها: وكان قد استتيب قبل ذلك، فرواها من طريق المسعودي، عن القاسم قال: فلم يترك حتى ضربت عنقه، وما استتابه.
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (32161): ولا أعلم بين الصحابة خلافاً في استتابة المرتد، فكأنهم فهموا من قول النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه " أي: بعد أن
يستتاب، والله أعلم، إلا حديث معاذ مع أبي موسى، فإن ظاهره القتل دون استتابة، وقد قيل: إن ذلك المرتد قد كان استتيب.
قلنا: وقد حكى إجماع الصحابة أيضاً ابن تيمية في "الصارم المسلول" ص 330 - 332. =
4355 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا الحِمَّانيُّ -يعني عبدَ الحميد بنَ عبدِ الرحمن- عن طلحةَ بن يحيى وبُرَيد بنِ عبدِ الله بنِ أبي بردة، عن أبي بردة
عن أبي موسى، قال: قَدِم عليَّ معاذٌ وأنا باليمن، ورجلٌ كان يهودياً فأسلم فارتدَّ عن الإِسلام، فلما قدِمَ معاذٌ، قال: لا أنزلُ عن دابتي حتى يُقتل، فقُتِلَ، قال أحدهما: وكان قد استُتيب قبلَ ذلك 1.
4356 - حدَّثنا محمدُ بنُ العلاء، حدَّثنا حفصٌ، حدَّثنا الشَّيبَاني، عن أبي بُردة، بهذه القصة، قال: = وقال الحافظ في "الفتح" 12/ 275 بعد أن ذكر رواية المسعودي عن القاسم الآتية برقم (4357) والتي فيها أن معاذ بن جبل لم ينزل عن دابته حتى ضُرب عنقُ المرتد وأنه لم يستتبه، فقال الحافظ: هذا يعارضه الرواية المُثبِتة؛ لأن معاذاً استتابه [قلنا: يعني الرواية الآتية بعده] وهي أقوى من هذه، والروايات الساكتة عنها لا تعارضها، وعلى تقدير ترجيح رواية المسعودي فلا حجة فيه لمن قال: يقتل المرتد بلا استتابة؛ لأن معاذاً يكون اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى، وقد ذكرت قريباً أن معاذاً روى الأمر باستتابة المرتد والمرتدة [قلنا: رواه الطبراني في"الكبير" 20/ (93)، وفي "مسند الشاميين" (3586) وقد حَسَّنه الحافظ في "الفتح" 12/ 272 مع أن في إسناده الفزارى -وهو محمَّد بن عُبيد الله العرزمي- وهو متروك الحديث!!].
قلنا: لكن يبقى إجماع الصحابة، فقد قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الصارم المسلول" ص 330: والعمدة فيه إجماع الصحابة ... ثم ساق الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك.
فأتي أبو موسى برجُلٍ قد ارتدَّ عن الإِسلام، فدعاه عشرين ليلةً أو قريباً منها، فجاء معاذٌ، فدعاه، فأبى، فضربَ عُنقَه 1.
قال أبو داود: ورواه عبدُ الملك بنُ عُمَيرٍ، عن أبي بُردةَ، لم يذكر الاستتابةَ.
ورواه ابنُ فضيل عن الشَّيباني، عن سعيدِ بن أبي بردةَ، عن أبيه، عن أبي موسى، لم يذكر فيه الاستِتابة.
4357 - حدَّثنا ابنُ معاذٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا المسعوديُّ، عن القاسم، بهذه القصة، قال: فلم ينزِل حتى ضُرِبَ عُنُقُه، وما استتابَه 2.
4358 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد المروزيُّ، حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ واقِدٍ، عن أبيه، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمة
عن ابنِ عباس، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ سعْد بن أبي السَّرحِ يكتبُ لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فأزلَّهُ الشيطانُ، فلَحِقَ بالكُفَّار، فأمرَ به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يقتل يومَ الفتحِ، فاستجارَ له عثمانُ بن عفان، فأجاره رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. 4359 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيبةَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، قال: زعم السُّدِّيُّ، عن مصعب بنِ سعدٍ عن سعد، قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبدُ اللهِ بن سعْدِ بنِ أبي سَرحٍ عندَ عثمانَ بنِ عفّان، فجاء به حتى أوقفه على النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بايع عبد الله، فرفَع رأسَه، فنظر إليه، ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاثٍ، ثم أقبل على أصحابِه فقال: "أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ، يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعتِه فيقتلَه؟ " فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك؟ ألَّا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: "إنَّه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خَائِنةُ الأعينِ" 2.
4360 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حُميد بن عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن الشعبيٌ عن جرير، قال: سمعتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "إذا أَبقَ العبد إلى الشِّركِ، فقد حلِّ دَمُه" 1.
2 -
باب الحكم فيمن سبَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم
4361 - حدَّثنا عبادُ بنُ موسى الخُتَّليُّ، حدَّنا إسماعيلُ بن جعفر المدنيُّ، عن إسرائيل، عن عثمانَ الشَّحَّام، عن عِكرِمة حدَّثنا ابنُ عباس: أن أعمى كانت له أُمُّ ولدٍ تَشتُمُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - وتقعُ فيه فينهاها، فلا تنتهي، ويزجُرُها فلا تنزجِرُ، قال: فلما كانت ذاتَ ليلةٍ جعلت تقع في النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - وتَشتِمُه، فأخذ المِغوَلَ فوضعه في بطنها، واتَكأ عليها فقتَلها، فوقع بينَ رجلَيها طفلٌ، فلطخت ما هُناك بالدَّم، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فجمع الناس، فقال: "أَنشُدُ الله رجلاً فعلَ ما فعل لي عليه حقٌ إلا قام" فقام الأعمى يتخطَّى الناسَ وهو يتزلزلُ حتى قعدَ بين يدَي النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أنا صاحبُها، كانت تشتُمُكَ وتقعُ فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجُرُها، فلا تنزجِرُ، ولي منها ابنانِ مثلُ اللؤلؤتَين، وكانت بي رفيقةً، فلما كان البارحةَ جعلت تشتُمُكَ وتقعُ فيك، فأخذتُ المِغْوَلَ فوضعتُه في بطنها، واتكأتُ عليها حتى قتلتُها، فقال النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "ألا اشهدوا أن دمَها هَدَرٌ" 1.
4362 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ وعبدُ الله بن الجرَّاح، عن جريرِ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ
عن عليٍّ: أن يهوديةً كانت تشتُمُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- وتقعُ فيه، فخنقَها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - دَمَها 1. = فقال مالك بن أنس: من شتم النبي - صلَّى الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذلك قال أحمد بن حنبل.
وقال الشافعي: يقتل الذِّمِّي إذا سبَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وتبرأ منه الذمة، واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يقُتل الذمي بشتم النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ما هم عليه من الشرك أعظم.
4363 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن يونس، عن حُميد بنِ هلال، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- وحدَّثنا هارون بنِ عبد الله ونصيرُ بن الفرَجِ، قالا: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بنِ زُريع، عن يونس بِن عُبيد، عن حُميد بنِ هِلالٍ، عن عبدِ الله بنِ مُطرِّف عن أبي برزة، قال: كنتُ عندَ أبي بكرٍ، فتغيَّظ على رجلٍ فاشتدَّ عليه، فقلت: تأذنُ لي يا خليفةَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أضرِبْ عُنُقَه؟ قال: فأَذهَبَتْ كلمتي غَضَبَه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ فقال: ما الذي قلت آنفاً؟ قلت: ائذن لي أَضرِبْ عُنُقَه، قال: أكنتَ فاعلاً لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا واللهِ، ما كانت لبشرٍ بعدَ محمدٍ -صلَّى الله عليه وسلم- 1.
قال: أبو داود: هذا لفظُ يزيد.
قال أحمدُ بنُ حنبل: أي: لم يكُن لأبي بكرٍ أن يقتُلَ رجلاً إلا بإحدى الثلاثِ التي قالها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "كُفْرٌ بعد إيمانٍ، أو زنىً بعد إحصانٍ، أو قتلُ نفسٍ بغير نفسٍ" وكان للنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- أن يَقتُل (1).
3 -
باب ما جاء في المحاربة
4364 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حماد، عن أيوبَ، عن أبي قلابة عن أنس بنِ مالكٍ: أن قوماً من عُكْلٍ -أو قال من عُرَيْنَةَ- قدموا على رسُولِ الله - صلَّى الله عليه - فاجْتَوَوا المدينة، فأمر لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بلقاح، وأمرهم أن يشربُوا من أبوالها وألبانِها، فانطلقُوا، فلما صَحُوا قتلوا راعي رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، واستاقوا النَّعَمَ، فبلغ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- خبرُهم من أول النهارِ، فأرسل النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- في آثارهم، فما ارتفع النهارُ حتى جِيءَ بهم، فأمر بهم، فقُطِّعت أيديهِم وأرجُلُهم، وسُمِّرت 2 أعينُهم، وأُلقوا في الحرَّة يَستسقُون فلا يُسقَوْن، قال أبو قِلابة: فهؤلاء قومٌ سرقُوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسولَه 3.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه البخاري (4610) و (6899)، ومسلم (1671)، والنسائي (3473) من طريق سلمان أبي رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، به.
وأخرجه مسلم (1671)، والنسائي (7526) من طريق عبد العزيز بن صهيب، ومسلم (1671) من طريق معاوية بن قرة، والنسائي (291) و (3484) من طريق يحيى بن سيد، ثلاثتهم عن أنس.
لكن قال النسائي عن رواية يحيى بن سيد: لا نعلم أحداً قال: عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك في هذا الحديث غير طلحة بن مُصرَّف، والصواب عندنا -والله أعلم-: عن يحيى بن سعيد عن سيد بن المسيب.
مرسل.
قلنا: وقد أخرج هذه الطريق المرسلة برقم (3485).
وأخرج مسلم (1671)، والترمذي (73)، والنسائي (3492) من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سمل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أعيُن أولئك؛ لأنهم سملُوا أعيُن الرعاء.
وهو في "مسند أحمد" (12042) و (12639)، و"صحيح ابن حبان" (1386) و (4467) و (4474).
وانظر ما سيأتي بالأرقام (4365 - 4368).
قال الخطابي: قوله: فاجتووا: معناه: عافُوا المقام بالمدينة وأصابهم بها الجوى في بطونهم، يقال: اجتويتُ المكان: إذا كرهتَ الإقامة به لضرر يلحقك فيه.
واللقاح: ذوات الدَّرِّ من الإبل، واحدتُها لِقحة.
قوله: سَمَر أعينهم، يريد: أنه كحلهم بمسامير محماة، والمشهور من هذا في أكثر الروايات: سمل -باللام- أي: فقأ أعينهم، قال أبو ذؤيب:
فالعين بعدهم كأن حِداقها ... سمِلت بشوك فهي عُور تدمع
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أن إبل الصدقة قد يجوز لأبناء السبيل شرب ألبانها، وذلك أن هذه اللقاح كانت من إبل الصدقة، روي ذلك في هذا الحديث من غير هذا الطريق.
قال: وفيه إباحة التداوي بالمحرم عند الضرورة؛ لأن الأبوالَ كلها نجسة من مأكول اللحم وغير مأكوله.
وقال الخطابي أيضاً: وقد اختلف الناس في تأويل هذا الصنيع من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وقد روي عن ابن سيرين أن هذا إنما كان منه قبل أن تنزل الحدود، فوعظه ونهاه عن المُثلة فلم يَعُد.
=
4365 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، بإسنادِه، بهذا الحديثِ، قال فيه:
فأمر بمساميرَ فأحميت، فكحلَهُم، وقطَّع أيديَهم وأرجلَهم، وما حسمهم 1.
4366 - حدَّثنا محمدُ بنُ الصباح بنِ سفيانَ، أخبرنا.
وحدَّثنا عمرو بن عثمان، حدَّثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة
عن أنس بن مالكِ، بهذا الحديثِ، قال فيه: فبعث رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - في طلبهم قافةً، فأتي بهم، قال: فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ في ذلك ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: 33] 2. = قال: وروى سليمان التيمي عن أنس: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إنما سَمَل أولئك لأنهم سَمَلوا أعيُن الرعاة.
يريد أنه إنما اقتص منهم على أمثال فعلهم.
قلنا: وقد ذكر الحافظ في "الفتح" 1/ 241 أن النسخ هو الأصح على وفق ما قال ابن سيرين لما رواه أبو هريرة عند البخاري من النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وأن قصة العرنيين كانت قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن ثم النهي.
وذكر أنه مال إلى هذا القول البخاري.
وحكاه إمام الحرمين في "النهاية" عن الشافعي.
وانظر لزاماً تمام الكلام على فقهه عند الحديث الآتي برقم (4366).
4367 - حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، أخبرنا ثابث وقتادةُ وحميدٌ، عن أنس بن مالك، ذكر هذا الحديثَ، قال أنس: = وأخرجه البخاري (6802) و (6803)، والنسائي في "الكبرى" (3474) و (11078) من طريق الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
وأخرجه مسلم (1671)، والنسائي (3475) من طريق محمَّد بن يوسف الفريابي، ومسلم (1671) من طريق مسكين بن بكير الحراني، كلاهما عن الأوزاعي، به.
وهو في "مسند أحمد" (13045)، و"صحيح ابن حبان" (4467).
وانظر سابقيه.
قال الخطابي: القافة: جمع قائف، وهو الذي يتبع الأثر، ويطلب الضالَة والهارب.
قلت [القائل الخطابي]: وقد اختلف الناسُ فيمن نزلت فيه هذه الآية، فروي مُدرجاً في هذا الخبر أنها نزلت في هؤلاء، وقد ذكر أبو قِلابة أن هؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.
وذهب الحسن البصري أيضاً إلى أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار دون المسلمين، وذلك أن المسلم لا يُحارب الله ورسولَه [قلنا: ونقل الحافظ في "الفتح" 12/ 109 عن ابن بطال أن البخاري ذهب إلى ذلك، وأنه ذهب إلى ذلك أيضاً عطاء والضحَّاك والزهري] قلنا: وسيأتي بسند حسن عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في المشركين برقم (4372)، قال الخطابي: وقال أكثر العلماء: نزلت الآية في أهل الإِسلام، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] والإسلام يحقِن الدم قبل القدرة وبعدها، فعُلِمَ أن المراد به المسلمون.
فأما قوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فمعناه: يحاربون المسلمين الذين هم حزبُ الله وحزبُ رسوله، فأضيف ذلك إلى اللهِ وإلى الرسولِ إذ كان هذا الفعلُ في الخلاف لأمرهما راجعاً إلى مخالفتهما، وهذا كقوله - صلَّى الله عليه وسلم -: "من آذى لي ولياً فقد بادرني بالمحاربة".
وانظر "المغني" 12/ 473 لابن قدامة المقدسي.
فلقد رأيتُ أحدهم يكدُمُ الأرض بفيِه عطشاً حتى ماتوا 1. 4368 - حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَديٍّ، عن هشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، بهذا الحديثِ، نحوه، زاد: ثم نهى عن المُثلَةِ 2. قال:
ولم يذكر: من خلافٍ.
ورواه شعبةُ عن قتادة، وسلّامُ بن مِسكين عن ثابتٍ، جميعاً، عن أنسٍ، لم يذكرا: من خلافٍ.
ولم أجِد في حديثِ أحدٍ: قطَعَ أيديَهم وأرجلَهم من خلافٍ، إلا في حديث حمَّادِ ابن سلمة 1.
4369 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، أخبرني عمرو، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن أبي الزنادِ، عن عبدِ الله بن عُبيد الله -قال أحمد: هو عُبيدِ الله بنِ عمر بنِ الخطاب-
عن ابنِ عُمَر: أن ناساً أغاروا على إبلِ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- فاستاقوها، وارتدُّوا عن الإِسلام، وقتلوا راعيَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مُؤمِناً، فبعثَ في آثارِهم، فأُخِذُوا، فقطع أيدَيَهُم وأرجُلَهم، وسَمَل أعيُنَهم، قال: ونزلت فيهم آيةُ المحارَبةِ، وهم الذين أخبرَ عنهم أنسُ بن مالك الحجَّاجَ حين سأله 2.
4370 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ السَّرح، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني الليثُ ابنُ سعْدٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلان
عن أبي الزِّنادِ: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لما قَطَعَ الذين سرقُوا لِقَاحَهُ وسَمَلَ أعينَهم بالنار عاتبهُ الله عزَّ وجلَّ في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية [المائدة: 33] 1.
4371 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، أخبرنا.
وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قتادَة عن محمَّد بنِ سيرين، قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدودُ، يعني حديثَ أنسٍ 2.
4372 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بنِ ثابت، حدَّثنا علي بنُ حُسينٍ، عن أبيه، عن يزيدَ النحويِّ، عن عِكرمة
عن ابنِ عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 33 - 34] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تابَ منهم قبل أن يُقدَرَ عليه لم يمنعه ذلك أن يُقامَ فيه الحدُّ الذي أصابه 3.
4 -
باب في الحدِّ يُشفعُ فيه
4373 - حدَّثنا يزيدُ بنُ خالد بن عبد الله بن مَوهَبٍ الهَمْدَانيُّ، حدَّثني.
وحدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ الثقفيُّ، حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروة
عن عائشة: أن قُرَيشاً أهمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميةِ التي سَرَقت، فقالوا: من يُكلِّمُ فيها؟ يعني رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، قالوا: ومن يجترئُ إلا أُسامةُ بن زيدِ حِبُّ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -؟! فكلَّمَهُ أُسامةُ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يا أُسامةُ، أتشفعُ في حدٍّ من حُدود الله؟! " ثم قام فاختطب، فقال: "إنما هلكَ الذين من قبلِكم أنَّهم كانوا إذا سرقَ فيهمُ الشَّرِيفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ الله، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت، لقطعتُ يَدَها" 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" (3495) من طريق علي بن الحسين بن واقد، بهذا الإسناد.
وقد سلف ذكر اختلاف أهل العلم فيمن نزلت فيه هذه الآيات برقم (4366).
4374 - حدَّثنا عباسُ بنُ عبدِ العظيم ومحمدُ بن يحيى، قالا: حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروة
عن عائشة قالت: كانت امرأةٌ مخزوميةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحَدُهُ، فأمرَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- بقطعِ يَدِها، وقصَّ نحو حديثِ الليث، قال: فقطع النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يدها 1. = وقد روي ذلك عن الزبير بن العوام وابن عباس، وهو مذهب الأوزاعي.
وقال أحمد بن حنبل: تشفع في الحد ما لم يبلغ السلطان، وقال مالك بن أنس: من لم يُعرف بأذى الناس وإنما كانت تلك منه زلة، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإِمام.
وفيه دليل على أن القطع لا يزول عن السارق بأن يُوهب له المتاع، ولو كان ذلك مسقطاً عنه الحد لأشبه أن يطلب أسامة إلى المسروق منه أن يهبه منها، فيكون ذلك أعود عليها من الشفاعة.
قال أبو داود: روى ابن وهبٍ هذا الحديث، عن يونسَ، عن الزُّهري، وقال فيه كما قال الليثُ: إن امرأةً سرقت في عهدِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - في غزوَةِ الفتح.
ورواه الليثُ عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، بإسناده، قال: استعارتِ امرأة.
وروى مسعودُ بن الأسودِ، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - نحو هذا الخبرِ، قال: سُرِقَت قطيفةٌ من بيتِ رسُولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم.
ورواه أبو الزبير، عن جابرٍ: أن امرأةً سرقت فعاذت بزينبَ بنتِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وساق نحوه.
4375 - حدَّثنا جعفرُ بنُ مسافر ومحمدُ بنُ سليمان الأنباريُّ، قالا: أخبرنا ابنُ أبي فُديكٍ، عن عبدِ الملك بنِ زيد -نسبه جعفر بنُ مسافِرٍ إلى سعيد بنِ زيد بنِ عمرو بن نفيل-، عن محمَّد بنِ أبي بكر، عن عمرة
عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أقِيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم إلا الحُدُودَ" 1. = وجاء في "المغني" 12/ 416 لابن قدامة: واختلفت الرواية عن أحمد في جحد العارية، فعنه عليه القطع وهو قول إسحاق لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده ... وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا قطع على خائن".
5 -
باب العفو عن الحدودِ ما لم تبلغ السُّلطانَ
4376 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المهريُّ، "أخبرنا ابنُ وهبٍ، سمعتُ ابنَ جُريج يُحدِّثُ، عن عَمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه
عن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "تعافَوُا الحُدُودَ فيما بينكم، فما بلغني مِن حدٍّ، فقد وَجَبَ" 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7254) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الملك بن زيد المدني، عن محمَّد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة، فزاد في إسناده أبا بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم.
قال ابن حزم وقد أورد طرقه في "المحلى" 11/ 405: أحسنها كلها حديث عبد الرحمن بن مهدي، فهو جيد، والحجة به قائمة.
وأخرجه النسائي أيضاً (7253) من طريق عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي بكر بن محمَّد، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة.
لم يذكر أبا بكر ابن حزم.
وقد بسطنا بيان شواهد هذا الحديث في "مسند أحمد" (25474). وأصحها حديث ابن عمر عند السهمي في "تاريخ جرجان" ص 164 بلفظ: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" وإسناده حسن.
قال الخطابي: قال الشافعي في تفسير ذي الهيئة: من لم يظهر منه ريبة.
وفيه دليل على أن الإِمام مُخيَّر في التعزير، إن شاء عزّر وإن شاه ترك، ولو كان التعزير واجباً كالحد، لكان ذو الهيئة وغيره في ذلك سواء.
وقال الحافظ في "الفتح" 12/ 88: ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق.
6 -
باب في الستر على أهل الحدود
4377 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن زيد بن أسلم، عن يزيدَ بنِ نُعَيم
عن أبيه: أن ماعزاً أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فأقرَّ عندَه أربَعَ مراتٍ، فأمَرَ برجمه، وقال لهزَّالٍ: "لو سَتَرتَهُ بثوبك كان خيراً لك" 1. = وله شاهد من حديث هزال الآتي بعده وهو حديث صحيح لغيره.
وآخر من حديث صفوان بن أمية، سيأتي عند المصنف برقم (4394) وهو حديث صحيح بطرقه.
وثالث من حديث علي بن أبي طالب عند أبي يعلى (328). وفيه راوٍ لا يُعرف.
وروي موقوفاً عليه عند ابن أبي شيبة 9/ 465 وفي إسناده انقطاع، وحسنه الحافظ في "الفتح" 12/ 88 ولم يصب.
ورابع موقوف عند ابن أبي شيبة 9/ 468 عن عكرمة عن ابن عباس وعمار والزبير أنهم أخذوا سارقاً فخلَّوا سبيله، فقلت لابن عباس: بئسما صنعتم حين خليتم سبيله، فقال: لا أم لك، أما لو كنت أنت لسرّك أن يُخلَّى سبيلُك.
وإسناده صحيح.
وخامس عن الزبير وحده موقوفاً عليه أيضاً عند ابن أبي شيبة 9/ 464 - 465 وإسناده حسن كما قال الحافظ في "الفتح" 12/ 87. وسادس موقوف كذلك عن أبي بكر الصديق عند ابن سعد في "الطبقات" 5/ 13، وابن أبي شيبة 9/ 467 قال: لو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله.
وإسناده صحيح كما قال الحافظ في "الإصابة" 2/ 629. كما يشهد له عموم قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" وسيأتي عند المصنف برقم (4893) وهو في "الصحيحين".
4378 - حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا يحيى عن ابنِ المنكدر: أن هزَّالاً أمر ماعز بن مالك أن يأتيَ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فيخبرَه (1).
7 -
باب في صاحِبِ الحَدِّ يجيء فيُقِرُّ
4379 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارس، حدَّثنا الفِريابيُّ، حدَّثنا إسرائيلُ، حدَّثنا سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، عن عَلقَمةَ بنِ وائل1 = وأخرجه أيضاً (7235) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن المنكدر، عن ابن هزال -وهو نُعيم- عن أبيه.
وهو في "مسند أحمد" (21890 - 21895) وانظر تمام تخريجه وتفصيل طرقه هناك.
وانظر ما سيأتي برقم (4418). ويشهد له مرسل سعيد بن المسيب عند مالك في "الموطأ" 2/ 821، ومن طريقه النسائي "الكبرى" (7237). ومراسيل ابن المسيب حجة عند أكثر أهل العلم.
وفي باب ستر المسلم عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله بن عمر الآتي عند المصنف برقم (4893). وحديث أبي هريرة عند مسلم (2699) وأحاديث غيرها انظرها في "مسند أحمد" (21890). وانظر ما بعده.
وهزَّال: أسلمي له صحبة، سكن المدينة، وكان مالك أبو ماعز قد أوصى هزالاً بابنه ماعز، وكان في حجره يكفله.
عن أبيه: أن امرأةً خرجت على عهدِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - تُرِيدُ الصَّلاةَ، فتلقَّاها رجُلٌ، فَتَجلَّلها، فقضَى حاجتَه منها، فصاحت، وانطلقَ، فمرَّ عليها رجُلٌ، فقالت: إنَّ ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرَّت عِصَابَةٌ من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجلَ فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجلَ الذي ظنَّت أنه وقَعَ عليها، فأتوهَا به، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فلما أمر به قام صاحبُها الذي وقع عليها، فقال: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، أنا صاحبُها، فقال لها: "اذهبي، فقد غَفَرَ اللهُ لكِ" وقال للرجلِ قولاً حسناً -قال أبو داود: يعني الرجلَ المأخُوذَ- فقالوا للرجلِ الذي وقَعَ عليها: ارجُمْه، فقال: "لقد تابَ توبةً لو تابها أهلُ المدينة لقُبِلَ منهم" 1.
قال أبو داود: رواه أسباطُ بنُ نصرِ أيضاً عن سماك.
8 -
باب في التلقِينِ في الحَدِّ
4380 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله ابنِ أبي طلحةَ، عن أبي المنذرِ مولى أبي ذرٍّ
عن أبي أُميةَ المخزومي: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أُتي بِلصٍّ قد اعترفَ اعترافاً، ولم يُوجد معه متاعٌ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما إخَالُكَ سرقتَ" قال: بلى، فأعادَ عليه مرَّتَينِ أو ثلاثاً، فأمر به فقُطِعَ وجيء به، فقال: "استغفِرِ الله وتُب إليه" فقال: أستغفرُ الله وأتوبُ إليه، فقال: "اللهُمَّ تُب عليهِ" ثلاثاً 1. = وهو في "مسند أحمد" (27240) عن محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن إسرائيل.
ولفظه كلفظ رواية أسباط.
قال أبو داود: رواه عمرُو بن عاصمٍ، عن همَّامٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، قال: عن أبي أميةَ رجُل من الأنصار، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -.
9 -
باب في الرجل يعترفُ بِحدٍّ ولا يُسمِّيه
4381 - حدَّثنا محمودُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا عمرُ بنُ عبد الواحد، عن الأوزاعىِّ، حدَّثني أبو عمار:
حدَّثني أبو أُمامة: أن رجلاً أتى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ حدَّاً فأقِمهُ علىَّ، قال: "توضأتَ حينَ أقبلتَ؟ " قال: = وحديث جابر بن سمرة الآتي عند المصنف أيضاً برقم (4422) بنحو لفظ رواية ابن عباس.
وحديث بريدة الأسلمي عند مسلم (1695) في قصة ماعز، وفيه: فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب" أعادها عليه ثلاثاً.
قال الخطابي: وجه هذا الحديث عندي -والله أعلم- أنه ظن بالمعترف بالسرقة غفلة، أو يكون قد ظن أنه لا يعرف معنى السرقة، ولعله قد كان مالاً له أو اختلسه، أو نحو ذلك مما يخرج من هذا الباب عن معاني السرقة، والمعترف به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة، فوافقه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، واسثبت الحكم فيه، إذ كان من سنته أن الحدود تُدرأ بالشبهات، وروي عنه أنه قال: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم" وأمرنا بالستر على المسلمين، فكره أن يهتكه وهو يجد السبيل إلى ستره، فلما تين وجود السرقة منه يقيناً أقام الحد عليه وأمر بقطعه.
وقال الخطابي أيضاً: وقد روي تلقين السارق عن جماعة من الصحابة، وأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل فسأله أسرقت؟ قل: لا، قال: فقال: لا، فتركه ولم يقطعه.
وروي مثل ذلك عن أبي الدرداء وأبي هريرة رضي الله عنهما.
وكان أحمد وإسحاق لا يريان بأساً بتلقين السارق إذا أتي به، وكذلك قال أبو ثور: إذا كان السارق امرأة أو مصعوقاً.
نعم، قال: "هل صلَّيت معنا حين صلَّينا؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فإنَّ الله تعالى قد عَفَا عنكَ" (1).
10 -
باب في الامتحانِ بالضرْب
4382 - حدَّثنا عبدُ الوهَّاب بنُ نجدَةَ، حدَّثنا بقيةُ، حدَّثنا صفوانُ حدَّثنا أزهرُ بنُ عبدِ الله الحَرَازيُّ: أن قوماً مِن الكَلاعِيينَ سُرِقَ لهم مَتَاعٌ، فاتَّهمُوا ناساً من الحَاكَةِ، فأتوا النعمانَ بنَ بشيرٍ صاحبَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فحبَسهم أياماً، ثم خلَّى سبيلَهم، فأتوا النعمانَ، فقالوا: خلَّيتَ سبيلَهم بغيرِ ضربٍ ولا امتحانٍ، فقال النعمانُ: ما شئتُم؟ إن شئتم أن أضرِبَهم، فإن خرجَ متاعُكم فذاك، وإلا أخذتُ من ظُهوركم مثلَ ما أخذتُ مِن ظُهورهم، فقالوا: هذا حُكمُك؟ فقال: هذا حُكمُ الله عزَّ وجلَّ وحكمُ رسوله -صلَّى الله عليه وسلم- 2.1
قال: أبو داود: إنما أرهبهم بهذا القول، أي: لا يجبُ الضربُ إلا بعد الاعتراف (1).
11 -
باب ما يُقطَعُ فيه السارقُ
4383 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بنِ حنبلٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، -قال: سمعتُه منه- عن عمرَةَ عن عائشة: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - كان يقطَعُ في رُبع دينارٍ فَصَاعِداً 2.1
4384 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ ووهبُ بنُ بَيَان، قالا: حدَّثنا.
وحدَّثنا ابنُ السَّرْح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهاب، عن عُروة وعمرةَ = قال الخطابي: هذا الحديثُ هو الأصل فيما يجب فيه قطع الأيدي، وبه تعتبر السرقات، وإليه تردُّ قيمتها ما كانت من دراهم أو متاع أو غيرها.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي.
وفيه إبطال مذهب أهل الظاهر فيما ذهبوا إليه من إيجاب القطع في الكثير والقليل، وهو مذهب الخوارج.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض فقهاء التابعين، وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق.
رأوا القطع في ربع دينار فصاعداً.
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم وهو حديث مرسل رواه القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وروي عن علي أنه قال: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وليس إسناده بمتصل.
وأخرج ابن أبي شيبة 9/ 475 حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله: لا تقطع اليد إلا في ترس أو حَجَفَة.
قال: قلت وإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار.
وقال الحافظ في "الفتح" 12/ 106: وقد خالف من المالكية في ذلك من القدماء ابن عبد الحكم وممن بعدهم ابن العربي فقال: ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم، وحجته أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أجمع عليه، والعشرة متفق على القطع فيها عند الجميع، فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك؟ وتعقب بأن الآية دلت على القطع في كل قليل وكثير، وإذا اختلفت الروايات في النصاب أخذ بأصح ما ورد في الأقل، ولم يصح أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
عن عائشة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "تُقطَعُ يدُ السَّارقِ في رُبعِ دينار، فصاعداً".
قال أحمدُ بنُ صالح: القطعُ في ربع دينار فصاعِداً 1.
4385 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، حدَّثنا مالك، عن نافعٍ
عن ابنِ عمر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قطعَ في مِجَنٍّ، ثمنُهُ ثلاثةُ دراهم 2.
4386 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا ابنُ جريج، أخبرني إسماعيلُ بن أميةَ، أن نافعا مولى عبدِ الله بنِ عُمَرَ حدَّثه